سلسلة إحياء فكر الشهيد مطهري‏


كيف تشبع‏ الرغبات والميول؟


إعداد ونشر مركز الإمام الخميني الثقافي

 

 مقدمة

 

مهما تغيّرت الظروف فإنّ الفكر الأصيل يبقى على أصالته، ومهما تبدّلت الأحوال فإنّ الكلام المحكم بالدليل يبقى على إحكامه..

فالأصالة والإحكام أساس الثبات والدوام، ومن هنا نجد الإمام الخميني الراحل "قدس سره" يوصي:

«...الطبقة المفكرة والطلاب الجامعيين ألا يدعوا قراءة كتب الأستاذ العزيز (الشهيد مرتضى مطهري)، ولا يجعلوها تُنسى جراء الدسائس المبغضة للإسلام،...

فقد كان عالماً بالإسلام والقرآن الكريم والفنون والمعارف الإسلامية المختلفة فريداً من نوعه...

وإن كتاباته وكلماته كلها بلا أيّ استثناء سهلة ومربِّية. »

وكذلك نجد قائد الثورة الإسلاميّة سماحة السيد علي الخامنئي دام ظله يصفه بأنّه:

«المؤسس الفكري لنظام الجمهورية الإسلاميّة،... وأنّ الخطّ الفكري للأستاذ مطهري هو الخط الأساس للأفكار الإسلامية الأصيلة الذي يقف في وجه الحركات المعادية...

إنّ الخط الذي يستطيع أن يحفظ الثورة من الناحية الفكرية هو خط الشهيد مطهري يعني خط الإسلام الأصيل غير الإلتقاطي...

وصيّتي أن لا تدعوا كلام هذا الشهيد الذي هو كلام الساحة المعاصرة،... واجعلوا كتبه محور بحثكم وتبادل آرائكم وادرسوها ودرّسوها بشكل صحيح...»

فالأصالة والإحكام والعمق الممزوج بسهولة البيان  ممّا جعله يلقّب بالأستاذ  وتلبية حاجات العصر والرّد على الشبهات، والسعة والإحاطة والدقة، وهذه التوصيات من العظماء الأفذاذ وغيرهم من العلماء الأجلاء، جعلتنا نعيد الكرّة على كتابات هذا الشهيد العظيم، فكانت هذه الصياغة الجديدة الماثلة بين يديك والتي تتميز بالأمور التالية:

1  جمع المتفرقات من محاضرات الشهيد مطهري وتنظيمها بشكل موضوعي.

2  حذف المتكررات والاستطرادات التي كانت تناسب الخطابة ولا  تناسب الكتابة.

3  صياغتها على شكل محاضرات سهلة التناول وقريبة من الفهم العام.

4  مقابلة المتن المترجم مع المتن الفارسي الأساس للتأكد من صحة المضمون المترجم ورفع مشاكل الترجمة.

5  تقديم المحاضرة بأسئلة تثير إهتمام القارى‏ء ليتعرف على الإجابة عنها ضمن المحاضرة، وتعقيبها بخلاصة تلقي الضوء على نقاطها الأساسية.

وبعد هذا كلّه يصدق على هذه الكتابات بحق أنها فكر الشهيد في ثوبه الجديد.

نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا الجهد كلّ طالب للحقيقه والنجاة، كما ونشكر جميع الأخوة الذين ساهموا في إنجازه، ويتقبّل أعمالهم ويسدّد خطاهم في نشر الحق، ويجزيهم أجر ما عملوا خير الجزاء.

 


كيف تشبع‏ الرغبات والميول؟


 

 

  •  كيف نثبت أن الدين هو الوسيلة الوحيدة لإشباع الرغبات الإنسانية؟

  •  كيف يكون الدين رصيد الأخلاق والقانون؟

  •  ما هي عوامل الانحراف عن الدين؟ وهل يمكن أن تذكر عاملا جديدا غير ما ذكر؟

  •  ما هي النصيحة التي يمكن أن توجه للدعاة إلى الدين؟

 


 

الدين هو الوسيلة الوحيدة لإشباع الرغبات‏

لقد ثبت في محله(1) أن الدين رغبة فطرية عند الإنسان، والسؤال الذي يبقى:

هل الدين هو الوسيلة الوحيدة التي لا بديل عنها لإرواء وإشباع الحاجات والرغبات البشرية؟ وأن العلم لا يمكن أن يكون  كما يدعي أو يتصور البعض  بديلا عنه مهما تقدم وتطور؟

 

طموحات الإنسان لا يرويها إلا الدين‏

لقد تميز الإنسان عن الحيوان بالفكر، وبهذا الفكر رأى عدم التوازن بين طموحاته الواسعة وبين حياته الدنيوية المؤقتة، فهو من ناحية يحب الخلود والأبدية ويعمل في الحياة الدنيا على هذا الأساس، بينما يرى من ناحية أخرى جسمه وكل ما يملك من إمكانيات مادية تفنى وتزول، فيعيش الاضطراب والتوتر واليأس، جراء إحساسه بالحرمان من الخلود؛ وقد يغبط الحيوان على ما تملكه من تعادل بين أفق تفكيرها المحدود ومساحة استعدادها الدنيوي فلا تعيش ما يعيشه الإنسان من اضطراب.

وكثيرا ما سعى الإنسان للخلود بشتى الوسائل والطرق، وليس ذلك إلا ليروي تلك الحاجة وذلك الإحساس والأمل بالخلود، فتوهم أنه خالد بتمثاله أو بأعماله أو بمؤلفاته، لكن أي لذة يشعر بها بعد تلاشيه في التراب؟! إذا لا يروي هذا الإحساس بشكل كامل ومقنع إلا الاعتقاد الديني بوجود حياة خالدة بعد الموت، وهذا الاعتقاد هو الذي يهدئ من روعه واضطرابه ويجعله يعيش التوازن في هذه الحياة.

 

أقوال لبعض العلماء

فروغي(2) يقول في كتابه رسائل العظماء: «إن الإنسان حينما يعتقد بأنه فان وأنه لا يوجد بعد هذه الحياة إلا العدم المطلق سوف يفقد قيمة الحياة ولذتها، والشي‏ء الوحيد الذي يبعث فيه الإحساس باللذة والنشاط والرؤية الوسيعة هو الدين، حيث يوفر له الاعتقاد بالخلود في الحياة الأخرى وأن هذه الحياة التي يعيشها مؤقتة».

تولستوي يقول في تعريفه الإيمان: «هو الذي يحيا به الإنسان، إنه رصيد الحياة».

ناصر خسرو يقول: «أعرضت عن الدنيا ووجهت وجهي للدين، لأن الدنيا بدون دين كالبئر العميقة والسجن، إن للدين في أعماق قلبي ملك عظيم لا يتعرض للدمار ولا للانهيار أبداً»(3).

 

الدين رصيد الأخلاق والقانون‏

لقد ادعى البعض أنه بالإمكان أن يتحقق المجتمع معتمدا على الأخلاق والقانون، ويكونان البديل عن الدين في كل شي‏ء.

إلا أن هذا البعض خفي عليه أنه لا يمكن لمجتمع بشري أن يقوم دون أن يعتمد على ركيزته الأساس وهي الدين، وحتى القانون والأخلاق لا بد لهما من رصيد ومخزون داخلي يعتمدا عليه، فالدين رصيد الأخلاق والقانون كما أن الذهب رصيد العملة الورقية.

ولولا وجود الدين لكان القانون والأخلاق كلائحة حقوق البشر التي اقترحتها فرنسا وروجت لها بكل إمكانياتها، فهي من جهة دعت إليها ومن جهة أخرى أول من سحقها وخالفها، فقد كان اقتراح بعض القادة الفرنسيين أمثال جورج بومبيدو هو إبادة الشعب الجزائري وعدم إعطائه الاستقلال.

إن جميع المقدسات والقيم والقوانين أمثال، الحرية والعدالة والمساواة والإنسانية والشعور بالمسؤولية لا بد أن تعتمد على الدين في تحققها ولولاه لا ضامن لتطبيقها أبداً.

يقول ألكسيس كاريل: لقد تقدمت وتطورت العقول كثيرا ولكن مع الأسف لم تزل ضعيفة، والإيمان فحسب هو الذي يبعث القوة في هذه القلوب، وانحرافات البشر كلها ناشئة من هذه الحالة وهي قوة العقول وضعف القلوب.

فماذا فعلت الحضارة والمدنية الحديثة؟ إنها تخرج يومياً إلى الأسواق الكثير من البضائع والمنتجات الجديدة؟؟

لكن ماذا فعلت للإنسان حتى توصله إلى أهدافه المقدسة السامية؟

نعم ليس هناك غير الدين وهو الذي يقود البشرية لتحقيق أهدافها ولولا الدين لا وجود للأخلاق ولا للقانون ولا للإنسانية.

 

عوامل الانحراف عن الدين‏

س: إذا كان الدين رغبة فطرية فلماذا الناس ينحرفون عن الدين ولا يتمسكون بتعاليمه؟ وما هي العوامل التي أدت للبعد عن الدين؟

ج: ذكر وولنز أوسكار لندبرج عاملين للانحراف(4):

1  سياسة الإلحاد، حيث تتبع بعض الجماعات أو المنظمات الإلحادية أو الدولة سياسة معينة تحارب فيها الإيمان بالله لأنه يتعارض مع مصالحها، وتدعو إلى شيوع الإلحاد بين الناس.

2  التعصب والتلقين في الصغر، فإن المنظمات الدينية المسيحية تحاول جاهدة لكي يعتقد الناس في سن الطفولة بإله على صورة الإنسان.

 

ولكن عندما تنمو العقول وتحسن التفكير فسوف تتعارض أفكارهم مع ما تعلموه في الصغر، فتحاول الجمع والتوفيق بين التفكير الصحيح وما لقنوه وهم صغار وحيث أنه لا يمكن التوفيق بين التفكير العلمي والأفكار الدينية القديمة وبعد صراع داخلي ينبذ المفكرون فكرة الله بالكلية، ولا يحاولون البحث في أي موضوع يمتّ بالدين بصلة خوفاً من النتائج النفسية التي أصابتهم إثر اعتقاداتهم القديمة التي جاهدوا للتخلص منها.

نعم هذان عاملان أساسيان للانحراف عن الدين، والكثير من المثقفين انحرفوا لتعرفهم على المفاهيم الدينية الخاطئة إبان طفولتهم، فهم بعد النضج الذي وصلوا إليه لا يمنكهم تقبل مثل هذه المفاهيم المشوهة والتصورات اللامعقولة فينكرون كل ما يتعلّق بالدين(5).

 

عوامل إضافية

ويمكن أن نضيف بعض العوامل التي ساعدت أو أدت إلى انتشار الإلحاد منها:

3  تلوث المحيط، فإن تلوث المحيط بالأوحال الشيطانية والغرق في عبادة اللذة والشهوة وإتباع الهوى يؤثر ذلك على بقية الأفراد الموجودين في المحيط، ويؤجج لهيب الشهوة ويحرك الغرائز الحيوانية، مما يجعل المجتمع بعيداً عن القيم الأخلاقية السامية والتعاليم الدينية الرفيعة، لأن الذي يتبع هواه لا تعني له كل القيم من شرف وعزة وإباء ورجولة شيئا ولا يعتني بشي‏ء من التعاليم والقوانين.

وقد استخدم أعداء الإسلام هذا الأسلوب للسيطرة على الأندلس وإخراج المسلمين منه ونجحوا قي إماتة روح الدين في المجتمع وأخرجوا المسلمين منها بكل سهولة.

والأسلوب ذاته يستخدم اليوم في البلاد الإسلامية، وبعد أن يسود الفسق والفجور في المجتمع ولا يبقى منفذ لنور الإيمان يدخل منه فتحق عليه كلمة الله بأنهم فاسقون..

«... إن الله لا يهدي القوم الفاسقين »(6).

4  الدعوة الخاطئة، وقد يتظاهر بعض الناس بالدين ويدعون للدين لكن بأسلوبهم الخاطئ مما ينفّر الناس من الدين ويجعلهم ملحدين؛ فيقولون مثلاً لو أردت أن تصبح مؤمناً عليك أن تقتل في نفسك كل الميول والغرائز فتقتل غريزة الثروة والجنس والمعرفة والجاه، والزهد عندهم عبارة عن عزلة وانفراد وترك كل العادات والغرائز المذكورة، وكذلك لو عرّف الدين للناس بأنه عدو العلم ويؤدي إلى قتل وإحراق العلماء وأفكارهم سيجعلهم يمقتون الدين والمتدينين.

بينما نجد من مميزات الإسلام أنه يعترف بجميع الميول الفطرية الإنسانية(7) ويعطي كلا منها حقها، ونجد التلاحم المنسجم بين التعاليم الإسلامية وكل الغرائز البشرية، ويدعو لتوجيه هذه الغرائز بالشكل الصحيح ولإروائها بالطريق المناسب لا إلى إلغائها والقضاء عليها، فالله لم يخلق هذه الغرائز عبثا كما لم يخلق أعضاء الإنسان عبثا.

 

دعوة إلى الدعاة إلى الدين‏

ومن هنا ينبغي أن يهتم دعاة الدين بأمور:

1  التعرف على التعاليم الدينية الأصيلة حتى يصبحوا من المحققين فيها، وبالتالي نتخلص من الإلقاءات الخاطئة باسم الدين في النفوس الإنسانية الضعيفة، لأن ذلك يساعد على الانحراف عن الدين.

2  تطهير البيئة الاجتماعية من كل التلوثات الشهوانية والحيوانية وإتباع الأهواء.

3  الإطلاع الدقيق على الغرائز البشرية الفطرية، وأن يكون لهم رؤية شاملة لها فلا يحاربوها باسم الدين ومن حيث لا يقصدون، وعندها سوف نرى الناس..

«... يدخلون في دين الله أفواجاً»(8).

 


 الخلاصة

لا شك أن للإنسان رغبات وميول يسعى لإروائها، فهو يحب البقاء والخلود وأشياء كثيرة أخرى، ولكن من الذي يشبع هذه الرغبات؟ الدين، نعم الدين هو الوسيلة الوحيدة التي تلبي حاجة الإنسان ورغباته الفطرية هذه، ومن هنا نجد الكثير من العلماء قالوا أنه لا غنى عن الدين وأنه الشي‏ء الوحيد الذي يبعث على الإحساس بالخلود.

الدين أيضا رصيد القانون والأخلاق، وبدونه لا قيمة لهما ولا يعمل بهما، ولكن ما السبب الذي أدى بالناس للانحراف عن الدين؟

أسباب كثيرة أهمها: سياسة الإلحاد المتبعة، والتعصب والتلقين الخاطئ في سن الطفولة، والمحيط الملوث الذي ينسي الإنسان حياته والاهتمام بآخرته ودينه، ومن الأسباب، الدعوةُ إلى الدين بشكل خاطئ يؤدي إلى النفرة منه، ومن هنا كان لزاما عليهم أشياء كثيرة قبل التصدي لنشر الدين.

والحمد لله ربّ العالمين‏

 


 

(1) في موضوع «لا بديل عن الدين».

(2) وكذلك هناك رسالة لفيكتور هيغو تؤكد هذا المعنى.

(3) ولو قارنا بين هذه الأقوال للعلماء وبين ما يدعو إليه اللادينيون الذين يرون أن الدين قي، واللادينية حري وانطلاق، فهؤلاء يعتقدون أن الحرية تحرر من كل قيد، نسألهم: هل التحرر مما يفرضه العقل والإنسانية والأخلاق والشرف والقيم وغيرها تحرر وانطلاق؟!

(4) نقلا عن كتاب «الله يتجلى في عصر العلم» بتصرف.

(5) وللأمهات والآباء والمبلغين الجهلة دور كبير في شيوع الإلحاد لما يغذون أبناهم على التعاليم والمفاهيم الخاطئة، ومن هنا علينا بذل الجهد لنشر التعاليم الإسلامية الأصيلة وبصورتها الحقيقية غير المشوهة ولا المنحرفة.

(6) سورة المنافقون، الآية/6.

(7) من الميول الفطرية الإنسانية حب الاستطلاع والمعرفة، والرغبة في الثروة والميل إلى تشكيل الأسرة، والغريزة الجنسية وحب الجاه والظهور.

(8) سورة النصر، الآية/2.


** عودة  **