نسائم الإنتصار


نقش على الماء . . . محمد علي شمس الدين


نَقْش على الماءِ أم نَقْش على الحَجَرِ

باتوا نياماً على أحلامِ يقظتهمْ‏

ما للخليقةِ وَلْهى، وهي سائرة

كأنّما سيرُها خطُّ النمالِ على‏

وهل أقاموا؟ وهل حقاً بنا نزلوا؟

وهل تقارَبَ منهم صوتُ مبتعدٍ؟

داروا على نارهم، حتّى إذا وَجَدوا

ألقوا بأجنحةٍ بيضاء خائفةٍ

كأنّما بحرُهُمْ برّ تغالبهُ‏

كأنّما بحرُهُمْ سكرانُ مُحتَبَس‏

هو المقيمُ، ولكنْ أينَ؟ ما برِحتْ‏

يُطوى السحابُ وتُطوى كل بارقةٍ

وما المقيمُ وما الفادي وما أثر

إني أنا الرجل الصفصافُ أضلعُهُ‏

فإنْ سمعتَ بكاءً فهو من وجعي‏

ناديتُ ذاتَ فمٍ والريح عاصفةً

يا أيُّها الجَبَلُ العالي ويا أَبَتِ‏

ناديتُ فامتلأ الوادي بدمعتِهِ‏

قُمْ وارتعشْ وابكِ واضحكْ وانتفِضْ  جذلاً

أُعْطيتَ قلبَكَ في التسعين مؤتلِقاً

وكُنْ جميلاً كما قالَ الإلَه لنا

وكُنْ مؤصِّلَ نبع الماءِ حارسه‏

وكُنْ جنوبَ جنوبٍ لا جنوبَ لهُ‏

أمبصر أنتَ؟ ها إني أشاهدهم‏

حمرَ الوقائعِ معصوباً بجبهتهم‏

صُفْرَ البيارق حتى ما إذا غَرَسوا

واستنزلوا كلّ‏َ باغٍ عن مناعته‏

يُغضون من شدّة التقوى، وأعجبُهُ‏

هُمُ الشواهينُ مدّوا ظلّ أجنُحِهِمْ‏

أيّ‏ُ الموازينِ لم تقلق كأنّ بها

دارت على نفسها الأيّام وارتفعت‏

أمْ يقظةُ الروحِ في دنيا من الصُوَرِ؟

فأيقظتهُمْ يدُ الحفّارِ في الحُفَرِ

من ظلمة البدو حتى ظلمة الحَضَرِ؟

خدّ الرمالِ، فهل في الرمل من أَثَرِ؟

وهل أفاؤا على الرحّالة الكُثُرِ؟

وهل تباعَدَ منهم صوتُ محتضِرِ؟

ما اخضرَّ في الجمر أو ما اصفرَّ في الشررِ

على اللهيبِ وغابوا في رحى القَدَرِ

شطئانُه وتدانيهِ على حَذَرِ

هو المقيمُ وهُمْ فيهِ على سَفَرِ

تُطوى البحار كطيّ اللمحِ في البصرِ

من أخمص النهرِ حتى هامةِ القمرِ

يمضي على أثرٍ يمضي على أثرِ؟

ضلعي، وأغصانه دمعي ومصطبري‏

وإن سمعت نشيداً فهو من وتري‏

يا أيّها الشجرُ الملقى على الشجرِ

يا ناشرَ الغيم فوق القريةِ  المَطَرِ

وأطلق السدُّ صوتي في فم النَهَرِ

أَخذتَ قلبَكَ حُرّاً من يدِ الخَطَرِ

كصيبِ الماء يُحيي مَيّتَ الثمرِ

كونوا فكُنّا مع النُعمى على قَدَرِ

وكُنْ مقلّمَ أهداب الضُحى النَضِرِ

سوى الجنوبِ وكُنْ مَهديّ‏َ منتظِرِ

سودَ العمائمِ، طلاّعينَ، كالدُررِ

دمُ الحسين طريّاً غير مستترِ

أعلامهم حرّةً في قلعة التَتَرِ

عادوا يتوجُهم تاج من الخَفَرِ

ألاّ يُرى غيرُ صدّاحٍ ومفتخرِ

على السماءِ وخطّوا اية الظَفَرِ

من رجفة الطيرِ ما يغني عن الخبرِ؟

غمامة اللَّه بين الركنِ والحَجَرِ


** عودة **