سلسلة إحياء فكر الشهيد مطهري‏


القيادة في الإسلام‏


إعداد ونشر مركز الإمام الخميني الثقافي

 

 مقدمة

والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وعلى اله الأخيار المنتجبين.

مهما تغيّرت الظروف فإنّ الفكر الأصيل يبقى على أصالته، ومهما تبدّلت الأحوال فإنّ الكلام المحكم بالدليل يبقى على إحكامه، فالأصالة والإحكام أساس الثبات والدوام، ومن هنا نجد الإمام الخميني الراحل (قده) يوصي «... الطبقة المفكرة والطلاب الجامعيين ألا يدعوا قراءة كتب الأستاذ العزيز (الشهيد مرتضى مطهري)، ولا يجعلوها تُنسى جرّاء الدسائس المبغضة للإسلام...

فقد كان عالماً بالإسلام والقران الكريم والفنون والمعارف الإسلامية المختلفة فريداً من نوعه... وإن كتاباته وكلماته كلها بلا أيّ استثناء سهلة ومربِّية».

وكذلك نجد قائد الثورة الإسلاميّة سماحة السيد علي الخامنئي (دام ظله) يصفه بأنّه: «المؤسس الفكري لنظام الجمهورية الإسلاميّة،... وأنّ الخطّ الفكري للأستاذ مطهري هو الخط الأساس للأفكار الإسلامية الأصيلة الذي يقف في وجه الحركات المعادية...

إنّ الخط الذي يستطيع أن يحفظ الثورة من الناحية الفكرية هو خط الشهيد مطهري يعني خط الإسلام الأصيل غير الالتقاطي...

وصيّتي أن لا تدعوا كلام هذا الشهيد الذي هو كلام الساحة المعاصرة، ... واجعلوا كتبه محور بحثكم وتبادل ارائكم وادرسوها ودرّسوها بشكل صحيح...».

 

حول الكتاب

هذا الكتاب تلخيص وتحرير لمحاضرة للشهيد مطهري تحت عنوان «القيادة والإدارة في الإسلام» من كتاب محاضرات في الدين والاجتماع.

 


القيادة في الإسلام‏


1  ما هو: الرشد في الإسلام؟

 الرشد الاجتماعي؟

 الرشد المعنوي؟

2  ما هي: الإمامة في الإسلام وهل هي تعني القيادة؟

 الأصول التي تبتني عليها أهمية القيادة؟

 مصادر البحث عن القيادة في الإسلام؟

 بعض صفات القائد الإسلامي؟


 

(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ‏َ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (1).

 

الرشد في المصطلح الإسلامي

قبل الدخول في بحث القيادة في الإسلام من المناسب أن نتعرّض لمفهوم الرشد ومن ثمّ لمفهوم الإمامة.

1  الرشد:

لقد استعمل القران الكريم اصطلاح الرشد في حقّ الأطفال الذين يمتلكون ثروة ولكن لا قيّم لهم، فذكر أنّه لا بدّ من جعل قيّم ووليّ عليهم حتى يبلغوا الرشد بعد تجاوزهم سنّ‏َ البلوغ، فقال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ انَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) (2).

 

تعريف الرشد

«الرشد عبارة عن نوع من الكمال الروحي والمعنوي، بمعنى أن يكون للإنسان قدرة على الإدارة والمحافظة على طاقاته المادية والمعنوية، وحسن الاستفادة منها»، وهذا التعريف يشمل جميع أنواع الرشد الأخلاقي منه والاجتماعي، ولتوضيح هذه الفكرة نذكر المثاليين التاليين:

أ - إدارة الذاكرة: لقد أودع الله تعالى في الإنسان قوىً إدراكية، من فهم وإدراك وحفظ وذاكرة، والإنسان الرشيد هو الذي يمكنه الاستفادة الصحيحة منها، فينظر في الأمور أيّها مفيد بل وأيها أكثر فائدة، ثمّ يتخيّر الترتيب العلمي الصحيح لحفظها ووضعها في الذهن، ومن ثمّ يحافظ عليها، أما غير الرشيد فهو من يتعامل مع ذاكرته مثلا كمستودع لكل ما يقع في طريقه، فلا ينتفع من هذه العطايا الإلهية بشكل صحيح، فمن يقرأ كتاباً ما لا يمكنه أن يحتفظ بمحتويات هذا الكتاب من قراءةٍ واحدةٍ، بل عليه أن يقرأه مرّة ثانيةً على التوالي، ثم يفكّر في كلّ فكرةٍ وردت فيه، ويحلّلها ويحقّقها، وبعد الانتهاء عليه أن يلخّصها ويودعها ذاكرته، ثمّ يقرأ كتاباً اخر من نفس الموضوع حتى لا يمتلىَ ذهنُه بمواضيعَ متعددة بصورةٍ غير منظمة، فتختلط عليه الأفكار.

ب - الرشد في العبادة: إن العبادة الصحيحة هي التي تجذب الروح وتغذّيها، وليست الكثرة هي المقياس للعبادة، تماماً ككثرة الطعام ليس هو مقياس غذاء الجسم، وإنّما المقياس هو تلاؤم الروح مع العبادة، وتحقّقها عن رغبةٍ وشوقٍ، وأي إكثارٍ في العبادة من دون شوقٍ قد يؤدي إلى ردّات فعلٍ عكسيّة لا تُحمد عُقباها، وهكذا يخاطب النبي  (ص) علي (ع): «يا علي، إنّ هذا الدينَ متين، فأوغل فيه برفقٍ، ولا تُبغِّض إلى نفسك عبادة ربّك»، فلا بدّ من ممارسة العبادة بشكلٍ تميل معها النفس تدريجاً إلى العبادة، لا أن تتنّفر من العبادة، «فإنّ المُنبِت (3) لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع» (4).

فالممارسة الصحيحة للعبادة والاستفادة منها لها علاقة وثيقة بحسن إدارة الإنسان لنفسه، لأن القلب والمشاعر والأحاسيس وكل القوى الإدراكية بحاجة إلى إدارةٍ وقيادةٍ رشيدة وحكيمة.

 

2  الإمامة والقيادة

عندما يكون موضوع الرشد هو قيادة وإدارة الاخرين يطلق عليه (الهداية) أو (الإمامة)، ولعلّ أفضل لفظٍ يعبّر عن الإمامة هو القيادة، مع فارقٍ بين النبوّة والإمامة أيضاً، حيث إنّ النبوة هي إراءة وكشف الطريق، بينما تتعدى الإمامة ذلك لتتحمّل مسؤولية القيادة للأمّة، فيقوم بعض الأفراد بمهمّة تعبئة القوى الإنسانية وتنظيمها وتدفعها إلى العمل، وكثير من الأنبياء لاسيما العظام منهم جمعوا بين الميزتين، أي بين النبوة (كشف الطريق) والإمامة (القيادة).

 

إبراهيم (ع) القائد الإمام

لقد ابتلى اللهُ النبيّ‏َ إبراهيم (ع) بكثيرٍ من المصاعب والامتحانات، فقد واجه بمفرده تلك الانحرافات العقائدية والخرافات السائدة انذاك، فحطّم الأصنام وواجه نمرودَ وأتباعَه قاطبةً، وفي خِضَمّ هذه المِحن القاسية يطلب منه الله سبحانه أن يذبحَ ابنه إسماعيل (ع) بيده، وعندما أسلما وانقادا لأمر الله سبحانه وتجاوز كلّ هذه المحن بنجاحٍ وإيمانٍ ثابت، عندها أُعطي مقام الإمامة، (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ‏َ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، فهذه الإمامة وقيادة البشر في البُعد الاجتماعي والمعنوي هي أرفع مقام يمكن أن يمنحه الله للإنسان، وقد حاز أئمتنا (ع) على هذا المقام الرفيع وإن لم يكونوا أنبياء، إلا أنهم يسيرون على نفس طريقهم، ويعبئون القوى، ويدعون الناس إلى نفس الرسالة التي دعا إليها النبي الأكرم (ص).

 

أصول القيادة

والقيادة التي يبحث عنها القران الكريم هي الزعامة المتجهة نحو الله تعالى في بعديها الاجتماعي والمعنوي، بخلاف ما يفهمه البشر في العالم المعاصر من القيادة بأنّها مجرّد زعامة اجتماعية، لأنّه يحتاج إلى القيادة بطبيعته، وقيمة هذه القيادة تبتني على ثلاثة أصول:

 

1  أهميّة الإنسان والقوى المودعة فيه

فقد اهتم القران الكريم بتوجيه الإنسان إلى معرفة نفسه، وما أودع له الله من قوى كبيرةٍ كامنةٍ فيه، فهو أعرف من الملائكة بالأسماء ممّا جعلها تسجد له، وهو أرفع الموجودات جميعاً، كلّها مسخرة لخدمة مصالح الإنسان (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (5)، و(أَلَمْ تَرَوْا أَنّ‏َ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (6).

 

2  قيادة الغرائز المودعة في الإنسان والحيوان

فالإنسان يختلف عن الحيوان من حيث الغرائز وطبيعتها، وهو أضعف منها في هذا المجال، فالحيوانات مجهزة بمجموعةٍ من الغرائز تُسيِّرها وتقودها وتنظِّم لها حياتها، فهي لا تتعدّاها، إلا أن الإنسان ليس كذلك، فهو من جهة يمتلك قوى أكبر وأكثر من الحيوانات، لكن لم يودع الله فيه غرائز كثيرةً جداً، وإنما ألقى على عاتقه قيادة نفسه، فالإنسان يفتقر إلى الغرائز الداخلية التي تقوده، ولذلك احتاج للموجِّه الخارجي، وهذه فلسفة بعثة الأنبياء (ع)، فإنهم بعثوا لأجل تربية هذه الغرائز، وتعريف الإنسان على النفائس المكنونة في أعماقه، وكيف يستخدمها ويستفيد منها بالشكل الصحيح، ومن ثم توجيه الإنسان والقوى البشرية لتسير على الطريق المستقيم، ويحثونه على الحركة والعمل، وبالتالي تتحقق القيادة الحكيمة للقوى البشرية.

 

3  القوانين الخاصة في الحياة البشرية

هناك مجموعة من القوانين والأصول الحاكمة على سلوك الإنسان وتصرفاته، والذي ينصّب نفسه قائداً وزعيماً للبشر عليه أن يتعرّف على هذه القوانين الحاكمة، لأنها مفتاح السيطرة على قلوب الناس، فيرسم لهم طريق العمل بها ويحثَّهم على الاستفادة منها بالشكل الصحيح، وتعبير القران الكريم بحقّ الرسول الأكرم (ص) مثير للدهشة حيث يقول: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيّ‏َ الْأُمِّيّ‏َ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ‏ُ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) (7)، فهذه الأثقال ليست إلا التقاليد والخرافات، وهذه الأغلال ليست إلا عادات روحيّة تكبّل استعداداته وطاقاته المعنوية الزاخرة التي أدّت به إلى الجمود والشقاء واليأس، ويأتي دور النبي بالقيادة من بُعدها  الاجتماعي ليطلق سراح هذه القوى المقيَّدة، ويبثّ فيها النشاط والحيوية، ويأخذ بيدها في المسار الصحيح، فيجعل من أضعف الشعوب، بسبب القيادة الحكيمة، أمّة قويّة لا يفوقها قوّة.

 

أهم المصادر لدراسة القيادة في الإسلام

إذا أردنا أن نعرف مدى علاقة الإسلام بالقيادة والإدارة، فلا بدَّ من الإطلاع على مصدرين أساسيين:

 

1  القراءة العميقة لِسِيَرِ الأنبياء والأولياء:

ولا سيما سيرة النبي الأكرم (ص) وأمير المؤمنين (ع)، والتعرّف على أساليبهم في هذا الصدد، لندرك مدى تطابقها مع القيادة الحكيمة، ثم نقرأ المنجزات التي توصّلت إليها هذه القيادة، والنجاح الذي حقّقته، لأنّهم المبعوثون من قِبَل الله ويمتلكون مفتاح النجاح، وقد بلغت معرفتهم بالنفس البشرية وطبيعتها القِمَّة والذروة، فمن هنا علينا أن نقرأ قيادة الرسول (ص) للجيش والغزوات والسرايا، كيف كانت إدارته لدفَّة السياسة ونشر الدين، ونقرأ سيرته مع أعداء الدين، وكيف كانت في بيته ومع أسرته و... فإنّ في كلّ خطوةٍ من حياته درساً وعبرة.

 

وظائف خاصة بالقائد الإسلامي

الترغيب: فالرسول الأكرم (ص) يقول لمعاذ: «... يسّر ولا تعسّر، وبشّر ولا تنفّر ...» (8)، «...وصلّوا بهم صلاة أضعفهم ...» (9)، أي لا بدّ من تبشير الناس بمزايا الإسلام والثمرات الدنيويّة والأخرويّة، وترغيبهم حتى نكسب قلوبهم، وتكون قيادتهم باللين لا بالعنف وأسلوب الترهيب والتهديد، لأنّ هذا الأسلوب يؤدّي إلى النفرة والابتعاد عن الدين، وكذلك بالنسبة للصلاة بأضعفهم، فإنّه يوجد فيهم المريض وجديد العهد بالصلاة.

الزهد: فإنّ الزهد وإن كان مطلوباً من كلّ مسلم، لكن هناك درجة من الزهد خاصة بالقائد الإسلامي، وأكبرُ شاهدٍ على ذلك ما حصل بين أمير المؤمنين (ع) وعاصم بن زياد الذي أغرق نفسه بالعبادة وهجر زوجه ولبس الثياب الخشنة:

(العلاء) يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال: وما له؟ قال: لبس العبا وتخلّى عن الدنيا. قال: علي (ع) (اتِ) به. فأتى به، فقال (له): يا عدوّ نفسه أما رحمتَ أهلك وولدك؟ أترى الله أحلّ لك الطيبات، وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك، وجشوبة مأكلك؟ قال: ويحك! إنّي لستُ كأنت، إنّ الله فرض على أئمّة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره» (10)، ثم يسعى جاهداً لرفع مستواهم المعيشي إلى أفضل المستويات (11)، وإلا فمن حقّ الفقير أن يثور في وجه الحكومة ويقول بأنّ كل ما يقدّم إليه ليس إلا وعوداً كاذبة.

 

2  النصوص الإسلامية في القيادة

والمصدر الثاني هو مراجعة النصوص الواردة في القيادة وشروطها في الإسلام، أمثال ما ذكر القران الكريم مخاطباً الأنبياء (ع) بالعموم والرسول الأكرم (ص) بالخصوص، في كيفيّة تبليغ الرسالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكيفية تعاملهم مع مجتمعاتهم في شتى مجالات الحياة، وقد استطاع الأنبياء وأولياء الله من جذب النفوس وجعلها تلتفّ حولهم، واستمالتهم للتضحية في سبيل الرسالة، وهذا ما يحتاج إلى قدراتٍ فذّة وكبيرةٍ مكنونة في نفوس هؤلاء القادة العظام، تتوافق مع أعمق الأُسُس النفسيّة والاجتماعية التي توصَّل إليها علما النفس والاجتماع اليوم.

 

شواهد من تاريخ الإسلام

هذه بعض الشواهد على نفوذ القادة إلى قلوب المؤمنين، بسبب ما يتحلّون به من صفاتٍ ومعرفةٍ بالنفوس البشرية:

1-  الرسول الأكرم (ص) الذي بدأ يتيماً ووحيداً في نشر الرسالة، وعانى ما عاناه في بداية الدعوة، استطاع أن يستحوذ على القلوب في اخر المطاف، وأحبّه القريب والبعيد وكلّ من عرفه أو تعرّف على صفاته، وقد عبَّر عن ذلك أبو سفيان فقال: «والله ما رأيتُ من قومٍ قطّ أشدّ حبّاً لصاحبهم من أصحابِ محمد» (12).

2- وشاهد اخر هو أبو ذر عندما تخلف عن رسول الله (ص) في غزوة تبوك ثلاثة أيام وذلك لأن جمله كان أعجف، فلحق بعد ثلاثة أيام ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره، فلمّا ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخصٍ مقبلٍ فقال رسول الله (ص) كأنّ أبا ذر، فقالوا: هو أبو ذر، فقال رسول الله (ص): أدركوه بالماء فإنه عطشان، فأدركوه بالماء، ووافى أبو ذر رسول الله (ص) ومعه إداوة فيها ماء، فقال رسول الله (ص) يا أبا ذر معك ماء وعطشت؟ فقال: نعم يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، انتهيت إلى صخرةٍ وعليها ماء السماء، فذقته فإذا هو عذب بارد، فقلتُ: لا أشربُه حتى يشربَه حبيبي رسولُ الله (ص) (13).

وفي غزوة تبوك أيضاً تخلّف عن الغزو ثلاثة حيث كان للعشر من المسلمين بعير واحد يتناوبون عليه، وكان زادهم الشعير المسوّس، والتمر المدوّد، وكان التمر الواحد بينهم يمصها الواحد بعد الواحد، وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك، ومرارة ابن الربيع، وهلال بن أمية، تخلّفوا عن رسول الله لا عن نفاق، ولكن عن توانٍ، ثمّ ندموا، فلما قدم صلى الله عليه واله، أمرَ أن لا يكلّمهم أحد، فهجرهم الناس حتى نسائهم وأولادهم وكانت زوجاتهم يطهين لهم الطعام ويضعنه أمامهم دون أن ينبثن معهم ببنتِ شفة، فضاقت عليهم المدينة، وخرجوا إلى رؤوس الجبال، فتهاجروا هم أيضاً وتفرّقوا، وبقَوا على ذلك خمسين يوماً، يتوبون إلى الله، فتقبّل الله توبتهم وأنزل فيهم (14): (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمّ‏َ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنّ‏َ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (15)، فهذه صورة رائعة حصلت في ظلّ قيادة الرسول الأكرم (ص)، تكشف عن مدى التفاني والتعلّق بالنبي.

3-  كذلك في كربلاء لقد سُطِّرت أروع الصور من التضحية والفداء في سبيل الدفاع عن الإمام الحسين (ع)، ولأجل الحفاظ على هذا الخط والنهج، صور تكشف لنا عن القيادة الحكيمة التي كان يدير زمامها الإمام الحسين (ع).

 

لكن ما هي شروط القيادة؟ وما هي صفات القائد؟ بحث لا يسعنا الدخول به في هذه الصفحات نسأل الله أن يوفّقنا لذلك إنّه ولي التوفيق.

 


الخلاصة

 

قبل الدخول في بحث القيادة في الإسلام، من الجدير أن نتعرّض لمفهومين وهما: الرشد والإمامة، فالرشد هو قدرة الإنسان على إدارة الطاقات المودعة فيه، والمحافظة عليها، ولهذا الرشد أنواع أيضاً، وأما الإمامة فهي القيادة الحكيمة للقوى البشرية وتنظيم أمورها، وهو منصب رفيع لا يصل إليه إلا النبي وبعد قطع مراحل وامتحانات صعبة للغاية، كما أنّ أهمية هذه الزعامة الإلهية تبتني على ثلاثة أصول أساسيّة، أهمية الإنسان والقوى المودعة فيه، قيادة الإنسان من الداخل بخلاف قيادة الحيوان الداخلية عبر غرائزه، وخضوع الحياة البشرية لمجموعة من القوانين الحاكمة.

ثم إنه في دراسة القيادة في الإسلام لا بدّ من الاعتماد على مصادر أساسية في ذلك وأهمها أمران: القراءة العميقة لِسِيَرِ الأنبياء ولاسيما سيرة الرسول الأكرم (ص) وسيرة أمير المؤمنين (ع)، والنصوص الإسلامية الواردة بهذا الصدد، وبالخصوص الايات الواردة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاليم التي نزلت للأنبياء (ع) في تعاطيهم مع مجتمعاتهم، وأساليب التبليغ ونشر الدعوة، وما شابه ذلك، فإنَّهم أرقى العقول البشرية، وهم الذين يفهمون النفوس البشرية أعمق الفهم، ويتعاملون معها أفضل التعامل، ويحقّقون الهدف الإلهي بأخصر وأمثل الطرق والأساليب، وقد استطاعوا أن يدخلوا إلى قلوب الناس ويجعلهم ملتفين حولهم.

والحمد لله رب العالمين.


الهوامش

 

(1) سورة البقرة، الاية: 124.

(2) سورة النساء، الاية: 6.

(3) المنسبت هو الذي يضرب الجمل ويخشن في التعامل معه، فلم يقدر على قطع المسافة المطلوبة وفي نفس الوقت قضى على الجمل من الضرب.

(4) الكافي، ج‏2، ص‏87.

(5) سورة البقرة، الاية: 29.

(6) سورة لقمان، الاية: 20.

(7) سورة الأعراف، الاية: 157.

(8) مكاتيب الرسول، ج‏2، ص‏589.

(9) وسائل الشيعة، ج‏4، ح‏13.

(10) المعيار والموازنة، أبو جعفر الإسكافي، ص‏243.

(11) ومن هنا يظهر السر في اختلاف سلوك الأئمة الطاهرين من حيث المظهر الخارجي، فلباس أمير المؤمنين (ع) يختلف عن لباس الإمام الصادق (ع)، فالظروف المعيشية للناس قد اختلفت، والدنيا قد أغدقت نعمها، ويشير إلى هذا المعنى رواية وردت عن الإمام الصادق (ع).

(12) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج‏20، ص‏152.

(13) بحار الأنوار، ج‏2، ص‏429.

(14) عوالي اللئالي لأبي جمهور الإحسائي، ج‏7، ص‏70 بتصرف.

(15) سورة التوبة، الاية: 118.


** عودة  **