|
تمهيد
بالرغم من أن
عظمة شخصية الإمام الخميني، وعمقها وغناها، هي من السمو بمكان لا يتيسر معه
حتى لأقرب الناس إليه أو أنجب تلامذته إدراكها وفهم أبعادها، إلا أنه من
المفيد أن يعمد أي شخص أتيحت له فرصة التعاطي معه، إلى التحدث عما رآه وأحس
به في ذلك الإنسان العظيم، حسب مستوى فهمه واطلاعه، وحسب السعة الروحية التي
يتمتع بها، حتى ترتوي الأجيال القادمة المتعطشة للمعرفة من بحر الفضيلة
والنور الذي يزخر به الإمام. ولأنه كان يتمتع، رضوان الله عليه، بشخصية
متكاملة الجوانب، فقد كانت حركاته وسكناته، كلماته وتصرفاته، العادية
واليومية، عبارة عن دروس حية عن الحكمة الإلهية الخالدة والروح الملكوتية
المتعالية. لذا فإن الأمانة العلمية والتاريخية تقتضي بأن يضع أي شخص ما سمع
أو عرف من جوانب شخصية عن الإمام، تحت تصرف العامة، من أجل الفائدة وشمولها.
وكاتب هذه السطور، الذي قضى أكثر من ثلثي عمره في ظل الإمام، وعشق التجربة
التي خاضها، بحلاوتها ومرارتها، على مدى 27 عاماً، وضع نبذة عن مشاهداته في
ملف خاص أفرده لهذه الغاية. ويهمني التأكيد على أن المعلومات الواردة في هذا
الملف، هي حصيلة المشاهدة المباشرة للكاتب عن الإمام.
القسم الأوّل
كأنه لم يكن بيننا
العمر:
حساب التاريخ أم حساب الواقع
لقد قيل الكثير
حتى الآن عن القناعة التي كان يتمتع بها الإمام الخميني في حياته، حيث كان
يقتصد إلى أقصى الحدود في الاستفادة من الإمكانيات المتاحة له. حتى أن المرء
كان يلاحظ وجود هذه الخصلة لديه عند أبسط ارتباط به أو معاشرة له. لم يكن
الإمام بعيداً عن الإسراف والتبذير فحسب، بل يمكن اعتبار مراحل حياته مصداقاً
جلياً لقول (المؤمن قليل المؤنة، كثير المعونة).
لقد حرص دوماً،
رضوان الله عليه، على أقل حد ممكن من الاستزادة من متاع الدنيا ورفاهيتها، في
الوقت الذي بلغ درجات عُلى في إسداء الخير للآخرين والتدرج في الآفاق
المعنوية.
أود أن أتحدث
في هذا المقام عن نظام التوفير الذي كان يعمل به في مجال الاستفادة من الوقت،
بعد أن روي الكثير الكثير عن اقتصاده في استعمال الماء والكهرباء وسائر وسائل
الحياة الضرورية.
إن عمر الإنسان
الحقيقي ينبغي أن يقدر ويحسب ضمن إطار الاستغلال الصحيح والحركة الفعالة
باتجاه الأهداف المثمرة وادراك فلسفة الخلق وحكمة الحياة. حسب هذا المقياس،
من الممكن أن يعيش أحد الأشخاص مئة عام كما تفيد شهادة ميلاده. إلا أن عمره
المفيد، إذا صح التعبير، يمكن أن يصل إلى حد الصفر أو ما دون الصفر، حيث أن
هذه السحابة تكون قد مرت وهو يتحرك من خلالها كجثة متنقلة ليس لها هدف ولا
اتجاه. أو أن شخصاً آخر يبلغ المدى الواقعي من عمره الذي يصل إلى مئة سنة،
خمس سنوات، أو عشر سنوات، أو عشرين سنة على سبيل المثال. وبالنتيجة، عندما
يقضي لحظات عمره كلها من دون أن يقرب المحرمات أو يدنو من البطالة والتفاهة،
ينطبق عمره الأصلي الذي يحسب عليه مع عمره الواقعي الذي يحسب له. بالنسبة
للإمام، فقد كانت حياته من جانب محتواها وكيفيتها وغناها،ـ مصداقاً للآية
التي تقول {إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}. حتى أن نومه،
استراحته، أوقات فراغه ورياضته، وتناوله الطعام، كانت تصب كلها في الاتجاه
المؤدي إلى الله تعالى، وفي تكامل الصعود المعنوي. أما من الجانب الظاهري
والكمي، فليس هناك من يستطيع الادعاء بأنه رأى الإمام بلا عمل أو انشغال في
يوم من الأيام، إلى درجة يمكنني القول معها أنه في الأيام الأخيرة من عمره
الشريف، وبالرغم من الضعف والمرض والكهولة التي أرخت ظلالها عليه، بقي الشخص
الأكثر عملاً وفعالية وانهماكاً بين كل الذين عرفتهم.
الأكثر
انشغالاً بين الجميع
من المعلوم أن
الإنسان يحتاج إلى قدر مناسب من السلامة الجسدية والسكنية الروحية حتى يستطيع
تحرير رسالة ما أو تدوين فكرة ما، حيث أن وجود عارض مرضي أو ضعف جسدي أو
مشاكل نفسية، كفيل بأن يعيق عمله ويشل طاقته على التفكير والكتابة. إلا أن كل
من عرف الإمام في السنة التي تلت موافقته على قرار مجلس الأمن الدولي بشأن
وقف حرب الخليج الفارسي التي كانت بمثابة السم الزعاف بالنسبة له، بالإضافة
إلى الآلام والمشاكل الأخرى التي طرأت عليه وأسالت دموعه، يشهد بأنه قد حرر
عشرات الرسائل والبيانات الجامعة التي تناولت مختلف المسائل المطروحة؛ قال كل
ما يجب أن يقال، وتحدث عن مختلف المواضيع، وأكد على المسائل الهامة بصورة
مضاعفة، وأزاح الستار عن المباحث المبهمة، وألقى الحجة على الجميع وبيّن لهم
نور هدايتها، ولم يدع أي شاردة أو واردة تفوته لأنه اعتبر ذلك من صلب التكليف
الشرعي المفروض عليه. فقد عرف بأنه بات يعيش الأيام الأخيرة التي تجمعه
بالأمة التي كرس حياته لها. وإذا غضينا النظر عن المحتوى الباهر الذي تزخر به
البيانات المشار إليها، فإن حجمها وكميتها وعددها فاق كل التوقعات وتخطى كل
الحدود. والجدير بالذكر هنا أن هذا النشاط هو إحدى الزوايا المحدودة التي
اشتملت عليها دائرة اهتماماته ومسؤولياته.
أعمال
متعددة في وقت واحد
لقد اعتاد
الإمام الخميني على تأدية أعمال متعددة في آن واحد. ويهمني أن أورد في هذا
المقام مشاهدات مباشرة أتاحها لي اتصالي الدائم بالإمام من خلال الأجواء
المنزلية الحميمة التي عاشها.
في إحدى
الأيام، استدعاني الإمام عند الساعة السابعة مساء لأمر ما. وعندما دخلت عليه،
وجدته منشغلاً بأداء التعقيبات الخاصة بصلاتي المغرب والعشاء، حيث كان يؤدي
الأعمال التالية:
1 ـ المسبحة في
يده وهو في حالة الذكر والترديد.
2 ـ الاستلقاء
على الظهر ورفع الرجلين اليسرى واليمنى وخفضهما بصورة تبادلية، ضمن برنامج
رياضي خاص أشار به الأطباء.
3 ـ النظر إلى
تصوير التلفزيون الذي عمد إلى اخفاء صوته.
4 ـ الاستماع
إلى نشرة الأخبار التي تبثها الإذاعة، من خلال جهاز راديو صغير.
5 ـ مداعبة
حفيده العزيز على قلبه، علي، الذي كان يحاول تقليد حركات جده حيث استلقى
بالقرب منه.
نلاحظ من خلال
ذلك أن انشغاله بالأعمال المذكورة، لم يمنعه من احاطة حفيده بالعاطفة الغامرة
التي يأنس بها. وأنه يؤدي خمسة أعمال مختلفة في زمان واحد وبصورة تلقائية.
من الشواهد
الأخرى التي كانت تتكرر دوماً أمام ناظري، هي رياضة المشي التي واظب عليها
الإمام دوماً. كنت أراه في فترة بعد الظهر يتمشى في فناء منزله. وبالإضافة
إلى هذا العمل الذي يعتبر نشاطاً هاماً في حد ذاته لأنه يحفظ سلامته ويعينه
على خدمة دين الله الحنيف على أكمل وجه (قوِّ على خدمتك جوارحي)، كان يحمل
المسبحة في إحدى يديه وينشغل بذكر الله تعالى، وفي اليد الأخرى جهاز راديو
صغير يستمع من خلاله إلى الأخبار السياسية؛ الداخلية والدولية.
لهذا يمكننا
القول أن حياة الإمام الخميني وعمره الواقعي يقفان عند حدود السنين السبعة
والثمانين التي عاشها لجهة الاستفادة القصوى منهما، من الناحية الكمية التي
أشرنا إليها. بل إن عمره الشريف يلامس مشارف الخلود من ناحية الكيفية
والمحتوى والإنجاز، لارتباطه الوثيق بمبدأ الوجود الباقي بعد فناء كل شيء،
والمستمر مع استمرار الحق والحقيقة.
كأنه لم
يكن بيننا
اعتدنا طوال
فترة عملنا بين يدي الإمام على التوجه إلى مكتب الشؤون الشرعية عند الساعة
الثامنة صباحاً حيث كنا نشغل من وقته الثمين فترة تتراوح بين العشرين إلى
خمسين دقيقة يقضيها في الإجابة على الأسئلة والاستفتاءات المطروحة. وبعدها
كنا ننشغل بترتيب الملفات، بينما ينصرف هو إلى المطالعة والبحث، مع إشرافه
على العمل الذي نقوم به. عندما قرر الأطباء ضرورة خضوع الإمام لعملية جراحية،
وحدد الموعد في إحدى أيام الثلاثاء، تغيرت عادته قليلاً حيث بدأ في وضعية
خاصة، يومي الأحد والاثنين اللذين سبقا يوم العملية، فلم يجب خلالهما سوى على
سؤالين من الأسئلة المطروحة عليه بكلمات مختصرة ومحدودة. ثم لم يعمد بعد ذلك
إلى المطالعة المعتادة بل ركن إلى جلسة هادئة ساكنة. وبدت علامات السكينة على
وجهه المشرق وهو ينظر إلى الأفق البعيد. وبالرغم من أنه اختار المجلس
المعتاد، فقد بدا وكأنه لم يكن بيننا.
لقد كان وضع
الإمام الصحي عادياً ومستقراً إلى درجة أنه كان يستطيع الذهاب إلى أماكن
اللقاءات والأعمال المعهودة تماماً كما جرت العادة في أوقات الصحة والسلامة.
إذن فهو لم يكن يعاني ظاهرياً من المتاعب الجسدية، كما لم يكن مطلعاً بشكل
دقيق على نوعية المرض الذي يعاني منه. وعلى حد علمي، فإنه لم يبلغ بحقيقة
حالته حتى النهاية. وبالنسبة لوضعية تناوله للطعام والشراب، هي أيضاً كانت
طبيعية. إذ إنه استمر في تناول المرطبات حتى الأسبوع الأخير الذي سبق إجراء
العملية، حين طلب منه طبيبه الخاص بالتوقف عن ذلك. في يوم الإثنين، أتى
الطبيب المشرف وأخبر الإمام بعزمه على إجراء نفس العمل الذي أجري يوم أمس، أي
أخذ صورة (اندوسكوبي) لمعدته.
اقترح الإمام،
الذي كان يعتقد بأن النزيف الذي أصاب معدته ناتج عن تناوله المفرط للحبوب
والأقراص المعالجة، بأن يتوقف عن استعمالها لمدة عشرة أيام علّها تفيد في وقف
النزيف. وذلك بعد أن عبر عن ضيقه الشديد بالإجراءات التي يستلزمها أخذ الصورة
الطبية المشار إليها. عندها أفاد الطبيب بأن أخذ الصورة هو أمر لابد منه.
وبعد أن استأذن الإمام، وعده بأن يبذل قصارى جهده في سبيل التخفيف من حدة
الألم والإزعاج.
بعد أن نأخذ
هذه الخصوصيات بعين الاعتبار، وبالنظر إلى أن الإمام قد مر بمراحل مستعصية من
الأمراض المختلفة من قبل، لا أجد دليلاً يقنعني بأنه كان كئيباً بسبب حالته
المرضية. وحتى لو افترضنا بأنه كان أجله، فلم تكن شخصيته من النوع الذي يهتز
لهذه المشاعر. لذا نطرح تساؤلاً عن السبب الذي دفعه إلى الاندماج في تلك
الحالة من السكوت، والتأمل العميق المعبر؟ والصورة الظاهرية كانت تفيد بأن
الإمام لم يكن مطلعاً على شيء من حقيقة حالته، بينما نحن كنا ملمّين ببعض
الشيء عنها. لكن تُرى ألم تكن بصيرة الإمام النافذة مطلعة على أمور دقيقة لم
تكن لتخطر حتى على بالنا ومخيلتنا؟
بين غرفة
العمل والمستشفى
في صبيحة يوم
الثلاثاء، أي اليوم المقرر لإجراء العملية الجراحية، توجهت إلى بيت الإمام
كالمعتاد حاملاً معي الأوراق والمستندات التي كنت أعرضها عليه كل يوم لأخذ
الرأي المناسب بشأنها. وبالرغم من أني كنت مطلعاً على برنامج العملية، إلا
أني تصرفت بوحي من العاطفة التي ترفض تصديق ذلك الحدث. فذهبت في الموعد
المحدد، لكني فوجئت بالباب المغلق. اضطربت أعصابي، وارتعش قلبي، وهرعت فزعاً
إلى المستشفى. وما كدت أدخل إلى البهو حتى وقعت عيناي على جهاز التلفاز
الموجود على الطاولة. رأيت الإمام في حالة الغيبوبة في غرفة العمليات. وبدأ
الأطباء وهم يحومون حوله، كالفراشات وهي تحوم حول الشمعة المشتعلة، ويستعدون
لمباشرة العملية. اللحظات الكئيبة هذه كانت تضغط على صدري كأنها حمل لا يطاق.
نظرت حولي فوجدت الدموع تنسكب من عيون الحاضرين. الشفاه تترنم بذكر الدعاء
والابتهال، والنفوس تخشع لذلك الله وتلتمس الفرج. بعد ذلك، توالى حضور قادة
القوى الثلاثة؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، سماحة الشيخ رفسنجاني، سماحة
السيد خامنئي، وسماحة السيد أردبيلي، إلى القاعة المذكورة. كان هناك أيضاً
بعض أعضاء مكتب الإمام، ونجله السيد أحمد، وإحدى أخواته الكريمات. تسمرت
العيون على جهات التلفاز لتشاهد الإمام، لكن الدموع الغزيرة كانت تحجب الرؤية
عنها، بينما كان أفراد عائلته أكثر الحاضرين رباطة في الجأش والهدوء
والسكينة، ولا غرابة في ذلك كونهم ورثوا صلابة العزيمة عن والدهم الجليل.
لم أكن أقوى
على النظر، وفي نفس الوقت لم أكن أقوى على غض النظر عن الحبوب. ترى هذا
المشرط أيشق صدر الإمام أم يمزق أكبادنا الملتهبة؟ مضت ثلاث ساعات حتى وصلت
العملية الجراحية إلى ختامها، لكن وطأتها عليّ وعلى الآخرين كانت بمثابة
ثلاثين سنة. ثلاثين سنة، هي العمر الذي قضيته في خدمة الإمام، تختصر العشق
واللهفة والذكريات المتنوعة، حلاوة اللقاء، ووحشة الفراق.
وأخيراً غمرت
الفرحة المكان المكتظ بالحضور، ونجحت العملية بدون حدوث أي عارض قلبي. حانت
لحظة الحبور والأمل، والسعادة التي تعادل فرحة ملازمة ثلاثين سنة. وعند
انتقاله من غرفة العمليات، ومروره من أمامي، انسكبت دموع الشوق والعشق من
عيناي وأزالت الغشاوة عنهما، فاكتحلت مرة أخرى برؤية وجهه الذي يشرق نوراً،
وهدأ روعي وسكنت خواطري.
كنت أود أن
أتقدم بالشكر الجزيل من الطبيب المعالج والفريق المعاون له، لكن الألفاظ هربت
مني ولساني لم يطاوعني من شدة التأثر، وأذكر أني تمكنت فقط من تقبيل يد
الطبيب.
لم تمض فترة
طويلة حتى بدأت هذه السعادة الغامرة والآمال الحلوة تصطدم بالتوقعات المخيبة
للآمال والتقارير الطبية التي كانت تبعث تارة على الخوف، وطوراً على
الإطمئنان. الساعات الطويلة كانت تمر ببطء شديد، وعقارب الساعة كانت تتحرك
بتثاقل ووجوم.
هناك خواطر
كثيرة في ذهني عن أيام المستشفى، وهناك أناس كثيرون نالوا شرف الحضور إلى
جانب الإمام في تلك الفترة. وكل واحد منهم كان يعرب عن لهفته على المحبوب
بطريقة مختلفة: العبادات، الصلوات، الأدعية، الابتهالات، البكاء في آخر الليل
والتوسل إلى الله، والاهتمام الذي يفوق كل حد بكل الأسلحة المعنوية التي
اعتمدها الإمام في حياته. وقد أراد الله عز وجل ألا يحرم هذه العيون الولهانة
من رؤية الأبعاد المعنوية الخفية التي تنطوي عليها شخصية عبده الصالح، حيث
بيّن من خلال هذه المناسبة الاستثنائية والمحزنة في آن، التجليات العظيمة
للعبودية الصالحة له، حتى تصبح هذه التجليات دروساً مثبتة في وعي التاريخ
وتهدي كل السائرين إلى درب الله. لكن وآسفاه، فليس هناك من بعد أو بصيرة أو
مجهر أو أي جهاز استكشاف يقوى على سبر أغوار مقام العبودية الخالصة التي
جسدها الإمام، وخلوص النية التي طبع عليها. ثمانون سنة من العبادة الخالصة،
ثمانون سنة من المناجات الليلية، ثمانون سنة من الرياضة الروحية والجهاد
الأكبر والأصغر، ثمانون سنة من السير والعروج إلى الله … أين نحن من هذا
المستوى الإيماني الرفيع.
ومع كل هذا
الوصف المسهب، أقول أن المشيئة الالهية قد اقتضت أن تكشف للعيان، بصورة
قاطعة، ولو لبعضة أيام وليال، أن قانون {ومن نعمره ننكسه في الخلق} الذي
ينطبق على الجميع، من الممكن أن يستثني بعض الأفراد المتميزين الذين يوفر لهم
{الخلق} القويم الذي يتمتعون به والذوبان الذي يعيشونه في ذات الحق من
الناحية الباطنية، يوفر لهم مناعة تستعصي على الأمراض الجسدية، كما تستعصي
على الموت والفناء. وإذا الإنسان هو مصداق {ومنهم من يرد إلى أرذل العمر
لكيلا يعمل بعد علم شيئاً} بشكل عام، فإن الروح الإلهية التي نفخها الخالق
عزّ وجلّ في خليفته على الأرض، من شأنها أن تحفظه من الانحطاط في {أرذل
العمر}، ومن فقدان العلم والوعي اللذين يتمتع بهما، فيقضي عمره حتى اللحظات
الأخيرة وهو في قمة تجلي الشخصية الإنسانية والوسعة الروحية، وفي أوج التفاعل
مع المشاعر السامية، ومع كافة المواهب والمعارف الإلهية التي اكتسبها، وفي
ذروة توجهه إلى مبدأ الوجود والمعاد والمعارف الحقة. لذا، فهو ينطلق من
معرفته المتكاملة وقدرته الواعية، ليحرق جدار الموت والزوال، ويحلق في الفضاء
الرحب اللامتناهي وفي أجواء العالم الأبدي والملكوت الأعلى، ليلاقي وجه ربه،
مبدأ الكمال والوجود.
كلما كان
الإمام يقترب أكثر من لحظات الفراق والوحشة، كلما كان اقترابه من الله يأخذ
طابعاً أوضح، وآثار وبينات حكمته ومعرفته الإلهية تسطع أكثر، وصفاء وجهه
النيّر يشرق أكثر. وفي الوقت الذي كانت حالته الصحية تتدهور يوماً بعد يوم،
وساعة بعد ساعة، وكان جسده المنهك يضعف بصورة أوضح، الأمر الذي يستوجب حسب
الحالة المعتادة المزيد من التأوه والتألم والجزع، برزت شخصية الإمام
المصقولة وحقيقة إنسانيته المتكاملة التي غلّبت روحه السامية على الجسد وعالم
الطبيعة، حيث بات الجسم مجرد وعاء يسع تلك الروح. برزت وقدمت نموذجاً مختلفاً
من التجلي والعظمة. وبدل أن تسمع منه أصوات الآلام المحرقة من الوجه والتلوي،
لم يصدر من فمه سوى ذكر الله عزّ وجلّ وبعض الأدعية التي يبث فيها شوقه إلى
بارئه. فهو لم يتعود على إظهار المسكنة إلا أمام الله. وبدل أن تظهر إمارات
الغضب والضيق على وجهه من أثر الحالة التي هو فيها، كان يشع من قسماته
الملألئة، نور الإيمان والهدوء والاطمئنان.
لقد كان الإمام
من النماذج المؤمنة الصادقة التي تنشغل بمحاسبة ذاتها في هذه الفانية قبل أن
تقف يوم الحساب حائرة بين يدي العدل المطلق، لا تدري ما يفعل بها. إن روحه
المطمئنة وإن كانت مرتبطة بصورتها الترابية التي فطرت عليها، في الظاهر،
لكنها في الواقع كانت قد تحررت من أسر الجسد وانقطعت تماماً عن كل الصور
المادية الجذابة. لذا تراه قد اتصل بالله عزّ وجلّ، وشد رحاله للسفر الطويل
الطويل بقلب هادىء وروح مطمئنة وضمير مستأنس ونفس هانئة.
وخلاصة القول
أنه لم يتسنَ لأحد على الإطلاق أن يسمع منه صرخة وجع أو تأوّه ألم، كما لم
يلاحظ أي عبوس في الوجه أو ضيق في الصدر، بل عاش كل من كان حوله حالة من
الوجد العميق فرضها عليه جو الدعاء والمناجات والخشوع التي فاحت في الفضاء،
وحالة من التأمل العميق والتفاعل الشديد مع هذه المعجزة الإنسانية التي تجسد
المقام المعنوي الرفيع والإيمان الجارف والعشق الإلهي المقدس.
إن هذا العبد
الفقير، الذي كان مكلفاً حسب تعليمات الإمام نفسه بأن يعمل ضمن هيئة مكتبه،
سعى خلال الفترة العصيبة التي ذكرت ألاّ يكلف الإمام حتى عناء رد السلام. إلا
أنه لم يستطع أن يحرم نفسه طوال الوقت من لقيا محياه الكريم، وألا يمتع روحه
بوصاله العطر. لذا فقد عمد إل مراجعته يومياً كالمعتاد حسب المواعيد المقررة
لإنجاز الأعمال المكتبية. وبعد الاستئذان كان يعرض عليه الملفات الموجودة
ويدون الأجوبة والملاحظات التي تتلى عليه، وبعدها ينصرف مصحوباً بعبارات
الدعاء والتسديد.
وفي إحدى أيام
الجمعة، ذهبت إلى منزل الإمام وبذلت قصارى جهدي ـ كما شرحت سابقاً ـ في ألا
يسبب دخولي إلى المكتب أدنى ازعاج لخاطره الكريم. فمشيت بخطى هادئة، إلا أن
أحد الأصدقاء الذي كان جالساً عند سرير الإمام ومشغولاً بأداء عمله، لاحظ
قدومي فقال: لقد أتى السيد رحيميان. عندها اضطررت لأن أتقدم نحو الإمام الذي
فتح عينيه المباركتين ونظر إليّ. ألقيت عليه التحية فأجابني بوداعة وصوت
مرتجف. دعوت له بطول العمر والسلامة، فقال بلهجة أبوية حارة: وفقك الله وسدد
خطاك. ثم توقف عن الكلام واسترخى على سريره وأغمض عينيه وأخلد إلى النوم.
في يوم السبت،
كثرت المراجعات إلى المكتب وتعدد الزوار. وفي نفس الوقت، كان الأوراق
والملفات قد أعدت كالعادة لكي يلقي الإمام نظرة عليها في ذلك اليوم.. تلك
الملفات التي بقيت دون انجاز حتى النهاية. بعد ظهر اليوم نفسه، اتصل أحد
موظفي المكتب هاتفياً بمنزلي وطلب مني أن آتي سريعاً إلى منزل الإمام. بعد
فترة وصل إلى المنزل رؤساء القوى الثلاثة بعد أن علقت جلسة هامة لمسؤولي
الدولة. خيم الوجوم على وجوه الحاضرين واحتاروا حيال حقيقة ما يحدث. ثم طلب
مني كوادر المكتب أن أتحرك بسرعة واستفسر عن حقيقة الأمر كي يعرفوا بالتالي
ما يجري حولهم.
عند الساعة
الرابعة من بعد الظهر، وصلت إلى المستشفى فوجدت الجو ملبداً بالكآبة والقلق،
والوجوه حائرة حزينة، وشاهدت الجميع جالسين في البهو. العيون كانت دامعة
وألوان الوجوه شاحبة مصفرة، والصمت المطبق كان مخيماً على المكان. تساءلت ترى
ما الذي حدث؟ تجمد الدم في عروقي وتراخت ركبتاي وبدأت دقات قلبي بالتسارع. ثم
فقدت توازني قليلاً فجلست على الأرض لدقائق معدودة. تمالكت نفسي بعد حين
ونهضت عن الأرض وتوجهت صوب الغرفة. وعندما دخلت، وجدتني أمام إحدى أصعب
المواقف في حياتي، الإمام في حالة الغيبوبة. الأجهزة الطبية المتنوعة كانت
تحيط به من كل جهة؛ جهاز التنفس الاصطناعي، جهاز تنظيم دقات القلب، وغيرها.
الشعور الحاد بالقلق والحيرة لم يفارق الموجودين لحظة واحدة.
وعند المغرب،
تلا الفريق الطبي المعالج تقريراً حول وضع الإمام الصحي. وسأل أحد الحاضرين
مسؤول الفريق عن الاحتمالات التي يضعها للأيام القليلة المقبلة. فأجاب بأن
المسألة لن تستمر حتى الأيام المقبلة، بل تنحصر ضمن ساعات قليلة. كان وقع هذه
الجملة على الحاضرين كالصاعقة، لكن مراعاة بعض المسائل فرض عليهم المحافظة
على الهدوء. في تلك اللحظات الكئيبة، تضافرت جميع عوامل الحزن؛ من السكوت
الممل، إلى سواد الليل المعتم، إلى التوقعات السيئة التي راودت الأذهان.
أحسست بأن الجميع يكابدون أنفسهم ويعانون مشاعرهم ويحاولون الخروج من بحر
الغم المتلاطم هذا.
كل ما كنا
نتمناه حينها، هو أن تصدر عن الإمام حركة بسيطة أو إيماءة عابرة أو رمشة عين
واحدة.
اللحظات
الرهيبة كانت تمر أبطأ من أي وقت مضى، حتى دقات الساعة المروعة حاملة معها
الحدث المرير. لم تكن الساعة قد استقرت على العاشرة والنصف ليلاً عندما وصل
ضغط دم الإمام إلى الصفر حيث توقف قلب العالم الإسلامي النابض عن الخفقان. لا
أظن أن القلم واليراع واللسان، تستطيع كلها أن تعبر عن هول المأساة التي حلت.
مرت دقائق وصراخ التفجع يعلو في أرجاء المكان، والدموع الغزيرة تتفجر من
المقل، إلا أن أحد المسؤولين الكبار خاطب الجميع وأخبرهم بأن الإعداد السليم
من أجل إعلان هذا الحدث، يتطلب منا الإحساس بروح المسؤولية وضبط الأعصاب
والتحكم بالمشاعر.
في الساعة
الواحدة بعد منتصف الليل، نقلت الجنازة المطهرة إلى باحة المنزل، أي المكان
الذي اعتاد الإمام أن يلتقي فيه جماهير الناس التي أحبته وعشقته، وذلك لإجراء
عملية الغسل والتكفين. وعند أذان الفجر تقريباً، كان العمل قد أنجز، فنقل
الجثمان الطاهر إلى براد كان قد أعد خصيصاً لهذه الغاية، يقع بالقرب من
المنزل والمستشفى في آن.
وفي الليلة
التالية التي تقرر أن يصلى على الجثمان في اليوم الذي يليها، ذهبت لكي أتشرف
للمرة الأخيرة بزيارة الإمام ورؤية وجهه المقدس وتوديعه، فوجدته كما لو كان
حياً يرزق، بل أشد حضوراً من أي وقت مضى. أمسكت برجليه اللتين لم تمشيا سوى
في طريق الحق، ولثمتهما ووضعتهما على عيناي، ثم شممت أريج وجهه وقبلته للمرة
الأخيرة. طلبت منه أن يسامحني على أي تقصير بدر مني وسألته الدعاء واستأذنت
بالانصراف.
هذه اللحظات
الفريدة تشكل أكبر وأعظم، وفي نفس الوقت، أفجع وآلم خاطرة في حياتي. خاطرة لا
أستطيع أن أعلق عليها أو أحاول وصفها بأي حال من الأحوال.
القسم الثاني
رعاية حقوق الناس
لقد اعتاد
الإمام الخميني طوال المدّة التي قضاها في النجف الأشرف على التشرّف بزيارة
مقام الإمام الحسين عليه السلام خلال بعض المناسبات الدينية الهامة التي تمر
في السنة، حيث كان يقيم في منزل متواضع وضعه أحد الكويتيين في تصرفه.
في تلك
الزيارات، كانت تقام صلاة الجماعة بإمامة الإمام الخميني في مركزين؛ صلاتي
الظهر والعصر في نفس المنزل المشار إليه، وصلاتي المغرب والعشاء في حسينية
آية الله البروجردي. الجماعة الأولى كانت تتم غالباً بمشاركة جمع محدود من
الأصدقاء والمريدين، في غرفة الاستقبال الفسيحة، وأحياناً في باحة المنزل
الخارجية عندما يكثر عدد المصلين. مساحة الباحة كانت تبلغ [7r7] متراً
مربعاً، لكنها لم تكن مفروشة بالسجاد على امتدادها. لذا فقد عمد بعض المصلين
إلى خلع عباءاتهم ومدها على الأرض، واستعمالها كسجادة صلاة.
عندما كان
الإمام يخرج من باب غرفة الاستقبال إلى الباحة لتأدية الصلاة، كان مضطراً
بسبب موقع الغرفة إلى العبور من وراء المصلين للوصول إلى مقدم الصفوف. لذا
فقد انتبه الحاضرون لهذه النقطة، فحرصوا على فرش عباءاتهم بطريقة تداس معها
بأقدام الإمام وهو يعبر الصفوف، وذلك لنيل البركة. إلا أن الإمام التفت أيضاً
لهذا الوضع، فحرص لذلك على السير بأسلوب معيّن وبخطوات منظمة بحيث لا يدوس
على ثياب أحد من الناس أو عباءته، وقدم بذلك درساً عملياً لكل المقلدين
والمؤمنين في رعاية حق الناس وعدم الاستهتار بأشياء الغير.
لا ينبغي
طرد هؤلاء الأشخاص
أحد النواب
المعروفين والمقربين من الإمام الخميني، قام بعد إحدى زياراته إلى الإمام
بكتابة رسالة مختصرة لجنابه حيث سلمني إياها وقال: لقد شرحت مضمون هذه
الرسالة شفهياً لسماحته، فأشار عليّ بتدوين كتاب وتقديمه عبرك. أما الموضوع
الذي تشير إليه الرسالة، فهو أن أحد الوعاظ المدركين المتدينين، قد حُكم عليه
بخلع زي العلم بسبب دعائه بالخير مرتين للشاه المخلوع في الزمن الغابر. إلا
أن تأييده للثورة وترويجه لها، وعاطفته تجاه الإمام وحبه له، قد استوجبا
إعادة النظر بهذا الحكم الصادر، ودرسه مرة أخرى. في اليوم التالي، اطلع
الإمام على الرسالة، فأشار عليّ: (أبلغ السيد أردبيلي عن لساني: إذا كان
الواعظ المذكور من الأشخاص الذين تعرضوا للضغوط الشديدة التي فُرضت في ذلك
العهد مما حمله على ارتكاب هذه الهفوة. وإذا لم يكن من الكوادر التي عملت ضمن
أجهزة الشاه، وخَدمَتها. وفي حال ثبتت طيبة سريرته، لا ينبغي معاملته بهذه
الطريقة، كما لا يجوز أن نحاسبه على غلطة تندّم عليها لاحقاً. لذا لا أرى
مصلحة في طرده).
وقد نقلت توصية
الإمام هذه إلى آية الله أردبيلي الذي عمل بها.
الدعاء
لجند الإسلام
حملت ذات يوم
كمية من الأقمشة الصغيرة التي طُبعت عليها عبارات من قبيل (الله أكبر) و(عشاق
كربلاء) و(زحفاً نحو القدس)، وكان من المقرر وضعها كعصابات على جباه
المقاتلين المتوجهين إلى ساحات الشهادة، وأخذتُها إلى الإمام وطلبت منه أن
يتفضل بتبريكها وتعطيرها بيديه الكريمتين. وضع الإمام يديه داخل كومة الأقمشة
وراح يتلو الأدعية السنية لتسديد وتوفيق جند الحق. ثم تركت غرفته لقضاء بعض
الأعمال وهو على حاله من الذكر والدعاء.
لست
سعيداً لسماع ذلك
مع حلول عيد
رأس السنة الفارسية (النوروز) الذي يترافق مع عطلة رسمية طويلة نسبياً، قرر
أحد المسؤولين الكبار في مكتب الإمام وكان يتمتع باحترام كبير في الأوساط
العامة، أن يذهب في إجازة مع عائلته إلى خارج البلاد، حيث أنجز كل الترتيبات
الأولية لسفره؛ من تأشيرة الدخول إلى بطاقة السفر إلى غيرها من الأمور. ثم
قصد المكتب في أول أيام السنة الجديدة كي يبارك للإمام ويستأذن منه للمغادرة
في اليوم التالي. مرت لحظات صمت قليلة أطرق فيها الإمام للتفكير، ثم قال بصوت
يشوبه لحن خاص: (نسألكم الدعاء). عندما سمع المسؤول هذا الجواب الذي اختصر
ردة الفعل السلبية عند الإمام وبعدما لاحظ علامات عدم الرضا والسرور على
ملامح سماحته وصوته المتهدج، قال بنوع من التسامح: إن كان ذلك لا يروق لكم،
ألغي السفر. عندها أجابه الإمام بلهجة تمزج المزاح بالمرارة، قائلاً:
(الحقيقة أنني لست سعيداً لسماع أخبار سفراتكم المتعددة … على أي حال، رافقتك
السلامة).
انتهت الزيارة
وانصرفنا. وبعد ساعات من الحيرة والتردد، قرر صديقنا في عصر ذلك اليوم، إلغاء
سفرته المقررة غداً. اعتقدت حينها أنه طالما أن الإمام لم يعلن اعتراضه
الصريح على الأمر واكتفى بعبارة (لست سعيداً لسماع ذلك) للدلالة على عدم
رضاه، وطالما أن عائلة المسؤول قد جهزت نفسها للسفر بشكل تام ويصعب عليها
تقبّل فكرة الإلغاء، فإن رؤية الإمام له صبيحة الغد سيسبب لسماحته ضيقاً مما
يحمله مجدداً على السماح له بالسفر، بالنظر إلى الظروف الاستثنائية للمسألة.
لكن القضية أخذت منحاً مغايراً تماماً. عندما ذهبنا صبيحة اليوم التالي إلى
المكتب وجلسنا بين يدي الإمام، أحسست وكأن الحديث الذي دار البارحة لم يكن،
حيث لم ألاحظ أدنى تأثر أو ردة فعل على سماحته عندما رآنا معاً. وبناءً عليه،
تُرى أي ضيق يشعر به الإمام، وأي ألم يعتصر قلبه الطاهر المقدس، عندما يلاحظ
عدم التزام البعض بالأوامر الصريحة التي يقررها والنواهي الصريحة التي
يعلنها.
أين عبارة
(بسم الله الرحمن الرحيم)
في صبيحة إحدى
أيام الآحاد، قُدَّمت مجموعة من التقارير والدراسات والملفات إلى سماحة
الإمام الذي عمد إلى مراجعتها وإبداء ملاحظاته عليها في الوقت الذي كنا ننشغل
فيه بأداء أعمالنا الاعتيادية. في هذه الأثناء، وبينما كان الإمام يتصفح إحدى
التقارير المقدمة إليه من إحدى المؤسسات الثقافية، نظر إلينا وقال: (هل لكم
أن تسألوا هذه المؤسسة لماذا لم تبدأ رسالتها بالبسملة؟). هذا نموذج بسيط عن
دقة نظر الإمام وإحاطته بكفاة جوانب العمل الذي يؤديه، حيث لم تفته أي شاردة
أو واردة، بل كان يحرص دوماً على مراعاة الآداب الإسلامية الأصيلة والتأكيد
على أهميتها.
ارجع إلى
كتاب (توضيع المسائل)
بعد انتهاء
الدرس المقرر في مسجد الشيخ الأنصاري في النجف الأشرف، كنت أتمشى مع الإمام
متوجهين إلى أطراف منزله، عندما خطرت في بالي مسألة شرعية معينة. أردت أن
أغتنم الفرصة فسألته عن الموضوع. فأجابني على النحو التالي: ارجع إلى كتاب
(توضيح المسائل). فوجئت بالجواب الذي سمعته واستغربته. لكن بعد فترة تأمل
قصيرة، عرفت أن سماحته قد أعطاني درساً هاماً في توجيهه لي حول كيفية الوقوف
على جواب المسألة الشرعية. إن من يتمتع بقدر معقول من موهبة البحث والتحقيق
والمطالعة، سواءً كان من طلبة العلوم الدينية أو غيرهم من الأشخاص، ينبغي أن
يصرف وقتاً معيناً في طريق الرجوع إلى المنابع والمصادر العلمية المعتبرة لكي
يستخرج منها ما يريده، ولا يجب أن يستنكف عن بذل هذا الجهد والتعبد الفكري.
وهذا العمل من شأنه أن ينمي في نفسه روح المطالعة والاستقصاء والبحث، ويعلّمه
الثقة بالنفس والاعتماد على الذات. أما إذا اعترضته بعض الصعوبات في هذا
السبيل، فما عليه سوى الرجوع إلى من هم أطول باعاً منه في هذا المجال، وأن
يراعي التراتب الموضوعي في عمله. أي أن يراجع أولاً إلى كتاب (توضيح المسائل)
مثلاً، ومنها إلى كتابي (التحرير) و(العروة)، وبعدها إلى الهيئة الشرعية
للاستفتاء على أقصى الاحتمالات. لا أن يقفز فوق المسائل، متخطياً المراحل
الأولية المتاحة.
اسألوا
مكتب الاستفتاء بشأن هذه المسألة
هذه العبارة
سمعناها مراراً وتكراراً من سماحته خلال سنوات الإقامة إلى جانبه في جماران،
تعليقاً منه على العديد من المباحث والأمور المطروحة. على سبيل المثال، نقل
إليه سؤال شرعي عن لسان السيد كمال الموسوي الشيرازي حول شخص في عهدته قضاء
صيام عدة أيام ولديه متسع من الوقع لايفائها. ترى هل يستطيع اللجوء إلى
الصيام المستأجر؟
رد الإمام على
السؤال بقوله: (عودوا إلى الرسالة الشرعية). ثم طرح سؤال مكرر من قبل السيد
الموسوي مفاده أنه لم يعثر على جواب شاف في الرسالة المشار إليها. فأجاب
الإمام: (اسألوا مكتب الاستفتاء بشأن هذه المسألة). وهناك نماذج كثيرة أخرى
من هذا القبيل، بيّنت لنا ضرورة مراعاة سلسلة الأنظمة والقوانين، والتراتبية
أثناء العمل واتخاذ القرارات، مما كان لها أعمق الأثر في تنمية هذه الروح بين
الكوادر والمسؤولين. وفي حال وصل مكتب الاستفتاء إلى طريق مسدود فيما يتعلق
بموضوع خاص، وعجز عن تقديم جواب صحيح، أو إذا نقل السؤال الشرعي عن لسان أحد
أعضاء المكتب المذكور. عندها، كان الإمام يجيب على المسألة المطروحة عليه.
اتّبع سماحة
الإمام أسلوباً عملياً يقتضي احترام الأنظمة والمقررات المرعية، والتقييد
بالتراتبية في العمل، خلال تعاطيه مع كافة المسائل، خاصة بالنسبة للمواضيع
الإدارية. تستثنى من ذلك بعض الحالات الخاصة التي كان يعلم فيها بأن هناك
إدارة معينة، أو مسؤولاً معيناً، لا يقوم بأداء الواجبات المطلوبة منه، أو
أنه يرتكب بعض المخالفات القانونية، حيث كان يتصدى للمسألة بحسب ما تقتضيه من
القوة. حتى أنه في بعض الأحيان، عمد إلى التدخل المباشر من أجل ضمان المصلحة
العامة، كما شاهدنا ذات مرة عندما تدخل في مجال بعض المسائل القضائية.
إلا أن التوجه
الأساسي الذي حكم قراراته، كان يقتضي بأنه عندما تقرر التشكيلات الحكومية وضع
شخصيات معينة وبعض الكوادر والمسؤولين في مواقع محدودة، مع توفير عامل الثقة
والإطمئنان تجاههم، لا يبدي رأيه الخاص في الأمور التي ترجع إليه في حاله
مجافاتها للتراتبية وسلسلة الأنظمة المرعية، حيث كان يقول بصراحة: (هذا الأمر
لا يتعلق بي، لماذا أرسل إلى هنا؟).
وفي بعض
الأحيان، كان يلتزم الصمت، أو يقول: (راجعوا السيد فلان، المسؤول عن هذه
القضايا).
وسأورد في هذا
المقام مثالين معبّرين عن أسلوبه هذا.
لماذا أرسل
الطلب إلينا؟
ذات مرة، أرسل
أحد مسؤولي جهاز التوعية السياسية والعقائدية في إحدى المؤسسات الحكومية،
رسالة إلى سماحة الإمام شرح له فيها فكرة تأسيس صندوق للقرض الحسن. وبعد أن
عدّد المزايا الإيجابية التي يحملها المشروع، طرح طلباً للمساعدة والدعم من
سماحته. فما كان من الإمام إلا أن قال: (لماذا أرسل الطلب إلينا؟ هذه المسألة
تتعلق بأجهزة الدولة).
وما دخلي
في هذه المسألة؟
أرسل أحد رؤساء
إحدى المجموعات السياسية برقية إلى الإمام الخميني طالباً منه فيها، العمل
على إطلاق سراح عدد من الكوادر التابعة له، من الذين كانوا قد اعتقلوا لأسباب
معينة.
وصلت الرسالة
إلى سماحته. وعندما اطلع على مضمونها، علّق قائلاً: وما دخلي أنا في هذه
المسألة؟ وهل تم اعتقالهم بإيعازٍ مني؟
القسم الثالث
مثال الزهد والاستقامة
الإمام،
مثال الزهد والاستقامة
تعتبر
الاستقامة والزهد من الوجوه الأخلاقية التي تتمتع بمفهوم شمولي، وبمراتب
وأقسام متعددة، كما تتجلى من خلال نماذج ومصاديق مختلفة. من الممكن أن يتحلى
أحد الناس بزهد تجاه مال الدنيا وزينتها، ولكن لا يتمالك نفسه أمام بريق
الرئاسة والزعامة. ومن الممكن أن يزهد شخص آخر بالاثنين معاً، ولكن إرادته
تضعف وتلين أمام الشهرة والأضواء والمركز الاجتماعي.
والنقطة المهمة
الأخرى هي أن الزهد والاستقامة هما من الأمور الداخلية والخصال الباطنية التي
تعكس نفسها على مرآة العمل وطريقة تعاطي الفرد مع المظاهر الدنيوية والأمور
المادية. ومن الممكن أن يظهر المرء في مظهر الزاهد بشؤون الدنيا وزخرفها
بدافع النفاق والرياء أمام الناس بينما يبطن في سريرته الهدف نفسه الذي
يجافيه على الملأ. أو أن شخصاً آخر تراه لا يرفل في متاع الدنيا وملذاتها
لكونه عاجزاً عن تلبية حاجاته والوصول إلى أهدافه الدنيوية، بينما يفتقر في
ذاته إلى الزهد والتقوى.
لذا فمن الممكن
أن يمر إنسان فقير معدوم لا يملك من الدنيا شيئاً، في حالة شغف بالظواهر
المادية تعادل شغف أحد الأثرياء بماله وثروته وملايينه التي لا تحصى، حيث
يشتد حرصه على ممتلكاته الزهيدة إلى درجة رهيبة؛ فيتعلق بثوب بال أو حذاء
عتيق أو وسائل منزلية متواضعة، كأشد ما يكون التعلق.
من هنا نقول إن
الزهد هو حقيقة نفسية وجدانية والزاهد الحقيقي هو من ينبذ الدنيا ولا يشعر
بدافع يشده نحوها، سواء امتلك الإمكانات اللازمة من أجل الوصول إليها أو لم
يمتلك، وسواء استطاع أن يتنعم ببهارج الحياة ونعمها أو لم يستطع ذلك، وسواء
أقبلت عليه الدنيا بكل ما تحمله من عوامل الإثارة والتشويق، أو أدبرت عنه.
لقد كان الإمام
الخميني إنسان متكامل الجوانب، ارتبطت روحه السامية بالله عزّ وجلّ وانفتحت
بذلك على أصالة الزهد والاستقامة. وبالرغم من أن الدنيا قد فتحت له ذراعيها
وتوفرت له الظروف المناسبة للوصول إلى كل ما تشتهيه نفسه من معالم الرخاء
والسطوة والرفاهية، لم يمش لحظة واحدة في هذا الطريق ولم يقبل على الدنيا، بل
ابتعد عنها إلى أقصى درجة. إلاّ أن مشيئة الله عزّ وجلّ قد اقتضت أن يصل إلى
كافة مظاهر الدنيا التي أقبلت ولم تبخل عليه بالشهرة والسلطة وحب الناس، وكل
الإمكانيات التي يشتهيها الإنسان. وهذه العطايا كلها كانت بمثابة إمتحان إلهي
عسير، إلا أن الإمام الذي استحوذ على كل ما ذكرناه على طريق الحق والاستقامة
وخلوص السريرة وخدمة دين الله الحنيف والنهوض بشعبه وأمته، صرف أيضاً كل ما
أعطي في الطريق نفسه وعلى الطريقة نفسها، ولم يلاحظ عليه أدنى تعلق مهما صغر
قدره بالأمور الدنيوية وأي انجذاب نحو أي مظهر مادي. ذلك أنه قد سلم مفاتيح
نفسه وقلبه إلى بارئهما، وأودع روحه الطاهر عند المحبوب الأزلي، ولم يعد يحسب
أدنى حساب لذاته التي لم تشتاق إلاّ إلى الله عزّ وجلّ ولم تطلب إلا الوصال
معه.
ممتلكات
الإمام الشخصية
أ
- الأرض
والمنزل
كما هو معلوم
لدى الجميع، فالإمام الخميني لم يكن من الناحية العائلية ينتمي إلى طبقة
فقيرة بحيث لا يحصل على إرث لجهة أبيه مثلاً، كما لم يكن عاجزاً من ناحية
الإمكانات المتاحة له عن الوصول إلى حياة مرفهة، إلا أنه عمد إلى منح الأرض
التي ورثها عن والده إلى نفر من المزارعين والفقراء، كما أهدى الأملاك
والبيوت المتعددة التي قدمت إليه من قبل المؤمنين والمحبين والمقلدين بصفة
هدية أو نذورات وليس بصفة وجوه ومستحقات شرعية، سواء قبل انتصار الثورة
الإسلامية أو بعده، إلى الأفراد المستحقين من العاجزين، أو إلى المؤسسات
الخيرية والإنسانية.
من جملة هذه
الأملاك المهداة، عدة بساتين كبيرة بلغت مساحتها عدة هكتارات كانت قد قدمت
إليه كهدية من قبل بعد المريدين، فعمد الإمام بعد استلامها إلا توزيعها على
المزارعين الذين كانوا يعتنون بها، فانتقلت ملكيتها بالتالي إليهم.
لذلك فإن
المنزل الوحيد الذي بقي ملكاً له، هو البيت المتواضع الذي كان قد اشتراه أيام
دراسته المبكرة في الحوزة العلمية في محلة (يختشال قاضي) في مدينة قم؛ هذه
المحلة التي كانت تعتبر في تلك الأيام كأبعد نقطة سكنية عن قلب المدينة. وقد
كان هذا المنزل طوال السنين السابقة، سواء في الفترة التي شهدت إبعاد الإمام
إلى النجف الأشرف أو بعد عودته المظفرة عند إنتصار الثورة الإسلامية، بمثابة
مركز شعبي وطلابي يؤمّه الناس وطلبة العلوم الدينية لمراجعة كافة الأمور
الشرعية والمسائل الحياتية التي تهم كل واحد منهم.
بعد وصول
الإمام إلى تلك القمة المتعالية من المجد واعتلائه لقلوب الجماهير، تعدت
نوعية الهدايا التي كانت تقدم إليه، المنازل والأراضي الزراعية لتشمل الأموال
النقدية، الذهب، الأشياء النفيسة، الكتب، المصاحف الخطية، اللوحات والأعمال
الفنية الثمينة، الأقمشة النادرة، وأمثالها من الأغراض المعتبرة. وقد تكلف
بتقديمها مجموعات من المحبين والملقدين الذين عرفوا سموا قدره وجلال مكانته،
على أساس أنها هدايا ونذورات. وعلى حسب علمي، فإن هذه الهدايا كانت المصدر
المالي الأساسي الذي يؤمن تكاليف حياته الشخصية ومصروف بيته وعائلته. وبالنظر
إلى القناعة والاقتصاد اللذين حكما مصروف حياته وعائلته، لم يضع هذه الأموال
الطائلة في عهدته الشخصية كما لم يوفر أي مقدار منها لنفسه، مع أنها ذات طابع
شخصي محض حيث أنها قدمت من قبل المريدين لشخصه بالذات.
ب
-
اللوازم الحياتية
بعض الهدايا
التي كانت تقدم لسماحته، من قبيل الأقمشة المعدة لصنع العمامة، العباءة،
والقمصان، ومثل سجادات الصلاة، السجدات، القلنسوة، الشال، الأحذية، والجوارب،
كان يأخذ منها الضروري للاستعمال اليومي. أما الذي يبقى مكدساً، فـ: أعطوها
للأشخاص الذين هم بحاجة لها. ماذا عساني أفعل بكل هذه الأغراض؟
وفي بعض
الحالات التي كان سماحته يأخذ فيها بعض الأغراض على أساس أنها لشخصه، كنا
نعلم فيما بعد عن طريق الصدفة أنها قد أخذت بقصد إهدائها إلى أحد الأصدقاء أو
المحبين. وعلى سبيل المثال، قدّم أحد المؤمنين الكويتيين ذات مرة هدية إلى
سماحته كانت عبارة عن مجموعة من الأقمشة الثمينة التي تصلح لخياطة عدة قمصان.
قبل الإمام الهدية وأودعها في غرفة المكتب. بعد عدة أيام، وبينما كنت أهمّ
بالخروج من المكتب، سمعت الإمام يقول شيئاً. اقتربت منه فكرر قوله: (هناك غرض
لك خلف الستارة، اذهب وتناوله). ذهبت وإذ بي أرى أن مجموعة الأقمشة إياها هي
الغرض المقصود. أخذت الهدية وشكرت الإمام، ثم ذهبت أدراجي.
ج
- الكتب
والأشياء النفيسة
بالنسبة
للهدايا النفيسة التي كانت من قبيل الأشياء النادرة والمصاحف الخطية، فكنا
نسمع من سماحته دوماً التوجيه التالي: (ضعوها في تصرف من يستطيع الاهتمام بها
والمحافظة عليها). وفي بعض الحالات التي اختصت بالمصاحف النادرة جداً، كان
يأمر بوضعها في المكتبة الرضوية المقدسة في مدينة مشهد. من المرات القليلة
التي تصرف فيها الإمام بطريقة مغايرة حيث قال: (ضعوها هنا)، كانت تتعلق بلوحة
فنية نفيسة تمثل شمائل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. وقد رويت قصة
هذه اللوحة في مناسبة سابقة. أما الكتب التي كانت تهدى إليه من قبيل دور
النشر المختلفة أو من قبيل مؤلفي الكتب أنفسهم، فقد اعتاد الإمام على أن
يتصفحها ويطالعها بصورة إجمالية، ثم يأمر بإعطائها: (للذين بإمكانهم
الاستفادة منها)، ما عدا بعض الحالات المحدودة جداً والتي اختصت بكتب عرفانية
جديدة الطبع، فكان يأمر بحفظها في مكتبته الخاصة.
في بعض
الأحيان، كانت تصدر كتب جديدة معادية للثورة ولقائدها الإمام الخميني، وتتضمن
كميات هائلة من الأكاذيب والادعاءات الباطلة والتهم والافتراءات التي تحاول
تشويه صورة الدولة الإسلامية ومؤسسها. لذا تعوّدنا أن نخفي هذه المنشورات
الخسيسة عن سماحته لئلا تسبب له الضيق والأسى. إلا أننا فوجئنا ذات مرة بأن
إحدى أسوأ هذه المؤلفات قد وصلت ليد الإمام عن طريق آخر لم نعرفه، كما لاحظنا
أنه لم تأخذه في الله لومة لائم حيث أن كيد الأعداء ودس المغرضين لم يستطيعا
ترك أدنى تأثير سلبي على نفسه. ومن الطبيعي ألا تؤثر هذه الرياح العابرة على
هذا الجبل الإيماني الأشم.
د
-
العينات النقدية
القسم الآخر من
الهدايا والنذورات التي فاقت في تدفقها وتنوعها كل الأنواع الأخرى حيث كانت
تقدم إلى سماحته بشكل يومي تقريباً، هو قسم العينات النقدية والذهب والجواهر
التي اعتاد الإمام على تقبلها، إلا في الحالات التي كان يلحظ فيها أن الطرف
الذي قدم الهدية ينتمي إلى أسر الشهداء ـ سواء كان والده أو والدته أو زوجته
أو والده ـ أو أنه من الطبقات الفقيرة والمحرومة، فكان يأخذ الهدية أولاً
ويحتفظ بها، ومن ثم يعمد إلى إعادتها قائلاً: (أرجعوها إلى الشخص الذي
قدمها).
في كثير من
الأحيان، عمدت عوائل شهداء القوات المسلحة التي كانت تخصص بمبلغ مئتي ألف
تومان من قبل الجيش، إلى إهداء المبلغ المذكور للإمام إما حضورياً أو بواسطة
سند مصرفي. بعد أخذه المبلغ المُهدى، وبدون النظر إلى الوضع المادي للعائلة
المعنية، كان سماحته يعيده فوراً إليها.
وعدا الحالات
المذكورة التي تتعلق بالأموال المهداة لسماحته والمرجوعة إلى أصحابها، هناك
حالات مشابهة شملت بعض الأفراد الواقعين تحت ضغط العبء المادي. ونظراً لأسباب
خاصة لم يؤدوا تأمين حاجتهم عن طريق الحقوق والأموال الشرعية. لذا فكانوا
يتقدمون من الإمام بطلبات مساعدة من أمواله الخاصة.
من جملة هذه
الحالات، طلب أحد وكلاء الإمام الخميني مني ذات مرة إبلاغ سماحته بأن ولده
الذي يتابع تحصيله العلمي في إحدى الدول الإسلامية، دون الاستفادة من أي منحة
حكومية، استدان بعض المال وهو الآن في حالة مادية حرجة جداً. وبما أن والده
لا يريد الاستعانة بالحقوق الشرعية، فهو يتمنى على الإمام تخصيصه بالمبلغ
الفلاني من أمواله الخاصة. في بداية الأمر، وجدت صعوبة في نقل هذه الرسالة
لأنها تتعلق بمساعدة تتمثل بالعملة الصعبة التي لم تكن متوفرة بكثرة لدى
سماحته. إلا أنني أبلغته أخيراً بالأمر. وبعد أيام قليلة دُبر المبلغ
المذكور، فسلّمني إياه وقال لي: (أعطه إلى السيد فلان).
إمكانيات
الإمام غير الشخصية
لقد بات القاصي
والداني يعرف تمام المعرفة، معالم الزهد والورع والاستقامة التي طبعت تعامل
الإمام حيال مسائل الشهرة والزعامة والمرجعية، بحيث أن الخوض في هذا الموضوع
يتطلب كتابة فصل مستقل عنه. على أي حال ـ ورغماً من إرادته الخاصة ـ فقد
اقتضت الإرادة الإلهية أن يتربع سماحته على قمة لا تضاهي من الشهرة والمرجعية
والمحبوبية. ونظراً لتصدره باب الزعامة والمرجعية المطلقة لعالم التشيع،
وتزايد عدد محبيه ومريديه، فقد تدفقت سيول الحقوق والأموال الشرعية على مكتبه
إلى حد بلغ معه مجموع الرواتب الشهرية التي تكفل الإمام بدفعها إلى الحوزات
العلمية بالإضافة إلى سائر المصاريف الشرعية الشهرية، حوالي المليار ونصف
المليار ريال.
إن الجهاز
المالي المتوفر لدى المرجعية الشيعية لا مثيل له في العالم بدون شك. ولا أظن
أن هناك مؤسسة أو شخصية يوجد في تصرفها هذا المقدار الهائل من الأموال. هذه
الأموال التي تدفع من قبل أصحابها عن طيب خاطر كأداء للواجب الشرعي الإلهي
الملقى على عاتقهم، بحيث لا يشعر المرجع الديني بأي حرج أو منّة تقع عليه
بسبب ذلك. بل إن الطرف الآخر هو الذي يقدم الشكر على تقبل أمواله لأنه يعرف
أنه بذلك يرفع التكليف الشرعي عن نفسه ويبرىء ذمته، فتصبح مسؤولية صرف
الأموال في عهدة المرجع. هذه الطريقة المثلى هذه التي تحكم تعامل المرجع
الديني مع سائر الذين يقومون بدفع الحقوق الشرعية. وأي اختلاف يلحظ في هذا
المجال، يعتبر خروجاً عن المنهج السوي المتبع.
الاهتمام
الخاص بالمزارعين
من المسائل
الجديرة بالذكر في المجال، هي قصة الأرض الزراعية الواقعة بالقرب من اصفهان
والتي قدمت إلى الإمام كحقوق شرعية، حيث كُلف أحد الفضلاء من قبل سماحته بأن
يكون وكيلاً على القطعة لبيعها واستلام ثمنها. بعد مدة قصيرة، تناهى إلى سمع
الإمام أن السيد فلان الذي عمل بوكالته قد باع قطعة الأرض المعينة واستلم
ثمنها، إلا أن المزارعين العاملين هناك يعانون من أوضاع صعبة جداً. لذلك فقد
قصدوا منزل شقيق سماحته، السيد بسنديده، وأخبروه بما سيحل بهم إذا أخذت الأرض
منهم. وما كاد الإمام يسمع هذا الحديث المؤثر المنقول عن المزارعين، حتى أمر
بنبرة حازمة قاطعة: لتنتقل ملكية الأرض إلى المزارعين، نفذوا هذا الطلب
بسرعة.
الاهتمام
الخاص بالمناطق المحرومة
لقد وضع الإمام
الخميني قدس سره، نظاماً مالياً خاصاً لوكلائه المكلفين باستلام الحقوق
الشرعية ووضع اللوائح الخاصة بها، يقضي بصرف ثلث الأموال الشرعية فقط في
المناطق والنواحي القيمين عليها، وإرسال الثلثين الباقيين إلى مكتب سماحته من
أجل صرفها إلى الحوزات العلمية وفي سبيل إعلاء كلمة الله. أما في المناطق
النائية والمحرومة، فقد عكس سماحته القانون إياه، بحيث باتت ثلثي الأموال
تصرف على تنمية تلك الأنحاء، بينما يرسل الثلث الباقي إلى المكتب الشرعي. وفي
المناطق التي كانت تعاني من حرمان شديد، سمح الإمام لوكلائه بالتصرف التام
بكل الأموال التي يجمعونها بشكل تصرف فيه على المساعدات الشرعية المعروفة،
وعلى تلبية حاجات الفقراء الملتزمين. هذا النظام المالي انسحب أيضاً على كل
وكلاء سماحته في كافة الأقطار الإسلامية. ومن جملة هذه الأقطار، لبنان؛ إذ
أنه بالإضافة إلى الإجازة الشرعية الخطية التي نصت على صرف ثلث أو نصف الحقوق
الشرعية على مناطق تواجدهم، فإن علماء أمة حزب الله كانوا يتمتعون بإجازة
شفهية تعطيهم حق التصرف بثلثي الأموال الشرعية. أما الثلث الباقي الذي كان
يرسل إلى المكتب، فكان يرجع بأمر من سماحته إلى لبنان مجدداً. كما أن السادة
العلماء في لبنان عملوا على تأسيس صندوق (بيت مال المسلمين) الذي تولى صرف
الأموال وخدمة المؤمنين الذين يستحقون وفي سبيل المصلحة الإسلامية العليا
وخدمة المؤمنين الذي يستحقون المساعدة فعلاً. وفي نهاية كل عام، اعتدنا على
استلام تقرير مفصل يتضمن بياناً بكافة النشاطات والخدمات التي أداها الصندوق
المشار إليه.
وأكثر من ذلك،
فقد أعطى سماحته إذناً لوكلائه في المناطق المحرومة والمستضعفة على وجه
الخصوص، يقضي بأن يُنظر في حالة عوائل الشهداء، حرس الثورة، المقاتلين، وكل
الذين يعملون في خدمة الإسلام بشكل عام، عندما يتقدمون لتأدية الواجبات
المالية المترتبة عليهم. فإن تبين أنهم ذوي أوضاع مادية سيئة، وإذا اقتضت
الضرورة، يُعمد بعد إجراء الحسابات الشرعية الدقيقة إلى تبرئة ذمتهم من هذه
الناحية. وهذا الأسلوب اتبعه الإمام بنفسه في كثير من الحالات المشابهة.
القناعة
والزهد عند الاقتدار
بعد هذا العرض
المتواضع، يهمني أن أشير إلى أن الإمام الخميني، قد وضعت في تصرفه خلال فترة
مرجعيته وزعامته برمتها، مئات المليارات من الريالات من باب الحقوق الشرعية.
وعلاوة على ذلك، فإنه من موقع ولاية الأمر وقيادة الأمة الإسلامية، وزعامة
الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كان ولياً وقيّماً على كل مخزونات الأموال
ومصادر الثروة الطبيعية ومليارات المليارات من الأموال التي لا تعد ولا تحصى،
وغيرها من أصناف الخيرات المتنوعة. مع كل ذلك، فإن هذا الإنسان المتكامل،
العارف، الحكيم، والسالك إلى الله، لم يحاول الاستفادة ولو في أدنى الحدود
والمقاييس، من القدرة الشرعية الكاملة أو القدرة السلطوية للدولة والنظام،
وما تتيحاه له من حرية في اتخاذ القرار، للوصول إلى مكاسب مادية خاصة، أو
أهداف شخصية ضيقة، أو امتياز يحمل طابعاً ذاتياً. وعلى نقيض ذلك، فقد عاشر
حياته بأسرها في جو متواضع يعبق بالزهد والقناعة والبساطة، وقضى سحابة عمره
طاهراً مرتاح الضمير.
القسم الرابع
أعظم إنسان في أبسط منزل
أقام الإمام
الخميني طوال المدة التي قضاها في النجف الأشرف، في منزل متواضع صغير يقع في
إحدى تفرعات حيّ (شارع الرسول) الضيقة، مثل المئات من طلبة العلوم الدينية
المبتدئين، الذين يستأجرون بيوتاً في تلك المنطقة. وبعد انتصار الثورة
الإسلامية، سكن في الفترة الأولى في منزل عادي في مدينة قم، ومن ثم انتقل إلى
طهران حيث أقام لمدة عشر سنوات في منطقة جماران. أما المنزل الذي سكن فيه،
فهو عبارة عن بيت قديم البناء يخص السيد إمام جماراني الذي ورثه عن أبيه
وقسّمه إلى عدة شقق صغيرة، ووضع إحدى أقسامه تحت تصرف عائلة الإمام. وهناك
جناح آخر منه بلغت مساحته 120 متراً مربعاً مع طابق سفلي بمساحة 70 متراً
مربعاً، يعود للسيد حسن الحسيني صهر السيد جماراني، حيث استأجر سماحته هذا
الجناح أيضاً. هذا البيت الصغير، البسيط، والمتواضع الذي يشبه بيوت الكثير من
المستضعفين، شاهدناه جميعاً إما عن كثب، وإما عن طريق شاشة التلفزيون، عبر
عقد من الزمن. هذا المكان المتواضع، ضم بين جدرانه إنساناً عظيماً تربع على
عرش مئات الملايين من القلوب الولهانة، والأفئدة المشتاقة، وحكم مشاعر جماهير
المسلمين والمستضعفين في العالم. ذلك الإنسان الذي استند إلى صلابة إيمانه
وصلته الوثيقة بالله عزّ وجلّ، ليهز عروش القوى الشيطانية الكبرى في هذه
الدنيا.
إن عظمة حياة
الإمام البسيطة، وسمو تقواه واستقامته، يتجليان بصورة أنصع وأكثر إثارة
للدهشة والاستغراب، للأشخاص الذين سنحت لهم الفرصة لرؤية الجبارين
والمستكبرين من حكام العالم من قريب، ومشاهدة مظاهر الأبهة والفخامة التي
تنطق بها القصور الأسطورية التي يعيشون فيها. في إحدى الأيام، حضر إلى مركز
جماران جمع من رجال الصحافة والإعلام الأجانب. أحد هؤلاء الصحافيين، وكان
أميركياً على الأرجح، بدت عليه إمارات التعجب والاستغراب من المنظر الذي
شاهده في منزل الإمام ومركز عمله. ومع أنه شاهد كل شيء بأم العين، بدا وكأنه
لا يصدق ما تراه عيناه. لذا راح يفتش في أرجاء المنزل علّه يجد شيئاً غير
عادي، وباتت هذه المسألة شغله الشاغل في تلك اللحظات. ثم راح يفتش عن شخص ما
يستطيع أن يسأله عما يخطر في باله، كي يسوي المشكلة التي راودت ذهنه، ويحل
اللغز الذي شغله. وما أن وقعت عيناه عليّ، حتى فتح معي باب الحديث بطريقة
حميمة جداً. لم أفهم لغته، ولكن لسان حاله كان ينطق بما توجد في نفسه من
أحاسيس. وبعد لحظات، أقبل علينا أحد المترجمين ليقوم بدور الوسيط بيننا.
إحدى الأشياء
التي لفتت نظر هذا الصحافي، هي الغطاء المعدني الذي كان قد وضع فوق الباحة
الصغيرة التي تتقدم منزل الإمام، كي يقف سداً أمام برد الشتاء القارس وحر
الصيف الشديد، حيث مُدت عليه قطعة قماش طويلة. سألني: ما سبب وجود هذه
القضبان والأعمدة؟ ترى هل هي حواجز مكهربة أم ماذا؟ ثم سأل: هل هذا هو بيت
الإمام بجد؟ مع سماعه لجوابي ازدادت حدة تعجبه واندهاشه. ثم سردت له أمراً لم
يكن ليخطر أبداً على ذهنه الصحافي، والفضول الذي يشتعل فيه. أوضحت له أن هذا
البيت المتواضع ليس ملكاً لسماحته، بل هو مستأجر، ازدادت حيرته عندها.
وبالرغم من إحساسي بعدم تصديقه للأمر، بدت عليه علامات التأثر الشديد مما
سمعه وشاهده. تغير لونه وبات في حالة نفسية غريبة، وراح ينظر حوله وكأن
آفاقاً خفية قد نشرت ظلالها أمامه، ولمحت الدموع وقد تجمعت في عينيه. بعد أن
عرف هذه المسألة، أي كون البيت مستأجر، وهي فكرة لم يكن باستطاعته التعبير
عنها بقلمه وآلة تصويره، تقدم مني بالشكر الجزيل وودعني دون الحاجة إلى من
يترجم لسان حاله.
والحقيقة، هي
أن كل خصوصية من خصوصيات الإمام الخميني، والتي هي في الواقع صور تجسد عظمة
الإسلام وتجليات الإمامة والقيادة الصالحة من خلال الحكومة الإسلامية، عندما
تقارن بكافة الأنظمة السياسية الأخرى وأساليب القادة الآخرين، تعطي الدليل
الساطع على أحقية الإسلام وأفضليته النظام الإسلامي القويم، لكل من يتمتع
بشعور إنساني وفكر حر وضمير يقظ.
الإمام،
أفضل مستأجر عرفته
من المفيد في
هذا المقام أن أشير إلى قضية تتعلق بسكن الإمام كمستأجر لبيوت الآخرين، حيث
نلاحظ من خلالها الالتزام الشديد الذي أبداه سماحته تجاه الأحكام الشرعية
ورعاية الموازين الدينية، خصوصاً تجاه حقوق الناس وممتلكاتهم، كي نأخذ منها
أسوة عن كيفية تعامل المستأجر المثالي مع المنزل الذي يقطن فيه. ومع أن صاحب
المنزل كان من مقلدي الإمام ومحبيه إلى درجة لا توصف، بحيث اعتبر أن مجرد
وجود سماحته في منزله، هو أكبر وسام شرف يناله في حياته، إلا أن الإمام كان
يلتفت إلى الأحكام الشرعية الخاصة، كأي فرد عادي لا تربطه أي علاقة مميزة
بصاحب الملك.
ذات مرة، ارتأت
إحدى الفرق الإعلامية التي كانت تقوم بتغطية اللقاءات الرسمية المختلفة التي
كان يجريها الإمام، والبيانات التي كان يوجهها سماحته في المناسبات المتنوعة
إلى الأمة من غرفة عمله، ارتأت أن يعمد إلى استحداث ثلاثة ثقوب صغيرة بمساحة
[5r5] سنتميتراً مربعاً في سقف الغرفة المذكورة، كي تسمح بدخول النور الكافي
والمناسب لعمل الأجهزة والكاميرات. في اليوم التالي، عندما تشرفت كالمعتاد
بزيارة الإمام صباحاً، بادرني بعد السلام إلى القول بلهجة خشنة حازمة وبملامح
منزعجة متألمة: (ما هذا العمل؟ لماذا أقدمتم على مثل هذا التصرف؟). أخبرت
سماحته بأن تأمين النور الكافي هو الذي استوجب ذلك. أطرق سماحته قليلاً
للتفكير وقال بلهجة مريرة: (لماذا بادرتم إلى هذا التصرف دون أخذ إذن مسبق من
صاحب المنزل؟) بعد ردة الفعل العنيفة هذه، وقفت علىالخطأ الذي وقعنا فيه،
وعملت على التخلص من الثقوب المستحدثة، وإعادة حالة السقف إلى ما كانت عليه
سابقاً.
بعد أن انصرفنا
من غرفة سماحته، أخبرني السيد صانعي، وهو الذي قضى عشرات السنين في اتصال
مباشر مع الإمام، وعايشه عن قرب، بالتالي: طوال فترة معرفتي للإمام، لم
أشاهده على هذه الدرجة من الانفعال وانزعاج الخاطر، إلا في مرات قليلة
معدودة.
تعرف
الأشياء بأضدادها
هناك نقطة
أخيرة أود التطرق إليها لأنها تظهر جانباً جديداً من جوانب الزهد والاستقامة
في شخصية الإمام الخميني. وهي أن سماحته بعدما قضى السنين الطويلة في تحصيل
العلوم الدينية، وبعد الجهود المضنية التي بذلها في سبيل التدرج في المعارج
العلمية الدينية، والعرفانية، وبعد كل تلك المؤلفات الجمة العميقة الفريدة
التي تناولت مختلف المواضيع الإسلامية والأخلاقية، لم يظهر أي اهتمام خاص أو
تعلق ملفت للنظر بكتبه وتأليفاته، حتى أنه لم يبدِ حرصاً على نشرها وتوزيعها.
عندما نقارن هذا الموقف بالطريقة التي يطرح فيها البعض كتبه أو دراساته أو
حتى مجموعة مقالات بسيطة عائدة له، حيث يحرص دوماً على الاعتناء بطبعها
وشكلها، والتمهيد لها بمقدمة فخمة تتضمن لائحة بالمؤلفات التي سبق له أن
كتبها، ندرك جلياً إحدى الخصوصيات السامية الأخرى التي يتمتع بها سماحته،
وإحدى التجليات التي تبين عمق زهده وتقواه. ويحضرني هنا القول الجليل التالي:
(تعرف الأشياء بأضدادها).
لقد اعتاد
الإمام دوماً على القول لطلابه في الحوزة العلمية، أثناء حلقات الدرس والبحث،
التالي: (إذا خطوتم خطوة في طريق تحصيل العلم والمعرفة، فينبغي أن تخطوا
خطوتين في طريق تهذيب النفس وتربيتها). وقد شق الإمام طريقه في مناهل الحياة
على هذه الشاكلة. ولهذا فقد اخترق حجاب العلم واجتاز طريق العروج ووصل إلى
المقصود، وحلق من مشارف علم الأخلاق إلى ذات الأخلاق، ومن منابع علام الحكومة
إلى ذات الحكمة، وتربع على عرش العرفان المتألق.
طبع مؤلفات
الإمام
لقد ارتبط
الإمام الخميني طوال سنين عمره الشريف بالحق سبحانه وتعالى، وعاش الزهد
والاستقامة بأسمى معانيها. لذا فلم يفقد الثقة بنفسه ولا استسلم لليأس
والقنوط حين نالت يد الشر الآثمة من مؤلفاته وتمكنت من إخفائها، كما لم يبالغ
في إبداء الفرح والسرور حين عادت إليه من جديد. بالإضافة إلى ذلك، لم يظهر
لأي كان، رغبته في طبع مؤلفاته ونشرها، كما لم يسع لتحقيق هذا الأمر حتى في
أضيق الحدود والإمكانيات. أما كتبه التي طبعت ونشرت، فقد أبصرت طريقها إلى
الانتشار إما عبر الإصرار الذي مارسه الآخرون والخطوات العملية التي مهدوا
لها، أو عن طريق نخبة من تلامذته الذين واظبوا على نسخ الدروس التي كان
يلقيها سماحته، حيث احتفظوا بنسخ خطية منها. وباتت تنتقل من فوج إلى فوج منذ
قديم الأيام، إلى أن استقرت في أيدي مجموعة طلابية عملت على جمعها وتصويرها
ودفعها إلى مرحلة الطباعة. إلا أن هناك مجموعة من المؤلفات النفيسة التي
أبدعها قلمه الشريف، لم تطبع حتى الآن. ومع الأسف الشديد، فإن عدداً منها قد
فقد في خضم التطورات والأحداث التي شهدتها حياة الإمام. ويحدونا الأمل بأن
يعمد كل شخص أو جهة تحتفظ بهذه الآثار لأي سبب من الأسباب ـ ومن أهم هذه
الآثار، التعليقات والحواشي التي خطها سماحته حول الأسفار ـ إلى الإعلان عنها
وعدم التسبب بحرمان المجتمع الإسلامي والأوساط العلمية من هذه التحف الخالدة،
وذلك بوضعها في تصرف (مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني)، كي تنال بذلك شرف خدمة
العلم ودعاء القلوب المؤمنة. ويهمني أن أشير هنا إلى أن هذه المؤسسة هي في
صدد جمع التعليقات المشار إليها وطبعها، ومن ثم طبع المجموعة الكاملة لآثار
الإمام ضمن سلسلة متصلة، حيث قطعت شوطاً مهماً في هذا المجال، وتخطت المراحل
الأولية من المشروع. نسأل الله عزّ وجلّ أن يوفق هذه المؤسسة ويسدد خطاها من
أجل إداء هذه الخدمة الكبرى للثقافة الإسلامية والمعارف الدينية.
الرسائل
العلمية (الفقهية)
لقد اتبع
الإمام أسلوباً خاصاً ومنهجاً متميزاً عن المفهوم الرائج للرسائل العملية
التي تصدرها المراجع الفقهية. وقد عرفت عن كثب إحدى الحالات التي أصدر فيها
أحدهم رسالة فقهية عملية، بالإضافة إلى تهيئة حواش على الرسائل الفقهية، قبل
أن يصل إلى درجة المرجعية، وحتى قبل أن تبدأ عائلته بتقليده، حيث أشرف شخصياً
على طبعها وترجمتها إلى عدة من اللغات الأجنبية أيضاً.
أما سماحته،
فلم يسع لنشر رسالته العملية إلا بعد أن استقرت الزعامة الروحية والمرجعية
الدينية، بمشيئة الله تعالى، عليه، وبعد الإلحاح والإصرار الذي مارسه
الكثيرون، وذلك بسبب زهده بالشهرة والرئاسة. لذلك فلم يقبل عليها، بل أتته هي
طائعة راغبة.
وبالنسبة لطبع
الرسالة العملية، فلم يتبع سماحته السُّنة المعمول بها، والتي تقتضي طبع
الرسائل على نفقة بيت المال والحقوق الشرعية، ومن ثم توزيعها على الناس
مجاناً وعلى نطاق واسع. إذ إنه لم يسمح أبداً باللجوء إلى الأموال الشرعية من
أجل طبع رسالته العملية. كما لم يسمح، بصورة عامة، بتوزيعها مجاناً على
الناس.
هناك الكثير من
القصص المعبرة عن رأي الإمام القاطع حيال هذه المسألة، والتي لا يتسع المجال
لسردها في هذه العجالة. على سبيل المثال، أذكر ذات مرة عندما زار والدي سماحة
الإمام. وبعد المجاملات الاعتيادية، راح يشرح لسماحته مسألة كثرة المقلدين،
وحاجتهم الماسة إلى رسالة عملية يرجعون إليها. ثم حاول إقناع الإمام بضرورة
طبع رسالته. استمع الإمام لكلام الوالد حتى النهاية، ثم قال بلهجة صريحة
خالية من المجاملة: (أرى من الأنسب أن توجه حديثك هذا إلى أحد أصحاب
المكتبات).
عند سماعه هذا
الجواب القاطع، تأثر والدي بشدة وتألم، لأنه سمع كلاماً لا ينسجم أبداً مع
الطريقة المعمول بها في هذا المجال. إلا أنه بعد أن تعمق فيما سمع وتدبر
الأسلوب الجديد الذي اتبعه الإمام، وتعرف على المعايير الإلهية التي يحتويها،
تغير انطباعه وازداد إعجابه وإخلاصه لسماحته إلى حد كبير.
لقد اتبع
الإمام الخميني الأسلوب المذكور وعمل على تثبيته وتوطيده في ظروف شهدت الكثير
من الأساليب المغايرة التي عمل بها الآخرون، حيث شاهدت بنفسي بعضها. وتفصيل
ذلك إنه عندما ألم المرض بآية الله الحكيم، رحمه الله، وانتقل على أثر ذلك
إلى لندن للمعالجة، كنت حينها في إحدى إمارات الخليج ضيفاً في منزل أحد علماء
الدين، حيث رأيت مشهداً أثار دهشتي واستغرابي. رأيت إحدى الغرف وبعض الزوايا
الأخرى من المنزل قد امتلأت حتى السقف بأعداد هائلة من الرسائل العملية
العائدة لبعض العلماء. ثم عرفت أن هذه الرسائل قد أرسلت إلى ذلك البلد كي
توزع بصورة مجانية بين الناس، بعد وفاة آية الله الحكيم. والجدير بالذكر أن
العالم الروحاني الذي كنت في ضيافته، لم يكن قد حصل حتى ذلك الوقت على نسخة
واحدة من رسالة الإمام العملية، بالرغم من كونه أحد مقلديه.
في إحدى
المرات، كنت في منزل أحد مدّعي المرجعية الدينية عندما أقبل أحد المسلمين
الباكستانيين. وتبيّن من خلال الحديث، أن الزائر هو من مقلدي الإمام قدس سره.
بالرغم من ذلك، رأيت بأم عيني ذلك العالم وهو يأتي برسالته الفقهية ويعطيها
لزائره.
وقد صادف عدة
مرات أو زارنا بعض الأشخاص، من العلماء وغير العلماء، الذين اعتادوا على
السنة الرائجة التي أشرنا إليها. وبعد مراجعتهم لمكتب الإمام، كانوا يطلبون
تزويدهم بنسخ من رسالته العملية. وعند سماع جوابنا ومفاده أنه ليس لدينا أي
منها، وأننا نشتري الرسالة من المكتبات مثل بقية الناس إن احتاجها أحد منا،
أو إذا لزمت لشؤون المكتب من أجل الإجابة على المسائل الشرعية، وحتى إذا
احتاجها سماحته شخصياً، كانوا يذهلون لذلك. وبالنسبة لبقية مؤلفات الإمام
المطبوعة، فقد شملها هذا الأسلوب أيضاً. حتى أن سماحته كان يعمد إلى
استعارتها منا عندما يضطر للرجوع إليها، ومن ثم كان يعيدها إلينا بعد قضاء
حاجته.
والمسألة
المهمة الأخيرة في هذا المجال، هي أن سماحته كان يعتبر توزيع الكتب على الناس
بصورة مجانية، أو بسعر زهيد جداً، أو بقيمة لا تعادل سعر الكتب المتداولة في
السوق، بمثابة ضربة معنوية توجه للكتاب وتنال من شأن مؤلفه. لذا فكان يخالف
هذا الأسلوب بشدة.
القسم الخامس
بين يدي أمير المؤمنين(ع)
لقد واظب
الإمام الخميني طوال مدة إقامته في النجف الأشرف والتي بلغت أربع عشرة سنة،
على زيارة مقام أمير المؤمنين عليه السلام، كل ليلة بعد مرور ثلاث ساعات على
غروب الشمس وخلال كل فصول السنة، حيث كان يقطع المسافة التي تفصل بين منزله
وبين الحرم المطهر في مدة لا تتجاوز السبع دقائق، مشياً على الأقدام. اعتاد
الإمام على الدخول إلى الباحة الخارجية للحرم من الباب الذي يطل على اتجاه
القبلة، قاصداً بعدها الزاوية الجنوبية إلى الحرم الشريف. في البداية، كان
يقف لجهة رجلي أمير المؤمنين(ع) حيث يتلو دعاء مختصراً، ومن ثم ينتقل إلى
الطرف الجنوبي للضريح، مقابل صورة أمير المؤمنين(ع)، ويتلو دعاء زيارة أمين
الله. وعلى خلاف الجميع، حيث جرت العادة أن تكمل الدورة حول الضريح باتجاه
موضع الرأس الشريف، واظب سماحته على العودة من تلك النقطة إلى الموضع السابق،
ومنه إلى خلف الرأس المطهر، حيث كان يجلس على الأرض ويصلي صلاة الزيارة، ومن
ثم يتلو دعاء الزيارة الجامعة.
الالتزام
بالزيارة
التزم الإمام
الخميني طوال مدة إقامته في النجف الأشرف، أي خلال فترة ناهزت الأربع عشرة
سنة، على زيارة مقام أمير المؤمنين(ع)، ليلياً وبصورة مستمرة. ولم يتخلف عن
الزيارة إلا في حالات محدودة جداً، انحصرت في الأيام القليلة التي كان يتشرف
فيها بزيارة كربلاء، وفي حالات المرض الطارىء التي تستوجب تجميد كافة
النشاطات، من حلقات الدرس إلى صلاة الجماعة إلى استقبال الضيوف والمحبين. إلا
أن هذه الوعكات الصحية قليلاً ما ألمّت به والحمد لله، وبالتالي فإن أيام
التغيب كانت قليلة جداً. نلاحظ هنا أن معظم الأشخاص الذين ينالون سعادة
الإقامة بقرب أضرحة الأئمة والعتبات المقدسة الأخرى، يشعرون مع مرور الأيام
بأن المسألة باتت عادية وقد تمر عليهم أسابيع أو شهور دون أن يتشرفوا
بزيارتها، وذلك رغم حبهم العميق وإخلاصهم الوثيق. إلا أن الإمام، وانطلاقاً
من عشقه الذي لا يوصف لمقام الولاية الكبرى، ومن النظام الدقيق الصارم الذي
أخذه به نفسه في مختلف شؤونه وأعماله الخاصة، وضع الزيارة ضمن برنامجه
اليومي، شأنها شأن صلاة الجماعة والدروس الحوزوية، ولم يترك مجالاً للأعذار
والمستجدات الطارئة لتشغله عنها، فتلغي ترابطه اليومي مع أمير المؤمنين. ومن
الجدير بالذكر أنه عندما كان سماحته يضطر إلى إلغاء زيارته لإحدى الأسباب
المشار إليها، كنا نعرف أنه يقوم بتأدية شعائر الزيارة وأدعيتها داخل غرفته،
وأحياناً وهو ممدّد على سريره.
نقطة
الضعف!!
إن المسألة
الهامة والمؤسفة في آن، التي أود ذكرها على هامش إحدى التجليات المعنوية التي
التصقت بالإمام، هي قضية عملاء جهاز استخبارات الشاه المخلوع الذي عرف باسم
(السافاك)، وغيره من الأجهزة الجاسوسية التابعة للشرق والغرب، من المعاندين
والمأجورين وضعاف النفوس، الذين لبسوا لباس رجال الدين ذراً للرماد في
العيون، للوصول من خلال هذا الزي الجليل، إلى النيل من سمعة سماحته وتحطيم
شخصيته. بعد عدة محاولات مشبوهة خاضوها، وبعد سعي دؤوب بذلوه، وبعدما وجدوا
أنفسهم عاجزين عن رصد أدنى هفوة أو نقطة ضعف تعيب مسلك الإمام وتحط من قدره،
حاول أولئك المرتزقة تحويل أكبر مآثر سماحته وأقواها، إلى نقطة ضعف وإدانة.
فقد عمدت تلك المجموعات إلى الذهاب إلى حوزة النجف العلمية، والجلوس بطريقة
توحي بالزهد والتواضع والإخلاص، والعمل ـ بأسلوب شيطاني ماكر ـ على إشاعة
فكرة باطلة مفادها أن النهج الذي يتبعه الإمام، والذي يقتضي دوام الذهاب
لزيارة مقام أمير المؤمنين(ع) بصورة يومية، قد سبب الكثير من الإحراج لسائر
المراجع والعلماء الكبار الذين لم يعتادوا على دوام التشرف بزيارة الضريح
المبارك، مما يضع علامات استفهام على تصرفهم، وينال من عظمة شخصياتهم العلمية
والروحية.
الفتاة،
نعمة بهية
في شتاء العام
1984، رزقني الله سبحانه وتعالى ابنة جديدة. وبعد أيام معدودة، أتت بها أمها
إلى منزل الإمام. بعد تأدية الأعمال المعهودة، خرجت من غرفة سماحته لآتي
بالمولودة كي تتشرف وتتبارك بلقياه. بينما كنت أصعد الدرج المؤدي إلى الباحة
إلى داخل المنزل، وقعت عيناي على الإمام وهو ينظر إلي بنظرات ملؤها البسمة
والنشاط والحيوية، حيث أذن لي سريعاً بالدخول وقال قبل أن أتفوه بأي كلمة:
(هذا ولدك؟). رددت بالإيجاب. مد الإمام يديه الكريمتين إلى المولود واحتضنها
بحنان بالغ وسألني: (صبي أم بنت؟). فأجبت: هي ابنتي. احتضن سماحته المولودة
من جديد ووضع وجهه على وجهها، ثم قبَّل جبينها وهو يقول: (الفتاة جيدة جداً …
الفتاة جيدة جداً … الفتاة جيدة جداً). ثم تلا في أذنيها دعاءً مختصراً
وسألني عن اسمها، فقلت إني تركت مسألة انتخاب الاسم لحضرته. فأجابني دون أدنى
تردد: (فاطمة اسم جميل … فاطمة اسم جميل … فاطمة اسم جميل).
من نافل القول،
أن إحدى الخصوصيات المعروفة التي طبعت سلوك سماحته، وبيّنت حكمته وزهده
وورعه، هي التزامه جانب السكوت والصمت، والتحدث في أضيق الحدود، مراعاةً
للتكليف الشرعي المطلوب. لهذا فقد كان يلاحظ في كثير من الأحيان، أن الإمام
خلال مدة إقامته في النجف الأشرف، حيث كان قد خصص نصف ساعة من الزمن ـ من
الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، وحتى الساعة الثالثة منه ـ لإجراء اللقاءات
العامة في صالة الاستقبال الخارجية، لم يكن يتلفظ بكلمات تتجاوز عبارات
(السلام عليكم، ومسّاكم الله بالخير). ويكتفي بعد ذلك بالجلوس صامتاً حتى آخر
الجلسة.
طوال المدة
التي قضيتها في خدمة الإمام في منطقة جماران، كنت أعمل بين يديه صباح كل يوم
لمدة تتراوح بين عشرين إلى خمسين دقيقة. ولا أتذكر أبداً أنه قال ذات مرة،
كلمة واحدة غير ضرورية أو بدون مغزى. الأسئلة التي كانت تطرح عليه تميزت
دوماً بالدقة والوضوح. وكل من تسنى له أن يعمل مع سماحته أو أن يبني علاقة
صداقة معه، يعرف جيداً أنه لا ينبغي طرح أمور غير مترابطة أو مسائل سطيحة
وعابرة في محضره. إلاّ أن العديد من التساؤلات، كانت تجد جواباً لها من خلال
السكوت الذي كان يبديه سماحته، أو من خلال إيماءة، أو نظرة، أو إشارة من يده،
أو كلمة معينة، أو جملة مختصرة. وأحياناً، من خلال مزيج فريد من الأساليب
المذكورة، مرفقة بابتسامة أو عبوس، حيث كانت كلها تعبر عن معنى دقيق قاطع،
وتدل على القصد الذي يرمي إليه. إن النبع الذي استقى منه الإمام هذه المعاني
السامية، ما هو إلا فيض حكمته وتعالي عرفانه وتجلي منطقة الذي يزن الأمور
بميزان لا يزل. وهذا ليس بمستغرب عن إنسان رباني أوتي نصيباً وافراً من العلم
الإلهي {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً}.
بقي أن نذكر في
هذا المجال بعض الأمور الدالة الأخرى. وهي تنسيق لحن الصوت وإيقاع الكلمات
ووقعها، لتعبر بشكل دقيق عن اعتناء سماحته بأمر معين والتأكيد عليها، أو نبذه
ونفيه. وبالتالي اعتبار ذلك أسلوباً إضافياً لإبداء وجهات نظره في بعض
الأحيان. على أي حال، إذا نظرنا إلى سيرة حياة الإمام من زاوية تعاطيه مع
الآخرين وتحدثه معهم، واختصار الكلام والاكتفاء بأقل قدر ممكن من العبارات،
ندرك أن جملة (الفتاة جيدة جداً) وجملة (فاطمة اسم جميل)، وإن وردتا تعليقاً
على أمر خاص ومحدد، فإنهما تحملان طابعاً قريباً من التعميم والاطلاق، مما
يجعل المخاطب من خلالهما، المجتمع بأسره وليس فرداً خاصاً. كما أن تكرار
الجملة أكثر من مرة من قبل سماحته ليس أمراً عبثياً بالتأكيد، بل هو ناجم عن
حسابات خاصة به، ونابع من جذور عقائدية وثقافية راسخة. ومن أجل تعميق ذلك
الاعتقاد وتلك الثقافة في محيط المجتمع الإسلامي وتوسيع رقعة انتشارهما، نراه
يؤكد عل حسن الفتاة لكي يدحض الرواسب الجاهلية التي تحط من قدرها، ويشدد على
اسم (فاطمة)، من أجل إحياء أفضل نموذج للمرأة المسلمة المؤمنة.
وهل هناك
اسم أفضل من اسم (علي)؟
من المفيد أن
أذكر قصة المولود التالي الذي رزقني الله إياه، كي أبين من خلالها بصورة
أوضح، حكمة التعاطي الذي بادر إليه سماحته حيال القضية السابقة. بعد مضي
حوالي سنة على ولادة فاطمة، رزقت بصبي فحملته كالعادة إلى منزل الإمام لنيل
البركة. دخلت الغرفة وجلست بين يديه ثم قدمت له الوليد، فأحسست بوضوح أن ردة
فعله كانت مختلفة تماماً هذه المرة. أخذ الإمام الطفل بين ذراعيه ومسح على
رأسه، فبادرت عندها إلى القول: هذا هو ولدي الرابع. أرجو أن تتكرموا بانتخاب
اسم له، مع العلم أنني لم أسمِّ (علي) حتى الآن. أجابني سماحته والابتسامة
تعلو ثغره: (وهل هناك اسم أفضل من اسم علي؟). ثم مسح يده الكريمة على وجه
المولود وتلا بعض الأدعية. وهكذا نرى أن أسلوبه في إبداء مشاعره هذه المرة،
اختلفت تماماً عما كان عليه في المرة السابقة.
القسم السادس
العشق المتبادل
تعاطي
الإمام مع الأعداء
لقد اختط
الإمام الخميني لنفسه طريقاً يلازم صراط الدين المستقيم، وعبادة الحق، ونبذ
الذات، للوصول إلى أنوار الله العلي القدير. لقد هجر سماحته سجن النفس المظلم
وقفص الطبيعة الضيق، باتجاه الله ورسوله. وعمل على تهذيب نفسه، حتى بات قلبه
يبصر بنور الإيمان ويعشق الخالق عزّ وجلّ، وأفرغ سماحته قلبه من الذات وكل ما
يتعلق بها، وأوكل شؤون البيت إلى صاحب البيت. وبذل ما في وسعه وجاهد نفسه
للوصول إلى ذلك المقام المعنوي الرفيع، حيث باتت كل حركاته وسكناته، كلماته
وسكوته، لحظات نشوته ولحظات تألمه، محبته وكراهيته، وبالتالي حياته وموته، من
أجل الله وفي اتجاه الله عزّ وجلّ.
إن العاطفة
والمحبة هي في الأساس إحساسات غرائزية تنشأ من الذات وتصب في الذات. إلا أنه
إذا أخذنا السير التكاملي الذي يؤدي بالإنسان إلى الله عزّ وجلّ بعين
الاعتبار، عندها تكتسب ظاهرتي العاطفة والمحبة، شكل صفة مكتسبة متعالية. صفة
تنبع من الذات الإلهية، وتسير في الخط الذي ينتهي إليه سبحانه وتعالى.
عندما تلتصق
المحبة الحقيقة، التي هي إحدى تجليات الارتهان والانجذاب إلى الكمال والجمال،
بالمركز الأساسي وبمبدأ الجمال والكمال، تصل إلى أقصى درجات سموّها، وأبهى
قلل شمولها، أي إلى درجة: {والذين آمنوا أشد حباً لله}. وهكذا تشمل آفاق هذه
المحبة، العالم بأسره والمخلوقات على تنوعها.
لقد نظر الإمام
بعين المحبة والرحمة والألفة إلى كل ظواهر هذا العالم ومخلوقاته وخاصة
الإنسان، على أساس أنها آيات وتجليات وإيحاءات من الله المحبوب الرحيم. وذلك
انطلاقاً من النظرة التي أشرنا إليها للتوّ، خلافاً لدعايات العالم المستكبر،
المغرضة، التي أرادت بوحي من أغراضها الشيطانية وطبيعتها العدوانية، أن تصوره
على أنه إنسان حاد الطباع، خشن المسلك وغير عاطفي. إن اندماج الإمام في تلك
الواحة الفكرية والتربوية الإلهية، وتمتعه بالروح المتعالية التي أشرنا
إليها، جعلاه يشعر بنوع من الشفقة حتى تجاه ألد أعدائه وأشد مناوئيه مثل
نصيري، الشاه، صدام، وريغان. إذ إن مشاعر العداوة والبغضاء التي بادل بها
هؤلاء الأشخاص، لم تكن ذات دوافع شخصية كما حاول الأعداء تصويرها، بل بسبب
العصيان الذي أبدوه تجاه الحق والظلم الذي مارسوه ضد شعوبهم. عندما كان
سماحته يدعو الله عزّ وجلّ بأن يعجل في موت أحدهم على سبيل المثال، لم يكن
يعتبر ذلك الرجاء دعوة شر بحقه، بل نوع من أنواع الدعاء بالخير والرحمة؛
الخير الذي يتمثل بتخلص الشعب من ظلمه من جهة، وبالحد من تزايد الإثم في سجل
عمله من جهة أخرى. وإذا كان سماحته قد انبرى لمجاهدة حكم الشاه والقضاء عليه،
فلم يكن ذلك نابعاً من عداوة شخصية أو ثأر أو انتقام، أو للقضاء عليه للحلول
مكانه في السلطة. فلو افترضنا أن الشاه قد تبدل قبل إيغاله في الإجرام رأساً
على عقب، وتحول إلى إنسان متدين متعبد ملتزم بأحكام الله تعالى، وبدأ بتطبيق
الأوامر والنواهي الدينية في المجتمع كما أمره سماحته، لكان الإمام انبرى
لحمايته ودعمه، وبذل ما في وسعه في سبيل تقوية حكمه وبسط سلطته.
وعليه ، نلاحظ
أن الإمام لم يعتبر ذاته مؤشراً يحدد الأشخاص الذين يشعر حيالهم بالعداوة
والبغضاء، بل جعل الله عزّ وجلّ ذلك المؤشر؛ إذ إنه لم يعاد أحداً في حياته
لسبب نابع من الذات، بل كان يعمد دوماً إلى غض النظر عن أية حالة تمسه
شخصياً، كما أنه كان يسامح كل الأشخاص الذين بادروه بالإساءة والظلم. وحتى
أنه عمد إلى الدعاة لبعضهم بالخير وحسن العاقبة، وإلى تفقد أحوالهم وتتبع
أخبارهم.
هناك فئات
كثيرة من المغرضين والجهلة، ذوي الطينة غير الأصيلة، سواء في مدينة قم
المقدسة أو فيما بعد في النجف الأشرف، بثت سمومها وحاولت أن تلحق بالإمام
أقسى الضربات الروحية، وأن تلصق به التهم والافتراءات الباطلة، وأن توجه له
شتى أنواع الإهانات. وقد ذكر سماحته بعض هذه المحاولات، في الرسالة التي
وجهها إلى الحوزات العلمية وطلبة العلوم الدينية. إلاّ أنه لم يخطر على باله
ولو للحظة واحدة، أن يحاول الانتقام من الأطراف التي أساءت له، أو أن يبادر
إلى معاملتها بالمثل، سواء قبل إنتصار الثورة عندما وصل إلى المرجعية العليا
ودانت له السطوة المطلقة على الحوزات العلمية، أو بعد انتصارها، عندما تسنم
أوج العظمة والسلطة من جميع الأوجه. وفي الكثير من الأحيان، نجد أن العكس هو
الصحيح. حيث أن العديد من هذه النوعيات التي ألحقت الأذى والسوء بسماحته فيما
مضى، وباتت منبوذة ومكروهة من قبل جماهيره وعشاقه، بقيت في موضع اهتمامه،
فكان يعمد ابتداءً إلى السؤال عنها والاطمئنان على أحوالها ومساعداتها قدر
المستطاع. وإذا أصابها مرض أو سوء، كان يرسل من قبله من يقوم بواجب عيادتها.
كما أنه حاول دوماً العمل على حل المشاكل الخاصة التي تعترضها، ومد يد العون
لها.
لقد سامحته
هناك مسألة
كانت تتكرر دوماً وتتعلق بالأشخاص الذين تناولوا الإمام بالقدح والإهانة، ومن
ثم أدركوا قبح عملهم واستفاقت ضمائرهم وارتدعوا عن غيرهم، فعمدوا إلى كتابة
رسائل عفو واعتذار، يطلبون منه فيها، المسامحة عما بدر منهم. وعندما كانت
الرسائل تصل إلى يد الإمام، كنا نسمع منه تعليقاً واحداً لا يتغير أبداً:
(لقد سامحته). حتى أنه في بعض الأحيان، كان يدعو للمرسل بالخير وحسن العاقبة.
وفي حال توفر عنوان مكتوب، كان يحرص على كتابة رسالة جوابية.
من جملة ذلك،
أرسلت زوجة أحد المساجين السياسيين في إحدى المدن الإيرانية، رسالة إلى
سماحته تقول فيها: بما أن الإنسان معرض دوماً للوقوع في الخطأ والمحذور، فإن
زوجي قد تجرأ وتطاول على مقام القيادة المقدسة، وأساء الأدب تجاه سماحتكم.
وإني أنتهز هذه المناسبة لكي أعبر عن بالغ تأثيري وخجلي من هذا العمل المخزي.
وأتمنى على نيابة الإمام المباركة، أن تعفو وتصفح عنه بما عرف عنها من سعة
الصدر وسمو الأخلاق وعلو المنزلة الروحية. على أمل عدم رد هذا الرجاء خائباً.
سلمنا الرسالة
لسماحته، فقرأها ثم كتب تعليقه بالايجاب، في ذيلها كالعادة. ومن ثم أرسلت إلى
العالم الروحاني المختص في المدينة المعنية، كي يعمل على حل المسألة.
إحدى النماذج
المعبرة الأخرى تمثلت في رسالة بعث بها من الولايات المتحدة، أحد المسلمين
العرب المقيمين هناك، وشرح فيها المسلك الذي كان منغمساً فيه، وقال: لقد
ارتكبت إثماً كبيراً في السابق تمثل في توجيه الإهانة لكم. وهذه الخطيئة
تحولت مع الأيام إلى كابوس مرعب يضغط على كاهلي ويعذبني باستمرار. لذا فإني
ألتمس منكم المسامحة والغفران. عندما قرأ سماحته هذه العبارات، قال بلهجة
تفيض عاطفة ومحبة: (لقد سامحته).
مثال آخر على
ذلك تمثل في رسالة بعث بها طالب من مدينة مسجد سليمان، وقال فيها: جناب سماحة
قائد الثورة الإسلامية العظيم، الإمام الخميني حفظه الله. أرجو من سماحتكم أن
تغفروا لي وتسامحوني لأنني حضرت عدة مجالس شهدت استغابة البعض لكم. أرجو
العفو والمعذرة. وإذا قررتم الإستجابة، أرجو أن تشفعوا ذلك برسالة خطية منكم.
وقد أرسل بالفعل الرد الإيجابي، مدوناً في ذيل الرسالة.
حب الإنسان
بدون تمييز
إن الفطرة
الطاهرة البريئة التي يتمتع بها كل أحرار العالم والمستضعفين فيه، حتى غير
المسلمين منهم، انجذبت نحو الجمال المعنوي الذي يتمتع به الإمام الخميني،
ونحو محبته الإنسانية الصافية، وحرية فكره وضميره، وصدق سيره واستقامته، حتى
وصلت أشعة هذه الجاذبية إلى أعماق معتقلات التفرقة العنصرية في أمريكا وجنوب
أفريقيا. وقد ذكرت ذات مرة، إحدى الصحف الأمريكية المعتبرة هذه الحقيقة، في
تقرير لها من إحدى السجون الأميركية. وأرفقت حينها صورة تبين أحد المساجين
السود وقد رفع صورة الإمام فوق رأسه، داخل الزنزانة التي يقبع فيها.
خلال السنين
التي أعقبت انتصار الثورة الإسلامية، وصلت آلاف الرسائل الموجهة من الجماهير
غير المسلمة، من سائر أنحاء العالم، إلى مكتب الإمام، وخاصة من قبل أبناء
العرق السود والعرق الأحمر والشعوب المظلومة كافة. وقد حملت هذه الرسائل أجمل
تعابير المودة والحب والعشق لقائد الثورة، وأبرزت عاطفة ومحبة لا يمكن
وصفهما، كل بحسب لغة صاحبها وعلاقته واندفاعه وشوقه. كان البعض منهم يطلب
الحصول على نسخ من كتب الإمام وآثاره وسيرة حياته، أو من المصاحف وبعض الكتب
الإسلامية، أو صورة مرفقة بتوقيعه عليها، أو نصيحة ومشورة، أو قماشة صغيرة من
لباسه المبارك. وقد بادل سماحته هذه المحبة المتدفقة بصورة مماثلة، حيث حرص
على مراجعة الرسائل والتدقيق فيها بكل شوق واستنئاس. وأجاب على بعضها شخصياً
بقلمه الشريف. وفي الحالات المتبقية، أجاز لوزارة الخارجية ووزارة الإرشاد
الإسلامي ولمكتبه الخاص، بالإجابة عليها حسب مقتضى الحال، وتزويد أصحابها
بنسخ من القرآن المترجم أو الكتب المطلوبة الأخرى، مع التدقيق الشديد على
نوعية الترجمة وصحتها، ونوعية الكتب المرسلة وجودتها.
العشق
المتبادل بين الأمة والإمام
بعد أن عرفنا
أن المحبة التي شعر بها الإمام تجاه كل بني البشر كانت نابعة من بحر حبه
وخلوص ارتباطه بالله عزّ وجلّ، نشير إلى أن هذه المحبة لم تكن على مستوى واحد
تجاه كل الأفراد المجموعات. إذ إن مودته كانت تشتد وتزداد تجاه الفئة المؤمنة
بالله، الصادقة، والمخلصة، بشكل يتناسب مع التزايد المضطرد في صدق نيتها
واستقامتها وإيمانها.
ومما لاشك فيه،
أن قصة العشق المتبادل بين الأمة والإمام، اللذان عاشا حالة الذوبان في حب
الله والإنشاء بوصاله، هي التي جعلت الوحدة الروحية تربط بينهما في طريق خدمة
ذات الحق.
هذه القصة
الذهبية التي تعجز آلاف الكتب والمجلدات عن تصوير صدقها وعفويتها وتألقها.
خلال السنين
العشرة التي تلت انتصار الثورة، تدفقت إلى مكتب الإمام مئات الآلاف من
الرسائل التي عبرت عن أسمى آيات الحب والتقدير عبر نثر بليغ، أو مدح جميل، أو
قصيدة مترفة، أو ديوان عشق ووفاء. وكان سماحته يرد عليها عبر أجوبة خاصة
حيناً وعامة أحياناً، على نحو يجسد روعة الوحدة والانسجام بين القمة
والقاعدة، والقائد والرعية؛ هذه الوحدة التي تعجز كلماتي القاصرة عن التعبير
عن عمقها وبهائها، كما يعجز خيالي عن تصويرها وشرح أبعادها.
القسم السابع
درس بليغ
لقد استفاد
الإمام الخميني من جميع الوسائل والقنوات المتاحة له من أجل الوقوف على
الأوضاع والتطورات الحاصلة في الداخل الخارج، بشكل أمّن له اطلاعاً وثيقاً
على كافة المسائل المهمة، كما وفر له تعدداً للمصادر التي يستقي منها
المعلومات. ويمكننا تقسيم شبكة مصادره الخبرية بين سرية وعلنية، داخلية
وخارجية، وصديقة وعدوة.
إن اللقاءات
والاجتماعات التي كانت تُعقد مع سماحته، أمّنت له جانباً مهماً من المعلومات.
هذا بالإضافة إلى الرسائل المفتوحة التي كانت تقدم إليه من قبل كافة الأجنحة
والأطراف، حتى المعادية منها للثورة، وحتى من الأشخاص المعروفين بتوجهاتهم
غير الثورية، ناهيك عن التقارير والدراسات السرية المعدة من قبل مختلف مؤسسات
الجمهورية الإسلامية، وعلى الأخص التقرير الخاص الذين كان يرسل إليه يومياً
من قبل وكالة أبناء الجمهورية الإسلامية. أذكر أنه في البداية، اعتادت
الوكالة على تهيئة التقرير الخاص بيوم الجمعة في الوقت المقرر. إلا أن إرساله
كان يتزامن مع التقرير الخاص بيوم السبت، الأمر الذي جعل الإمام يستفسر عن
سبب التأخير الحاصل ويوصي بضرورة الالتزام بالمواعيد المقررة. عندها اتصلنا
بالوكالة وأخبرناها بتوجيه سماحته، وباتت التقارير تصل يوم الجمعة أسوة ببقية
الأيام.
أما الجرائد
التي تصدر صباح أو عصر كل يوم، فقد كانت تصل أيضاً إلى يد الإمام عند أول
فرصة ممكنة. ومن بين التقارير الواصلة، أبدى سماحته اهتماماً ملفتاً للنظر
بالتقرير الذي كان يعد مرة كل بضعة أيام، ويحتوي على ترجمة لأهم المقالات
والتحليلات الواردة في الصحف والمجلات الأجنبية. حتى أنه كان يفتقده ويسأل
عنه في حال تأخير وصوله لفترة معينة.
هذا وقد واظب
الإمام على الاستماع المستمر لنشرات الأخبار التي تبثها الإذاعة والتلفزيون
في الجمهورية الإسلامية في الفترات المتلاحقة، بالإضافة إلى متابعته لأخبار
الإذاعات الأجنبية بشكل منظم، إلى درجة أنه كان أول من يرصد أي تغيير يطرأ
على ساعات بثها أو على الموجات التي تلتقطها. في إحدى الأيام، استدعاني
الإمام وأخبرني بأن جهاز الراديو لا يلتقط إحدى الإذاعات. اتصلت مباشرة
بمسؤول الموجات الإذاعية في إحدى المؤسسات الإخبارية المختصة وأخبرته بالأمر.
لكني فوجئت بأن الشخص المتخصص في هذا المجال، ليس لديه أي اطلاع على الموضوع.
بعد فترة وجيزة، اتصل المسؤول عينه وقال: لقد تغير موعد بث الأخبار إلى
الساعة الفلانية، فأخبرت سماحته بالأمر. بعد مضي دقائق عدة على الساعة
المحددة، استدعاني الإمام مجدداً وقال لي: (مازال الوضع على حاله). أجبت بأنه
ربما اشتبه الأمر على المسؤول، فقال سماحته: (ربما كان الوقت الصحيح، بعد مضي
نصف ساعة على بداية ساعات البث السابقة). ثم طلب مني أن أجلس وأنتظر الموعد
معه، وهو في حالة تلاوة القرآن الكريم. جلست على الأريكة ووضعت ساعتي أمامه
وردحت أتأمل قسمات وجهه المنير، حيث شاهدت خصوصية فريدة أخرى من خصوصياته.
أثناء انشغاله بتلاوة القرآن، رفع الإمام رأسه وقال: (هل أصبحت الساعة …
والنصف؟). علماً بأنه لم ينظر أبداً إلى الساعة للتأكد من حدسه. نظرت إلى
ساعتي فوجدت تقدير سماحته دقيقاً مئة بالمئة. أدرنا الراديو، ولكن الحال لم
يكن بأفضل مما سبق، فقلت أنه ربما كان هناك خلل آخر في الموضوع، ثم استأذنت
للإنصراف. تبين في اليوم التالي التغيير في ساعات بث الأخبار، قد ترافق مع
تغيير مماثل في تردد الموجه التي تعمل من خلالها الإذاعة. أخبرنا سماحته
بالأمر وتمت تسوية المشكلة.
أجهزة
راديو صغيرة ومعطلة
مضت فترة معينة
كلفني الإمام خلالها بمسألة تنظيم جهاز الراديو الخاص به وضبط الموجات التي
يريد الاستفادة منها. في تلك الفترة، كانت هناك ثلاثة أجهزة راديو صغيرة في
حوزة سماحته، الذي كان يفضلها لصغر حجمها وإمكانية حملها إلى أي مكان في
أرجاء المنزل. لكن النقطة السلبية تمثلت في أنها كانت كثيرة العطل، إذ إن
مرور الزمان وكثرة الاستعمال كان قد أعياها. وفي الفترة الأخيرة، تكررت
الأعطال الطارئة على هذه الأجهزة بشكل مزعج للغاية، حتى وصل الأمر إلى أن
سماحته كان يحضر إحداها مرة كل يومين تقريباً ويقول بأنها معطلة. عندما وجدت
الإمام يكابد هذه المشكلة، قفزت إلى رأسي فكرة معينة. ترى، هل يوجد في العالم
بأسره، قائد أو زعيم أو رئيس أو حتى مسؤول ما، يهتم بالاستماع لنشرات الأخبار
بصورة متواصلة، ويرضى بأن يعاني الأمرّين من أجهزة الراديو الموجودة لديه؟
فقررت أن أشتري جهازاً جديداً، حديثاً، وقوياً دون علمه، كي أقدمه لاحقاً
بطريقة لا ينزعج معها. هيأت جهاز الراديو الجديد. وبعد أن تعلمت طريقة
استعماله والتحكم بموجاته وتقنياته بشكل جيد، أخذته معي ذات صبيحة إلى منزل
سماحته. بعد أن تشرفت بملاقاته وإنجاز الأعمال المعهودة بين يديه، والانتهاء
من المهمات المقررة، عدت إليه مرة أخرى وقلت أن الأجهزة الموجودة لديه، صغيرة
من جهة، وسريعة العطب من جهة أخرى. لذا فاسمحوا لي بأن أقدم لكم جهازاً
جديداً، قوياً، كبيراً، ومزوداً بهوائي صغير. أجابني الإمام: (كان لديّ في
السابق جهازاً من النوع الذي تشير إليه، لكني أفضل الأجهزة الصغيرة عليها).
ذلك أن سماحته اعتاد على إستعمال جهاز الراديو في الكثير من الحالات … أثناء
ممارسته لرياضة المشي في فناء المنزل، في غرفة الجلوس، في غرفة المكتب، وقاعة
الاجتماعات. لذا فكان يفضل حمل جهاز صغير طيع يمكن نقله إلى أي مكان وبينما
كان يتمشى ما بين الغرف، ذهب إلى غرفة نومه وأحضر الجهازين الصغيرين الآخرين،
وأعطاني إياهما وقال: (هذين الجهازين معطلين أيضاً). أعدت الكرة في محاولتي
لإقناع سماحته وقلت: اسمحوا لي الآن بأن أحضر الجهاز الجديد الذي حدثتكم عنه
مؤقتاً، كي تستفيدوا منه ليوم أو يومين بصورة تجريبية. فإذا أعجبكم، كان به،
وإلا فسأعيده رأساً إلى مكانه. وافق الإمام بعد أن لمس هذا الإصرار مني وأخذ
الجهاز. وفي صباح اليوم التالي، وبالرغم من تساقط الثلوج بكثافة، حضر بعض
الإخوة ونصبوا الهوائي على غصن إحدى الأشجار المناسبة.
درس بليغ
وحكيم
بعد عدة أيام،
تشرفت بالوقوف بين يدي الإمام من أجل تقديم بعض التقارير الخاصة بسير العمل،
فما كان منه إلا أن أهداني هدية ثمينة، فقلت له: إنك تخجلني بعطاياك يا سيدي.
أجابني سماحته وكأنه لم يسمع قولي: (هذا الجهاز ـ أي الجهاز المشار إليه
سابقاً ـ جيد جداً، بعكس أجهزة الراديو السابقة التي كانت سيئة للغاية). شكرت
الله وحمدته ألف مرة، وغمرتني فرحة بالغة وسرور عارم لأنني استطعت أن أؤدي
هذه الخدمة المتناهية في الصغر لسماحته. ثم أخذت توقيع سماحته على نسخة من
القرآن الكريم. وطلبت منه استخارة لاثنين من المؤمنين، فتكرم وأداها. وعندما
هممت بالخروج من غرفته، أشار عليّ مرة أخرى بأخذ الهدية التي قدّمها لي.
أرى لزاماً
عليّ في هذا المقام، أن أذكر مسألتين هامتين:
أولاً: إن عملي مع بعض الإخوة الكرام في
مكتب الإمام، قد فرض علينا نوعاً من التقيد بدوام محدد لأداء الواجبات
المفروضة علينا. ولكن نظراً لأن هذا النوع من العمل يخرج عن إطار الوظيفة
العادية، فيمكن اعتباره كشكل من أشكال الخدمة الشخصية لسماحته. ورغم علمه
بأننا مستعدين لبذل مهجنا وأرواحنا رخيصة في ظله وتحت رايته، فقد حرص الإمام
على إعطائي وغيري من الكوادر العاملة بين يديه، مرتبات وهدايا مالية من
أمواله الخاصة، وبقدر يتناسب مع الكرم الذي عرف به والعظمة التي طبع بها. هذه
المعاملة الطيبة يمكن اعتبارها درساً جديداً من دروسه الحكيمة، لأنها توضح
لأي كان، أنه لا ينبغي له أن يتوقع من الذين يعملون بإمرته، إسداء خدمات
شخصية له تخرج عن مجال الوظيفة الرسمية المحددة له، كما لا يجوز له أن يستغن
محبتهم الخالصة وتفانيهم في خدمته، من أجل الوصول إلى غايات ومنافع ذاتية.
ثانياً: إن الإمام الخميني كان يتفقد
العاملين معه من الناحيتين المادية والمعنوية بصورة منتظمة، وإلى حد يفوق كل
عرف أو قانون. وقد تناهى إلى علمي أنه خلال السنة الأخيرة من عمره الشريف،
راح يتفقد ويتقصى أخبار كل الذين عملوا أو تعاونوا معه في أي وقت من الأوقات،
وعلى أي مستوى من المستويات، وحتى الذين مروا بصورة عابرة في حياته. اهتم بهم
ومدهم بالعون والمساعدة على مختلف الصُعُد. هذا العمل الكريم، يبين لنا
جانباً آخر من جوانب شهامة نفسه وكرم سجيته، وانعتاقه من قفص الدنيا
وأغلالها، وارتباطه الوثيق بالله عزّ وجلّ. كما يسبب لنا، نحن الكوادر التي
أحاطت به وعملت معه لسنين طويلة، ألماً وحصرة، لأننا قضينا تلك الأيام على
ساحل بحر الجود، ولم نرشف ما يطهر نفوسنا ويشحذ هممنا.
عدم
التلكؤ في إنجاز الأعمال
لم يؤخر الإمام
أي عمل من أعماله اليومية أو مهمة من مهماته الملحة إلى اليوم التالي قط. لقد
كانت أشغاله وحياته وكل الشؤون المتعلقة به، منظمة ومرتبة ومتناغمة. كل شيء
في حياة الإمام كان موجوداً في الإطار الخاص به. وكل عمل تصدى لتأديته، تم
بدون عجلة أو استهتار، أو تأخير أو رهبة، وفي الموعد المحدد له بدقة متناهية.
وبالرغم من كثرة الأعمال وتعدد الملفات المقدمة إليه، والكميات الهائلة من
التقارير والمستندات وغيرها من القضايا، لم يلحظ أحدنا ولو لمرة، وجود أي
فوضى أو تراكم أو تلكؤ أو أعمال غير منجزة، طوال المدة التي عملنا فيها معه.
كما لم يلاحظ أبداً، فقدان أي من الوثائق أو الأوراق الموجودة بحوزته.
بالنسبة
لأغراضه الشخصية، من لباس وكتاب وقلم وجهاز، وسائر الوسائل الخاصة الأخرى،
فقد كانت توضع بانتظام في الزاوية الخاصة بها. وإذا صادف وجود أمانة ما بين
الأغراض المشار إليها أو غرض ينبغي تسليمه إلى الشخص المسؤول عنه، كان سماحته
يغتنم أي فرصة متاحة من أجل القيام بذلك، دون أدنى تأخير.
أذكر أنه في
كثير من الأحيان، احتاج الإمام في خضم عمله وبحثه إلى كتاب فقهي أو بعض الكتب
العلمية، حيث كان أحدنا يتعهد بتأمين المطلوب لسماحته. وفي اليوم التالي،
وبعد أن يكون قد انتهى منه، كنا نجد أن الإمام لا يرتاح حتى يعاد الكتاب
المستعار إلى صاحبه، علماً بأن مقدم الكتاب، سواء كان واحد منا أو أي شخص
آخر، كان يفتخر بأن يقبل سماحته هدية من قبله.
وهناك بعض
الأشخاص الذين كانوا يترددون على سماحته باستمرار مثل السيد لواساني، الذي
كان يتشرف كثيراً بلقيا الإمام، ليقدم إليه الأموال الشرعية من خلال سندات
مصرفية. وكان الإمام بدوره يقدم إليها تلك السندات والأوراق في أول فرصة، من
أجل تسجيلها وضبطها واستحصالها للصندوق المالي. في بعض الأحيان، كنا ندخل على
سماحته لأداء بعض الأعمال. ونظراً لكثرة الملفات وتعددها، كان ينسى أحياناً
أن يقدم لنا المستندات المالية مع بقية الأوراق. لذا كنا نسمع بعد دقائق
معدودة من انصرافنا قرع الجرس الخاص، فنهب إلى غرفة الإمام لنجده يمسك
بالمستندات ليعطينا إياها. وبالرغم من أن غرفته الخاصة كانت مأمونة تماماً
وبعيدة عن متناول الأيدي، فلم يكن سماحته ليقبل بأن يحتفظ بورقة أو وثيقة لا
لزوم لها، ولو ليوم واحد.
الاهتمام
بنتائج التصويت وأسماء النواب المنتخبين
من المرات
المعدودة والاستثنائية التي تأخر فيها الإمام عن قرع الجرس المخصص لاستدعائنا
لدقائق قليلة، أي مباشرة بعد استماعه لموجز أخبار الساعة الثامنة، كانت في
الأيام التي تشهد إعلان نتائج الانتخابات الخاصة بمجلس الشورى الإسلامي. في
هذه الأيام، كان ينتظر حتى اللحظة التي يعلن فيها اسم آخر نائب منتخب كي يقرع
الجرس. وهذا العمل إن دل على شيء، فإنما يدل على عمق اهتمامه بمسألة
الانتخابات، والنواب الذين يمثلون الشعب في مجلس الشورى.
القسم الثامن
الهدف من الدراسة
ما هو
الهدف من الدراسة؟
في إحدى
الأيام، وصلت رسالة إلى الإمام من أحد أئمة الجمعة المحترمين، وكان من تلامذة
سماحته وموضع ثقته ومعرفته الوطيدة في نفس الوقت. قال فيها: لقد مضت علي سبع
سنوات وأنا أقوم بأعباء إمامة الجمعة عملت خلالها اربع عشرة ساعة يومياً، مما
أدى إلى تخلفي عن النشاط العلمي واستهلاك المخزون الثقافي الذي يعينني في
أداء رسالتي على أكمل وجه. لذا أرجو أن تسمحوا لي بالتنحي عن هذه المهمة
والعودة مرة أخرى إلى أجواء الحوزة العلمية. عندما اطلع سماحته على فحو
الرسالة، أجاب: (الهدف من الدراسة والتحصيل العلمي هو إعداد النفس لخدمة
الإسلام والمسلمين، الأمر الذي تقوم به الآن. أما إذا كنت تعاني من مشكلة ما
بسبب عدم قدرتك على متابعة الدراسة، فيجب أن تسعى للقيام بواجباتك على أكمل
وجه، وتنظيم وقتك بحيث تتمكن من المطالعة أيضاً).
أنفقوا مثل
طلبة الحوزات
رسالة أخرى
وصلت إلى سماحته من أحد أئمة الجمعة في إحدى مراكز المحافظات الإيرانية،
وأفادت بأن المبلغ الزهيد المقرر كراتب شهري لأئمة الجمعة، لا يفي بالغرض ولا
يسد الحاجة المطلوبة. فهو بالكاد يكفي لتسديد إيجار المكتب، أو فاتورة
الهاتف، أو راتب المستخدم الذي يعتني بشؤون المكتب … لذا أرجو أن تقرروا
زيادة على المبلغ المذكور. فأجاب سماحته على ذلك: (أنفقوا مثل طلبة الحوزات).
سكوت
كتب أحد رجال
الدين رسالة إلى الإمام ذات مرة، طلب فيها منحه إذناً شرعياً لأخذ مبلغ سبعين
ألف تومان من الأموال الشرعية الموجودة بحوزته، من أجل تسديد ثمن سيارة
(بيكان) خاصة به. نظر سماحته إلى الرسالة ولم ينبس ببنت شفه، مما أوحى بعدم
موافقته على الطلب.
ماذا حدث
يا ترى؟
أرسل أحد
المشاهير، وقد كان منهمكاً بتشييد مدرسة علمية دينية، رسالة إلى الإمام يطلب
منه فيه السماح له باستلام الأموال الشرعية وصرف قسم منها في بناء المدرسة،
أو أن يتولى سماحته مسألة المساعدة المالية بنفسه. نظر سماحته إلى الرسالة
ولم يعلق بأي كلمة على الطلب، بل اكتفى بالقول: (ماذا حدث يا ترى؟ هل يريد كل
السادة الأفاضل أن يبنوا مدارس على حسابهم؟)
التعجب من
بعض الطلبات الخاصة
أرسل أحد رجال
الدين المحترمين، من قدامى تلامذة الإمام، رسالة إلى سماحته يشرح له فيها أن
الجهاز الفلاني المختص بشؤون رجال الدين، قرر تخصيص منحة مالية له من
الميزانية الخاصة بالجهاز، من أجل مساعدته في شراء سيارة جديدة. إلا أنه لا
يملك بقية ثمن السيارة، لذا أرجو من سماحتكم أن….
عند قراءة
الرسالة، أظهر الإمام بالغ التعجب والاستغراب الممزوجين بعدم الرضا، لوجود
منح من هذا النوع داخل الأجهزة الخاصة برجال الدين. وبالنسبة لطلب الشخص
المذكور، قال:
(وهل من
الضروري أن يمتلك كل السادة الأفاضل سيارات خاصة بهم؟).
لا ضير في
ذلك
في إحدى
الأيام، وبعد الانتهاء من أداء الأعمال الاعتيادية، سئل الإمام أنه هل يجوز
الاستفادة من الميزانية المرصودة لمصاريف الجبهات، واقتطاع قدر معين منها
لتوزيعه على عوائل القادة العسكريين المتواجدين في ساحات الحرب بصورة
متواصلة، إن كان تعاني من ضيق مادي؟ أجاب سماحته: (لا ضير في ذلك، وهل نستطيع
مواصلة القتال من دون هذه الكوادر؟).
القسم التاسع
لا ينبغي المشاركة
الصلاة
أرسل أحد
الفتية ذات مرة سؤالاً شرعياً مكتوباً إلى سماحته يقول فيه أن والده، هو من
الأشخاص اللامبالين الذين لا يعرفون عن أمور دينهم شيئاً. ومؤخراً، حذر ولده
بأنه لا يقبل بأي شكل من الأشكال أن يصلي في منزله. ترى، هل يستطيع الأب أن
يفرض مثل هذا المنع؟ وما هو تكليف الولد في مثل هذه الحالة الصعبة؟ أجاب
سماحته: (خسىء هذا الرجل، ليتابع الولد صلاته بانتظام. ليس هناك أي إشكال
شرعي في عمله).
لا ينبغي
المشاركة
سأل أحد
المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية ذات مرة سماحة الإمام، عن بعض الأمور
المتعلقة بالسفراء والدبلوماسيين الذين يمثلون الجمهورية الإسلامية الإيرانية
في الخارج. وقال أنه كما ندعو نحن الدبلوماسيين الأجانب المعتمدين لدينا في
المناسبات الرسمية التي نحتفل بها، فإن الدول الأخرى تدعو أيضاً ممثلينا
المعتمدين لديها في المناسبات الخاصة بها. ومن الطبيعي أنه إذا لم نلبِ
الدعوات التي توجه لنا، فإن الآخرين سيعاملوننا بالمثل. أما المشكلة المطروحة
في هذا المجال، فهي أن الحفلات التي تنظمها الدول الأجنبية، تقدم فيها
المشروبات الروحية و … ترى ما هو تكليفنا في هذه الحالة؟ أجاب سماحته: (لا
ينبغي المشاركة في تلك الحفلات. ويستحسن توضيح الأمر للجهة المعنية، وإبلاغها
بالسبب الوجيه الذي يحول دون تلبية دعوتها).
هذا لا يهم
مرة أخرى، أرسل
أحد السفراء المعتمدين في الخارج، رسالة إلى سماحته يقول فيها أنه غالباً ما
يدعى إلى الجلسات والحفلات الرسمية التي تقام من وقت لآخر في البلد الذي يعمل
فيه، حيث تقدم المشروبات الروحية والكحول في البعض منها. والمشكلة هي أننا
إذا اعتذرنا عن الحضور، فإن الجهة الداعية تحمل الأمر على غير محمل حسن،
وتعطيه تفسيرات خاطئة. وهذا ما من شأنه أن يؤثر سلباً على العلاقات الثنائية
بين بلدينا، فما العمل يا ترى؟ أجاب سماحته: (هذا لا يهم. لا ينبغي لكم أن
تخافوا من هذه المسائل. لا تذهبوا أبداً إلى مثل هذه الحفلات. حاولوا توضيح
حقيقة الأمر لهم، علّهم يتفهمون الوضع مع مرور الوقت).
حكم
الوسواس
أخبرني أحد
الأصدقاء أن زوجته تعاني منذ سنين عديدة من وسواس حاد يظهر عليها أثناء
الطهارة والوضوء وأداء فروض الصلاة. تنشغل بالوضوء والاستعداد لصلاتي الظهر
والعصر عند حلول الظهيرة، ويحل أذان المغرب وهي لم تنته بعد من أداه هذه
الفرضين. ثم تستعد لصلاتي المغرب والعشاء، فيحل منتصف الليل الشرعي وهي
منهمكة في الفريضة الثانية راجعت خلال الفترة المنصرمة، العديد من الأطباء
والمتخصصين في هذا المجال، ولم أترك باباً متاحاً إلا وطرقته، ولكنني لم أحصل
على الحل المناسب. وقد بلغت هذه الأزمة النفسية حداً أصبحت معه حياتي
العائلية جحيماً لا يطاق، الأمر الذي أثر سلبياً على وضعية أولادي، حتى أنهم
طالبوا مني في الآونة الأخيرة الانفصال عن والدتهم. كما ترى، فالمسألة قد
وصلت إلى طريق مسدود. لذا أرجو منك أن تشرح الوضع لسماحة الإمام، وأنا مستعد
لتنفيذ كل ما يأمر به.
نقلت القصة
بحذافيرها إلى الإمام، فأجابني بالتالي: (ينبغي أن
تعطي هذه المرأة، المهلة العادية التي ينجز خلالها أي إنسان سوي مسألتي
الوضوء والصلاة. فإذا تمكنت من إنجازهما خلال هذه الفترة، كان به، أما إذا لم
تتمكن من ذلك، فيعتبر التكليف الشرعي ساقطاً عنها إلى اللحظة التي تتعافى
فيها من هذه الحالة المرضية).
لماذا
أصحبت نحيفاً هكذا
خلال إقامتي في
النجف الأشرف، ذهبت في إحدى السنين إلى مكة المكرمة عن طريق البر وتشرفت
بأداء فريضة الحج. كنت مبتلياً حينها بمرض الوسواس إلى حد ما، لكن هذه الحالة
تفاقمت أثناء وجودي في الحج. أديت الأعمال والمناسك الهامة عدة مرات لأشعر
بالاطئنان التام. وبالرغم من ذلك، تولدت في نفسي الشكوك والوساوس المقلقة،
وتجاذبتني التساؤلات المحيرة التي لم أجد حلاً لها، لا في صفحات الرسالة
العملية، ولا بالرجوع إلى بعض الفضلاء، حتى انتهت أيام الحج وعدت إلى النجف،
وفي نفسي أشياء من هذه الزيارة.
ذهبت إلى منزل
الإمام فور وصولي، فوجدته جالساً في القسم الخارجي المخصص لاستقبال الزائرين.
كنت أعتقد حتى تلك اللحظة، أن سماحته لا يلاحظ التغييرات التي تطرأ على هيئة
معارفه وزواره، لأنه نادراً ما ينظر إلى وجوه الآخرين ويتأمل أشكالهم. لذا
ظننت أنه لن ينتبه إلى الضعف الجسدي الذي اعتراني خلال هذه الزيارة، لكنه بعد
أن استقبلني وبارك لي ما قمت به، بادرني بلهجة لطيفة حنونة:
(لماذا أصحبت
نحيفاً هكذا؟ هل أنت مريض؟).
شكرته على
اهتمامه الكريم وشرحت له الأمر، ثم بدأت بطرح الأسئلة العديدة التي كنت قد
دونتها. أجابني سماحته على السؤال الأول. ولكن عندما طرحت عليه سؤالي الثاني،
انتبه إلى أن حالتي الصحية السيئة، ناتجة عن الوسواس الذي تمكن مني. لم يدعني
أنهي السؤال، إذ قال: (عملك صحيح). قلت لسماحته: لدي أسئلة أخرى. فأجابني
بقوله: (حجك صحيح تماماً … دع عنك هذه الأسئلة والاستفسارات).
دعاء السفر
ذات يوم، كنت
منشغلاً بإنجاز بعض الأعمال في مكتب سماحة الإمام، بحضور عدد من الزملاء. بعد
أن أنجزت كافة الأعمال والملفات الموجودة بين يدي، هممت بالانصراف وتقدمت من
الإمام مودعاً. في هذه اللحظة، قال السيد رسولي لسماحته: السيد رحيميان، ينوي
السفر اليوم إلى مكة المكرمة. أمسكت بيد الإمام مصافحاً وأردت لثمها، لكني
فوجئت بموقف لم يكن ليخطر على بالي أبداً. سحب سماحته يده، وقرّب وجهي من
وجهه النير، وعانقني بحنو ومحبة. لا أستطيع أن أصف شعوري خلال تلك اللحظات
الرائعة، فقد هزني الوجد من الأعماق، إلى درجة أني لم أعد أميز ما يجري من
حولي. وبينما نحن في حالة العناق، بدأ الإمام بتلاوة دعاء السفر: (إن الذي
فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد، فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين). وتلا
أيضاً بعض الأدعية الكريمة الأخرى. وعندما انحنيت على يده لتقبيلها، قال لي
بلهجة تجمع المحبة والحزم في آن: (لا تحتاط كثيراً
في الأعمال التي ستؤديها هناك).
أثرت هذه
الكلمة في نفسي تأثيراً بالغاً، حتى أني اعتبرتها بمثابة أمر وتوجيه لي، وظلت
تتردد في مسمعي طوال فترات السفر. وخلال مناسك الحج المتعددة، شعرت بارتياح
نفسي بالغ، وبت أرى الأعمال التي كنت أظنها في غاية التعقيد، أموراً سهلة
ويسيرة. ومنذ تلك السفرة، تخلصت من مرض الوسواس، كلياً وإلى غير رجعة.
أخشى أن
يؤلمك ذلك
أصيب إبهام يد
الإمام، بعارض مرضي سبب له الألم. إثر ذلك، استدعى الدكتور عارفي، وهو طبيب
الإمام الخاص، أحد الأطباء المتخصصين بالحالة الطارئة. حضر الطبيب المختص،
ودخل على سماحته من أجل معاينة حالته. وضمن الأسئلة والمعاينات التي أجراها،
قدم الطبيب يديه وقال لسماحته: أرجو أن تضغط على يداي. عندها قال الإمام
بلهجة مازحة لطيفة، وبصوت هادئ قريب من القلب: (أخشى
أن يؤلمك ذلك). أما الطبيب المعالج، الذي كان يتشرف للمرة الأولى بلقيا
سماحته، فبعد أن أخذته هيبة الإمام وجلال شخصيته العظيمة، حيث بدا ذلك عليه
من ارتعاشة انتابت صوته ورجفة خفيفة في يديه، فقد ارتاح تماماً بعد هذه
الطرفة وضحك ضحكة متزنة، وتابع عمله بهدوء واطمئنان.
القسم العاشر
في الأحكام الشرعية
التزم الإمام
الخميني بالتكليف الديني ورعاية الضوابط والمقررات الشرعية، سواء في الأمور
البسيطة العابرة أو المسائل الهامة المؤثرة، بدقة متناهية وصرامة بالغة، حيث
لم يجامل أحداً من الناس حيالها، حتى ولو كان من أحب الأشخاص إلى قلبه ومن
أقربهم إليه. وعلى الرغم من أني عملت في خدمة سماحته فترة طويلة للغاية،
وشاهدت كيفية تصديه لسيل من الأمور والقضايا التي تحتاج إلى قرارات فاصلة،
فإني لم ألاحظ أبداً أدنى سهو أو هفوة تصدر عنه في خضم هذه الصعاب.
لم يكن سماحته
يقدم على عمل معين أو يصدر قراراً ما، ما لم يتأكد بطريقة حاسمة لا يرقى
إليها الشك، من صوابية العمل أو القرار من الناحية الشرعية. وذلك، إما نتيجة
لتشخيصه الذاتي أو عبر الطرق الشرعية الأخرى، التي كانت تبين له الحجة
الدامغة. والجدير بالذكر أن الأمور التي كان يقررها انطلاقاً من قناعته
الذاتية، لم تكن تتكشف فيما بعد عن أي وهن أو لبس. أما المرات القليلة التي
برزت فيها بعض الثغرات، فكانت قرارات سماحته قد اتخذت بناءاً للطريقة
الثانية، أي عن طريق بينة هيأت الأجواء لصدور الحكم من قبله، مثل قضية انتخاب
بعض الكوادر الليبرالية و… التي أبدى رأيه فيها استناداً إلى وجهات نظر
لأشخاص يثق بهم كل الثقة ويعتمد على حكمتهم. والملفت للنظر أنه عندما تحدّث
عن الخطأ الذي حصل في هذا الانتخاب، لم ينح باللائمة على أحد من الناس، بل
أخذ مسؤولية الهفوة على عاتقه بكل شهامة ورجولة.
وفي المسائل
التي كانت تحتاج إلى بينة، فقد كان سماحته يعمل وفق البينة التي تعتبر حجة
شرعية في حد ذاتها، مادام أنه لم يقف على ضرر في هذه المسائل. على سبيل
المثال، أذكر مسألة إصدار إجازات حسبية للأفراد. إذ أن سماحته لم يكن ليصدر
مثل هذه الإجازات، مادام أنه لم يحرز الثقة المطلوبة الشخص المعني. وفي هذه
الحالة، كان لابد من تزكية بواسطة شخصين عادلين، كي يصار إلى منحه الإجازة.
وفي جماران،
تقدم أحد الأشخاص ذات مرة بطلب للحصول على إجازة حسبية. وعندما طرحت المسألة
على الإمام، نال الشخص المعني ثقة أحد الحاضرين في المجلس وتأييده. إلا أن
سماحته لم يكتف بذلك، بل نظر إلى كتاب هذه السطور وقال: (يجب أن ينال تزكية
أخرى من أحد العدول). وعندما لاحظ سكوتي، لم يوافق على إصدار الإجازة.
أعود بالذاكرة
إلى النجف الأشرف، حيث كان المرحوم نصر الله الخلخالي موضع ثقة كافة المراجع،
فإشارة منه كانت تغني عن شهادة عشرة من العدول. ومن الطبيعي أنه كان يحظى
بهذا الاحترام عند الإمام أيضاً. ذات مرة، قصد سماحته طالباً منه بإصرار،
إصدار إجازة في الأمور الحسبية لأحد الأشخاص الذين يعرفهم تمام المعرفة
ويمحضهم ثقته الكاملة. فما كان من الإمام إلا أن أجابه بصراحة كاملة: (شهادتك
لا تكفي لوحدها، لابد من توفر شهادة أخرى). أما في المسائل التي لم تكن بحاجة
إلى بينة، حيث تكفي وجهة نظر السائل من أجل صدور الإجازة والحكم الشرعي، فكان
سماحته يعمد إلى إلقاء المسؤولية الشرعية على عاتق الطرف المعني. أي أنه كان
يجيب على السؤال، ويعطي الإجازة على نحو لا يتكبد معه مشقة عند الله عزّ
وجلّ، فيمل لو بدر من ذلك الطرف ما يسيء إلى عدالته واستحقاقه للإجازة.
وغالباً ما أرفقت أجوبته، رضوان الله عليه، بعبارات من قبيل: (إذا، في حال،
على هذا الأساس)، وما شابه.
في إحدى
الأيام، طرحت على الإمام مسألة شرعية مفادها أن الراتب الذي أقبضه مقابل
العمل والتدريس، يكفي لتأمين مصاريف حياتي. ولكن الحوزة العلمية تخصصني براتب
شهري أيضاً. في هذه الحالة، أتسمحون لي بأن أستفيد من المبلغ الإضافي من أجل
تأمين بعض تكاليف مجلة (جندي الإسلام) التي تعنى بشؤون العقيدة الإسلامية؟
فكان الجواب: "إذا" كانت هناك ثمة حاجة، فلا بأس في ذلك.
يحضرني الآن
جانب آخر من نظر الإمام إلى الأموال الشرعية، حيث لم يكن يسمح بالاستفادة من
(سهم الإمام) في بناء المساجد، إلا إذا ترافقت مع شرطين هامين: أولهما أن يسد
بناء المسجد حاجة ضرورية، وثانيهما هو عدم الاستعانة بمصادرة مالية أخرى مثل
التبرعات، في تأمين الميزانية المطلوبة. لذا، فقد كان يجيب على الاستفتاءات
المرفقة بهذين الشرطين على النحو التالي: (على هذا الأساس، يمكن الاستفادة من
سهم الإمام). أما إذا لم يتضمن السؤال المطروح ما ذكر من الشروط، فكان الرد
يأتي هكذا: (يمكن الاستفادة إذا كانت عملية البناء ضرورية، مع عدم توفر أي
مصدر مالي آخر).
هذا فيما يتعلق
ببناء المسجد من أساسه، أما بالنسبة للتجهيزات المكملة له مثل السجاد، حجر
الرخام، الموزاييك، و… فكان في معظم الأحيان، لا يسمح بصرف الوجوه الشرعية من
أجلها. وهناك شواهد كثيرة على ذلك. من جملتها أن أحد الأشخاص طلب إذناً بصرف
مبلغ ثلاثين الف تومان من سهم الإمام، من أجل شراء سجاد لمسجد يقع في شارع
أبا ذر في مدينة طهران، فأجاب سماحته: (لا أسح بذلك).
من جهة أخرى،
فإن سماحته لم يسمح في معظم الأحيان، بصرف مبلغ من الوجوه الشرعية من أجل
المساهمة في نشر كتاب أو صحيفة معينة. وعلى حد علمي، فإنه لم يرد بالإيجاب
على أي من الطلبات التي قدمت إليه، طارحة صرف هذه الوجوه في طبع كتاب أو
تأسيس مكتبة أو ما شابه ذلك من الأمور.
كتب أحد
الفضلاء من مدينة قم المقدسة ذات مرة رسالة إلى سماحته طلب فيها السماح له
بصرف سهم الإمام الخاص به وبأصدقائه في طبع كراسات حول العقيدة الإسلامية.
فأجاب الإمام على ذلك:
(لا أسمح بذلك
بالنسبة للكتاب الذي يُطبع تدريجياً).
أحد الحاضرين
في المجلس أيد الطلب المذكور واستحسن تلبيته، إلا أن سماحته كرر جوابه
السابق: (لا أسمح بذلك بالنسبة لكتاب يصدر بهذه الصورة).
في حادثة
ثانية، كتب أحد الفضلاء من باكستان رسالة إلى سماحته عرض له فيها الإمكانيات
الثقافية التي يفتقر إليها بلده. ومن ثم أشاد مطولاً بأهمية مجلة (جندي
الإسلام)، وعمقها وغناها وتنوعها، طالباً من الإمام منحه إذناً بالاستفادة من
الأموال الشرعية، من أجل القيام بترجمة المجلة المذكورة إلى اللغة الاُرديّة
(لغة البلاد)، وطبعها نظراً للدور الثقافي الهام الذي سيؤديه هذا المشروع
البناء. في بداية الأمر، لم نر داعياً لعرض الرسالة على سماحته، لعلمنا
المسبق بجوابه المعروف حيال هذه الأمور. إلا أن السيد رسولي، الذي كان يعرف
إعجاب الإمام بهذه المجلة، إرتأى عرضها على سماحته، الذي بادر كما هو العادة،
وبدون أدنى مكث أو تأمل إلى القول: (لا أستطيع السماح بذلك).
رعاية
للمصالح العامة
إن الإيمان
الخالص والتعبد الصادق اللذان كان يرفل فيهما سماحة الإمام، انعكسا على صفحة
العمل والواقع بصورة لا مثيل لها. إذ إنه لم يكتف بالالتزام الشديد والصارم
بالعبادات والآداب الإلهية فقط، بل كان قدوة تحتذى في رعاية الأنظمة
والمقررات، والتقيد بالقوانين العامة أيضاً، حيث لم يستثن نفسه أبداً من
النظام الذي يشمل كل أفراد المجتمع وطبقاته. وبما أن كل مقررات النظام
الإسلامي، وقوانينه وضوابطه كانت تستمد شرعيتها من مقام ولايته، فقد كان أحرص
الناس على رعايتها وحفظ حرمتها. وأرى من المناسب في هذه العجالة، أن أعرض
لنماذج من هذا المسلك، الذي يمكن اعتباره نهجاً صالحاً حرياً بأن يتبع من قبل
كافة المسؤولين في المجتمع الإسلامي.
أ ـ بالنسبة
للوجوه الشرعية المرسلة من قبل مقلدي سماحته في خارج البلاد، فكانت تصل إلينا
بصورة عملات صعبة في كثير من الأحيان حيث كنا نضطر أحياناً إلى تحويلها إلى
الريال (العملة المحلية) الإيراني. وفي هذه الحالة، كنا أمام خيارين. فإما أن
نبيعها إلى المصرف المركزي، ونقبض ثمنها حسب سعر الصرف الرسمي الذي حددته
الدولة، وإما أن نبادر إلى بيعها في السوق الحرة، ومن ثم إلى صرف قيمتها في
المجالات الشرعية (من ملاحظة التفاوت الكبير بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف
المتبع في السوق). ومن الطبيعي أنه إذا كانت هناك ثمة مئة دولار مرسلة كصدقة
أو زكاة للفطرة ومخصصة للفقراء، فلابد أن يعطى لهم إما المبلغ عينه أو قيمته
الواقعية. وكانت وجهة نظر سماحته حيال هذه الأمور، التالي: (راجعوا السيد
موسوي في هذا الأمر "رئيس الوزراء السابق، السيد مير حسين موسوي". فإن أفادكم
بأنه لا مانع لدى الدولة من ذلك، ليصرف المبلغ في السوق الحرة).
ب ـ هذا التقيد
الصارم بالأنظمة والقوانين المنطقية، لم يكن منحصراً بمقررات النظام الإسلامي
والجمهورية الإسلامية فقط، بل اتبع سماحته الأسلوب نفسه تقريباً حتى في ظل
الحكم البهلوي (الملكي) الباطل، من أجل رعاية المصالح العامة في المجتمع،
وعدم هدر الأموال العامة. على سبيل المثال، نذكر أنه أراد أن يعبر الشارع ذات
مرة في مدينة همدان، فلاحظ أن الجادة الموجودة عند منتصف الطريق مزروعة
بالحشيش. فما كان منها إلا أن سار مسافة طويلة حتى وصل إلى تقاطع مخصص
للعبور، فعبر من هناك. وذلك كي يتفادى المشي على الحشيش، ولو لخطوة واحدة.
وإني كأحد
الذين خدموا لسنين عديدة في مكتب الإمام، أستطيع القول بكل ثقة، انه لم يلاحظ
عليه أدنى خروج عن مقررات الدولة الإسلامية، حتى في نطاق حياته الشخصية. فقد
حرص مثلاً على دفع فواتير الماء، الكهرباء، الهاتف، وغيرها من الخدمات، في
أسرع وقت ممكن.
كما أنه لم
يسمح على الإطلاق لأي من المحسوبين على بيته أو مكتبه، بمخالفة ضوابط الدولة
الإسلامية وقوانينها، حتى في أضيق الحدود.
القسم الحادي
عشر
الحرص على مصالح المسلمين
إرجاع
الأمور إلى المسؤولين
لقد سعى الإمام
الخميني، قدس سره، طوال فترة تصديه لقيادة الشعب والدولة إلى وضع الأمور في
مجراها الطبيعي. لذا فكان يُرجع الكثير من الملفات والقضايا المطروحة عليه
إلى المسؤولين المعنيين، بالرغم من وجوده في قمة هرم الدولة الإسلامية،
وتمتعه بالكلمة الأقوى والأشد تأثيراً، وذلك من أجل حفظ مكانة هؤلاء، واحترام
شأنهم ومواقعهم. إلى جانب ذلك، كان سماحته يعمد إلى رسم الخطوط العامة وشرح
المبادئ الأساسية التي تظلل كافة المناصب والمواقع داخل هيكلية النظام
الإسلامي، وإلى مراقبة حسن سير الشؤون العامة في الوزارات، والتزام المسؤولين
بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم، وذلك من دون التدخل المباشر في مسار الأمور،
أو التعليق الجزئي عليها.
وفي بعض
الأحيان، كانت تصله طلبات معينة، أو شكاوى على فرد أو إدارة ما. عندها، كان
يتابع المسألة عبر أعلى سلطة مختصة، مبيناً الحكم الكلي، وتاركاً للمسؤول
المعني، تشخيص المصاديق والمواضيع الجزئية. ومن باب المثال، أذكر أن سماحته
قد أجاب في العديد من المرات التي كان يسأل فيها عن نقاط تتعلق بالحرب، على
النحو التالي:
اسألوا الشيخ
هاشمي رفسنجاني (على أساس أن سماحة الشيخ رفسنجاني، كان قد عين نائباً للقائد
العام للقوات المسلحة بقرار صادر عن الإمام نفسه).
ذات مرة، نقلت
لسماحته استفسارات عائدة لمجموعة من الطلاب الجامعيين وطلبة العلوم الدينية،
حول كيفية التحاقهم بالجبهة والتوفيق ما بين الدرس والجهاد، وتحديد أولوية
أحدهما. فأجابني بقوله: (ليسألوا الشيخ رفسنجاني عن ذلك).
عدم إلحاق
الضرر بالمسلمين
لقد أبدى
الإمام الخميني دوماً، حساسية خاصة وجدية صارمة في تعامله مع الخطر الذي
يسببه تسرب الثقافة المادية المنحطة إلى أفكار المسلمين، والتأثير السلبي
الذي قد يتركه عليهم. ولهذا السبب، فقد وضع سماحته قضية الاستفادة من علوم
الأجانب وفنونهم، ضمن إطار خاص وشروط محددة، تحفظ سلامة هذه العملية وتضمن
استمرارها في الاتجاه البناء. على سبيل المثال، اتصلت بي ذات مرة، اللجنة
المشرفة على مركز (التنمية الفكرية للأطفال والفتيان)، كي تأخذ إذناً شرعياً
لشراء مجموعة من الكتب والمنشورات الهادفة والمفيدة للأطفال والفتيان، مع
ملاحظة أن ناشرها أو مؤلفها أو مترجمها ليس بمسلم. وعندما عرضت المسألة على
سماحته بادرني بالقول: (يجب الاستعانة حتى المقدور بالكتب التي هي من تأليف
المسلمين. أما إذا صادف وجود كتاب هام ومفيد للغاية، من النوع الذي ذكر في
السؤال، فلا بأس من شرائه، بشرط ألا يلحق ذلك ضرراً بالمسلمين).
الاجتماع
بوزير خارجية الاتحاد السوفياتي
في صباح اليوم
الذي حدد لزيارة وزير خارجية الاتحاد السوفياتي السابق، السيد أدوارد
تشيفارنادزه، إلى منزل الإمام كي يقدم لسماحته رسالة السيد غورباتشوف
الجوابية، ذهبت كالعادة في الساعة الثامنة صابحاً إلى المكتب، حيث عرفت أن
الإمام ـ على غير عادته ـ لم يكن قد انتقل بعد إلى غرفة الاجتماعات. وشاهدت
في هذه الأثناء، وزير الخارجية السوفياتي السابق ومعه كبار مسؤولي وزارة
الخارجية في الجمهورية الإسلامية، ينتظرون وقوفاً في الغرفة المذكورة، قدوم
سماحته. وقد لفت نظري أن طريقة الضيافة قد طرأ عليها تعديل طفيف لأول مرة.
فمن جهة، صفت في الغرفة بعض الكراسي التي استعيرت بالطبع من مكان ما، كي يجلس
عليها أفراد الهيئة الزائرة. ومن جهة أخرى، فقد قدّم الحاج عيسى الشاي
للحاضرين، الذين بدأوا بشربه وهم وقوف. وكان السفير السوفياتي في طهران
بالإضافة إلى مترجم روسي خاص، يقفان إلى جانب السيد تشيفارنادزه. أما بقية
مرافقيه، فقد بقوا في فناء المنزل.
مرّت لحظات
انتظار وترقب طويلة على الحاضرين في غرفة الإجتماعات، إلى أن أصبحت الساعة
الثامنة وخمس دقائق، حيث أقبل سماحته بنفس الهيئة التي شاهدها الجميع على
الشاشة، ودخل إلى الغرفة ومر من أمام الحاضرين، دون أدنى توقف أو تمهل أو
تمعن في الوجوه، إلى أن استقر به المقام في المكان الذي اعتاد الجلوس فيه.
وفي الوقت نفسه، جلس الوزير الضيف على الكرسي المخصص له.
وقد جرت العادة
في الاجتماعات غير العادية، أن يجلس الأفراد المشاركون بصورة شبة مؤقتة وغير
متعادلة في البداية. وبعد مرور عدة لحظات تحمل معها الاطمئنان والهدوء
والاستقرار النفسي، يعدلون جلستهم، ويظهر على هيأتهم ومظهرهم، التوازن
المطلوب. إلا أن السيد تشيفارنادره، وهو رئيس الدبلوماسية الروسية، ومندوب
الجبار الشرقي الذي ظهر دوماً بمظهر صلب ومتماسك وواثق في المحافل الدولية
الكبرى، وفي قصور الضيافة الرسمية لدى دول الغرب المقتدرة، حسب ما شاهدناه في
الأفلام الخبرية المصورة، لم يكن في حالته المعهودة وهو يجلس حافي القدمين
لأول مرة في حياته، على كرسي متواضع وفي غرفة عادية جداً، تغطي أرضها سجادة
قديمة شاحبة اللون، ويعقد اجتماعاً رسمياً على هذا المستوى من الأهمية. فهو
قد وجد نفسه لأول مرة يجلس في أبسط وأصغر مقر قيادي، وأمام قائد رباني مجلل،
هزت شخصيته المعنوية أركان الاستكبار في العالم.
لست أدري إن
كانت الارتعاشة الخفيفة التي هزت يديه أثناء تلاوته لجواب السيد غورباتشوف،
ناتجة عن الشيخوخة أم عن شيء آخر! ومن الملفت أنه منذ اللحظة الأولى لبدء
الاجتماع، جلس على كرسيه بوضعية غير مستقرة، تجلت بوضوح من خلال الطريقة غير
المتعادلة التي وضع بها رجليه على الأرض. وقد استمر على هذه الوضعية حتى
فراغه من تلاوة الرسالة التي كانت طويلة نسبياً، حيث بقيت الارتعاشة متحكمة
بحركات رأسه ويديه، بينما ظلت باقي جوانب جسمه ساكنة إلى حد لا يوصف.
ومن الجدير
بالذكر أيضاً أن المترجم الروسي الذي عرف عنه حسب المصادر المطلعة، تمكنه
التام من الترجمة إلى اللغة الروسية ومنها، واقتداره في هذا الفن وطلاقة
لسانه المشهودة، لم يستطع خلال هذا اللقاء، لفظ الكلمات الفارسية بدون اللكنة
الأجنبية التي تؤثر على وقعها، بالرغم من الجهد الكبير الذي بذله لإخفاء
اللحن في صوته.
على أي حال،
انتهت رسالة السيد غورباتشوف مصحوبة بترجمتها، حيث بات الجميع بانتظار جواب
سماحة الإمام، وردة فعله التي لم تكن لتخطر على بال أحد من الحضور. العيون
والآذان كانت مشدودة نحو سماحته ومترقبة. أما مندوب الجبار الشرقي، فقد وجد
نفسه مرة أخرى أمام ردة فعل غير عادية، لا يمكن تصورها أو التكهن بها. أجاب
سماحته على الرسالة التي تليت عليه للتو، بجملات مختصرة وصريحة خلت من أي نوع
من أنواع المجاملة، ولم تستغرق أكثر من دقيقة واحدة، أنهاها بقوله أنه يأسف
لكون السيد غورباتشوف قد أغفل المسألة الأساسية التي رمى إليها الإمام من
خلال رسالته المشهورة. ولم يكد المترجم ينهي نقل الجواب إلى اللغة الروسية،
حتى نهض سماحته من مكانه وتوجه إلى غرفته الخاصة. ومع أن محبي الإمام قد
اعتادوا دوماً عند الحضور في مجلسه على الانجذاب نحوه وتقبيل يديه الكريمتين،
إلا أن الهيبة والسرعة اللتان طبعتا حركته سواءً عند الدخول أو الخروج،
أوجدتا حالة استثنائية لا مثيل لها، أجبرت الجميع على البقاء في أماكنهم،
وعدم التشرف بمصافحته وتقبيل يديه.
مثال
الترتيب والطهارة والنظافة
لقد فرض الإمام
الخميني على نفسه طوال فترات حياته، نظاماً صارماً تحكم بجميع شؤونه وأعماله
الخاصة ومسؤولياته العامة، على نحو أعطى معه كل أمر، الوقت الذي يحتاجه
والاهتمام الذي يستحقه، دون أن يشغله ذلك عن التصادي لبقية الأمور. لذا فكان
يؤدي كل أعماله وواجباته مثل العبادات، تلاوة القرآن الكريم، قراءة الأدعية،
المطالعة، الاستماع إلى الأخبار، رياضة المشي، حركات الليونة الجسدية
(الحركات الرياضية التي أشار بها الأطباء على سماحته من أجل حفظ صحته
وسلامته)، الإجابة على المسائل الشرعية والاهتمام بالاجازات والاستجازات وقبض
الوجوه الشرعية، الإجتماعات، الإنصراف إلى أفراد العائلة في جلسات حميمة،
تناول الطعام، الخلود للراحة، وغيرها من الأمور في الأوقات والمواعيد المخصصة
لها بالضبط.
وقد تجلى هذا
النظام الدقيق من خلال برنامج أعماله الأسبوعية أيضاً. فعلى سبيل المثال، كان
يتوجه صباح كل يوم جمعة، بعد الاستماع إلى موجز أخبار الساعة الثامنة، إلى
الحمام للاغتسال. وبالرغم من أني كنت أحمل لسماحته عدداً من الأوراق
والتقارير التي تحتاج لإمضائه، في أيام الجمعة أيضاً، إلا أن الجواب كان يأتي
دوماً بأنه لا يستطيع الاستماع والتحدث إلى أحد في مثل هذه الساعة، لأنه ما
أن ينتهي موجز الأخبار في الساعة الثامنة وبضعة دقائق، حتى يتوجه مباشرة إلى
الحمام. وكان الاستحمام يستغرق منه عادة ساعة كاملة، حيث كان ينتهي في الساعة
التاسعة وبضعة دقائق. وتجدر الإشارة إلى أن الحمام المذكور، كان عادياً جداً
بمساحته الصغيرة وتجهيزاته المتواضعة، حتى أنه لم يحو على مغطس، وهو الشي
الذي لابد من وجوده في أي حمام كان. ولم يتخلف سماحته عن هذا البرنامج إلاّ
في حالات المرض، حيث كان يشير عليه الأطباء بعدم الاستحمام لأن ذلك يضر
بصحته. وفي إحدى المرات، مضت عليه فترة من دون استحمام، فسأل الطبيب المختص
سؤال من فرغ صبره عن الموعد الذي يسمح له في بالاغتسال. ولكنه واظب على تبديل
ملابسه بانتظام، حتى في هذه الحالات الاستثنائية.
وبالرغم من
البساطة التي طبعت حياته وميزت لباسه، فقد كان سماحته مثالاً للطهارة
والنظافة والأناقة. فألبسته كانت دوماً نظيفة براقة، وحتى جواربه لم يلاحظ
عليها أدنى أثر للبقع. وذلك لأنه حرص دائماً على السير داخل البيت منتعلاً
حذاءً خفيفاً، مع أن السجادات المفروشة كانت نظيفة تماماً.
وبشكل عام، فإن
المحيط الذي كان يعيش فيه الإمام الخميني، من غرفة عمله إلى مكان عبادته إلى
غرفة نومه واستراحته، اتسم بالنظافة والطهارة التامتين، حيث كانت الروائح
الزكية التي تبثها العطور، تملأ الفضاء بأريجها الأخاذ، وتضفي جواً من
الارتياح النفسي.
وبرغم التزام
سماحته بنهج البساطة والقناعة والزهد في حياته وفي مجال الإمكانيات المتاحة
له، إلا أنه حرص على استعمال أفضل العطور وأجودها، عملاً بالآداب والسنن
الإسلامية التي تحث على النظافة الظاهرية، وتعتبرها مقدمة مناسبة لبلوغ
الطهارة المعنوية والتهذيب النفسي. فالإنسان الذي يعيش في صميمه حالة الإيمان
والتقوى، جدير بأن يتحلى بعبق العطور.
لذا فإن العطور
المحلية والخارجية كانت تتدفق على سماحته، مهداة من قبل الأصدقاء والمحبين،
حيث كان يختار الأنسب والأجمل من بينها. حتى أن بعض العاملين في مكتبه، صار
يحرص على استعمال العطر الذي يرتاح إليه الإمام، حين يريد التشرف بلقائه وعرض
الملفات عليه.
القسم الثاني
عشر
مجالسة الأصدقاء والأحبة
رعاية
التراتب لدى التعاطي مع الأفراد
امتاز الإمام
الخميني، قدس سره، بنظرة ثاقبة ولماحية ملفتة في معرفته للأفراد، وتقييمه
لشخصية كل واحد منهم. ولذا فكان يتعاطى مع أي شخص تربطه صلة به، على أي مستوى
من المستويات، بطريقة تتناسب مع شأنه ومكانته ومقامه. وهكذا، التزم سماحته
برعاية تراتب الناس وتفاضلهم، الذي كان يحدده من وحي المقاييس الإلهية
السامية، بدقة متناهية وفي جميع الظروف والحالات. أما المرات المعدودة التي
خفي فيها علينا سر تعاطيه المفاجئ، سلبياً أو إيجابياً، مع بعض الأشخاص، فقد
تكفلت الأيام بكشف السبب الذي أدى إلى ذلك التعاطي، والحكمة التي أحاطت به.
ولكن اللغز الأكبر الذي ما انفك يستعصي على الفهم والإحاطة والتحليل، هو روح
الإمام المقدسة ونفسه الطاهرة المطمئنة.
ذات يوم، تقرر
أن يقوم أحد الشخصيات الثورية، التي كانت قد اكتسبت مكانة أسطورية لدى الناس
في ذلك الحين، بزيارة الإمام الخميني، لأول مرة في مدينة كربلاء. وفي الموعد
المحدد، اجتمع عدد من الأصدقاء في منزل سماحته لحضور اللقاء. وقياساً على
اللهفة التي كانت تسكن أنفسهم على رؤية تلك الشخصية، فقد توقعوا أن يسود جو
الإثارة والتشويق على اللقاء المنتظر بين الرجلين. ولكن الحسابات لم تكن
دقيقة تماماً. عندما دخل الضيف الكريم إلى المجلس، حدث الشيء الذي أثار
استغراب الحاضرين. إذ أنه تقدم نحو سماحته بطريقة ملؤها الاحترام والتواضع،
وانحنى أمامه مقبلاً يده الطاهرة. فما كان من الإمام إلا أن عامله كأي زائر
عادي من الزوار الذين يفدون عليه باستمرار. وفي الوقت الذي لم يتمالك فيه
الحضور أنفسهم، حيث هبوا من أماكنهم احتفاءً بالشخصية القادمة وتكريماً لها،
لم تصدر عن سماحته أدنى حركة تدل على تأثره بالموقف! رؤية هذا المشهد، كان له
وقع الصدمة على الجميع. ولكن عندما تبين لنا بعد مدة أن الشخص المذكور، كان
قد أطلق سراحه حيث ترك إيران طوعاً، انتبهنا لدقة نظر سماحته وحسن تقديره
للأمور. وبذلك توضحت الصورة للجميع، حيث وجدوا الجواب المناسب على الأسئلة
التي راودت أذهانهم منذ أشهر خلت. وهكذا، فقد حُل هذا اللغز بعد مرور فترة من
الزمن. ولكن لغز الإمام، هو الذي بقي مستعصياً على الفهم والإدراك.
من جهة أخرى،
أحاط الإمام بعض الأشخاص الذين لم يتمتعوا بالتقدير المطلوب لدى الآخرين
برعاية خاصة ومحبة خالصة. ومن جملة هؤلاء الأشخاص، الشيخ المسيب، الذي كان من
محبي سماحته في النجف الأشرف. وقد توفي على أثر إصابته بداء السرطان، قبل مدة
قصيرة من رحيل الإمام. وقد أبدى سماحته عاطفة كريمة تجاه الشيخ حتى آخر أيام
حياته، وبصورة تفوق الحد المتوقع. حتى أنه علق ذات مرة، عندما ذكر اسم الشيخ
المسيب في مجلسه، قائلاً: (الشيخ المسيب، خاصتنا؟).
إحدى المشاهد
التي كانت تبين بوضوح تام، درجات الاحترام والتقدير التي يكنّها الإمام
لمختلف الأفراد والشخصيات، هي الجلسات الليلية التي كانت تعقد مساء كل يوم،
بعد ساعتين ونصف الساعة من حلول المغرب، في صالة الاستقبال الخارجية من منزله
في النجف الأشرف. في هذه الجلسات، كان سماحته يجلس إلى جانب الباب الداخلي
الذي يؤدي إلى الغرفة الخاصة، في الجهة المقابلة للباب الذي يفد منه الزوار،
ليستقبل العلماء والفضلاء وطلبة العلوم الدينية في النجف، وبالإضافة إلى عدد
من الناس العاديين الذي كانوا يتشرفون بزيارته. ومع بدء توافد الضيوف، كان
سماحته يبادر إلى التأهيل بهم بطرق مختلفة تتفاوت بتفاوت الزوار القادمين إذ
أنه كان يكتفي برد التحية والسلام على البعض منهم. ويزيد عبارة (مسّاكم الله
بالخير) على التحية، بالنسبة للبعض الآخر. وينحني قليلاً وهو جالس على الأرض،
عند قدوم بعض الأفراد. ويضع يديه على الأرض كعلامة على أنهم يهم بالنهوض، لدى
قدوم أفراد آخرين. وينهض بنصف جسمه عن الأرض، من أجل بعض الأشخاص. وينهض بنصف
جسمه حتى يشارف على الوقوف، من أجل أشخاص آخرين. وينهض واقفاً بقامته المجللة
كاملة، في بعض الحالات فقط. أضف إلى ذلك، أنني شاهدت شخصياً سماحته وقد وقف
وقفة كاملة مرحباً، وشايع حتى الباب مودعاً، شخصين فقط من بين زواره، وهما:
المرحوم آية الله بحر العلوم، والمرحوم آية الله الشيخ محمد حسين الدهاقاني.
وكلاهما كانا من علماء النجف الأشرف الأجلاء.
ومن الجدير
بالذكر أن طريقة الإمام في التعاطي مع الآخرين، التي تنوعت بتنوع الأفراد من
حيث المرتبة والشأن والمقام، بقيت ثابتة واحدة منسجمة، حيال كل فرد بحد ذاته.
والأهم من ذلك، أنه عندما كان يلتقي شخصاً يتمتع بصفتين، أو بالأحرى بمركزين
يتميز كل واحد منهما بشأن خاص، كان يتعاطى معه كل مرة، بأسلوب يتناسب مع
الموقع الذي هو فيه.
في مجال
المعاشرة، ومجالسة الأصدقاء والأحبة
لقد اتسم
الإمام الخميني بحضور يفيض بالمحبة واللطف والحنان، حضور آسر جذب الناس إليه
وشد القلوب إلى وهجه. كان شمساً اذابت الصدأ والقساوة عن القلوب المتحجرة،
وبحراً ارتوت من فيض أمواجه الأفئدة الظمآنة.
ولكن الوضع كان
يتغير في مجال اداء المهمات والتصدي للمسؤوليات، وفي محيط عمله ومشاغله، حيث
كان يبدو كجبل أشم ذي بنيان مرصوص، لا تهزه رياح الحوادث والعواصف والصعاب.
لم يتخل سماحته عن صلابته أبداً في هذا المجال، ولم تلن قناته أبداً في
مواجهة المسؤوليات الجسام. إذ إن القلة المعنوية الرفيعة التي كان يتربع
فوقها، لم تدعه يستسلم ويذعن ويلين، إلا أمام الملكوت الأعلى. ولذا فكان
ينسلخ عن جميع القيود العاطفية في سبيل الله عزّ وجلّ، ولا يضع نصب عينيه سوى
الحق ورضاه.
وكما أشرنا
سابقاً، فقد حرص سماحته على رعاية شخصيات الأفراد الذين يلتقي بهم، واحترامها
على أحسن نحو ممكن. كما حرص على أكبر قدر من الجدية والحزم والفعالية، في
مجال إنجاز الأعمال والمهمات. أما عند مجالسة الأصدقاء والأحبة، بعيداً عن
أجواء المشاغل والملفات، فكان الوجه الآخر لسماحته يبرز بصورة جلية، حيث
المزاح والملاطفة وتجاذب أطراف الحديث، وإضفاء جو من الحبور على الجلسة. أما
في البيت وداخل الأجواء الأسرية، فقد كان نموذج الزوج الصالح، الأب المحب،
والجد الحنون الذي يرعى أفراد عائلته، ويحيطهم بدفء عاطفته وحنانه.
هذا وقد شاهدت
مرات عديدة، الاحترام الفائق الذي يكنّه الإمام لآية الله السيد بسنديده،
شقيقه الأكبر وأستاذه في مرحلتي الطفولة والفتوة، حيث كانت يجله كأستاذ من
أساتذته، ويسمو في تعامله معه إلى درجة وضعه في موضع الأبوة. وفي مجالس الأنس
والصداقة، وبعيداً عن المسائل السياسية، كان الإمام يتحدث إلى أخيه ويتقصى
أخباره، ويسأله عن أحواله ومشكلاته الحياتية، ويستمع إلى عرض لمشاغله
اليومية، بصورة طبيعية جداً، وبسعة صدر مميزة. |