سلسلة إحياء فكر الشهيد مطهري‏


علي (ع) الإنسان الكامل‏


إعداد ونشر مركز الإمام الخميني الثقافي

 

 مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وعلى آله الأخيار المنتجبين.

مهما تغيّرت الظروف فإنّ الفكر الأصيل يبقى على أصالته، ومهما تبدّلت الأحوال فإنّ الكلام المحكم بالدليل يبقى على إحكامه، فالأصالة والإحكام أساس الثبات والدوام، ومن هنا نجد الإمام الخميني الراحل (قده) يوص «...الطبقة المفكرة والطلاب الجامعيين ألا يدعوا قراءة كتب الأستاذ العزيز (الشهيد مرتضى مطهري)، ولا يجعلوها تُنسى جراء الدسائس المبغضة للإسلام،...

فقد كان عالما بالإسلام والقرآن الكريم والفنون والمعارف الإسلامية المختلفة فريدا من نوعه... وإن كتاباته وكلماته كلها بلا أيّ استثناء سهلة ومربِّية».

وكذلك نجد قائد الثورة الإسلاميّة سماحة السيد علي الخامنئي (دام ظله) يصفه بأنّه: «المؤسس الفكري لنظام الجمهورية الإسلاميّة،... وأنّ الخطّ الفكري للأستاذ مطهري هو الخط الأساس للأفكار الإسلامية الأصيلة الذي يقف في وجه الحركات المعادية...

إنّ الخط الذي يستطيع أن يحفظ الثورة من الناحية الفكرية هو خط الشهيد مطهري يعني خط الإسلام الأصيل غير الإلتقاطي...

وصيّتي أن لا تدعوا كلام هذا الشهيد الذي هو كلام الساحة المعاصرة،... واجعلوا كتبه محور بحثكم وتبادل آرائكم وادرسوها ودرّسوها بشكل صحيح...».

 

حول الكتاب

هذه المحاضرة منتقاة من كتاب «الإنسان الكامل» للشهيد مرتضى مطهري، ترجمة صادق الخليلي، مؤسسة البعثة بيروت، الطيعة الثانية 1992م.

 


علي (ع) الإنسان الكامل‏


 

1  ما هي طرق معرفة الإنسان الكامل؟

2  ما المراد من الإنسان الكامل؟

3  ما الفرق بين كمال الإنسان وكمال الملائكة؟

4  كيف يكون الألم معياراً للقيم الإنسانية؟

5  أيّ الألمين ينبثق من الاخر: الألم للّه أم الألم لخلق اللّه؟

6  لِمَ كان علي (ع) تجسيداً تاماً للإنسان الكامل؟

 


 

تمهيد

إنّ معرفة الإنسان الكامل أو الإنسان النموذجي أو الأسمى واجبة علينا كمسلمين؛ لأنّه بحكم المثال والقدوة التي ينبغي أن يُقتدى بها، وليس بحثنا هذا مجرّد بحث علمّي بحت وإنما له فائدة عملية كبيرة، إذ من خلاله نستطيع أن نشخّص الطريق الذي أراد الإسلامُ من الإنسان والأمّة أن يسلُكاه للوصول إلى الإنسان الكامل الذي يريده الإسلام.

 

طرق معرفة الإنسان الكامل

ولِمعرفة الإنسان الكامل يوجد طريقان:

الأوّل: الرجوع إلى القران والسنّة النبوية

لِنرى الأوصاف التي ذكرها للإنسان الكامل، ولو بتعبير المسلم أو المؤمن الكامل، إذ المراد منهما هو الإنسان الذي يصل إلى الكمال على ضوء تعاليم الإسلام. وفي المقام يوجد الكثير من النّصوص التي يمكن الاستفادة منها، وسنشير إلى بعضها إن شاء الله.

 

الثاني: البحث عن نموذجٍ كاملٍ للإنسانيّة

قد صِيغوا على ضوء تعاليم الإسلام والقران فنقوم بدراسة شخصيّاتهم بكل أبعادها.

ويُعتبرَ النبيّ الأكرم (ص) ووصيّه الإمام عليّ (ع) نموذجين بارزين للإنسان الكامل. ودراسة شخصية الإنسان الكامل لا تعني دراسة هوّيته فقط، كمعرفة نسبه وتاريخ ولادته، وإنما تعني ما هو أعمق من ذلك بكثير، تعني التعرّف على حقيقة شخصيّته لنستطيع من خلال ذلك تشخيص القدوة، ونكون بالتالي قادرين على الاقتداء بها. وبهذا الاقتداء نكون مستحقّين للاتصاف بأنّنا أتباع محمد شيعة عليّ (ع). فإنّ الذين يشايعون عليّاً (ع) هم الذين يسيرون على دربه قولاً وعملاً لا قولاً فقط.

 

معنى كلمة «الإنسان الكامل»

لعلّ الكثير لا يجد صعوبة في فهم هذه الكلمة، ولكن بالتمعّن نجد أنّها تحتاج إلى توضيح وشرحٍ أكثر.

يوجد في اللغة العربيّة كلمتان متقاربتان في المعنى وليستا بمعنى واحد، هما «الكمال والتمام». وبقابلهما كلمة واحدة وهي «النّقصان»، تُستَعمل تارةً ضدّ الكمال وأخرى ضدّ التمام. فيُقال تارةً «هذا كامل وذاك ناقص»، وأخرى «هذا تامّ وذاك ناقص»، وقد ذكرتا معاً في القران الكريم في ايةٍ واحدةٍ، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) (1) ولم يقل «اليوم أتممت لكم دينكم» أو «وأكملت عليكم نعمتي» ولو ذكر ذلك لما صحّ ذاك لغة فما هو الفرق بينهما؟

 

أما «التمام» فيُراد به التعبير عن تحقّق جميع الأمور اللاّزمة لصيرورة الشي‏ء غير ناقص من جهة ماهيّته وحقيقته، فلو لم يتحقّق بعض هذه الأمور وُصِف الشي‏ء بالناقص أي أنّه لم يوجد كلُّه. فمثلاً يتألّف المسجد من قاعة للصّلاة وجدرانٍ وسقف و... فإذا وُجدت جميع هذه الأشياء أمكن القول بأنّ بناء المسجد قد «تمّ» وإلاّ فإن البناء يبقى ناقصاً.

وأمّا «الكمال» فيُراد به التعبير عن الدّرجات التي يمكن أن يصل إليها الشي‏ء بعد تمامه، ولذلك فلو لم يكن الشي‏ء كاملاً لم يعنِ ذلك أنّه غير تامّ، بل هو تام. وعندما يُقال أنّ فلاناً قد كمُل عقله فلا يعني أنّ عقله كان ناقصاً والان أصبح تامّاً، بل يعني أنّ عقله تامّ إلاّ أنّه قد ارتقى في سلّم الكمال.

وعليه، فالإنسان الكامل هو الإنسان الذي وصل إلى أرقى درجات الإنسانيّة، ذلك الحدُّ الذي لا يكون فوقه إنسان.

 

الكمال والنقصان في الصفات الأخلاقية

يوجَد إنسان «سالم» تامّ واخر «معيوب» ناقص، وهذان المصطلحان يُنسَبان لجنبةٍ في كيان الإنسان وهي الجسم. فالإنسان المعيوب هو المصاب بإحدى الافات كالعمى أو الشّلل و... وهذه جميعاً إنّما تصيب الجسم لا النّفس، ولذلك فإنّها لا تُنقِص من شخصيّة الإنسانِ شيئاً. فمثلاً طه حسين الضرير أو سقراط الفيلسوف المعروف كان من أقبح الناس وجهاً ومع ذلك لم يجدْ أحد في قبحه نقصاً في إنسانيّته وشخصيّته.

ويُستنتج من ذلك أن للإنسان بُعدَين: جسميّ وروحيّ. وهما وإن كانا معاً إلاّ أن أحدهما غير الاخر. فقد يكون الإنسان سليماً من ناحية الروح إلاّ أنّه مريض من الناحية الجسديّة. وقد يكون سليماً من الناحية الجسديّة إلاّ أنّه مريض من الناحية النفسانيّة كالمتكبّر والحسود وغيرها من الرذائل الأخلاقيّة التي لا علاج لها بين العقاقير.

إنّ الحسود عندما يرى نعمةً عند الاخرين يتمنى أن تزول عنهم بكلّ جوارحه بغضّ النظر عن إرادتها لنفسه، بل يصل الأمرُ به أحياناً أن يتمنى لنفسه أن يصاب بمائة مصيبةٍ لو أُصيب من يحسده بخمسين.

إنّ الحسد مرض يصيب نفس الإنسان، وليس للإنسان سبيل لدفعه إلاّ بتزكية نفسه، قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (2).

 

المنهج القرانيّ في بناء الإنسان الكامل

هذا هو المنهج القرانيّ في بناء الإنسان الكامل، وأوّل خطوةٍ فيه هي تزكية النفس وتنميتها وتطهيرها مِن الأمراض الباطنية والعُقد والظلمات أي صيرورة الإنسان إنساناً حقيقةً يلائم مظهره الخارجيّ واقعه الباطنيّ لا أن يكون إنساناً من خارج ومسخاً من داخل.

إنّ مادة «مَسَخَ» وردت في العديد من ايات القران الكريم التي تحدثت عن أقوامٍ مسخوا إلى قردةٍ وخنازير بسبب طغيانهم وكفرهم وصدّهم لأنبياء الله.

ولو فرضنا أنّ الإنسان لا يمسخ جسدياً فإنّه مما لا شكّ فيه أنه يُمسَخ روحياً ونفسياً فيتحول إلى حيوانٍ بل إلى ما هو أدون منه، قال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنّ‏ِ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوب لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُن لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ اذَان لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ‏ُ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (3).

 

المسخ الروحي

إنّ شخصية الإنسان تتجلّى في صفاته الأخلاقيّة والنفسيّة، فإذا اعتدلت هذه الصفات كانت شخصيّة الإنسان متلائمةً مع مظهره الإنسانيّ، وأمّا إذا انحدرت وخرجت عن طور الإنسانية واتسمت بصفات حيوانٍ مفترس، لم يعد صاحب هذه الصفات إنساناً وإنما يصبح حيواناً مفترساً، أي إنّ شخصيّته قد مُسِخَت وأصبحت في الباطن والحقيقة بهيمةً. وهذا هو الإنسان الناقص في قبال الإنسان الكامل.

جاء في الرواية أنّ رجلاً كان بصحبة الإمام زين العابدين (ع) أيام الحجّ، وفي صحراء عرفات وأمام مشهد الألوف من الحجيج قال الرجلُ للإمام (ع): «ما أكثر الحجيج»، فأجابه الإمام (ع): «ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج» (4). وعندما نظر الرجل ثانيةً إلى تلك الجموع شاهد الصحراء مملوءةً بالحيوانات وبينهم بعض الناس يتحركون. لقد فتح الإمام (ع) عين هذا الرجل على باطن الحقيقة. وفي زماننا هذا يوجد العديد من الأفراد ممَّن يستطيعون أن يدركوا الإنسان على حقيقته وأن يروا أن كثيراً من الناس لا تختلف أرواحهم عن أرواح ذوات الأربع.

يذكر العلماء أنّ صنفاً واحداً من الناس سيحشر على هيئة إنسان، وأمّا البقيّة فقسم يُحشَر على هيئة العقارب، وقسم يُحشَر على هيئة الأفاعي، وقسم يُحشَر على هيئة القرود وهكذا. لماذا؟

لأنّ من لا همّ له سوى إيذاء الناس ولسعهم هو في حقيقته عقرب، ومن لا همّ له سوى النهش في أعراض الناس هو في حقيقته كلب، ومن لا همّ له سوى التلاعب بالناس هو في حقيقته قرد. إنّ صفات الإنسان وخصاله في الدنيا هي التي تحدِّدُ هيئته في الاخرة.

 

تفاوت الكمال بين المخلوقات

تارةً ينسب الكمال إلى الإنسان وأخرى إلى المَلَك وثالثةً إلى الجنّ ورابعةً إلى الحيوان. والكمال في كلّ واحدٍ من الأنواع المتقدّمة يختلف عن الكمالِ في الاخر؛ فالملائكة موجودات علويّة مخلوقة من العقل المحض وهم مبرّؤون من أيّ جنبةٍ أرضيّةٍ وشهوانيّة، بخلاف الحيوانات غير الإنسان فإنّها موجودات أرضيّة صرفة. وأمّا الإنسان فهو موجود مركّب من جنبتين علوية ملائكيّة وسفليّة حيوانيّة.

عن الإمام الصادق (ع) قال: «قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع): إنّ اللَّه ركّب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركَّب في البهائم شهوةً بلا عقل، وركّب في بني ادم كلتيهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم» (5).

فالإنسان يختلف عن غيره من المخلوقات نتيجةً لاختلاف ذاته في تركيبها عن المخلوقات الأخرى ولهذا يكون الكمال المنتسب إليه مختلفاً عن الكمال المنتسب إليها. قال تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (6).

أي إنّ اللَّه خلق الإنسان من نطفةٍ تحتوي على الكثير من القابليات تجعله مؤهلاً لمواجهة الامتحان والبلاء وبالتالي الحصول على الثواب أو العقاب (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً). ونتيجةً لهذه الخصائص كان الإنسان الكامل مختلفاً عن الملك الكامل، وكمال الإنسان يكمن في إقامته التوازن بين جميع قابلياته واستعداداته، لا أن ينميّ بعضها ويهمل الأخرى كالجسّم المكوّن من رأسٍ ويدين ورجلين و... ولا ينمو فيه سوى عضو واحد، إنّ هكذا جسماً يقال عنه أنه غير متجانس. أمّا إذا نمت الصفات والقابليات بنحوٍ متجانسٍ فإنّ الكمال سيتحقق ويرتقي إلى أن يصبح الإنسان إماماً، كما حكاه تعالى عن إبراهيم (ع): (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ‏َ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (7).

لقد واجه إبراهيم (ع) اختباراتٍ وابتلاءاتٍ عظيمة؛ منها إلقاؤه في النار ومنها أمره بذبح ابنه إلاّ أنه اجتازها من خلال التسليم المطلق للأمر الإلهيّ ولذا كان الثواب (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (8). (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (9). وبهذا يتضح معنى قوله تعالى: (إِنّ‏َ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (10)، ومعنى الوسام الإلهي الذي أعطي له (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) (11). لقد أصبح إنساناً كاملاً وعلى الاخرين أن يتخذوه قدوةً ويحتذوا حذوه إذا أرادوا الوصول إلى الكمال.

 

الإفراط في التمسك بإحدى القيم ومبادئه

يركِّز القران الكريم على ضرورة العمل على إنماء جميع القيم في كيان الإنسان بنحوٍ متوازنٍ لا يؤدي إلى إلغاء بعضها لحساب البعض الاخر. يقول تعالى: (مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (12). ويقول في موضعٍ اخر: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْامِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (13).

ففي هاتين الايتين المباركتين وغيرهما من الايات نجده تعالى يبيّن سمات المجتمع الإسلاميّ من خلال أفراده، فهم الذين يبتغون فضل اللَّه ويتقدمون يوماً بعد يوم. هم التائبون العابدون وهم الامرون بالمعروف الناهون عن المنكر، وهم المستغفرون بالأسحار وهم الصابرون الصادقون. فهؤلاء قد نمت فيهم القيم بشكلٍ متوازن بحيث لم يمنع نمو بعضها من نمو البعض الاخر. ومن هذا البيان ندخل لتسليط الضوء على الانحراف الذي قد يصيب المجتمع والأفراد باسم التنوّر، كذاك الانحراف الذي حصل في عهد عمر.

 

انحراف التنوّر

من المعلوم أنّ عمر بن الخطاب قام بحذف «حيّ على خير العمل» من الأذان، ولعلّك تتساءل عمّا دفعه لذلك؟ والجواب أنه حسبَ ذلك تنوّراً فكريّاً، فقد كان عهده عهد الفتوحات وقد استطاع المسلمون أن يحقّقوا انتصاراتٍ عظيمة على الرغم من قلّة عددهم في مقابل الإمبراطوريتين الرومانية والفارسيّة، وفي تلك الظروف رأى «عمر» أنه من المصلحة حذف «حيّ على خير العمل» من الأذان، لأنها تدعو المسلم للتوجّه نحو أفضل الأعمال وهي الصلاة، وهذا سيفسد نفسية المقاتلين فإنهم سيقعون في حيرةٍ من أمرهم أيذهبون إلى الصلاة أم إلى الجهاد؟ بالطبع سيذهبون إلى الصلاة فإنها أفضل الأعمال ولازم ذلك إضعاف قوّة المسلمين. إذن فلتحذف «حي على خير العمل» وليتمّ إبدالها ب«الصلاة خير من النوم» باسم التنوّر.

إلاّ أنه قد فات عمر أن المسلمين إنما استطاعوا هزم الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية لا بقوة السلاح وإنّما بقوّة الإيمان المستمدّة من الصلاة، من المناجاة مع الخالق واستشعار عظمته وأنّه أكبر من كل شي‏ء، أي المستمدة من «حيّ على خير العمل».

لقد جانَبَ «عمر» الصواب في عمله ولم يلتفت إلى أن من كان الجهاد فرضاً واجباً عليه فإنه لن يتركه بل سيجده شرطاً لقبول صلاته، ولن تكون صلاته إسلاميّةً إلا بتحقيقه.

هذا هو منطق الإسلام، صحيح أن العبادة هي أعلى القيم، إلاّ أنه لها شروط تؤدّي إلى نمو سائر القيم معها، يقول تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنّ‏َ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (14).

 

انحراف العبادة

أولى الإسلامُ العبادةَ أهميةً كبرى، إلاّ أنّ هذه العبادة قد يحصرها البعض بالذهاب إلى المسجد وقراءة القران فحسب، من دون أن تمتدُّ لتشمل جميع نشاطات الإنسان كالتكسّب للنفس والعيال، وخدمة المجتمع والجهاد في سبيل اللَّه. وهذا انحراف يصيب العبادة.

«روي أنّ جماعةً من الصحابة حرّموا على أنفسهم النساء والإفطار بالنهار والنوم بالليل، فأخبرت أم سلمة رسول اللَّه (ص) فخرج إلى أصحابه فقال: أترغبون عن النساء؟! إنّي اتي النساء، واكل بالنهار، وأنام بالليل، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي، وأنزل اللَّه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلّ‏َ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنّ‏َ اللَّهَ لا يُحِبّ‏ُ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (15) فقالوا يا رسول اللَّه، إنّا قد حلفنا على ذلك؟ فأنزل اللَّه: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ (...) وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (16)» (17).

وهكذا بالنسبة للقيم الأخرى كالزهد والجهاد والعدالة والحريّة وخدمة الناس وغيرها فإنها قد تصاب بانحراف يؤدّي إلى طغيانها على بقيّة القيم مما يؤدّي إلى اختلال المجتمع، ولهذا فإذا أردنا إحياء قيمة خدمة الناس مثلاً فلا ينبغي أن يكون ذلك على حساب إكرام عباد اللَّه الصالحين وإلاّ فإنّ هذه الخدمة ستكون كخدمة أيّ حيوانٍ اخر غير الإنسان.

هذه قيم والإنسان الكامل ليس هو العابد فقط أو الزاهد فقط أو المجاهد فقط؛ إنه ذاك الذي تربَّت فيه كلّ هذه القيم ونمت إلى حدودها العليا في انسجام والتئام.

 

معيار القيم الإنسانية (18)

يُعتَبر الإحساس بالألم وبحسب ما ورد في النصوص الإسلامية معياراً للقيم الإنسانية، وهذا ما يحتاج إلى بعض التوضيح:

عند الحديث عن الألم فإنّ أول ما يتبادر إلى الذهن هو كيفيّة علاجه لا جعله معياراً للقيم، إلاّ أن هذا الاستغراب سيزول إذا علمنا منشأ الألم.

من الأمور التي ينبغي الالتفات إليها أنّ الألم حتى الالام العضوية ينبِّه على وجود خللٍ ما في كيان المتألم. ولولا هذا التنبيه لما أدرك المتألم وجود الخلل ولما بادر إلى علاجه. نستنتج من ذلك أنّ الألم نعمة وإحساس وتيقّظ. فالإنسان من خلال الألم يدرك وجود نقصٍ عنده، فيندفع للبحث عن علاجه وعمّا يرفعه.

إنّ إحساس الإنسان بجهله وقصوره يولّد لديه الاماً تدفعه نحو البحث عمّا يرفعهما. والقائل بأن العقل والذكاء عدوّان له هو فاقد للإحساس بالتعاسة والشقاء الناتجين من الجهل. ومن حالَه كذلك فهو تعيس وسيّ‏ء الحظ، حاله كحال المصاب بمرضٍ في جسمه لا يؤلمه حتى يتطوّر ويصبح ميئوس العلاج.

وقد تسأل عن ماهية الألم الذي يُعتَبر معياراً للقيم الإنسانية، فهل هو ألم الصداع أم ألم الظهر أم أي نوع من الالام العضوية؟

 

الجواب

إنّه ليس من جنس هذه الالام فإن الحيوان، يشترك مع الإنسان فيها، بل هو ألم من نوعٍ اخر إنه «ألم البحث عن اللَّه».

ومنشأ هذا الألم، إنّ الإنسان وكما تُعبِّر النصوص الإسلامية نفخة من روح اللَّه نزلت إلى الدنيا. ولذلك فإنه لا ينسجم تماماً معها بل يحسّ بالغربة. إنّ كُلّ ما في الدنيا زائل وفانٍ وليس جديراً بالتعلُّق به. إنّه الإنسان  يحنّ لخالقه ولذلك فإنه يبحث عنه ليعبده ويبُّثه شجونه ويتقرَّب إليه.

ومن أجمل الأمثلة التي يذكرها العرفاء لتقريب هذه الفكرة ما يذكره مولوي في مطلع كتابه مثنوي، فإنه يشبِّه الإنسان بالناي الذي اقتُطِع من مزرعة القصب ولذلك فإنّه دائم الأنين من ألم الفراق. إنّه ينوح لأنّه قد فُصِل عن أصله.

هذا هو الألم العرفانيّ؛ إنّ الإنسان يتألمّ من فراق اللَّه ولذلك فإنّه يناجيه طالباً وصاله. يقول الإمام علي  في حديثٍ له مع كميل بن زياد: «اللهم بلى! لا تخلو الأرض من قائمٍ للَّه بحجَّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً (19) (...) أولئك واللَّه الأقلّون عدداً، والأعظمون عند اللَّه قدراً، يحفظ اللَّه بهم حججه وبيّناته، حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم. هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاء اللَّه في أرضه، والدعاة إلى دينه. اهٍ اهٍ إلى رؤيتهم! انصرف يا كميل إذا شئت» (20).

فهؤلاء كما يصفهم الأمير (ع) يتألمون بسبب البعد عن اللَّه والشوق إليه، فمّا لم يصل الإنسان إلى اللَّه فلن تفارقه حالة الاضطراب، ولذا فإن الذكّر يكون له دواءً (الَّذِينَ امَنُوا وَتَطْمَئِنّ‏ُ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنّ‏ُ الْقُلُوبُ) (21).

علي (ع) كان كذلك، كان يغيب عن كلّ ما حوله إذا دخل في الصلاة، مندمجاً بكلِّه في معشوقه حتى أنهم إذا أرادوا اقتلاع السهم من جسمه، كانوا يستخرجونه حال الصلاة. إنّ هكذا ألماً هو خير من ملك الدنيا.

 

الألم لخلق اللَّه

ترى بعض المدارس أن الألم الموجود عند الإنسان مرجعه إلى الألم لخلق اللَّه ولا معنى للقول بألم الإنسان للَّه. إلاّ أنّ هذا الكلام غير صحيح وسنستعين بما يذكره العرفاء لبيان أنّ الألم من أجل العباد لا معنى له ما لم يكن منبثقاً من الألم للَّه.

 

الأسفار الأربعة

يرى العرفاء أن مسيرة الإنسان نحو الكمال تنقسم إلى أسفارٍ أربعَة:

1  السفر من الخلق إلى الحق.

2  السفر بالحق في الحق (أي معرفة اللَّه).

3  السفر من الحق إلى الخلق بالحق  أي مع اللَّه.

4  السفر بالحق في الخلق، أي سير الإنسان مع اللَّه بين خلق اللَّه.

ويُظهر هذا التقسيم أن أوّل الخطوات التي ينبغي على الإنسان القيام بها هي السفر إلى اللَّه. وما لم يعرف الإنسان ربَّه ويتقرَّب إليه فلن يكون قادراً على إنقاذ الخلق وهدايتهم. وبعبارةٍ مختصرةٍ ما لم يستطع الإنسان تخليص نفسه فلن يكون قادراً على توفير الخلاص للاخرين، وما لم يتغلّب على نفسه الأمارة بالسوء، والعبودية للهدى فلن يكون قادراً على إزالة الأغلال عن أعناق الاخرين.

من هذا المنظور فالإنسان المسلم هو الذي يحمل ألم اللَّه، ومن خلاله يحمل الام الاخرين.

 

كيف عبَّر القران الكريم عن الألم للخلق

يقول تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْانَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (22)، ويقول في موضعٍ اخر: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيص عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوف رَحِيم) (23).

وما أجمله من تعبير قرانيّ يصّور فيه حالة الألم عند رسول الله (ص) كيف كان (ص) يحمل ألم خلق اللَّه، فيؤلمه ما يؤلمهم ويسوؤه ما يسوؤهم، إلاّ أنّ كلّ ذلك كان بسبب  حرصه على هدايتهم.

 

كيف عبَّر علي (ع) عن الألم للخلق

نقرأ كتاباً لأمير المؤمنين (ع) يخاطب فيه وَاليَه على البصرة عثمان بن حنيف وقد بلغه (ع) أنه حضر وليمةً لأحد الأغنياء دُعيَ إليها وجهاء القوم دون فقراءهم.

يقول (ع): «أما بعد، يا ابن حنيف: فقد بلغني أنّ رجلاً من فتية البصرة دعاك إلى مأدبةٍ فأسرعت إليها تستطاب (24) لك الألوان وتُنقَل إليك الجفان (25) وما ظننت إنك تجيب إلى طعامِ قومٍ عائلهم (26) مجفوّ (27)، وغنيّهم مدعوّ (...) إلا وإنّ لكلّ مأمومٍ إماماً يقتدي به ويستضي‏ء بنور علمه، إلا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (28)، ومن طُعمه (29) بقرصيه (30) (...) ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي (31) إلى تخيُّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع أَوَأبيتُ مبطاناً وحولي بطون غُرثى (32) وأكباد حرّى (33)، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءً أن تبيت ببطنة ٍ(34)                   وحولك أكباد تحنّ إلى القِدِّ (35)...» (36).

 

إنّ الأمير (ع) يتألَّم لخلق اللَّه من شدِّة شوقه إليه. وهذا الألم لذيذ لأنه يُشعر الإنسان بالصفاء والراحة، كالحزن الذي يصيب الإنسان عند استماعه لمصيبة سيّد الشهداء (ع).

إنّ الروح التي تتألم للخلق لكونها تتألم لله، روح  عظيمة، لقد كبرت حتى أضحت روحاً لجميع الأبدان: «نظر علي (ع) إلى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها، وسألها عن حالها فقالت: بعث علي بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل، وترك علي صبيانا يتامى، وليس عندي شي‏ء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس، فانصرف وبات ليلته قلقاً، فلما أصبح حمل زنبيلاً فيه طعام، فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك، فقال: من يحمل وزري عنّي يوم القيامة؟ فأتى وقرع الباب، فقالت: من هذا؟ قال: أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي فإن معي شيئاً للصبيان، فقالت: رضي الله عنك وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب، فدخل وقال: إنّي أحببت اكتساب الثواب، فاختاري بين أن تعجني وتخبزي وبين أن تعلّلي الصبيان لأخبز أنا، فقالت: أنا بالخبز أبصر وعليه أقدر، ولكن شأنك والصبيان، فعلّلهم حتى أفرغ من الخبز، قال: فعمدت إلى الدقيق فعجنته، وعمد علي (ع) إلى اللحم فطبخه، وجعل يلقم الصبيان من اللحم والتمر وغيره، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئاً قال له: يا بني اجعل علي بن أبي طالب في حلّ ممّا أمر في أمرك، فلما اختمر العجين قالت: يا عبد الله أسجر التنّور فبادر لسجره فلمّا أشعله ولفح في وجهه جعل يقول: ذق يا عليّ هذا جزاء من ضيع الأرامل واليتامى، فرأته امرأة تعرفه فقالت: ويحك هذا أمير المؤمنين، قال: فبادرت المرأة وهي تقول: واحيائي منك يا أمير المؤمنين، فقال: بل واحيائي منك يا أمة الله فيما قصرت في أمرك» (37).

 

علي (ع) الإنسان الكامل

نتجّه إلى علي (ع) مرةً أخرى لنأخذ منه الدرس تلو الدرس. وإننا حينما نقرأه لنتحيّر في أمره فمرةً نخاله رجل حربٍ لا همّ له سوى قرع السيوف، وتارةً نجده صوفياً لا شغل له سوى مناجاة معشوقه. وإليك نموذجان يحكيان صدق ما نقول:

 

النموذج الأوّل: في أوّل تماسٍ بين جيش علي (ع) وجيش معاوية، يوعز معاوية إلى جيشه بقطع الماء عن جيش علي (ع) قبل أن يصلوا إليه. فيحاول الإمام (ع) حلّ الأمر في البدء عن طريق التفاوض إلاّ أن معاوية يبقى مصرّاً على فعله، فيقف الإمام (ع) أمام جيشه ويخاطبه بكلماتٍ تؤثّر أكثر من ألف طبلٍ وألف بوق وألف لحنٍ عسكريّ: «قد استطعموكم القتال (38) فأقرّوا على مذلّةٍ، وتأخير محلّةٍ، أو رووا السيوف من الدماء ترووا من الماء، فالموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين...» (39).

فيندفع جيش علي (ع) ويستولي على شريعة الماء، ويطرد جيش معاوية. وعندما يطلب معاوية الماء لجيشه يرفض جند علي (ع) إيصال الماء إليهم ولكن علياً (ع) يأبى ذلك فليس هذا من شيمه ولا منسجماً مع مروءته.

النموذج الثاني: عندما كان ينتهي علي  من قضاء حوائج الناس، كان يختلي بنفسه مع اللَّه فيبثّه شجواه ودعاءه «اللهم إنك انس (40) الانِسين لأوليائك، واحضرهم بالكفاية للمتوكّلين عليك، تشاهدهم في سرائراهم متطّلع عليهم في ضمائرهم، وتعلم مبلغ بصائرهم، فأسرارهم لك مكشوفة، وقلوبهم إليك ملهوفة (41)...» (42).

إن هذا الدعاء وغيره من أدعيته (ع) تحكي عن علاقة عبد عاشقٍ بإلهٍ معشوق، فلا جنّة ولا نار في المقام وإنّما طلب للقرب والوصال.

 

نهج البلاغة مرآة علي (ع)

يضمّ نهج البلاغة بين دفتيه 241 خطبةً من خطب علي (ع). وعندما نطالع هذا الكتاب نلحظ العارف تارةً والبطل الشجاع ورائد الحرية تارةً أخرى، والزاهد العابد ثالثةً. وبما أنّ اللسان مرآة النفس نستطيع أن ندرك عظمة علي (ع) في كلّ منقبة من مناقبه.

نقرأ علياً وهو يصف العرفاء وهو سيّدهم بقوله: «... هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا (43) ما استوعره (44) المترفون (45) وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحها معلقة بالمحلّ الأعلى...» (46).

إلاّ أن هذه الروحية التي يعيشها علي (ع) لا تصنع منه إنساناً عبوساً مقطَّب الوجه، بل هو صاحب الوجه البشوش والصحبة الحسنة لدرجة أنّ أعداءه عندما لم يجدوا فيه ما يشينه عابوا عليه بشاشته لظنّهم أن الخلافة تتطلّب الوجه العبوس والمنطق الحادّ.

يقول (ع): «عجباً لابن النابغة (47) يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة (48)، وأنيّ امرؤ تِلعابة (49): أعافس وأمارس (50)! لقد قال باطلاً ونطق اثماً» (51).

لقد اجتمعت في علي (ع) صفات يندر اجتماعها معاً إلا في شخصٍ مثله. فهو الحاكم الحكيم، وهو الحليم الشجاع، وهو العابد الزاهد، وهو الفقير الجواد.

 

يقول صفيّ الدين الحليّ في وصفه (ع):

جُمعت في صفاتك الأضدادُ                                  ولذا عزّت لك الأندادُ

(....) خُلق يُخجلُ النسيمَ من اللطفِ‏                        وبأس يذوبُ منه الجمادُ.

 

علي (ع) وشوقه إلى اللَّه

في الليلة التاسعة عشر من شهر رمضان، ليلة اللقاء، يرى علي (ع) رسول اللَّه (ص) في المنام، فيشكو إليه ما هو فيه من التذلّل والأذى من أمّته: «فقال لي: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلهم بي شرّاً وأبدلني بهم خيراً منهم، فقال لي: قد استجاب اللَّه دعاءك، سينقلك إلينا بعد ثلاث...». كلّ شي‏ءٍ في تلك الليلة كان له طعم خاص ووقع خاص. لم يكن (ع) ليقبل أنّ يمنعه أيّ شي‏ءٍ عن الذهاب إلى قضائه، وإذا بمنادٍ ينادي «تهدّمت واللَّه أركان الهدى وانطمست واللَّه أعلام التقى وانفصمت العروة الوثقى، قُتِل ابن عم المصطفى قتل الوصي المجتبى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء» (52).

 


الخلاصة

 

هناك طريقان لمعرفة الإنسان الكامل:

الأول بالرجوع إلى القران الكريم والسنّة النبويّة.

الثاني: دراسة شخصيات تعتبر نماذج للإنسان الكامل.

ويوجد فرق بين التمام والكمال، والإنسان الكامل هو الذي وصل إلى أرقى درجات الإنسانية. وتُعتبر تزكية النفس الخطوة الأولى في بناء الإنسان الكامل في المنهج القراني.

والكمال يتفاوت بين مخلوق واخر، وكمال الإنسان يتجسَّد في إقامته التوازن بين جميع قابلياته واستعداداته، والمتأمل قليلاً في صفات علي (ع) يقطع أنه لهو الإنسان الكامل.

كما أن الإحساس بالألم هو معيار القيم الإنسانية. والألم لخلق اللّه منبثقاً عن الألم للّه ولا معنى للقول بأنّه هو معيار القيم الإنسانية.

وتظهر الكثير من المساوى نتيجة التمسك بإحدى القيم وإهمال الأخرى، سواء على صعيد الفرد أم على صعيد المجتمع.

 


الهوامش

 

(1) سورة المائدة، الاية: 3.

(2) سورة الشمس، الايتان: 9  10.

(3) سورة الأعراف، الاية: 179.

(4) المحدث النوري، مستدرك الوسائل: ج‏1، ص‏157. سفينة البحار: ج‏2، ص‏71. إثبات الهداة: ج‏5، ص‏39.

(5) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ج‏15، كتاب الجهاد، الباب 9، من أبواب جهاد النفس، الحديث الثاني.

(6) سورة الإنسان، الايتان: 2، 3.

(7) سورة البقرة، الاية: 124.

(8) سورة الأنبياء، الاية: 69.

(9) سورة الصافات، الايتان: 104، 105.

(10) سورة النحل، الاية: 120.

(11) سورة البقرة، الاية: 124.

(12) سورة الفتح، الاية: 29.

(13) سورة التوبة، الاية: 112.

(14) سورة العنكبوت، الاية: 45.

(15) سورة المائدة، الايتان: 87  88.

(16) سورة المائدة، الاية: 89.

(17) الحر العاملي، وسائل الشيعة: ج‏14، كتاب النكاح الباب 2 من أبواب مقدمات النكاح، ص‏9، ح‏9.

وبذلك تتمّ شروط ثلاثة للإنسان الكامل: 1  نموّ جميع القيم. 2  بشكلٍ متوازٍ. 3  لتبلغ أرقى المستويات.

(18) على الرغم من الاختلاف الكبير بين الرؤية الروحية والرؤية المادية حول ماهية الإنسان  بالروح أم بالجسد ، إلا أنهما تتفقان معاً على وجود جملةٍ من الأمور المعنوية التي تهب للإنسان القيمة، والتي إنّ جُرِّدَ الإنسان منها ارتفع الفرق بينه وبين الحيوان. ويصطلح على هذه الأمور ب«القيم الإنسانية».

(19) غمره الظلم حتى غطّاه فهو لا يظهر.

(20) سورة الرعد، الاية: 28.

(21) من دعاء كميل.

(22) سورة طه، الايات: 1، 2، 3.

(23) سورة التوبة، الاية: 128.

(24) يطلب إليك طيبها.

(25) جمع جفنة وهي القصعة.

(26) محتاجهم.

(27) مطرود.

(28) الطمر هو الثوب البالي، والمراد من الطمرين الرداء والإزار.

(29) ما يطعمه ويفطر عليه.

(30) تثنية قرص وهو الرغيف.

(31) شدة الحرص.

(32) جائعة.

(33) عطشى.

(34) البطر والأشر.

(35) سير (قطعة) من جلد غير مدبوغ.

(36) نهج البلاغة، الكتاب 45.

(37) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج‏14، ص 52.

(38) أي طلبوا منكم أن تطعموهم القتال.

(39) نهج البلاغة: الخطبة 51.

(40) أشد أنساً.

(41) الملهوف هو المضطر يستغيث ويتحسر.

(42) نهج البلاغة: الخطبة 227.

(43) عدوا الشي‏ء ليّناً.

(44) عدوه وعراً وخشناً.

(45) أهل الترف والنعيم.

(46) نهج البلاغة، الحكمة 147.

(47) يقصد به عمرو بن العاص.

(48) المزاح واللعب.

(49) كثير اللعب.

(50) أعافس أي أعالج الناس وأضاربهم مزاحاً، والممارسة كالمعافسة.

(51) نهج  البلاغة، الخطبة 84.

(52) منتهى الامال، ج‏1، ص‏338.


** عودة  **