الإقتداء بالأئمة (ع) في ضوء التعدّد
إعداد ونشر مركز الإمام الخميني الثقافي
مقدمة
الحمد لله رب
العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وعلى اله الأخيار
المنتجبين.
مهما تغيّرت الظروف
فإنّ الفكر الأصيل يبقى على أصالته، ومهما تبدّلت الأحوال فإنّ الكلام
المحكم بالدليل يبقى على إحكامه، فالأصالة والإحكام أساس الثبات
والدوام، ومن هنا نجد الإمام الخميني الراحل يوصي: «...الطبقة المفكرة
والطلاب الجامعيين ألا يدعوا قراءة كتب الأستاذ العزيز (الشهيد مرتضى
مطهري)، ولا يجعلوها تُنسى جراء الدسائس المبغضة للإسلام،...
فقد كان عالما
بالإسلام والقران الكريم والفنون والمعارف الإسلامية المختلفة فريدا من
نوعه... وإن كتاباته وكلماته كلها بلا أيّ استثناء سهلة ومربِّية».
وكذلك نجد قائد
الثورة الإسلاميّة سماحة السيد علي الخامنئي (دام ظله) يصفه بأنّه: «المؤسس
الفكري لنظام الجمهورية الإسلاميّة،... وأنّ الخطّ الفكري للأستاذ
مطهري هو الخط الأساس للأفكار الإسلامية الأصيلة الذي يقف في وجه
الحركات المعادية...
إنّ الخط الذي
يستطيع أن يحفظ الثورة من الناحية الفكرية هو خط الشهيد مطهري يعني خط
الإسلام الأصيل غير الإلتقاطي...
وصيّتي أن لا تدعوا
كلام هذا الشهيد الذي هو كلام الساحة المعاصرة،... واجعلوا كتبه محور
بحثكم وتبادل ارائكم وادرسوها ودرّسوها بشكل صحيح...».
حول الكتاب
الاقتداء بالأئمة
(ع) في ضوء التعدد بحث مأخوذ من محاضرة للشهيد حول «المقايسة بين أسلوب
الامام الحسين (ع) وسائر الأئمة (ع)» وهي موجودة في المجلد 18 من
مجموعة اثاره، وأما بحث مواقف علي (ع) فهو من محاضرة للشهيد تحت عنوان
«مشكلات علي» التي ألقاها في تاريخ 30-8-1349هـ.ش.
في حسينية إرشاد طهران، وكلا البحثين موجودان في الترجمة العربيّة في
كتاب «جولة في حياة الأئمة الأطهار» ترجمة الشيخ مالك وهبي.
الإقتداء
بالأئمة (ع) في ضوء التعدّد

1 ما هو موقع التقيّة في التشريع الإسلامي؟
2 هل يعتبر تعدّد الأئمة (ع) عند الشيعة نقطة ضعف أو قوّة؟
3 كيف يمكن التأسّي بجميع المعصومين (ع) مع اختلاف طرق عيشهم؟
4 في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي ما هو القانون الثابت في
الإسلام؟
5 ما هي ثمرة الإختلاف في بعض سيَر المعصومين (ع)؟
اللإختلاف واضح
الناظر في تاريخ
الرسول (ص) والأئمة (ع) يلاحظ اختلافاً في مناهجهم ومواقفهم اتجاه
القضايا المختلفة. ففي الوقت الذي نرى فيه خروج الإمام الحسين (ع)
ثائراً مضحياً، نرى بقيّة الأئمة (ع) يمارسون «التقيّة» ويأمرون شيعتهم
بها، حتى صارت «التقيّة» سمةً ملازمة للتشيّع ملازمة الكرم لحاتم!
وعندما نراجع سيرة
النبي (ص) نجد أنّه عاش فقيراً، يأكل خبز الشعير ويلبس المرقَّع، وكذلك
كان أمير المؤمنين (ع)، ونحن مأمورون بالتأسّي برسول الله (ص) على لسان
القران الكريم: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْاخِرَ وَذَكَرَ
اللَّهَ كَثِيراً» (1).
لكن عندما نراجع
سيرة الإمام المجتبى (ع) أو الإمام الصادق (ع) أو الإمام الرضا (ع)،
نلاحظ خلاف ذلك، فقد عاشوا سعةً من الرزق وأكلوا الطعام الجيّد ولبسوا
الثياب الجيّدة، بل كانوا يأمرون الناس بالتوسعة على أنفسهم في مساكنهم!.
وأمثال هذا التفاوت والتعارض الظاهري ملحوظ بشكل واسع في مواقفهم (ع).
هل
الإختلاف نقطة ضعف؟
وبما أنّنا نؤمن
بإمامتهم وضرورة اتباعهم، فأيّ منهجٍ نتّبع وعلى أيّ سيرة نسير؟! وماذا
نفعل بهذا التراث الثرّ والأخبار الوفيرة والحِكم الأخلاقية
والاجتماعية الواردة عنهم (ع)؟ وما نمتلكه من أحاديث في كتاب الكافي
لوحده يتجاوز ما في الصحاح الستّة عند أهل السنة!.
هذا الأمر الذي يعدّ
من مفاخر الشيعة ومن نقاط القوّة عندهم، والذي أغناهم عن الأخذ بالقياس
والاستحسان، من الممكن أن يتحول إلى نقطة ضعف ما لم نجب على الإستفهام
المتقدّم. وعند ذلك ستكون النتيجة مع تعدّد المعصومين (ع) ومناهجهم
الوقوع في الحيرة والضلال والفوضى والتشتت، ونصبح مصداقاً للمثل القائل:
«إذا تعدّد أطباء المريض صعب شفاؤه».
جواب الشبهة
الحقّ هو أنّ ذلك
كلّه من نقاط القوّة عند الشيعة، ولتوضيح ذلك نقدّم بمثال: إذا كان
عندنا معصوم واحد عاش عشرين أو ثلاثين عاماً أو عاش مائتين وخمسين سنة،
فمن الطبيعي أنّه في الفرض الأوّل لم تطرأ تحولات وتغييرات وموضوعات
مختلفة وبمقدار كافٍ نتمكّن معه من ملاحظة طريقة تعامل المعصوم معها،
بحيث نصبح ماهرين بكيفية تطبيق قواعد الدين الكليّة على الموضوعات
المختلفة، وذلك لأنّ في الدين جهة بيانيّة وأخرى تطبيقيّة وعمليّة،
تماماً كما في الدروس النظريّة والدروس التي تطبّق تلك النظريّات على
الموضوعات الجزئيّة.
أمّا في الفرض
الثاني وهو ما إذا كان عندنا معصوم ومقتدى لمدّة مائتين وخمسين عاماً،
فإنّه يواجه أنواع القضايا المختلفة ويوضح لنا طرق التعامل معها، وبذلك
نتمكّن أكثر من معرفة روح التعاليم الدينيّة وننجو من الجمود والجفاف
الذي يؤدّي إلى تفسير المعلولات بغير عللها، وإلى الخلط بين الأصيل
وغير الأصيل في الشريعة.
الأئمّة (ع) ومقتضيات الزمان
لا شك في أنّ أئمّة
الدين (ع) قد عاشوا في زمان ومحيط له مقتضياته الخاصّة به، وكان لا بدّ
لكلّ منهم من مواكبة مقتضيات زمانه، وبهذا نكتشف أنّ في الدين مرونة
تسنح للناس بالأخذ بمقتضيات زمانهم.
إذن، تعدّد الأئمة
(ع) أو طول عمر الإمام الواحد يوفّر للإنسان قدرةً أكبر على إدراك روح
التعاليم الدينيّة المرتبطة بمقتضيات الزمان، فمن الممكن أن يأتي
الرسول (ص) بعمل بحكمِ أنّ الدين يقتضي ذلك، وقد يأتي بعمل بحكمِ
مقتضيات الزمان، كالمثال الذي قدّمناه من أنّه (ص) عاش فقيراً بينما
الإمام الصادق (ع) مثلا لم يكن فقيراً.
قصة وعبرة
هناك قصة توضّح هذا
المطلب بشكل جليٍّ ذكرها الكليني في كتاب الكافي وهي: «مرّ سفيان
الثوري في المسجد الحرام فرأى أبا عبد الله الصادق (ع) وعليه ثياب
كثيرة القيمة حسان، فقال والله لاتينّه ولأوبّخنّه، فدنا منه فقال: يا
ابن رسول الله (ص) ما لبس رسول الله مثل هذا اللباس ولا علي (ع) ولا
أحد من ابائك. فقال أبو عبد الله (ع): كان رسول الله (ص) في زمن قتر
مقتر وكان يأخذ لقتره وإقتداره، وإنّ الدنيا بعد ذلك أرخت عزاليها فأحقّ
أهلها بها أبرارها، ثم تلا: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ»
(2)، ونحن أحقّ
من أخذ منها ما أعطاه الله، غير أنّي يا ثوري ما ترى عليَّ من ثوب
إنما لبسته للناس، ثم اجتذب يد سفيان فجرّها إليه ثمّ رفع الثوب الأعلى
وأخرج ثوباً تحت ذلك على جلده غليظاً فقال هذا ألبسُه لنفسي غليظا وما
رأيتَه للناس، ثم جذب ثوبا على سفيان أعلاه غليظ خشن وداخل ذلك ثوب
ليّن فقال: لبستَ هذا الأعلى للناس ولبستَ هذا لنفسك تسرّها»(3).
موافقة سلوك المعصومين (ع) لقوانين الإسلام
فالإمام (ع) يبيّن
لنا من خلال خطابه مع سفيان أنّه علينا أخذ عصر النبي (ص) بعين
الاعتبار، فما فعله النبي (ص) لم يكن جزءاً من قانون الإسلام وإنّما
قانون الإسلام هو المواساة والمساواة والعدل والإنصاف، فلو كانت سعة
العيش متوفّرة في عصر النبي (ص) للناس لم يكن (ص) ليعيش كما عاش.
وتظهر روح المواساة
في سلوك الصادق (ع) نفسه في قصّة الجفاف الذي ضرب المدينة المنوّرة،
حيث أمر (ع) ببيع مخزون القمح الذي يمتلكه وعرضه بالسوق ليكون بمتناول
جميع المسلمين، واكتفى هو وعياله بخبز السوق المخلوط من القمح والشعير.
فالإمام (ع) لا يقول: كُلْ خبز القمح أو كُلْ خبز الشعير، وإنّما يقول:
يجب أن تكون سيرتك في الناس على أساس العدل والإنصاف والإحسان.
ثمرة الاختلاف
لولا هذا الاختلاف
في سيرة المعصومين (ع) وبيانهم لروح الإسلام، لحسبنا عمل النبي (ص)
مثلاً المرتبط بمقتضيات عصره جزءاً من الشريعة، ولبقي الناس يرزحون تحت
نير الفهم الخاطىء للتأسّي بالنبي (ص) إلى يوم القيامة.
فالصادق (ع) قد
أعطانا درساً حول سلوك النبي (ص) وأخرجنا من الجمود وأخذ بيدنا لنلامس
الروح والمعنى، ولولا ذلك لاحتجنا إلى قوّة اجتهادية وعقليّة خارقة
لرفع هكذا تناقض مفترض.
الحلّ الذي قدّمه
يعتبر جمعاً عرفيّا للمتعارضين، أي أنّ العرف العقلائي يقبل تفسير
اختلاف السيَر باختلاف مقتضيات الزمان.
مثال اخر:
عُرض على أمير
المؤمنين (ع) حديث رسول الله (ص): «غيّروا الشيب ولا تشبهوا باليهود»
ولم يكن (ع) يخضب شعره، فأوضح (ع) أنّ ذلك كان من النبي (ص) لأجل الخطط
العسكرية والتكتيك العسكري، لأنّ الخضاب يخفي الشيب، فلا يرى العدو في
المسلمين عجوزاً أو مسنّاً، أمّا اليوم فامرؤ وما اختار، فلولا بيان
الأمير لعلّة الأمر لكنا ملتزمين إلى يوم القيامة بمراقبة شعر الناس هل
هو مخضّب أم لا؟
لفت نظر
من المؤكّد أنّ
التمييز بين الأحكام والأفعال الصادرة عن الأئمّة (ع) تحت عنوان
مقتضيات الزمان، وبين الأحكام والقوانين الكليّة والمصالح العامّة
والثابتة لجميع البشر بعنوان كونهم بشراً، يحتاج إلى قراءة شاملة
ومطالعة دقيقة وكاملة.
نماذج ومشكلات
يمكن القول إنّ
الناظر في سيرة أمير المؤمنين (ع) وحده، يشاهد مخزوناً ضخماً من
التجارب التي اختلفت فيها مواقف المعصوم (ع) في مواجهة كلِّ نوع من
أنواع المشاكل، فتارةً يصبر وأخرى يوجّه وينصح، وثالثة يقاتل، ولزيادة
الفائدة نتعرض لبعض المشكلات التي واجهت أمير المؤمنين (ع) كنموذج واضح
من السيرة المليئة بالدروس المختلفة.
في كلام له (ع): «دعوني
والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب
ولا تثبت عليه العقول، وإنّ الافاق قد أغامت والمحجّة قد تنكّرت،
واعلموا أنّي إن أجبتكم ركبتُ بكم ما أعلم» (4).
لقد صدرت هذه
الكلمات عنه (ع) بعد مقتل عثمان وتوافد الناس إلى بيته يصرون على
مبايعته.
أما موقفه فكان
الإعراض عن تولية الأمر، لا لأنّه ليس صاحبا لهذا الحقّ، فقد كان (ع)
طوال فترة الخلفاء يبرز حقّه ويذكّر الناس به عندما كانت الفرصة مناسبة
لذلك.
وقد كانت علّة
الإعراض ما بيّنه هو (ع)، وهي ما سيواجه المسلمين من إضطرابات وفتن،
وذلك لما أصاب المحجّة من غمام والإستقامة من اعوجاج واستنكار.
وفي اخر كلامه يتمّ
الحجّة على الناس بقوله (ع): «...إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم». وإلا
ف«إنّي لكم وزير خير لكم منّي أمير».
ما تقدّم يكشف لنا
علم الإمام (ع) بما سيواجهه من مشكلات أثناء خلافته، والتي حدثت بالفعل.
فما هي هذه المشكلات؟
1
مقتل عثمان
أوّل مشكلة واجهها
أمير المؤمنين (ع) هي قصّة مقتل عثمان والتي أشار إليها بقوله: «فإنّا
مستقبلون أمراً له وجوه وألوان».
لقد ورث عليّ (ع)
الخلافة عن خليفة قتله الثائرون ولم يجيزوا حتى دفنه، وكان موقف عليّ
(ع) وسطا بين اتجاهين:
الأول: موقف عثمان وحاشيته وكلّ الظلم
والإجحاف والامتيازات الخاصّة بأتباعه.
الثاني: موقف المجموعات الغاضبة والثائرة
الاتية من أصقاع العالم الإسلامي معترضة ومنتقدة.
أما عليّ (ع) فقد
وقف بينهما مخالفاً ومنتقداً لسلوك عثمان وساعياً لحجزه عن ضلاله علّه
يطفىء بذلك نار الثوّار ويخمد الفتنة القادمة، وفي نفس الوقت كان
رافضاً فتح باب دار الخليفة كي لا يقتل. ولكن لا عثمان وأتباعه صحّحوا
طريقهم، ولا الثوّار أحجموا عن ثورتهم، وكانت النتيجة المعلومة.
لم تكن الفتنة
بنظر عليّ (ع) نتيجة لقتل عثمان فحسب، بل كانت هي الغاية من قتله أيضاً،
ويظهر ذلك جليّا بما حققه علماء الاجتماع والتاريخ من دخالة بعض أتباع
عثمان في قتله وخاصة معاوية الذي استفاد من قتل عثمان بشكل كامل.
2
مشكلة النفاق
يختلف مخالفو علي
(ع) عن مخالفي النبي (ص)، فإنّ أعداء النبي
(ص) كانوا يقاتلونه تحت شعار «أعل هبل» وهو شعار الكفر وعبادة الأصنام،
وكان في المقابل شعار النبي (ص) «اللَّه أعلى وأجل»، وأمّا أعداء علي
(ع) فقد كانوا من طبقة المتظاهرين بالإسلام وليسوا بمسلمين واقعاً،
وكانت شعاراتهم شعارات إسلامية بينما هدفهم هو القضاء على الإسلام.
لقد حارب أبو سفيان
رسولَ الله تحت شعار «أعلُ هبل» فكانت مواجهته سهلة، أمّا ابنه معاوية
الذي يمتلك نفس الروح السفيانيّة ونفس الأهداف فقد كان شعاره قرانيّاً:
«وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً»
(5)،
مع أنّه لم يكن ولياً شرعيّاً للقتيل، فمن أرحام عثمان من كان أكثر
قرابة منه كابنه مثلاً، إلا أنّه كان مصرّاً على المطالبة بدمه. وأكثر
من ذلك فكان قد نشر جواسيسه حول عثمان، حتى إذا قُتل أرسلوا إليه قميصه
ملطّخاً بالدم قبل أن يجفّ، وكذا أصابع زوجة عثمان، فعلّق القميص على
عمود خشبي طويل والأصابع على المنبر، وبدأ بالبكاء وإقامة العزاء في
الشام مدّة من الزمن بهدف تعبئة الناس لأجل الأخذ بثأر الخليفة المظلوم،
ممّن!؟ من زعيم الثوّار بزعمه الذين بايعوه وانضووا تحت لوائه!.
وأدّى ذلك في النهاية إلى حربَي الجمل وصفين تحت هذه الذريعة.
3
الإصرار على إقامة العدل
من المشكلات التي
واجهت عليّاً (ع) ما له ارتباط بنهجه من جهة، والتغيير الذي طرأ على
المسلمين من جهة أخرى.
فعلي (ع) كان رجلاً
لا يعرف الانحراف والانحناء، وقد مرّت على المسلمين سنوات بعد النبي
(ص) اعتادوا فيها على إعطاء الإمتيازات للمتنفِّذين.
وهنا كان عليّ (ع)
يبدي صلابة عجيبة ويقول: «أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت
عليه، والله ما أطور به ما سمر سمير»
(6)، فأنا لست
ممّن يترك نصرة الضعفاء ويسكت عن الظلم لأجل تحقيق النصر ما دام في
السماء أفلاك تجري!.
4
الصراحة والصدق في السياسة
ما كان يمتلكه علي
(ع) من الصدق والصراحة أدّى إلى أن لا يحتمله حتى أصحابه، فكانوا
يطالبونه بإعمال الدهاء والخدعة في العمل السياسي لظنّهم أنّ ذلك جزء
من السياسة، بل قال بعضهم: إنّ عليّاً لا علم له بالسياسة، وأما معاوية
فهو رجل السياسة، فكان جواب عليّ (ع): «والله ما معاوية بأدهى منّي،
ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهيّة الغدر لكنت من أدهى الناس، لكن كلّ
غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة»
(7)،
والظاهر أنّ مراده (ع) أنّ المغدور بهم يحشرون تحت لواء الغادر.
الخلاصة
1 إنّ الإيمان
بإمامة وعصمة أئمّة أهل البيت (ع) وكونهم امتداداً لإمامة النبي الخاتم
(ص) يجعل تنوع تجاربهم ومواقفهم تبعاً لظروف زمانهم وعلمهم بالمصالح
والمفاسد الواقعيّة عنصر قوّة وإغناء للثقافة الدينيّة عند الشيعة،
ويساهم في إخراج المتديّن وحمايته من ظاهرة الجمود على الظواهر الذي
يتّخذ أحياناً ثوب القداسة.
2 تبرز أهميّة
الفهم الواعي والعميق لروح الإسلام في المواقف السياسيّة والاجتماعية
التي تتّخذها القيادات الدينيّة في عصرنا الحاضر، فالذي يمتلك منهم
وعياً للتراث الفكري والتجربة الحضارية لأئمّة أهل البيتؤ يمكنه أن
يقود الأمّة في شتى ظروفها إلى المواقف السليمة، ويستطيع ربط المتدينين
بالإسلام المحمديّ الأصيل الذي له في كلّ واقعة حكم بعيداً عن القياس
والاستحسان وإتباع الظن.
3 إنّ أغنى تراث
في الحكم والسياسة عند المسلمين هو ما كان يمثّله أمير المؤمنين (ع) من
وعي ثابت لمضمون الرسالة المحمّدية، فقد أغنت تجربته في الحكم موسوعةَ
القانون والفقه والسياسة عند الشيعة الإماميّة؛ بحيث اتسعت معه هوامش
الأحكام والمواقف واختلفت باختلاف طبيعة المشكلات التي واجهها (ع).
والحمد لله ربّ
العالمين.
الهوامش
(1) سورة
الأحزاب، الاية: 21.
(2)
سورة الأعراف، الاية: 32.
(3)
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 6، ص 443، الحديث 8، ط. الثالثة
1367هـ. دار الكتب الاِسلامية.
(4)
نهج البلاغة، ج1، الخطبة 92، تحقيق محمد عبده، دار التعارف، بيروت.
(5)
سورة الإسراء، الاية: 33.
(6)
نهج البلاغة، ج2، الخطبة 126، ص 6، تحقيق محمد عبده، دار المعرفة
بيروت.
(7)
المصدر. |