|
السيرة الذاتية لسماحة
للسيد القائد حفظه الله
المولد والنسب
* ولد سماحة آية الله العظمى الحاج السيد علي الحسيني الخامنئي (دام ظله
العالي) عام 1318 هــ. ش (1939م) بمدينة مشهد المقدسة في عائلة علمائية
محترمة.
* والده هو آية الله الحاج السيد جواد من المجتهدين وعلماء مشهد المحترمين،
كان يقيم الجماعة في مسجد كوهرشاد صباحاً وفي مسجد بازار مشهد ظهراً ومساءاً
لسنوات طويلة، وكان من المبلغين المعروفين. توفي في ذي القعدة 1406هــ عن
عمر ناهز الثالثة والتسعين عاماً.
* جدّه هو آية الله السيد حسين الخامنئي من علماء آذربيجان. كان يعيش في حّي
خيابان بتبريز ثم هاجر الى النجف وأقام هناك واشتغل بالتدريس والبحث. وكان من
أهل العلم والتقوى، قضى عمره في الزهد والقناعة.
* زوج عمّته هو العالم الشهيد الحاج الشيخ محمد خياباني، المولود في قصبة
خامنه من توابع تبريز، وسُمي بالخياباني لإقامته صلاة الجماعة في مسجد
كريمخان في حيّ خيابان بتبريز، وكان من العلماء المعروفين والمجاهدين في عهد
الدستورية (المشروطة)، وكما قال في حقّه المرحوم الحاج محمد باقر بادامجي ــ
المجاهد الصامد في عهد الدستورية والمعاصر للشيخ محمد الخياباني ــ: كان
الأورع والأزهد والأفقه نسبياً بين زملائه من أئمة الجماعات. أصبح الشيخ
الخياباني ممثل أهالي تبريز في المجلس الوطني وقاد ثورة ضد الأوضاع المتردّية
آنذاك واستشهد في تبريز.
* ووالدته هي كريمة حجة الإسلام السيد هاشم نجف آبادي من علماء مشهد
المعروفين. كانت امرأة عفيفة شريفة عالمة بالمسائل الدينية ومتخلّقة بالأخلاق
الإلهية. وافتها المنية في محرم من عام 1409هــ عن عمر ناهز الــ 76 عاماً
إثر نوبة قلبية ألمّت بها.
النشأة
قضى آية الله العظمى السيد الخامنئي (دام ظله العالي) فترة طفولته برعاية
والده، الذي كان شديد الحرص على تربية أبنائه وتعليمهم وعطوفاً ومحبّاً لهم
في الوقت نفسه، وأمّه الأكثر حناناً وعطفاً، وعاش في عسرة وضيق شديدين، وكما
يقول سماحته:
"لقد قضيت طفولتي في عسرة شديدة خصوصاً أنها كانت مقارنة لأيام الحرب (الحرب
العالمية الثانية)، وعلى الرغم من أنّ مشهد كانت خارجة عن حدود الحرب، وكان
كل شيء فيها أكثر وفوراً وأقل سعراً نسبة الى سائر مدن البلاد، إلاّ أنّ
وضعنا المادي كان بصورة بحيث لم نكن نتمكن من أكل خبز الحنطة، وكنّا عادة
نأكل خبز الشعير، ونادراً ما كنّا نأكل خبز الحنطة. إننّي أتذكّر بعض ليالي
طفولتي حيث لم يكن في البيت شيء نأكله للعشاء، فكانت والدتي تأخذ النقود ــ
التي كانت جدتي تعطيها لي أو لأحد أخواني أو أخواتي أحياناً ــ وتشتري بها
الحليب أو الزبيب لنأكله مع الخبز.
لقد كانت مساحة بيتنا الذي ولدت وقضيت (4 ــ 5) سنوات من عمري فيه بين (60 ــ
70 متراً ) في حيّ فقير بمشهد وفيه غرفة واحدة وسرداب مُظلم وضيق.
وعندما كان يحلّ علينا ضيف ــ وبما أن والدي كان عالماً ومرجعاً لشؤون الناس،
فكان دائم الضيوف ــ كان علينا الذهاب الى السرداب حتى يذهب الضيف، وبعد فترة
اشترى بعض المريدين لوالدي قطعة أرض بجوارنا وألحقوها ببيتنا فاتّسع البيت
إلى ثلاث غرف.
ولم يكن ملبسنا أفضل من ذلك، فقد كانت والدتي تخيط لنا من ملابس والدي
القديمة شيئاً عجيباً وغريباً، كان لباساً طويلاً يصل الى أسفل الركبة يحتوي
على عدة وصلات، طبعاً يجب أن يقال أن والدي لم يكن يغيّر ملابسه بهذه
السرعة".
الدراسة
التحق آية الله العظمى السيد الخامنئي (دام ظله العالي) ولم يتجاوز عمره خمس
سنوات مع أخيه الأكبر السيد محمد بالكتاتيب لتعلّم القرآن، وبعد مدة أرسلا
معاً الى مدرسة ابتدائية دينية باسم (دار التعليم الديني).
وهذه المدارس قد تأسسّت من قبل المؤمنين بعد عهد الاختناق الذي أوجده رضا
خان، وهدفها الاهتمام بتربية الطلبة دينياً أكثر من أي شيء آخر، ولم تكن تملك
صلاحية إعطاء الشهادة الدراسية.
ففي هذه المدرسة كانت تدرّس ــ إضافة الى منهج المدارس الابتدائية ــ قراءة
القرآن ودروس في كتب (حلية المتّقين، حساب السياق ونصاب الصبيان).
وبعد أن أكمل سماحته المرحلة الابتدائية في هذه المدرسة، التحق بالدراسة
المسائية في المدرسة الحكومية وحصل على الشهادة الابتدائية. ثم أنهى دراسته
الثانوية خلال سنتين وحصل على الشهادة الثانوية.
وأمّا في مجال العلوم الدينية، فقد شرع بالقواعد العربية في تلك المدرسة (دار
التعليم الديني)، وقرأ (شرح الأمثلة) عند والدته، وكتابي (صرف مير)
و(التصريف) عند والده، ودرس (العوامل) و(الأنموذج) في المدرسة عند اثنين من
المعلّمين، ثم التحق في الرابعة عشر من عمره بمدرسة سليمان خان للعلوم
الدينية، ودرس كتابي (الصمدية) و(السيوطي) وقليلاً من (المغني).
وحضر درس الشرايع عند والده، وعندما وصل إلى كتاب الحج طلب منه والده
الإلتحاق بدرسه (شرح اللمعة كتاب الحج)، والتباحث مع أخيه الحاج السيد محمد،
وبعدها التحق سماحته بمدرسة نواّب للعلوم الدينية وأكمل السطوح هناك، ثُمّ
حضر بحث الخارج عند المرحوم آية الله العظمى الميلاني (قدس سره).
ولقد قل نظير هذا الأمر وهو أن يشارك شاب في السادسة عشر من عمره في بحث
الخارج. ويرى سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) الفضل في ذلك
الى اهتمام والده فيقول: "لقد كان والدي العامل الرئيسي في انتخابي طريق
العلم النيّر والعلماء، ولقد شوّقني ورغّبني الى ذلك... فعندما شرعت بالدروس
الدينية، كان الفارق في العمر بيني وبين والدي شاسعاً (كان 45 سنة تماماً)،
إضافة إلى ذلك فقد كانت لوالدي مكانة علمية بارزة، وكانت لديه إجازة اجتهاد،
وتَخرّج على يديه الكثير من طلبة العلوم الدينية في مستويات عالية، لذا لم
يكن من المناسب وهو في هذه المكانة العلمية أن يدرّسني وأنا في المرحلة
الأولى من دراستي، ولم تكن لديه الرغبة ولا الصبر على ذلك، لكن نظراً
لاهتمامه بتربيتنا، فقد درّسني وأخي الأكبر ومن بعدنا درّس أخانا الأصغر،
فحقّه عظيم علينا في مجال التدريس والتربية وخصوصاً عليّ ، لأنّه لو لم يكن
موجوداً لما وفقّنا في تحصيل الفقه والأصول.
وقبل ذهابي إلى قم، حضرت ــ علاوة على دراستي عند والدي ــ الدروس العامة في
مشهد، وفي العطلة الصيفية كان والدي يضع لنا برنامجاً دراسياً ويباشرنا
بالتدريس، ولهذا السبب لم يحصل توقف في دراستي خلافاً للذين كانوا يدرسون في
الحوزات العامة والتي كانت تعطّل في شهري محرم وصفر وشهر رمضان المبارك وفي
العطلة الصيفية، فأنهيت دروس السطوح جميعها وشرعت بالبحث الخارج وأنا في
السادسة عشر من عمري".
التدريس
يواصل سماحة آية الله العظمى الخامنئي (مد ظله العالي)حديثه فيقول:
"لقد شرعت بالتدريس في الأيام الأولى من دراستي الحوزوية أي بعد إتمام
المرحلة الابتدائية في المدرسة مباشرة، وبدأت بتدريس كتاب الأمثلة أو صرف مير
لاثنين من ملالي مشهد المسنّين، وحتى عام 1337 هــ . ش (1958) حيث كنت مقيماً
بمشهد، قمت بتدريس هذه الكتب (الصرف، النحو، المعاني، البيان، الاصول،
والفقه).
وفي قم أيضاً قمت بالتدريس الى جانب دراستي .
وبعد عودتي من قم إلى مشهد عام 1343 هــ . ش (1964)، كان التدريس أحد برامجي
الرئيسية والدائمة، وطوال هذه السنوات حتى عام 1356 هــ . ش (1977)، قمت
بتدريس السطوح العليا، (المكاسب والكفاية)، التفسير والعقائد.
في عام 1336 هــ . ش (1957) تشرّفت بزيارة العتبات المقدّسة، وكان جوّ حوزة
النجف يشدّني للبقاء في ذلك المركز العلمي، لهذا وددت في البقاء بالنجف،
وبقيت فترة قصيرة، لكن والدي رفض بقائي هناك، فرجعت الى مشهد 1337 هــ . ش
(1958م).
وتوجّهت في عام 1337 هــ . ش (1958م) الى قم بإذن من والدي، وبقيت هناك حتى
عام 1343 هــ . ش (1964)، لكن اضطررت في عام 1343 هــ . ــ (1964م) الى
العودة الى مشهد ــ لفقدان والدي بصره ــ رغم المخالفة الشديدة لبعض أساتذتي
الكبار في قم"
الأساتذة
يقول سماحته حول أساتذته:
"في مشهد أيضاً ومنذ عام 1343 هــ . ش (1964) ــ مع أنّني كنت بالمدرسة
الابتدائية ــ كنت مستمراً في دراستي الحوزوية وكنت أحضر درس الفقه حتى عام
1349 هــ . ش (1970).
قرأت كتابي (الأنموذج والصمدية) في مدرسة سليمان خان العلمية بمشهد عند علوي
نامي ــ والذي كان هو بدوره يواصل دراسة الطب الحديث ــ ، ثم قرأت السيوطي
وقليلاً من المغني في المدرسة نفسها عند
شخص باسم مسعود، وبما أنَّ أخي الأكبر السيد محمد كانت لديه غرفة في مدرسة
نوّاب، لهذا ذهبت هناك وشرعت في كتاب المعالم الى جانب دراستي للسيوطي
والمغني.
وفي هذه الأيام اقترح عليّ والدي أن يدرّسني كتاب شرايع الإسلام للمحقق
الحلّي (ره)، ومع أن الشرايع لم يكن كتاب تدريس، إلاّ أن والدي شعر أنّ لهذا
الكتاب أثر في تقدمي العلمي، وبالفعل صار هكذا، أي أنّه درسّني كتاب الشرايع
من بدايته الى كتاب الحج، وعندما بلغنا كتاب الحج ــ وكان والدي يدرّس أخي
شرح اللمعة كتاب الحج آنذاك ــ قال لي: تعال وشارك في درس شرح اللمعة، قلت
له: قد لا يمكنني فهمه، قال لي: بل يمكنك فهمه، فشاركت في الدرس وبالفعل
فهمته ــ طبعاً إنني درست ثلاثة أرباع كتاب شرح اللمعة تقريباً عند والدي،
والبقية عند المرحوم ميرزا أحمد مدرس اليزدي الذي كان مدرّساً معروفاً في شرح
اللمعة والقوانين بمدرسة نواّب، وبعد أن أنهيت دراسة اللمعة، حضرت درس
المكاسب والرسائل عند المرحوم الحاج آية الله الشيخ هاشم القزويني (الذي كان
من تلامذة المرحوم ميرزا الاصفهاني وكان من أهل رياضة النفس ومدرساً من
الطراز الأول في مشهد، ومحترماً فهماً معروفاً، ورجلاً شريفاً وبصيراً لدى
خواص مشهد وبالأخص لدى أهل العلم)، لقد كان عالماً جامعاً حسن البيان بحيث
أنني لم أر مثله في حسن البيان لا في النجف ولا في قم رغم حضوري أغلب الدروس
هناك.
لقد قرأت عنده القسم الأعظم من (الرسائل والمكاسب والكفاية)، وعندما أقول
القسم الأعظم، لأنّي درست ما بقي منه عند والدي، لذا يجب أن أقول: إنّ لدعم
والدي النصيب الأوفر في تقدّمي الدراسي، فبلغت فترة دراستي منذ اللحظة الأولى
في طلبي العلم حتى شروعي بحث الخارج خمس سنوات ونصف أي أنني أنهيت السطوح في
خمس سنوات ونصف.
وشرعت في حضور بحث الخارج عند المرحوم آية الله العظمى الميلاني (ره)، وقد
كان عالماً محقّقاً ومن مراجع مشهد، فحضرت درسه في الاصول لمدة سنة، والفقه
سنتان ونصف حتى أواخر عام 1337 هــ . ش (1958) عندها توجّهت الى قم.
ولا يخفى أن أذكر أنّني حضرت بحث الخارج فترة عند آية الله الحاج الشيخ هاشم
القزويني أي أنّه درّس الخارج في الاصول بإصرار منّا، وكان بحثه واسعاً بحيث
ينقل جميع الآراء ثم يبدأ بالرد عليها.
وحضرت في مشهد درساً آخر أيضاً وهو درس الفلسفة عند آية الله الميرزا جواد
الطهراني، وكانت طريقته في التدريس كالتالي: كان يدرّس كتاب المنظومة وينقل
مطالب المرحوم الحاج ملا هادي السبزواري ثم يفنّدها، فكان درسه في الحقيقة
ردّاً على المنظومة، إلى أن قال لي أحد الأصدقاء الذي درس الفلسفة في قم: إنّ
هذا ليس بصحيح وهو أن تحضر درس المنظومة عند الميرزا جواد وهو يرّد على
المنظومة، لأنك بهذه الطريقة لا يمكنك تعلّم مفاهيم الحكمة، لذا يحسن ان تحضر
عند من يعتقد بالحكمة، فقبلت كلامه هذا، وحضرت عند شخص باسم "الشيخ رضا ايسي"
في مشهد، وكان عالماً وفاضلاً وحكيماً معتقداً بالحكمة كثيراً، فشرعت في درس
المنظومة عنده، فكان يدرّس هذه المباحث برؤية معتقدة بالحكمة تماماً.
ثم ذهبت الى النجف وحضرت دروس الآيات الحكيم والخوئي والشاهرودي والميرزا
باقر الزنجاني والمرحوم ميرزا حسن اليزدي والسيد يحيى اليزدي واي درس وجد في
أي مكان، لكن من بين كل هذه الدروس، ارتحت كثيراً لدرس آية الله الحكيم وذلك
لإسلوبه السلس وآرائه الفقهية المتقنة، والآخر درس آية الله ميرزا حسن
البجنوردي الذي كان يدرّس في مسجد الطوسي، فارتحت لدرسه كثيراً. فقررت البقاء
في النجف. كتبت رسالة الى والدي أطلب منه الموافقة على ذلك، لكن والدي لم
يوافق، لهذا رجعت الى مشهد. وبعد فترة توجهت الى قم، وهناك قررت الاطلاع على
جميع الدروس حتى أحضر الدرس الذي يعجبني، فحضرت درس الإمام ومن بعده درس آية
الله الحاج الشيخ مرتضى الحائري، والآخر درس آية الله العظمى البروجردي، ومن
بين كل تلك الدروس كنت أشارك في درس الاصول للإمام بصورة مستمرة، واستفدت
قليلاً في الفلسفة من بحوث الطباطبائي في الاسفار والشفاء".
وقد حصل سماحته على رتبة الاجتهاد على يد استاذه آية الله العظمى الشيخ مرتضى
الحائري عام 1974 بعد حضوره البحث الخارج أكثر من خمسة عشر عاماً.
الجهاد
عاش سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي(دام ظله العالي) طوال حياته
المباركة إما مجاهداً بالقلم والبيان أو بالسلاح خصوصاً حينما بدأ الإمام
الراحل العظيم (رض) ثورته الإسلامية الكبرى عام 1341 هــ . ش (1962)، فلم
يتوان هذا المجاهد الشجاع لحظة واحدة في السعي والجهاد، وقضى ثلاث سنوات من
عمره ما بين الأعوام (1963 ــ 1978م) في سجون الشاه وقريب عام في المنفى.
وإليك جوانب من حياته الجهادية كما ينقلها سماحته: "أمّا حول دخولي ساحة
الجهاد والمعترك السياسي، فبين عامي (1952 ــ 1953م) سمعت أنّ المرحوم نواب
صفوي قد جاء الى مشهد، وكان شيء خفي يجذبني اليه، وكنت اوّد رؤيته كثيراً،
إلى أن أخبرنا أنّ نواّب ينوي المجيء الى مدرسة سليمان خان والتي كنت أحد
طلابها، ويعتبر يوم مجيء نواّب إلى مدرسة سليمان خان من الأيام التي لا تُنسى
في حياتي.
فعندما دخل نواب صفوي المدرسة مع بعض أعضاء منظمة (فدائيو الإسلام) الذين
كانوا واضعين قبعات خاصة على رؤوسهم، بدأ بإلقاء خطاب قوي وهو قائم، وكان
مضمون خطابه هو إحياء الإسلام وإقامة حكومة إسلامية، وشنّ هجوماً عنيفاً ــ
في خطابه ــ على الشاه والانجليز، واتّهم مسؤولي البلاد بالكذب وقال: إنّ
هؤلاء المسؤولين ليسوا بمسلمين.
إنّني كنت أسمع بأذنيّ هاتين هذه الأقوال من لسان المرحوم نواّب، فوقع كلامه
على قلبي، وتمنّيت أنّ ألازمه دوماً. وأعلن هناك أنّ نواب يتحرك غداً من
المهدية باتجاه مدرسة نواّب، وفي اليوم الثاني تحرّك في حشد من المهدية
باتجاه المدرسة المذكورة آنفاً، وفي الطريق كان يخاطب الناس بصوت عال ويردّد:
"أخي المسلم الغيور، يجب أن يحكم الإسلام" إلى أن دخل المدرسة، وهناك ألقى
خطاباً مفصّلاً ومثيراً. وبعد انتهاء الخطاب أقترح عليه إقامة صلاة الجماعة،
فوافق على ذلك، وصلّينا الجماعة بإمامته، ثم غادر مشهد، ولم نعلم عنه شيئاً
بعد ذلك اليوم إلى أن بلغنا نبأ استشهاده، فغضبنا لذلك كثيراً وبدأنا نردّد
شعارات ونشتم الشاه، والنقطة الملفتة للنظر هي أنّ المرحوم آية الله الحاج
الشيخ هاشم القزويني كان العالم الوحيد في مشهد ــ نظراً الى همّته العالية
ــ الذي أبدى ردّة فعل تجاه استشهاد المرحوم نواّب ورفاقه، وانتقد في درسه
نظام الشاه بشدة وأبدى تأثره وحزنه من إستشهادهم وقال: إنّ بلادنا وصلت بها
الحالة إلى درجة بحيث يقتل فيها ابن رسول الله (ص) لا لشي سوى قوله الحق.
فكان نواب أول من أوقد شرارة نهضة إسلامية في نفسي ذاك الزمان، ولا يختلجني
شك أنّ نواب هو أوّل من أوقد هذه الشعلة في نفوسنا، ولهذا أصبح تقليد المرحوم
نواّب سبباً لبدء أوّل تحرّك جهادي عام 1334 أو 1335 هــ .ش (1955 أو 1956م)
وكان تحرّكنا الجهادي بهذه الصورة وهي حينما بُعث شخص باسم (فَرح) محافظاً
لمدينة مشهد، وكان هذا الشخص لا يحترم أيّاً من المظاهر والضوابط الإسلامية،
ومن جملتها إنّه كان من المقرر رسمياً أن تعطّل السينما في مشهد شهري محرم
وصفر، ففي البداية أعلن عن تعطيل السينما الى اليوم الرابع عشر من محرم، لكن
بعد أن ارتفعت أصوات الاحتجاج، مدّدها الى العشرين من محرم؛ لهذا السبب عقدنا
جلسة ــ وكنا عدة أفراد ــ وكتبنا إعلاناً حول الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر وأرسلناه عن طريق البريد الى أماكن متعددة".
جهاده من عام 1941 هــ . ش (1962) فما بعد:
لقد نهضت الحوزة العلمية بقم وثار مركز العلم والتقوى والجهاد في عام 1941
هــ . ش (1962) بنداء من إمام الأمة (رض) ضد الشاه. فكان العلماء والطلبة
يوصّلون نداءات وتوجيهات الإمام (رض) وسائر المراجع الى أقصى مناطق إيران بكل
إخلاص وشجاعة، وكانت إعلاناتهم تطبع وتوّزع بمساندة جميع القوى الشعبية
والمؤمنة، وانتقلت هذه الثورة الى سائر الحوزات العلمية والمجاميع الدينية
وأهمّها حوزة مشهد العظيمة والصامدة.
وكان لسماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) دور بنّاء وعظيم في
هذا المجال، فإلى جانب نشاطاته في قم، وّثق علاقاته بالعلماء والطلبة في مشهد
وسعى ــ مستعيناً بنشاط سائر علماء خراسان ــ في تجهيز طلبة العلوم الدينية
بصورة أفضل، فكانت نشاطاته مؤثرة ومبهرة للعين بحيث أنّه بُعث في عام 1342
هــ . ش (1963) من قبل الإمام الى مشهد لإيصال ثلاث نداءات حول شهر محرم
المصيري الذي وقعت فيه انتفاضة 15 خرداد. النداء الأول كان موجّهاً الى
العلماء والخطباء ورؤساء الهيئات الدينية حول التهجّم على اسرائيل وقضية
الفيضية، والنداءان الثاني والثالث كانا إلى المرحوم آية الله العظمى
الميلاني (ره) وأحد علماء مشهد حول بدء الكفاح العلني من السابع من محرم.
وقد تمّ إنجاز هذه المسؤولية بالصورة المطلوبة، وأدّت هذه النداءات الثلاث
الى تشديد الكفاح في محافظة خراسان.
وكان سماحته اثناء سفره ينقل إلى أبناء الشعب ـ في المدن التي يمر عليها في
طريقه ومن على المنبر ـ جوانب من هذه النداءات، فاستطاع بعمله هذا نثر بذور
الثورة في كل مكان، ثم قرّر سماحته مع جمع من زملائه الملتزمين السفر الى
مختلف مدن المحافظة والبدء من اليوم السابع من محرم تلك السنة ـ حسب
البرنامج الذي أعدّه الإمام ـ بشرح القضايا الراهنة والأوضاع السياسية
والاجتماعية وفاجعة الفيضية والخطط السرية للنظام؛ لأن الارضية كانت مهيّئة
لثورة جماهيرية ضد نظام الطاغوت وذلك بعد قضية مجالس المدن والمحافظات وقضايا
الاستفتاء الشعبي المزّور للنظام ومحاربته للإسلام والعلماء وخلقه فاجعة
المدرسة الفيضية وكذا الحداد العام في نوروز 1342 هـ . ش (1963).
واستغّل الإمام الراحل (ره) والعلماء محرم تلك السنة على أفضل صورة، ووضعت
البرامج لتبيين الأمور بشكل مجمل من الأوّل الى السادس من محرم، ثم البدء في
اليوم السابع ببيان المطالب الرئيسية والحقائق بكل صراحة للشعب ليكشف عن وجه
الشاه الكريه من تحت غطاء الاصلاحات.
وكان نصيب سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي (دام ظله العالي) مدينة
بيرجند التي كانت مركز قوة للنظام وخاضعة لسيطرته، وكما يصطلحون عليها
(إقطاعية أسد الله علم) رئيس الوزراء آنذاك.
رقا آية الله العظمى الخامنئي المنبر في بيرجند من اليوم الثالث من المحرم،
وأشعل فتيل الثورة وذلك ببيان القضية لأبناء الشعب، وفي السابع من المحرم ـ
حيث شارك جمع غفير في المجلس ـ بدأ ببيان مثير وجذّاب لفاجعة الفيضية، فبكى
الناس كثيراً.
يقول سماحته عن تلك الأيام:
"في ذلك اليوم أطال الخطيب الأول بيانه وتأخّر عن النزول من المنبر، فلم يبق
لي غير نصف ساعة، وعندما بدأت الموضوع كنت ارتعش من شدة الإثارة وإن لم أخف
مطلقاً، وكانت أحوال الناس تؤثّر بي أيضاً، كان الناس يبكون بصورة عجيبة،
وعندما نزلت من المنبر أحاطوا بي كي لا اعتقل".
فكان لهذا المنبر صدى عظيم في المدينة، وفي صباح اليوم التالي حضر جمع غفير
في مجلس آخر أقيم في منزل أحد الأشخاص، وهناك أيضاً طرحت قضايا الساحة".
يُضيف سماحته:
"كان في بيرجند عالم شهير اسمه تهامي، قال لي ذلك: مع إنني الأكثر اطلاعاً
على الأمور في هذه المدينة، لكنّي لم أكن أعلم بهذه القضايا، ولولاك لما
صدّقت هذه القضايا، وإنني لم أبك في أيّ من الحوادث بهذه الصورة".
وانقلبت الأوضاع في مدينة بيرجند في هذين اليومين بشدة وأصبح الناس على
استعداد تام. وفي صباح التاسع من محرم ارتقى سماحته المنبر وألقى خطاباً
حماسياً أقلق السلطات بشدة مما اضطرت إلى اعتقاله، رغم أنّ العلماء لا
يعتقلون عادة في يومي التاسع والعاشر من محرم، وحجز سماحته يومين في بيرجند
ثم نُقل الى مشهد وسُلّمَ للساواك. وكان لهذا الاعتقال الأثر الكبير في يقظة
الناس.
وقد كانت لهذه النشاطات والنداءات أكبر الآثار بحيث احتلت مشهد في محرم تلك
السنة المكانة الثانية بعد طهران في زعزعة أركان النظام، ولهذا فقد تعامل
النظام مع سماحته بعنف ووحشية لم يسبق أن عومل العلماء بهذا الشكل من قبل، أي
أنّه سُلّم في البداية للساواك، ثم نُقل الى سجن خرب في القلعة ليُحرم حتى من
الوسائل الاوّلية في السجن، وهدّدوه بحلق لحيته بالموسى، ثم غيّروا رأيهم
فقصّروها بماكينة حلاقة.
يقول سماحته حول هذا الموضوع:
"لم يكن السجن سيّئاً، كان تجربة جديدة وعالماً آخر مع الساواك، ومع
التحقيقات والدعاوى والأوقات المريرة والإهانات الشديدة، وخلاصة القول مع
آلام الكفاح".
وبعد اطلاق سراحه، اجتمع بزملائه من جديد ليتّم تقييم الأحداث والنشاطات
السابقة، فقرّروا أن يذهبوا الى مختلف مدن البلاد مرة أخرى لفضح جرائم النظام
وتوسيع رقعة الثورة. يقول سماحته:
"عقدنا جلسة وقررنا مع الزملاء ــ هذه المرة ببرنامج ومخطّط دقيق ــ أن يذهب
كل واحد منا الى نقطة من البلاد ليكشف الحقائق للشعب. كانت المراقبة شديدة
وأجهزة النظام على استعداد لقمع الشعب بشدة، وقد ادّت جرائم النظام الى تراجع
البعض وإن كانت قد دعت البعض الآخر الى مقاومة أكثر وجهاد أكبر".
ففي مثل هذه الأوضاع، كانت صرخة العلماء هي الصرخة الوحيدة التي تدعو أبناء
الشعب الى المقاومة والجهاد، وكما يقول سماحة القائد (دام ظله العالي):
"لقد تواجد طلبة الإمام الخميني في جميع المدن والقرى الصغيرة والنائية وفي
أي مكان يرزح تحت وطأة ظلم الشاه وأياديه وتحت سيطرة أصحاب المال والنفوذ
المتسلّطين على أموال وأعراض وعقيدة وإيمان أبناء الشعب، وكشفوا الحقائق
للشعب دون أدنى خوف ووجل من الاعتقال والتعذيب".
لقد كانت هذه السفرات والتحركات الجماعية خصوصاً بعد انتفاضة 15 خرداد وبعد
اعتقال الإمام الراحل (ره) قيّمة جداً، واتسعت هذه التحركات لتشمل أكثر المدن
وبعض القرى بصورة أرعبت النظام، ولهذا كانت ردّة فعل النظام بالمقابل عنيفة
جداً.
وقد صادف شهر رمضان 1342هــ . ش (1963) شهر بهمن وذكرى مرور عام على
الاستفتاء الشعبي المزوّر، وكان الإمام (ره) محاصراً فلم يتمكّن من وضع
برنامج لشهر رمضان، لكن رغم غياب الإمام (ره) إلاّ أنّ المراجع والعلماء
وبالخصوص طلبة الإمام المقرّبين والمؤمنين قد تمكّنوا من مواصلة العمل وإبقاء
مشعل الجهاد وضّاءاً، وانتشر طلبة وفضلاء الحوزة شهر رمضان في أنحاء البلاد
وبدأوا بتوعية الشعب وفضح النظام.
وبدأ سماحته (دام ظله العالي) وزملائه نشاطهم وتحركّهم، يقول سماحته حول هذه
القضية:
"عندما تحرّكنا من قم في باص وكنا ثلاثين طالباً للعلم، وكانت مستويات
الطلبة الجالسين في الباص مختلفة، فكانوا ينزلون من الباص الواحد تلو الآخر
في الطريق، وكنت آخر من يجب عليه النزول في كرمان".
وفي كرمان شرع سماحته بإلقاء الخطب والاجتماع بالعلماء والطلبة والمجاهدين
والتباحث معهم لمدة ثلاثة أيام، ثم توّجه بالسيارة الى زاهدان، وهناك ارتقى
المنبر في المسجد الجامع، فلقي استقبالاً حاراً من الناس.
وفي السادس من بهمن بدت خطاباته أكثر صراحة، الى أن بلغ اليوم الخامس عشر من
رمضان ذكرى مولد الإمام الحسن المجتبى (ع)، فألقى كلمة قوية ومثيرة بحيث لم
ير الساواك بدّاً سوى اعتقاله ليلة السادس عشر من رمضان ونقله بالطائرة الى
طهران، فاحتجز ليلة في معسكر سلطنت آباد ثم سُلّم في اليوم التالي لسجن قزل
قلعة المشهور حيث يمارس فيه أبشع أنواع التعذيب. فقضى شهرين بين سجن انفرادي
وإهانات شديدة وتهديد بالقتل والتعذيب البشع وسائر المصاعب. ومع ذلك كان أوّل
عمل أقدم عليه هذا العالم المجاهد الشجاع بعد إطلاق سراحه هو الذهاب لمقابلة
الإمام (ره) في منزله الواقع في منطقة القيطرية والذي كان في الحقيقة سجناً
محترماً، وافلح في مقابلة الإمام (ره) برفقة الشهيد السيد مصطفى الخميني،
وبقي ربع ساعة بمحضر الإمام (ره)، وعلى حدّ قوله:
"لقد أذهب الإمام (ره) التعب عن جسمي، وبكيت من شدة شوقي لرؤية الإمام،
فلاطفني الإمام كثيراً، وقلت لسماحته: لم نستفد من شهر رمضان بالصورة
المطلوبة نظراً لغيابك، لذا يجب علينا التفكير في محرم القادم من الآن".
تشكيل خلايا سرية
ومن أجل ذلك عقد سماحة آية الله العظمى الخامنئي(دام ظله العالي) مع عدد من
العلماء المجاهدين السائرين على خط الإمام (ره) كآية الله المشكيني، وآية
الله الشهيد القدوسي، والمرحوم آية الله ربّاني الأملشي، والمرحوم آية الله
رباني الشيرازي، والشيخ الهاشمي الرفسنجاني، وآية الله مصباح اليزدي، وآية
الله أميني النجف آبادي وغيرهم، عقدوا جلسة في قم ناقشوا خلالها قضية تشكيل
خلايا سّرية منظّمة، وكان الهدف منها أن تكون مقدمة لوضع الخطط وتنظيم نشاطات
الحوزة العلمية بقم وكذا للسير على نهج الإمام (ره)، فبدأت هذه الخلايا
بمباشرة عملها في سرية تامّة بعد أن وضع لها ميثاق كما وقُرِّر لها حق
الانتماء، وانتخب آية الله مصباح اليزدي سكرتيراً للجلسات، فكان عليه كتابة
محضر الجلسات وكذا الميثاق وسائر المطالب بخط يشبه كتابة الأدعية في القديم،
بحيث لا يمكن لأحد غيره قراءتها، ولو وقعت في أيدي الساواك تصوّروا أنها من
الأدعية والطلاسم القديمة.
لكن في عام 1344 هــ . ش (1965) كشفت هذه الخلايا وذلك بعد اعتقال احد
الاعضاء لسبب آخر، فعثر الساواك على الميثاق في منزله، وتمّ تعذيبه، واعتقل
البعض وفّر الآخرون ومنهم آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) والشيخ
الهاشمي الرفسنجاني وآية الله مصباح الى طهران، واختفى سماحة القائد (دام ظله
العالي) عن عيون الساواك عاماً تقريباً وعاش مع الشيخ الهاشمي في منزل معاً.
وكان آية الله العظمى الخامنئي(مدّ ظله) قد فرّ من مشهد قبل فترة بسبب ترجمته
كتاب (المستقبل لهذا الدين) وذلك لما يحتويه هذا الكتاب وبالخصوص المقدمة
والحواشي بحيث اقلقت الساواك وأغضبته كثيراً، فصودر الكتاب واعتقل اثنان من
مسؤولي المطبعة، لكن الكتاب طُبع ووزّع عن طريق آخر ممّا جعل الساواك يغضب
أكثر، ويصّر على مطاردته واعتقاله خصوصاً بعد كشف خلايا التنظيم في قم.
واعتقل الشهيد آية الله القدوسي في تلك الأيام ولكن اطلق سراحه بعد التحقيق
معه، فاستطاع أن يعرف اثناء التحقيق أن الساواك قد كشف قضية الخلايا، لهذا
أخبر ــ بعد إطلاق سراحه ــ الشيخ الهاشمي بالقضية، فعقدت جلسة رباعية من
(السيد الخامنئي والهاشمي والقدوسي وأميني النجف آبادي) في منزل الشهيد
باهنر، تم فيها مناقشة القضايا وقرّروا أن لا يظهر أحد منهم في الملأ العام،
وأن يأخذوا حذرهم، ولا يذهب سماحة آية الله العظمى الخامنئي (مدّ ظله) الى
مشهد في هذه الظروف.
وفي أواخر عام 1345 هــ. ق (1966) تسقط حدّة القضية بإطلاق سراح عدد من
المعتقلين، ولهذا سافر سماحته الى مشهد للزيارة، وطبيعي ان السفر لم يتلّخص
في الزيارة فقط بل كان عليه القيام بوظائف أخرى، لذا عندما علم الساواك
بمعاودته النشاط من جديد اعتقله في أوائل عام 1346 هــ. ش (1967) مرة أخرى
بذريعة كتاب (المستقبل لهذا الدين)، لكنّه بتأييد من الله تمكّن من التحايل
على الساواك والصمود أمام الضغوط والتعذيب، ولم يتمكن الساواك من الحصول على
أية معلومات منه.
لجنة العلماء للاغاثة
مكث سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي)ــ بعد إطلاق سراحه ــ
هذه المرة في مشهد بدل من الذهاب الى قم أو طهران، وانشغل بالتدريس والنشاطات
العلمية. فوضع درساً لتفسير القرآن الكريم خاص بطلبة العلوم الدينية ثم درساً
آخر للجامعيين والشباب، قام خلالهما بتبليغ وتعليم الإسلام الثوري، فتحول
درسه الى قاعدة للجهاد والنشاطات الثورية ومركز للارتباط بالثوريين ومقر
لتوعية وإيقاظ الشعب.وكان في الوقت نفسه ستاراً لمعرفة الملتزمين والثوريين
والارتباط بهم ومحوراً للتحركات الشعبية والإسلامية.
ففي الزلزال المدمّر الذي وقع في منطقة فردوس وكاخك وكناباد والذي ترك وراءه
خسائر بشرية ومادية فادحة، جمع ونظم سماحته مجموعة من طلبة العلوم الدينية
الثوريين بمشهد، وبعد دعم معنوي من علماء مشهد ودعم مادي وخدماتي من أهل
البازار الثوريين والملتزمين توّجه بهم الى فردوس، وشكّل لجنة علمائية
للاغاثة.
يقول سماحته حول هذا الموضوع:
"رأيت أنّه يجب تربية جمع من الطلبة يؤمنون بالجهاد من أعماق قلوبهم ويبذلون
كل ما في وسعهم في هذا الطريق،لهذا بدأنا العمل ووضعنا برنامجاً مع الطلبة،
وعندما وقع الزلزال، انتهزنا هذه الفرصة ــ انطلاقاً من تفكيرنا هذا ــ
واتّصلنا ببعض الاخوة وعرضنا عليهم قصدنا في الذهاب الى فردوس، فحظيت هذه
الخطوة بتأييد البعض، فاجتمعنا في سبعين الى ثمانين رجلاً بمن فيهم الشيخ
الطبسي والشهيد هاشمي نجاد وجمع من طلبة العلوم الدينية وأهل البازار ،
وتحركنا في خمسة عشر الى عشرين سيارة باتجاه منطقة الزلزال، وعندما شاهدَنا
آية الله الحاج الشيخ علي مرواريد ــ الذي كان قد حضر الى المنطقة مع جمع من
الناس ــ وشاهد كيف انّنا رتّبنا الأوضاع بهذه الصورة هناك، أخذته العبرة من
ذلك ....
وفي الأيام الأولى أي بين عشرة الى خمسة عشر يوماً من تواجدنا هناك، اشتبه
الناس بين اسمي واسم الإمام الخميني، فكانوا ينادون بأن الإمام الخميني جاء
الى هنا، وبدأت تتوافد مجموعات من القرى والمناطق البعيدة لرؤية السيد
الخميني. وتبيّن لنا هناك أن السيد الخميني هو للجميع، ولسنا الوحيدين الذين
نحبّه، وكان اسم الخميني اسماً محبوباً لدى الجميع في قرى تلك المنطقة بل حتى
في القرى النائية. ولكن في نهاية الأمر عرفني الناس من أنا.
لقد كان شيئاً جميلاً بحيث أربك النظام، وكانت وحدة من قوات الدرك مستقرة
هناك، حاولت إخراجنا من المنطقة بالقوة، هدّدونا وقالوا: إن لم تذهبوا، فسوف
نخرجكم بالقوة من هنا، قلنا: إننا لن نذهب، أيّها الزملاء لا تهابوهم، وقلت:
يجب علينا أنْ لا نخاف لأنه لا معنى للخوف ووضعنا هذا وذلك لأنّنا جئنا هنا
لمساعدة الناس، وإن جميع إمكانات الناس في تصرّفنا، والنظام البهلوي لا يملك
شيئاً، ولو ملك شيئاً لما أعطاه للناس.
وبالفعل لم تتمكن قوات الطاغوت من المقاومة ورجعوا من حيث أتوا، وواصلنا
عملنا".
هذه النشاطات في مجال العلم والتدريس والجهاد وخدمة الناس كلها جعلت من سماحة
آية الله العظمى الخامنئي(دام ظله العالي) محوراً للجهاد في مشهد بالتدريج،
يُتّصل به من جميع مناطق إيران، وهو بدوره كان على ارتباط بسائر المناطق، لذا
كان الساواك يبدي حساسية شديدة تجاهه، فعُطّل درسه في التفسير عدة مراّت، لكن
سماحته يشرع في مكان آخر وبشكل آخر، ممّا يضطر الساواك من جديد إلى منعه مرة
أخرى، فكان لهذه النشاطات الأثر الكبير على نفوس الشعب وفضح الجهاز المتجبّر،
وكان يحاصر منزله أحياناً ــ وإن كان منزله مراقباً في أغلب الأوقات لمعرفة
المتردّدين عليه ــ ولا يسمح لأحد أن يلتقي به.
لذا ذاع صيته في الفضل والكمال والشجاعة في أقصى مناطق إيران، وكثرت عليه
الدعوات من أكثر المدن في إيران كاصفهان وكرمان ويزد و.... الى جانب طهران
لإلقاء الخطابات والمحاضرات في مجالسهم، فما كان من سماحته سوى استغلال هذه
الفرصة لتبيين أفكار الإسلام الثورية وبيان الحقائق وقضايا الساعة ولزوم
الجهاد والثورة.
وما زالت محاضراته في الجمعيات الإسلامية والجامعيين والهيئات الدينية النشطة
كهيئة أنصار الحسين (ع) بطهران باقية في الأذهان، ومن جملتها محاضرات شهر
رمضان بمدرسة الشيخ عبد الحسين في بازار طهران عام 1348 هــ . ش (1969) تحت
عنوان "شروط وأركان الثورة".
وكان الرأي السائد آنذاك هو أن تشديد الجهاد المسلح مفيد وذو تأثير كبير،
وكان يطلق على جهاد العلماء حتى تلك الفترة عنوان (نهضة العلماء)، ولم يقال
ثورة، لكن سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) تحدّث خلال هذه
المحاضرات في عشرين يوماً ونيفاً عن الثورة بكل صراحة.
وليس المحاضرات وحدها، بل كان للكتب التي ترجمها أو ألفّها سماحته الأثر
الكبير على احياء الروح والأفكار الثورية.
فكان لكتب (صلح الإمام الحسين (ع) ــ المستقبل لهذا الدين ودور المسلمين في
نهضة الهند) وما شابهها الدور الكبير في تربية الشباب وإعدادهم للثورة.
الاعتقال من جديد
اثر رحيل آية الله العظمى السيد محسن الحكيم عام 1349 هـ . ش (1970)، بدأ
سماحته الترويج لخط الإمام ومرجعيته وإعلان الوفاء لقائد الثورة الإسلامية
وذلك بعد أن رأى الأجواء مناسبة لذلك، فاعتُقل مرة أخرى، وكان لهذا الاعتقال
صدى واسعاً في أوساط طلبة العلوم الدينية بمشهد وتأثيراً في الحوزة مّما ساعد
على تنمية وترسيخ الأفكار الثورية في نفوس الطلاب، لأن الأعوام ما بين 1347
ـ 1350 هـ . ش (1968 ـ 1971) كانت أعوام البناء الثقافي الثوري السلمي.
وكان المجاهدون في هذه الأعوام يتعرّفون على الإسلام الثوري، وطبيعي أن يزداد
إلتفاف الناس خصوصاً الشباب حول العلماء المجاهدين. فاستغل العلماء بدورهم
هذه الفرصة المتاحة لهم عارضين العلوم والمعارف الإسلامية الأصيلة عليهم سواء
بالتبليغ على المنابر أو بالدروس الخاصة أو بجلسات البحث والنقاش الحرّ، أو
بنشر الكتب والكراسات الضرورية. ويطلق سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام
ظله العالي) على هذه الفترة بـ (أعوام النشاطات السرّية).
وكان سماحته منهمكاً بتربية الكوادر وتنظيم العناصر الموثوقة والارتباط
بالجماعات النشطة والمجاهدة، ولتسهيل هذا العمل، قَبِل التدريس وإمامة
الجماعة أيضاً.
فشرع بتدريس التفسير في مسجد (صدّيقيها) أو المعروف بمسجد الأتراك الواقع في
بازار مشهد، واضطر بعد فترة الى نقل الدرس الى مدرسة ميرزا جعفر نظراً لكثرة
الحضور وضيق المسجد، وكان يشارك في درس التفسير طلبة العلوم الدينية وجمع من
المؤمنين والمطلّعين على المسائل الدينية في مشهد. ولكن الدرس قد توقّف لفترة
مؤقتة اثر إعتقاله عام 1349 هــ . ش (1970). واستمرت فترة الإعتقال هذه المرة
أربعة أشهر وعدة أيّام.
عاود سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) نشاطه بعد إطلاق صراحه
مرة أخرى، فمن جملة نشاطاته هي إلقاء محاضرات في ليلتي التاسع والعاشر من
محرم في الجمعية الإسلامية للمهندسين بطهران حول حديث (من رأى سلطاناً
جائراً...)، فكانت لهذه المحاضرات الثورية والحماسية آثارها على نفوس الناس.
إثر ذلك تتصّل به الجماعات السرّية المسلحة ومنها منظمة (مجاهدو الشعب)
الأوائل.
أما حول ارتباطه بهذه الجماعات المسلحة، ففي عام 1350هــ. ش (1971) وبعد
الانفجار الذي وقع في أعمدة الكهرباء اثناء الاحتفالات بمرور 2500 عاماً على
الظلم الملكي، اعتقل سماحته وعُرّض لأشد أنواع التعذيب، وسجن في زنزانة مظلمة
رطبة، لكن رغم كل التعذيب الذي تعرض له إلاّ أن الساواك واجه مقاومة بطولية
وأسطورية من هذا العالم الشجاع الأبيّ، ولم يتمكن من الحصول على شيء منه،
فاضطر إلى إطلاق سراحه بعد خمسين يوماً ونيّفاً من احتجازه.
وعاود نشاطه هذه المرة أيضاً، وأضيف مسجد الإمام الحسن (ع) ــ والذي كان
آنذاك مسجداً صغيراً ــ الى قواعد الثورة هذه المرة، حيث بدأ سماحته وبإلحاح
جمع من الزملاء بتدريس تفسيرالقرآن وإقامة الجماعة هناك، وبهذا العمل جمع
سماحته بين العمل السري والمحدود والعمل العلني والمباشر مع الجماهير عن طريق
المسجد.
وبعد فترة طُلب من سماحته أن يؤمّ الجماعة في مسجد (كرامت) بالقرب من حديقة
نادري بمشهد والذي يعتبر من النقاط المزدحمة والحساّسة في المدينة، ونظراً
الى كثرة الحضور والازدحام الجماهيري الكبير، فقد عطّل المسجد من قبل الساواك
فترة من الزمن.
وقد أثارت هذه النشاطات اعجاب الكثير وبالخصوص الشهيدين المطهري وباهنر حيث
أبدا ــ في سفرهما الى مشهد ــ فرحتهما وتقديرهما لهذه البرامج.
وكان المرحوم آية الله الطالقاني يصرح ويقول: إنّ السيد الخامنئي هو أمل
المستقبل، فعندما تذهبون الى مشهد، فاذهبوا للقائه حتماً.
وهذه النشاطات جعلت الساواك يضعه تحت الرقابة الخاصة، فإمّا يتم إحضاره
للتحقيق أو يحاصر منزله ويمنع الناس من التردّد عليه أو تعطل دروسه بالقوة
واحداً تلو الآخر، إلى أن اعتقل في عام 1353 هــ . ش (1973) ونُقل الى طهران
وحبس في سجون الساواك المخيفة أي في لجنة مكافحة التخريب، واستمرت هذه الفترة
من السجن حدود شهرين، قضاها بين الزنزانات الانفرادية أو المكونّة من اثنين
أو ثلاثة مع التعذيب الشديد.
يقول الشهيد رجائي حول هذا الموضوع: "في تلك السنة التي قضيتها في لجنة
مكافحة التخريب (عام 1353) هــ.ش (1974) ــ والتي كانت جهنماً حقيقيةً ــ
تسمع في هذه اللجنة الصياح والأنين من الصباح الى الليل وبالعكس، فكانت
مصداقاً للآية
{ثم لا يموت فيها ولا يحيى}،
فالذين كانوا هناك لم يكونوا أمواتاً ولا أحياءاً، لأنهم كانوا يضربون حتى
الموت، ثم يداوون بعض الشيء حتى تتحسن صحّتهم تقريباً ثم يُعيدونهم إلى
التعذيب مرة أخرى. وكانوا يعذّبون الأشخاص في لجنة مكافحة التخريب بشتّى
أنواع التعذيب.
كنت في الزنزانة رقم 18 يأخذوني منها الى المحكمة، وكان السيد الخامنئي في
الزنزانة رقم 20، وكنا نتبادل الأخبار بطريقة خاصة تعلّمناها في السجن تشبه
طريقة إرسال الأخبار بواسطة الشفرة. فكنت أعطي الأخبار للزنزانة المجاورة
(رقم 19)، فيعطيها بدوره للسيد الخامنئي و... وأتذكر جيداً أن الجلاّدين قد
آذوه كثيراً لكسر شوكته ولكنه كان مقاوماً وصامداً، يضع قميصه على رأسه بشكل
عمامة ويظهر بذلك المظهر أمام الآخرين. لقد قابلته ذات مرة في المرافق وهو
فرح ومسرور".
فعلى الرغم من كل الضغوط والتعذيب، إلاّ أن جهاز الساواك الرهيب لم يستطع
معرفة أسرار تلميذ الإمام(ره) ولم يتمكن من الحصول على أي دليل ولو صغير ضده
لإتمام ملف المحاكمة وإصدار الحكم ضده، لذا وبعد تغيير سياسة أسيادهم
الأمريكان ووصول جيمي كارتر إلى سدة الحكم عام 1354 هــ . ش (1975)، إضطر
الساواك إلى إطلاق سراحه، فعاد إلى مشهد واستمر في جهاده المرير ضد نظام
الشاه وأجهزته.
وكانت المسؤوليات في هذه المرة أكبر من السابق. فقد فشل تماماً الكفاح
المسلح بالاسلوب الذي تبنّته منظمة (مجاهدو الشعب)، مثلما حذّر الإمام عام
1349 هــ . ش (1970) مبعوث هذه المنظمة، ووقعت انشقاقات في هذه المنظمة وظهرت
الأفكار الانحرافية والالتقاطية.
وقد أخذ الغرور والعنجهية النظام إثر توجيهه ضربات الى الفدائيين والشيوعيين،
وأصبحت أكثر القوى المجاهدة في حيرة من أمرها وأخذها الشعور بالشك وعدم الثقة
بالجماعات الجهادية، وأصيب آخرون باليأس والخمول، وانفصلت القوى الجهادية
المؤمنة عن عناصر منظمة (مجاهدو الشعب) في السجن، فأصبحت وظيفة قادة الجهاد
في هذه الأجواء المليئة بالإرهاب والرعب والخيانة والالتقاط واليأس والخمول
والشك والحيرة صعبة وحسّاسة جداً.
فوجوب توعية الجماهير بمجريات الأحداث بالصورة التي لا يستغلها النظام
لصالحه، وإرشاد الناس وتشجيعهم كان أمراً عظيماً يتطلب الكثير من المهارة
والحذاقة، وقد تم بفضل الله والقيادة الحكيمة للإمام العزيز (ره) ووعي ودقة
أصحاب الإمام ومن جملتهم سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي(دام ظله
العالي)، إدارة هذه البرهة الحسّاسة بأحسن وجه ممكن. أي أنه تمّ من جهة تنظيم
وانتخاب القوى الإسلامية الأصيلة، كما تمّ إعداد قوة أقوى بكثير من قبل
لمواصلة الجهاد ضد الشاه وذلك بعد أن تم نبذ الأفكار الالتقاطية.
ومن جهة أخرى تمّ بيان الهدف الرئيسي من الجهاد للمجاهدين وهو إسقاط النظام
دون أية مواجهة مع (مجاهدو الشعب)، وبدل من صرف قواهم لمواجهة هذه العناصر،
صرفت في مواجهة العدو الرئيسي أي نظام الشاه، ومن جهة ثالثة تّم بيان الافكار
الانحرافية والالتقاطية للمنظمة بكل مهارة ودقّة دون أن يستغلها النظام
لصالحه، وعندما أفاق النظام من غفلته، كان كل شيء قد انتهى وبلغ الجهاد ذروته
في الأعوام 56 ــ 1357 هــ . ش (77 ــ 1978م). وببلوغ الكفاح ذروته وفضح
انحرافات منظمة (مجاهدو الشعب) وشعور العلماء وكذا الشعب بلزوم إيجاد خلايا
إسلامية منظمة يترأسها العلماء والمتضلّعين في الفقه والسياسة بدل من أفراد
عاديين أو سياسيين فقط، تمّ إيجاد النواة الأولى لخلايا إسلامية منظمة بقيادة
الإمام وإشراف العلماء الثوريين في مشهد. يقول سماحته حول هذه القضية:
"عقدنا جلسة في عام 1356 هــ . ش (1977) مع اثنين من الأخوة وهما المرحوم آية
الله رباني الأملشي والشيخ الموحدي الكرماني، دار الحديث فيها حول أسباب عدم
وجود خلايا منظمة للمجاهدين خصوصاً بين صفوف العلماء الذين كانوا يشكّلون
النسبة العليا من المجاهدين؟ فاقترح إيجاد خلايا منظمة، وقد قيل في تلك
الجلسة أن لو كان السيد البهشتي معنا في الخلايا، كانت عاقبتها على خير".
ومن حسن الصدفة أنّ الشهيد البهشتي والشهيد باهنر كانا بمشهد في تلك الفترة،
ولهذا عقدت جلسة بمشاركتهما، ووضع الحجر الأساس لرابطة العلماء المجاهدين في
البلاد . وتعتبر الركائز الأولى للحزب الجمهوري الاسلامي.
وبعث خبر هذه الرابطة الى العلماء في السجون ومن جملتهم الشيخ الهاشمي
الرفسنجاني، وبدورهم أيدّ العلماء هذه الفكرة، وعاد الشهيد المطهري في تلك
السنة من النجف حاملاً معه رسالة من الإمام (ره) يدعو المجاهدين ذوي السوابق
الجهادية الى الاجتماع. وقد أدّت هذه الارتباطات والاتصالات الى تنظيم وخروج
المسيرات المليونية عامي 56 ــ 1357 هــ ش (77 ــ 1978)، وكان دور سماحة آية
الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي)في تشكيل هذه الرابطة ملفتاً للنظر.
يذكر أن الساواك لم يسمح لسماحته بالخروج من البلاد لمدة عشر سنوات من عام
1965م.
النفي إلى إيرانشهر
في خضمّ هذه النشاطات وبلوغ الثورة الإسلامية ذروتها عام 1356 هــ . ش
(1977)، اعتقل سماحة آية الله العظمى الخامنئي(دام ظله العالي)، وبعد إحتجازه
أياماً، حكم عليه بالنفي إلى ايرانشهر لمدة ثلاث سنوات، فنُفي الى هناك، لكن
النفي والمناخ الحار لهذه المدينة لم تحطّ من عزيمة رمز الجهاد، بل إنّه
استغّل هذه الفرصة المتاحة له، وسعى الى توحيد صفوف المجاهدين هناك وكذا
توحيد صفوف الشيعة والسنة، فحقق نجاحات باهرة في هذا المجال.
وكان له دور بارز في إلتفاف الناس حول الإمام والعلماء والثورة.
ومن الاقدار أن حدث في تلك السنة سيل في مدينة إيرانشهر أدّى إلى تدمير
البيوت وإلحاق أضرار جسيمة بالأهالي، فبالاستعانة بتجاربه السابقة في فردوس
وكناباد، جنّد سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي)جمعاً من طلبة
العلوم الدينية وشكّل لجنة العلماء للإغاثة.
فكانت نجاحات هذه اللجّنة في مجال الإغاثة والتبليغ وتشجيع الناس قد بلغت
درجة أرعبت النظام، فما كان من الساواك إلاّ أن استدعى سماحته، فالتفت إليه
رئيس الساواك وقال: لقد خاطبت البارحة في جلسة لجنة الأمن ــ الحضور بالقول:
كم أنكم غير كفوءين بحيث لم تستطيعوا عمل شيء، انظروا إلى هذا المنفي إلى هنا
ماذا فعل بالأوضاع؟
وطالت فترة النفي حتى عام 1357 هــ. ش (1978)، وبلغت الثورة ذروتها هذا العام
فخرجت الأوضاع من سيطرة النظام، لهذا عاد سماحة آية الله الخامنئي (دام ظله
العالي) الى مشهد وزاول نشاطه مستمراً في جهاده أكثر من ذي قبل.
مجلس قيادة الثورة
من المسلّم أن مجلس قيادة الثورة يعتبر من أهم الأركان التي كان لها دور
رئيسي في انتصار الثورة وإدارتها بعد منصب القيادة، يقول الشهيد البهشتي حول
هذا الأمر:
"لقد كانت النواة الأولى لمجلس القيادة الذي صادق عليه الإمام متكونة من
الشيخ الهاشمي الرفسنجاني والشيخ المطهري وأنا والسيد الموسوي الأردبيلي
والدكتور باهنر، فكانت تتكون منّا نحن الخمسة".
ويقول الشيخ الرفسنجاني:
"لقد عيّن الإمام وهو في باريس ستة أشخاص ليجتمعوا ويديروا الحكومة
القادمة... فكنت أحدهم، والشهيد المطهري الذي كان يحمل تلك الرسالة، والشهيد
البهشتي، والسيد الموسوي الأردبيلي وباهنر، ثم إلتحق بنا السيد علي الخامنئي
الذي كان في مشهد آنذاك".
ويقول سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي)حول هذا الموضوع:
"كنت في مشهد منهمكاً بادارة شؤون هذه المدينة مع الأخوة الذين كان لهم دور
في أحداث مشهد العظيمة،فاتّصل الشهيد المطهري بي عدة مراّت تلفونياً سواء
بصورة مباشرة أو بالواسطة لأذهب إلى طهران، وكنت أتصوّر أنّه لأجل الأعمال
العادية التي نقوم بها ــ حيث كانت لدينا نشاطات مشتركة سواء علمية أو
عقائدية أو سياسية ــ يطلب مني الذهاب إلى طهران، ولم أكن أتصّور أنه لأجل
مجلس قيادة الثورة، فكنت أقول: سوف آتي، لكن لكثرة أعمالي في مشهد وثقل
مسؤوليتي كُنت أؤجل سفري في كل مرة، إلى أن أخبروني من باريس أن الإمام
يأمرني بالذهاب إلى طهران، فشعرت أنّ هناك أمراً يجب الذهاب من أجله إلى
طهران خصوصاً بعد أن أتصّل بي المطهري وأبلغني الرسالة بغضب وقال: لماذا لا
تأتي إلى طهران وماذا تنتظر؟
وفي طهران قيل لي أنه يجب أن أشارك في جلسة تعقد بمنزل الشهيد المطهري،
واجتمع أعضاء مجلس قيادة الثورة جميعهم في تلك الجلسة، وهناك علمت أنني عضو
في مجلس قيادة الثورة، حيث لم أكن أعلم بذلك حتى ذلك الوقت".
وبمقتضى المصلحة، فقد انضّم إلى المجلس فيما بعد أعضاء جدد، كان بعضهم ذا
ميول واتجاهات سياسية أخرى، وقد كشف النقاب عن وجوههم بالتدريج، لكن هؤلاء
الأخوة كانوا الأساس والأركان للثورة والحرّاس لمبادئها وأهدافها، وقد
تحملّوا لأجل الثورة ومصالح الأمة الإسلامية مصاعب العمل مع الليبراليين ومع
شخص كبني صدر، واستطاعوا بجهودهم ومقاومتهم ومساعيهم المشتركة من تنظيم
الأمور وحراسة مبادئ وقيم الثورة.
لجنة استقبال الإمام
لقد كانت الجماعات التي تعمل تحت إشراف الشهيد المظلوم آية الله البهشتي
والشهيد آية الله المطهري والشهيد باهنر وأمثالهم هي النواة لجميع المسيرات
والمظاهرات في الأعوام 56 ــ 1357 هــ . ش (77 ــ 1978) بطهران، أمّا في
المدن الأخرى فكان العلماء أمثال الشهيد آية الله الصدوقي، والشهيد آية الله
دستغيب و...النوى الرئيسية لهذه المسيرات وعلى ارتباط دائم بالنواة المركزية
في العاصمة.
وأمّا في محافظة خراسان، فكان سماحة القائد الخامنئي (دام ظله العالي) الأكثر
ظهوراً في مركز المظاهرات والمسيرات بين سائر العلماء. فكانت نتيجة هذه
المظاهرات والمسيرات هي فرار الشاه وعودة الإمام الخميني الراحل (ره) إلى أرض
الوطن وإقامة أول حكومة إسلامية بعد الحكومة النبوية والعلوية.
مع عودة الإمام(ره) المظفرة إلى أرض الوطن، شُكّلت لجان مختلفة في مدرستي
رفاه وعلوي أو نُظّمت تلك التي كانت موجودة من قبل بصورة أفضل. وشكّلت لجنة
لاستقبال الإمام (ره) كان مركزها (مدرسة رفاه).
وتحمّل سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي)مسؤولية الإعلام في
مكتب الإمام (ره) واستطاع بسعة صدره من القيام بالمهام الموكلة إليه على أحسن
وجه رغم كلّ المشاق والصعاب التي كانت تعترض طريقه. فكانت كل هذه المهام من
سدّ حاجة المناطق إلى المبلّغين وإلى الدعم التبليغي والإعلامي بالإضافة إلى
استقبال الذين جاؤوا لزيارة الإمام (ره) وبرمجة اللقاءات وتنظيم أخبارها
وتقديمها إلى وسائل الإعلام لبثّها ونشرها، ومواجهة المؤامرات الإعلامية سواء
من العناصر الموالية للاستكبار أو من العناصر الوطنية والمنافقة وخصوصاً
مواجهة المجموعات الانتهازية التي أرادت فرض نفسها على الشعب تحت غطاء أصحاب
الثورة الحقيقيين.
المؤامرة الشيوعية
وقد كانت لحادثة من بين كل تلك الحوادث أهمية بالغة وهي المؤامرة الشيوعية
والتي تّم إحباطها بأفضل وجه بهمّة ومساعي هذا العالم الشجاع والمضحّي سماحة
القائد المعظم الخامنئي (دام ظله العالي). وإليكم الحادثة بالتفصيل:
في الأيام الأخيرة من حياة النظام الطاغوتي، بدأت العناصر الشيوعية بإنتهاز
الفرصة لتبديل الثورة الإسلامية الى ثورة ديمقراطية شعبية ــ حسب تعبيرهم ــ
، وانتخبوا مصانع جنرال موتورز على الطريق العام المؤدي إلى كرج كأفضل مكان
لتنفيذ مخططهم، لأنه إضافة إلى بعدها عن طهران التي كانت مركزاً للإسلاميين
والمؤمنين، يمكنهم هناك من جمع وتنظيم العناصر الشيوعية والعناصر المناوئة
للثورة بعيداً عن الانظار، ثم بهجوم خاطف على طهران واحتلال المراكز الحساّسة
فيها، يقيمون حكومة شيوعية حسب تصورهم.
إن مثل هذه المؤامرات وإن كانت لا يجنى من ورائها شيء، لكن بما أنها كانت في
الأيام الحسّاسة أي من 19 إلى 22 بهمن، كان بإمكانها أن تكون أفضل دعم للنظام
البائد وتؤخر نجاح وانتصار الشعب وتعطي الاستكبار فرصة أخرى لتمرير خططه.
فاستطاعت هذه العناصر من حشد خمسمائة من الجامعيين والموظفين وآخرين ذوي ميول
شيوعية هناك، وبإلقاء خطابات مثيرة ونشر إعلانات في نشراتهم الخاصة ودعوة
القوى الديمقراطية والشعبية ــ حسب تعبيرهم ــ بالإنضمام إلى هذا التحرك
الثوري.
وعندما بلغ النبأ وحدة الإعلام في مكتب الإمام (ره)، بعث سماحة آية الله
العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) جمعاً من العلماء ومعهم الشهيد ديالمه (من
شهداء انفجار الحزب الجمهوري) إلى هناك، لكنهم لم يستطيعوا عمل شيء، فتوجه
سماحته بنفسه مرتين إلى هناك، وفي المرة الثانية تحرّك ظهراً بسيارته الخاصة
دون أن يتناول الغداء، وفي الطريق اشترى خبزاً وجبناً وتناوله اثناء السياقة
حتى وصل إلى المصنع، وألقى خطاباً قصيراً ثم عاد.
لكن في اليوم العشرين من بهمن بلغت القضية مرحلة خطيرة، حيث اجتمع خمسائة من
العناصر الشيوعية ومعهم ثمانمائة من العمال وبدأوا بتجهيز أنفسهم بصورة
كاملة، وخيف أن يتسلّحوا ويشعلوا حرباً أهلية في المراحل النهائية من الجهاد
ضد الشاه، فمثل هذه الخيانات ليست غريبة على الشيوعيين، لهذا جاء الشهيد
ديالمه إلى وحدة الإعلام في مكتب الإمام قلقاً وقال: إنّ الوضع خطير، لذا يجب
تدبير الأمر، ويجب أن يذهب من هو أهل إلى هناك.
فتحمّل سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) هذه المسؤولية
وتوجّه سريعاً الى المصنع، وأرسلت مجموعة من شباب حزب الله من مدرسة رفاه إلى
هناك لدعمه، وعندما وصل سماحته إلى المصنع عصراً وقف على المنصة بكل جرأة،
ألقى كلمة وبدأ بالردّ على الأسئلة، واستطاع بذلك من إدانة الشيوعيين بشدة،
ولهذا قاموا بترديد الأناشيد الشيوعية بصورة جماعية ورفع أيديهم فوق رؤوسهم
والتصفيق ليخلّصوا أنفسهم من هذه المشكلة. لكن سماحته لم يترك المنصة واستمر
في خطابه.
ولما رأى الشيوعيون أن الأوضاع ليست في صالحهم، قطعوا التيار الكهربائي حتى
لا يصل صوته إلى أسماع العمال فيدركوا الحقائق، لكن سماحته سلّم مكبّر الصوت
لأحد زملائه ورفع صوته في الظلام ونادى مخاطباً العمال: لا تقلقوا، وتوجّهوا
إلى كلامي، فلا شيء هناك. ثم بدأ بالتنّقل على الطاولات، يقف عند كل طاولة
ويبدأ بترديد الشعارات وبالتكّلم وتوعية العمال وإثارتهم ضد الشيوعيين، ثم
قال: على أيّة حال، سوف نصلي الجماعة. فبدأ الشيوعيون بمجادلته، سأله طالب
جامعي ــ لبس بدلة العمال ــ باسم أحد العمال، فقال له سماحته: أرني بطاقتك،
فلم يتمكن الجامعي من ذلك وتُكشف القضية، وفضح سماحته عدداً آخر بنفس
الكيفية. ثم فكّر في فصل العمال ــ الذين كان أكثرهم من المسلمين وذوي عقائد
دينية ــ عن الشيوعيين، وأفضل طريقة لذلك هي صلاة الجماعة، فأعلن أنّ على كل
مسلم مصلّ أن يتواجد في ساحة المصنع للصلاة جماعة، وفي النهاية أقيمت صلاة
الجماعة بإمامة سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) في الساعة
(30،8 مساءاً) ــ ساعتان بعد المغرب تقريباً ــ في ساحة المصنع، وحضر العمال
للصلاة وبقي الشيوعيون في صالة المصنع، فكان لصوته البليغ والشجي الأثر
الكبير في نفوس العمال. ثم استغل سماحته هذه الفرصة فدعا العمال الى المسجد،
فذهب الجميع إلى هناك، وشكّلوا تجمّعاً بمساعدة شباب حزب الله الذين قدموا من
مدرسة رفاه، وثاروا ضد الشيوعيين بإرشاد وتوجيه من سماحته، وفي اليوم التالي
تم طرد الشيوعيين من المصنع، وبذلك أحبطت مؤامرة كبرى كادت تشعل حرباً أهلية
في لحظات الانتصار وذلك بذكاء وتضحية سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام
ظله العالي).
والنكتة المهمة في هذه الحادثة: هي أنّ سماحته كان واقفاً في تلك الليلة على
قدميه لمدة سبع ساعات ألقى خطاباً وواصل نشاطه إلى الصباح حتى تمكن من دفع
هذا الخطر.
بثّ أول مقال من الإذاعة الإسلامية
إن من الأعمال الحسنة التي أقدمت عليها وحدة الإعلام في مكتب الإمام هي إصدار
نشرة باسم (الإمام)، وقد وزّعت منها أعداداً كبيرة وذلك بمناسبة ذكرى إقامة
الإمام (ره) بطهران، وقد كتب سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله
العالي) عدة مقالات في هذه النشرة، والشيء الجميل هو إنّه بعد سقوط الإذاعة
بأيدي الشعب في 22 بهمن، كان المقال الذي كتبه سماحته بقلمه تحت عنوان (بعد
الانتصار الأول) أوّل مقال يُقرأ في الإذاعة.
حادثة الاغتيال
تعرض سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) بتاريخ 27/6/1981م
لمحاولة اغتيال نفّذها المنافقون، وذلك اثناء إلقائه خطاباً في مسجد أبوذر
جنوبي طهران .
فأصيب سماحته نتيجة المحاولة إصابات بليغة نقل على إثرها الى المستشفى، ولكن
أبى الله إلاّ أن يُتمَّ نوره وحفظ وجوده المبارك لخدمة الإسلام والمسلمين،
فعاد سريعاً لمزاولة نشاطه والقيام بوظيفته بعد أن تماثل للشفاء.
يقول سماحته حول هذه الحادثة:
"أنا من تلك اللحظة [لحظة إصابته] أحسست أنّ الله يريدني لمهمة كبيرة وقد
أعددت نفسي لها، وبطبيعة الحال في ذلك اليوم لم أكن لأحدس ما هي هذه المهمة؟
ولكنّي أيقنت أنّ عليّ الاستعداد لتحمّل ثقل كبير في سبيل الله ومن أجل
الثورة وفي خدمتكم أنتم أيّها الناس".
وعلى إثر محاولة الاغتيال، أبرق إليه الإمام القائد نداءاً جاء فيه:
"والآن وبعد أن قام أعداء الثورة بالإعتداء عليكم ــ وأنتم من ذرية الرسول
الأكرم ومن آل بيت الحسين بن علي، ولم تقترف ذنباً سوى خدمة الإسلام والوطن
الإسلامي، ولم ينتقموا منك إلاّ لأنك جندي مستبسل في جبهة الحرب، ومعلم في
المحراب وخطيب مفوّه في صلاة الجمعة والجماعة ومرشد مخلص في ميادين الثورة ــ
فإنهم برهنوا على مستوى تفكيرهم السياسي ودعمهم للشعب ومخالفتهم للظالمين.
لقد جرح هؤلاء ــ باعتدائهم عليك ــ مشاعر الملايين من المؤمنين في شتى أنحاء
العالم.
إنّ هؤلاء لمحرومون الى هذا الحدّ من الرؤية السياسية بحيث أنهم أقدموا على
هذه الجريمة بعد خطابكم في مجلس الشورى وفي صلاة الجمعة وفي الجماهير الشعبية
مباشرة، واعتدوا على شخص كانت دعوته الى تحقيق الصلاح والسداد تدوّي في آذان
مسلمي العالم.
إنّ هؤلاء ــ وبعملهم اللاإنساني هذا ــ وبدلاً من أن يستفزّوا ويرعبوا
الشعب، زادوا من عزم ملايين المسلمين وجعلوا صفوفهم أكثر تراصّاً. ألم يحن
الوقت ــ بوقوع هذه الأعمال الوحشية والجرائم الحمقاء ــ كي يتخلص شبابنا
الأعزاء المخدوعون من فخاخ خيانة هؤلاء، ويمنع الآباء والامهات شبّانهم
الأعزاء من أن يصبحو قرابين لأهواء الجناة، ويحذروا أبناءهم من المشاركة في
جرائمهم؟ ألا يعلمون أنّ القيام بهذه الجرائم سيجّر أبناءهم الى الضياع
والانحطاط وسيخسرون أبناءهم باتباعهم شرذمة من الفسدة الجناة؟
إننا نفخر عند ساحة الباري تعالى ووليّه بالحق بقية الله (أرواحنا فداه)
بجنود لنا في الجبهة وخلفها يقضون الليل في محراب العبادة والنهار بالجهاد في
سبيله. إنني أهنئك أيّها الخامنئي العزيز على خدمتك لهذا الشعب المظلوم في
جبهات الحرب بملابس القتال وخلف الجبهة بالزي العلمائي، وأسال الله أن يعطيك
السلامة لتمضي في خدمة الإسلام والمسلمين".
وقد رد سماحته على برقية الامام بالنص التالي:
سيدي ومقتداي سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني روحي لك الفداء.
سلام الله وسلام عباده الصالحين عليك
مرة أخرى يشملني الله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة، فأجدُ نفسي مغمورة
بالألطاف الربانية الخفية منها والعلنية، أسأل الله العلي القدير أن يوفقني
لحمده وشكره على ألطافه ونعمائه ما دمتُ حيّا، كما أني مؤمن بأن لدعائكم
ومناجاتكم الأثر الأكبر في نجاتي من كيد المنافقين والظالمين، حفظكم الله
ذخراً وملاذاً للإسلام والمسلمين آمين رب العالمين.
لقد أعّد المؤمنون أنفسهم للشهادة في سبيل الله باذلين أرواحهم ومتاعهم
اليسير، فالمؤمنون منه وإليه، ذلك نهج تعلّمه المؤمنون في مدرستكم وذاك كأس
شربوه من معين كوثركم.
لقد علّمتنا أيها الإمام أنْ نعز الإسلام ونغذّيه بمهجنا حتى يتحقق ويثمر
وتثمر معه شجرة النبوة وآله الأطهار وحتى يختلط زلال الكوثر بدماء الشهداء
والصّديقين، فلا نبالي بالمصائب والويلات في هذا السبيل وكل ما نخشاه أن نحرم
فلا نوفق من الحياة الأبدية ونعيمها الأزلي.
نشكر الله ونحمده بشمول آل يزيد وعبيد الله بلعنة الله وملائكته في الآخرة
وبالخزي والعار في الدنيا، في حين يحتل الحسين عليه السلام وآله الطيبون
وأصحابه الــ 72 قلب التاريخ البشري وصميم الانسانية.
ولي وطيد الأمل أن يستفيد المارقة والقاسطة والناكثة المعاصرين في إيراننا
العزيزة من التاريخ، فيعودوا الى الإسلام ويتفيّئوا بظلاله ويتعاونوا في بعث
الإسلام من جديد وجني ثماره الطيبة.
وأنا الذي أعتبر نفسي جُندياً بسيطاً من جُند الله بل وقطرة في بحر حزب الله
الهائج مستعد لأقارع الأعداء والمنافقين إلى آخر قطرة من دمي، وسأجعل من {إن
صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي للّه رب العالمين} شعاراً بل انشودة انشدها في
كل يوم بل وفي كل لحظة.
وختاماً أسأل الله تعالى دوام الصحة والسلامة لشخصكم الكريم، فيطيل عمركم
الشريف ويجعلكم ذخراً للثورة الإسلامية في إيران وملاذاً لكل المسلمين
والمستضعفين في العالم آمين ربّ العالمين.
ابنكم السيد علي الخامنئي
كما أبرق رئيس مجلس القضاء الأعلى آية الله محمد الحسيني البهشتي ــ قبل
استشهاده بساعات ــ مخاطباً آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) في
المستشفى:
"إنّ المحاولة الفاشلة لأعداء الإسلام والثورة والوطن الإسلامي في اغتيالك
ايها الأخ، اثبتت مرة أخرى أنّ أعداء الإسلام والشعب الألّداء لم يألوا جهداً
عن ارتكاب أية جريمة تحقيقاً لأهدافهم المشؤومة، إنّ أعمالهم الوحشية هذه
ستفجر غضب الشعب الثائر تجاه الذين باعوا أنفسهم للآخرين وستعزلهم أعمالهم عن
المجتمع أكثر يوماً بعد يوم.
أسأل الله المتعال أن يُمنَّ بالسلامة على الأخ العزيز والمجاهد بأسرع وقت
ليستمر في جهاده في خندق الإسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السيد محمد الحسيني البهشتي
صلاة الجمعة التاريخية
تعتبر خطابات سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) في صلاة
الجمعة بطهران، تعتبر بحق دائرة معارف إسلامية وسياسية نظراً لما تحويها من
معارف إسلامية وتحليلات سياسية وإرشادات ونصائح اجتماعية وأخلاقية. لكن المهم
من بين كل تلك الخطابات هي الخطبة الاستثنائية والملحمة التاريخية التي لا
تنسّى أبداً، حيث وقع انفجار بين صفوف المصلين هّز مركز صلاة الجمعة، سقط
بسببه العشرات بين قتيل وجريح، وفي الوقت نفسه كانت طائرات الاستكبار تهدد
بقصف موقع صلاة الجمعة حيث كانت قد قصفت طهران صبيحة ذلك اليوم، وما أحدثته
المضادات الجوية من ضوضاء وضجّة. لكن على الرغم من كل ذلك إلاّ أن خطيب
الجمعة سماحة آية الله العظمى الخامنئي(دام ظله العالي) تمكّن بعناية من الله
وبقدرته المعنوية وسكينته القلبية من تهدئة الأوضاع والاستمرار في خطبته بكل
قوة وصلابة وبقيت الصفوف منظمة والمصلّون في أماكنهم، ثم أدّى سماحته الصلاة
بطمأنينة وخشوع خاصين أثار إعجاب الأعداء فضلاً عن الأصدقاء.
وقد أشار الإمام الراحل (قده) في بيانه بمناسبة رأس السنة الهجرية الشمسية
حيث قال:
"إنّي لا أنسى قضية يوم الجمعة كيف مضت بعظمة ونورانية وصمود وتلك الطمأنينة،
رغم أصوات المدافع المضادة للجو وذلك الضجيج. إنّني كُنت ألاحظ وأنظر
وبالأخصّ إلى الناس لأرى ما يحدث بينهم، فلم أر حتى شخص واحد قد تزلّزل، وفي
الوقت نفسه كان إمام الجمعة يخطب بذلك الصوت الجهوري والناس يستمعون إليه،
بتلك الكيفية وهم يهتفون: إنّنا مستعدون للشهادة".
المسؤوليات
مهمة إلى محافظة سيستان وبلوجستان:
بعث في فروردين 1358 هـ . ش (1979) من قبل الإمام الراحل (ره) في مهمة إلى
محافظة سيستان وبلوجستان لمتابعة ومعالجة الأوضاع هناك، وتمكن من تقديم خدمات
قيّمة لأهالي تلك المحافظة المحرومة.
وكيل وزارة الدفاع:
عُيّن سماحته عضواً في مجلس الدفاع الاعلى ممثلاً عن مجلس قيادة الثورة عام
1358 هــ . ش (1979م)، ثم عُيّن في العام نفسه وكيلاً لوزارة الدفاع، وقد
أدّى خدمات جليلة في المسؤوليات التي أوكلت إليه، ومنها ما نسمعه على لسانه:
"لقد وصلت الحكومة المؤقّتة إلى هذه النتيجة وهي أنه لا فائدة من مقارعة
أمريكا الدولة الغنيّة والمقتدرة والتي لا تتدخل في شؤوننا. هكذا كان تفكير
الحكومة المؤقتة، ومن نتائج هذا التفكير بقاء مجموعة من الأمريكان في القوة
الجوّية لفترة طويلة دون أن نعلم بذلك. بعدها كانت احدى القضايا التي طرحت في
مجلس الدفاع الأعلى ــ حيث كنت عضواً فيه ومهدي بازرجان رئيساً ــ هي اقتراح
للأمريكيين المستقرّين في القوة الجوّية يقضي بتبديل اسم مكتب المستشارية
العسكرية من اليوم فصاعداً ، والعاملون ليسوا مستشارين عسكريين، ويجب اختيار
تسمية جديدة للمكتب، واقترحوا أربعة أسماء...".
غضب سماحة آية الله الخامنئي(دام ظله العالي) لهذا الموضوع غضباً شديداً، فما
استطاعت الحكومة المؤقتة تمرير خطتها في إبقاء الأمريكيين مع تغيير صفتهم
فقط.
إمام جمعة طهران
بعد رحيل آية الله الطالقاني عام 1359 هــ . ش (1980، أصدر الإمام الخميني
(قده) حكماً عيّن بموجبه سماحة آية الله العظمى الخامنئي إماماً لجمعة طهران،
وجاء في جانب من بيان الإمام (ره):
"نظراً لماضيكم المشرّف وأهليتكم علماً وعملاً، فقد تقرر تعيين سماحتكم
إماماً لصلاة الجمعة في طهران".
ويشغل سماحته إلى يومنا هذا منصب إمامة الجمعة في طهران.
رئاسة الجمهورية
بعد استشهاد الشهيدين رجائي وباهنر، رُشّح سماحته من قبل العلماء وسائر
المؤسسات الثورية لرئاسة الجمهورية وانتخب في 5/10/1981 ثالث رئيس للجمهورية
الإسلامية بعد حصوله على أكثرية ساحقة في الأصوات. وتسلّم رئاسة الجمهورية في
وقت كانت ظروف البلاد حسّاسة وخطيرة.
فاستشهاد 72 من النخبة المؤمنة واستشهاد رجائي وباهنر في انفجار مقر رئاسة
الوزراء والانفجارات والاغتيالات المتوالية والآثار السيئة التي تركتها رئاسة
بني صدر على الجمهورية والمشكلات الناجمة عن احتلال جزء من الوطن الإسلامي من
قبل البعثيين والحصار الاقتصادي، اجتمعت كلها فخلقت ظروفاً صعبة ومعقدة.
لكن تمّ ــ بعون الله وبالقيادة الحكيمة للإمام الراحل (ره) والجهود المخلصة
للمسؤولين وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام
ظله العالي) وعزيمة وتضحية أبناء الشعب ــ التغلّب على الكثير من المشاكل،
فخرجت البلاد بعد ثمان سنوات من رئاسة سماحته للجمهورية مرفوعة الرأس ومقتدرة
وثابتة.
يذكر ان سماحة القائد الخامنئي(دام ظله العالي) قد شغل المناصب التالية
أيضاً:
ـ قيادة الحرس الثوري.
ـ عضوية مجلس الشورى الاسلامي عن طهران.
ـ ممثل الامام في مجلس الدفاع الاعلى.
ـ رئاسة مجلس تشخيص مصحلة النظام.
ـ رئاسة مجلس الثورة الثقافية.
ـ رئاسة مؤتمر أئمة الجمعة والجماعات.
ـ الأمانة العامة لحزب الجمهوري الإسلامي (قبل تجميده).
ـ شغل منصب النائب الأول لرئيس مجلس الخبراء ومجلس اعادة
النظر في الدستور.
قيادته
لقد أكد سماحة الإمام (قده) مراراً على أهلية سماحة آية الله العظمى الخامنئي
للقيادة، وفي ذلك ينقل حجة الإسلام والمسلمين الشيخ الهاشمي الرفسنجاني:
"خلال اجتماعنا مع سماحة الإمام (ره) وبحضور رؤساء القوى الثلاث والسيد رئيس
الوزراء والحاج السيد أحمد، تم مناقشة هذا الموضوع، وقد كان كلامنا مع الإمام
(ره) هو أنّه إذا وقعت هذه القضية (وفاة الإمام)، فسوف نواجه مشكلة دستورية،
لأنه يمكن أن يطرأ فراغ في القيادة، فقال الإمام: سوف لن يطرأ فراغ في
القيادة، ولديكم القائد. فقيل: ومن هو؟ قال الإمام بحضور آية الله الخامنئي:
"انه السيد الخامنئي".
وقد ذهبت يوماً بصورة خاصة إلى الإمام (ره)، فقد كانت لي بعض الجرأة وأطرح
القضايا كما هي، فتحدثت معه حول خلافة القائد والمشاكل التي قد تطرأ، فردّ
الإمام بكل صراحة "انكم لن تواجهوا طريقاً مسدوداً، ومثل هذا الشخص (آية الله
الخامنئي) بين ظهرانيكم، فلماذا تجهلون ذلك".
ويقول السيد أحمد، عندما سافر سماحة القائد الخامنئي إلى كوريا، كان الإمام
يتابع وقائع الزيارة من على شاشة التلفزيون، وقد أثار اهتمامه كثيراً ذلك
الاستقبال الذي أقامه الشعب الكوري وأحاديث ومباحثات السيد الخامنئي في تلك
الزيارة وقال: حقاً انه جدير بالقيادة.
وبرحيل الإمام الخميني العظيم (قدس سره الشريف) في الساعة العاشرة وعشرين
دقيقة من مساء يوم السبت 3 حزيران 1989، عقد مجلس الخبراء في صباح اليوم
التالي جلسة طارئة بحضور جميع الأعضاء، ولم تمض عشرون ساعة على الجلسة حتى
تمّ انتخاب آية الله العظمى الخامنئي (مد ظله العالي) ولياً لأمر المسلمين
وقائداً للثورة الإسلامية بــ(60) صوتاً مؤيداً من مجموع (74) خبيراً حضروا
الاجتماع.
وقد أصدر مجلس الخبراء في ختام اجتماعه الطارئ بياناً تاريخياً مهماً هذا
نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد تقديم مجلس الخبراء للتعازي برحيل إمام الأمة وقائد الجمهورية الإسلامية
في إيران ومؤسسها، ومع الادراك العميق لمسؤوليته التأريخية، وبالنظر للموقع
الرفيع والحساس لمنصب القيادة في نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، ومع
الاهتمام البالغ الذي أولاه سماحة إمام الأمة ومؤسس الجمهورية الإسلامية في
إيران (رضوان الله تعالى عليه) في نداءاته وبياناته المتكررة، وخاصة أوامره
وإرشاداته بشأن القيادة، وبالنظر للأسس المتعلقة بالدستور، ومع الاحساس
الكامل بمؤامرات الخناسين وأعداء الإسلام في الداخل والخارج تجاه مستقبل
النظام الإسلامي المقدس، ومن أجل الاستعداد اللازم لمواجهة أية حادثة،
وبالنظر للظروف الداخلية والخارجية، وباستلهام المضامين الربانية الرفيعة
لوصية سماحة إمام الأمة الإلهية ــ السياسية المهمة جداً، فإن مجلس الخبراء
انتخب في اجتماعه الطارئ، المنعقد بتاريخ 14/3/68 هــ . ش سماحة آية الله
السيد علي الخامنئي لقيادة نظام الجمهورية الإسلامية في إيران بأكثرية اربعة
أخماس الأعضاء الحاضرين، 60 صوتاً مؤيداً من 74 عضواً حاضراً.
ويقول آية الله بني فضل عضو مجلس الخبراء وأحد كبار علماء قم ، بأن الأربعة
عشر خبيراً الذين لم يُصوتوا لصالح آية الله العظمى الخامنئي، لم يكن لديهم
أدنى تحفظ على قيادته، بل كانوا يعتقدون بأرجحية القيادة الجماعية والتي يكون
آية الله العظمى الخامنئي على رأسها.
ولقد تفضل سماحته بعد ذلك قائلاً: "إنّ الخطوط الرئيسة للثورة هي تلك التي
رسمها الإمام، أمّا الأعداء السذّج الطامعون ذوو القلوب العمياء والذين ظنّوا
أنه برحيل الإمام، يبدأ عصر جديد بمعالم جديدة متميزة عن عصر الإمام الخميني
(قدس سره) فهم في خطأ.
إنّ الإمام الخميني حقيقة حية دائماً، اسمه لواء هذه الثورة، وطريقه طريق هذه
الثورة وأهدافه أهداف هذه الثورة".
السجايا
إنّ الإنسان بحاجة إلى التأمل في أعمال وأقوال الشخصيات العظيمة كالأنبياء
والأولياء، والتعّمق في جوانب من حياتهم ــ خصوصاً اليومية مع أهلهم
ومعاونيهم وتلامذتهم ــ لتكون مشعل هداية في حياته.
فحياة هؤلاء العظام زاخرة بالسجايا الأخلاقية والسمات الوضاءة والسمو الروحي،
والتي لا يتأتّى لكل إنسان التعرف عليها؛ إلا المقربين من تلامذتهم.
ومن بين هذه الشخصيات ولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام
ظله العالي)، هذا الإنسان المتكامل الجوانب، الذي تربّى على يد المعلم العظيم
الإمام الراحل (قدس سره الشريف) والذي كان تجسيداً للإسلام المحمدي الأصيل.
فلو تأملنا أعماله وأقواله لأدركنا أنّها تكشف عن دافع خاص ونيّة
سامية، ولاتّضح لنا عظمة روحه وسمو مقامه والتي جعلت منه شخصاً ممتازاً
كالإمام الراحل (قدس سره الشريف)، يمكنه تجسيد خصوصيات ولي الأمر في المجتمع
بأسلوب عمله وتفكيره وأقواله.
زهده
فهو الزاهد الحقيقي الذي نبذ الدنيا ولا يشعر بدافع يشدّه نحوها، فرغم
امتلاكه الإمكانات اللازمة للوصول إليها. ورغم أن الدنيا قد فتحت له ذراعيها
وتوفرت له الظروف المناسبة للوصول إلى كل ما تشتهيه نفسه من معالم الرخاء
والرفاهية، لكن لا يلاحظ عليه أدنى تعلّق ــ مهما صغر قدره ــ بالأمور
الدنيوية، وأي انجذاب نحو المظاهر المادية.
يقول حجة الإسلام والمسلمين السيد علي أكبر الحسيني ممثل طهران في مجلس
الشورى حول زهده وتقواه: حسب معرفتي القريبة بالشخصية العظيمة لسماحة آية
الله العظمى الخامنئي، فقد رأيته زاهداً حقيقياً راغباً في الآخرة، وأن الزهد
والبساطة تحكمان حياته الشخصية بصورة بحيث لا يمكن للناس القبول والتصديق
بذلك أحياناً.
ففي أيام تصديه لرئاسة الجمهورية، قلت لسماحته: إنّ المشرفين على برنامج
(الأخلاق في الاسرة) يرغبون في إجراء مقابلة معكم ومع عائلتكم لعرضها للناس
من على شاشة التلفزيون ــ إن سمحتم بذلك ــ، فتأمّل سماحته قليلاً ثم قال:
لكن هناك مشكلة. فقلت له: وما هي؟ قال: قد لا يصدق الناس إن حياتي الشخصية
بسيطة وعادية لو عرض عليهم فيلم عن ذلك.
ويقول محسن رفيق دوست رئيس مؤسسة معّوقي الثورة الإسلامية:
"إنّه لم تكن في بيت سماحة آية الله العظمى الخامنئي ثلاّجة فترة رئاسته
الجمهورية، فأحضرت له ثلاّجة، وبعد فترة تعطّلت هذه الثلاجة، لكن سماحته لم
يبيّن إلى نهاية فترة رئاسته أن الثلاجة قد تعطّلت وعاش كل هذه الفترة بدون
ثلاّجة".
تواضعه
رغم عظمته وجلالة قدره وعظم منصبه إلاّ أنّه كثير التواضع، ورغم كثرة مشاغله
ومسؤولياته الجسيمة إلاّ أنّه يعامل الجميع بلطف وسعة صدر.
يقول الأخ شوشتري أحد قادة حرس الثورة الإسلامية:
"عندما كنا نرافقه في الجبهة لزيارة بعض الوحدات، كان يعامل الجندي الذي يحرس
بوابة المقر بمحبة ومودة وألفة وأخوة وهو رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الدفاع
الأعلى بحيث كنّا نخجل من أسلوب تعاملنا ــ نحن القادة ــ مع الجنود. وكذا
كان تعامله مع القادة حينما تعقد جلسة بحضوره، فمع أنه كان حازماً في اتخاذه
القرارات، إلاّ أن تعامله معنا كان عاملاً محفّزاً لقيامنا بأعمالنا أفضل من
ذي قبل".
والأعظم من كل ذلك هو عدم قبوله لمنصب المرجعية والإفتاء لوجود أفراد مؤهلين
للتصدي لهذا المنصب. ففي خطابه يوم مولد الإمام الجواد (ع) بتاريخ 10 رجب
1415هــ وبعد أن طُرح اسمه ضمن الأفراد المؤهلين للمرجعية، قال سماحته: انني
استثقل قبول حمل المرجعية؛ لأن السادة ــ وللّه الحمد ــ موجودون ويمكنهم
تحمّل المسؤولية.
وكذلك عندما انتخب بعد رحيل الإمام (ره) قائداً للثورة الإسلامية من قبل مجلس
الخبراء وكذا انتخابه لرئاسة الجمهورية في دورتين متتاليتين.
وقد أشار الشيخ الهاشمي الرفسنجاني في خطبة صلاة الجمعة بتاريخ 26 رجب
1415هــ بهذا الصدد مفنّداً دعايات الأبواق الإستكبارية حيث قال: "إن مقام
المرجعية يختلف كثيراً عن باقي المناصب، فالقائد كان عازفاً حتى عن المناصب
الدنيوية والعادية، وأنتم تأخذون بشهادتي هذه لأني كنت أعرف القائد منذ كان
شاباً وحتى يومنا هذا، وهي فترة تمتد إلى (40) عاماً مضت، فلم ألاحظ طوال هذه
المدة الطويلة أنه كان يتطلع إلى الرئاسة أو الإدارة أو المناصب وكان عازفاً
عنها، وكان ينتظر الشخص الأصلح لملء هذا الفراغ.
ففي أوائل الثورة كان الجميع يقولون بوجوب انضمام رواد الثورة في مجلس
الثورة، ونحن بعد الرجاء تمكّنا من دعوة سماحة الخامنئي من مشهد حيث أشار
الإمام بضمه إلى عضوية مجلس الثورة أوائل انتصارها.
وحينما كان الحديث يدور حول رئاسة الجمهورية لا تعرفون كم تحمّلت من المشاق
حتى أقنعته بالموافقة وترشيح نفسه للرئاسة، وحينما انتهت دورة الرئاسة الأولى
لم يقبل بكلامي لترشيح نفسه للدورة الثانية، بينما كنا نصرّ عليه ونقول، إن
البلاد بحاجة إليك، وانتهى بنا الأمر إلى أن نتوسل بالإمام، وقال له سماحة
الإمام: عليك أن تقبل... ولم تكن من عادة الإمام أن يشير لأحد ليتولى هذا
المركز أو ذاك، ثم كانت قضية القيادة. وحينما كنا نشعر أن الإمام سيرحل عنا،
كانت أمامنا مشكلة جادة لا نعرف كيف نعالج قضية ولاية الفقيه أو فراغ
القيادة، وعندما طرحنا على سماحة الخامنئي في جماران القضية كان يعارض ليس
انتخابه قائداً وإنما حتى ان يكون عضواً في مجلس القيادة، وبذلنا جهوداً ونحن
مجموعة حتى أقنعناه بقبول عضوية مجلس القيادة على الأقل.
وفي هذا الشأن لدي الكثير لأقوله وليس أوانه الآن. وقد تحدثت معه كثيراً،
فمنذ اليوم الذي تدهورت فيه صحة المغفور له الأراكي وحتى وفاته لم أشاهد من
قائد الثورة أية بادرة تنم عن رغبته في تولي منصب المرجعية.
فليس في قلب هذا الرجل غير طاعة الله والخدمة وتأدية الفريضة الإلهية".
نعم لولا المسؤولية الشرعية وعدم وجود من يتحمّل ذلك لما قبل سماحته هذه
المسؤوليات؛ وذلك لشدة تواضعه.
حرصه على بيت المال
إن سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) ورغم حكومته الشرعية أو
على الدولة وما تتيحان له من حرية في اتخاذ القرارات، لكنّه لم يحاول
استغلالها للوصول إلى مكاسب مادية وأهداف شخصية.
ونكتفي هنا بعرض نموذجين في فترة رئاسته للجمهورية: ــ
1 ــ يقول الأخ شوشتري:
"جاء السيد (الخامنئي) إلى مقر عمليات والفجر ــ 10، إن مجيء رئيس الجمهورية
إلى مقر ما مفرح ويعتبر توفيقاً في الوقت نفسه، ولهذا أراد الاخوة في المقر
إبداء فرحهم، فذهبوا لإحضار طعام الغداء وكنا ــ في الخيمة التي أعدّت للسيد
(الخامنئي) ــ ستة أشخاص..
أحضروا طعام الغداء زائداً عن المعتاد، فقال السيد (الخامنئي): حسناً يا
فلان، بما أنكم تجاهدون وتعملون وتبذلون جهوداً، فأبدانكم تحتاج إلى طاقة،
ولا أقول لكم لماذا تتناولون هذا الطعام؟ لكن هل انّ العناصر التي تحت إمرتكم
تتناول مثل هذا الطعام أيضاً ؟ فسكت الجميع.
ثم قال السيد (الخامنئي): طبعاً سأتناول معكم الآن لتعلموا أنني ارغب أن
تعتنوا بأنفسكم، لكن أعلموا أن لكل شيء مكان. فيقال الآن بما أنّ رئيس
الجمهورية قد حضر إلى هنا فأعّدوا له كل ذلك، اذهبوا واحضروا لي الغداء الذي
يتناوله الجنود ليعلموا انني رئيس الجمهورية أتناول مثلما يتناولون ولا فرق
بيني وبينهم، وإلاّ فسوف يكون حضوري هنا فخرياً.
ثم أوصانا بالاهتمام ببيت المال".
2 ــ والنموذج الآخر وهو أيضاً نقلاً عن الأخ شوشتري، يقول: عندما كنا برفقته
مع أحد حرّاسه لزيارة (الفرقة 21)، فأوصانا السيد منذ البداية بإحضار سيارتين
فقط، لكن عندما خرجنا من الأهواز، شاهدنا عشر سيارات أخرى تتبعنا دون أن
نعلم، فواصلنا مسيرنا، لكن فوجئنا حينما قال السيد (الخامنئي) للسائق: توقّف،
ثم التفت إلي وقال: اذهب وأمر السيارة الثانية وما بعدها بالعودة إلى
الأهواز، أو إذا أرادوا المجيء فليذهبوا لوحدهم، ولا مبرّر لأن يتبعونا. ثم
قال: يا فلان: انتبه جيداً، عندما تتحرك هذه القافلة وأنا فيها، فستكون أسوة
للآخرين ليقولوا لأنفسهم بمثل هذه التشريفات. فمسؤول عادي مثلي يكفي أن يحرسه
إثنان بسيارة أو سيارتين فقط، وسوف نلتقي بهم هناك إن أرادوا المجيء، وإلاّ
فلماذا يأتون؟ وخلاصة الكلام نزلت من السيارة وقلت لهم أن السيد (الخامنئي)
يأمركم بالرجوع من حيث أتيتم".
هكذا كان حرص سماحة آية الله العظمى الخامنئي (مد ظله) على بيت المال.
أنسه بالقرآن
"على الرغم من أنَّ الأساس في الحوزات العلمية هو الفقاهة، إلاّ أنَّه يجب
عدم الغفلة عن العلوم الأساسية الأخرى، وعلى سبيل المثال يجب أن لا يغفل عن
القرآن، علوم القرآن، فهم القرآن والأنس به، يجب أن يكون القرآن جزءاً من
دروس الحوزات، وعلى طلابنا في الحوزات حفظ القرآن أو جزء منه على الأقل.
فالكثير من مفاهيم الإسلام من القرآن".
"إنّّني أشعر أنَّ من حفظ القرآن وأنس به كان به أقرب إلى فهم المعارف
الإسلامية ممن لم يأنس به".
مقطعان من خطابات آية الله العظمى الخامنئي (مُد ظله العالي) الموجّه إلى
الحوزات يُبيّنان مدى اهتمام سماحته بالقرآن الكريم.
بدأ اهتمام السيد الخامنئي وأنسه بالقرآن مُنذ طفولته حيث التحق بالمدارس
الدينية القديمة (الكتاتيب)، بعدها قام بعقد جلسات قرآنية درّس فيها زملاءه
قواعد القراءة الصحيحة وهو في الثانية عشرة من عمره الشريف. ولشدة شغفه
بالقرآن لم يشغله دخول الساحة السياسية والجهادية ضد الشاه من أوسع أبوابه
وما اكتنفها من جهاد وعمل وسفر وتشريد ومضايقة وإبعاد وسجن، إلاّ أنَّ كل ذلك
لم يشغله عن القرآن الكريم، فبدأ درس التفسير لطلبة العلوم الدينية وطلبة
الجامعات والشباب، وكلّما أغلق النظام أو ضيق على درس بدأه بنشاط أكبر في
مكان آخر. كل ذلك لإيمانه القلبي بأنَّ طريق الهداية والنجاة هو بالتمسّك
بالقرآن العظيم والعمل به.
وبعد تولّي سماحته قيادة الثورة، استطاع تحقيق آمال الإمام الراحل (قدس الله
نفسه الزكية) القلبية، فحقّق ما لم يسن للإمام (ره) إكمال تحقيقه لظروف
الثورة وما أحاط بها من مؤامرات استكبارية عالمية خصوصاً الحرب المفروضة،
فشهدت إيران الإسلام بعهده الميمون ــ باللطف الإلهي واهتمامات القائد
المبجّل ــ نهضة قرآنية عظيمة ما شهد التاريخ الإسلامي مثلها مُنذ عهد الرسول
(ص) وعهد علي بن أبي طالب (ع). فلا يكاد الإنسان يدخل بقعة مباركة أو مسجداً
أو مجلساً حتى البيوت إلاّ وتشدّه ترانيم المقرئين تجويداً وترتيلاً وحفظاً،
ويشاهد إقبالاً للشعب قل نظيره على حفظ وتلاوة القرآن وخصوصاً الأطفال
واليافعين، حيث بلغ عدد الّذين دخلوا المسابقة الدولية لحفظ وقراءة القرآن
سنة 1414هــ في مرحلتها الاولى (7) ملايين، وأن هذا العدد سيتضاعف في سنة
1416هــ ليصبح (13) مليوناً. وبرز الكثير منهم في هذه المسابقات مثيرين إعجاب
العالم وأساتذة القرآن خاصة غير الإيرانيين. وفي ذلك يقول الأستاذ الشيخ محمد
العربي القباني من سوريا "إنني رأيت أطفالاً يحفظون كل القرآن أو الجزء
الأعظم منه ويتلون القرآن تلاوة صحيحة جداً، والفضل في ذلك يعود إلى اللطف
الإلهي بالشعب الإيراني وإلى اهتمامات وهمة قائد الثورة الإسلامية سماحة آية
الله الخامنئي، إذ أنه إنسان عاشق للقرآن ويهتم كثيراً بالنشاطات القرآنية
حفظاً وقراءة وتجويداً".
نعم، إنَّ سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظله العالي) يتبنّى بصدق
ومحبة وإيمان عميق له جذوره خدمة القرآن الكريم. فهذه الأجواء القرآنية التي
تعيشها إيران هي نتيجة يقين سماحته بأن إكرام القرآن إعزاز للمسلمين ليس في
إيران الإسلام فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي. فبالقرآن يجمع شمل
المسلمين وتتوحد الأمة وتكون شوكة في عيون أعدائها كما كان يتمنى الإمام
الراحل (ره) في أول صيحة أطلقها وأول خطوة خطاها، والذي كان همّه خدمة القرآن
الكريم؛ لأنه السبيل الوحيد لتوحيد كلمة المسلمين في العالم.
ومن المظاهر التي أشرقت إيران بها في عهد القائد الخامنئي (حفظه الله):
1 ــ توسع المسابقات القرآنية العالمية السنوية والتي يحضر سماحته بعض
جلساتها وختامها، وتكريمه الفائزين وغيرهم من المتميزين إيرانيين وغير
إيرانيين.
2 ــ تأسيس دار (أسوة) لطباعة القرآن الكريم وترجمة معانيه في قم المقدسة
لتوزيع نسخ القرآن الكريم على مسلمي العالم وبواقع 3 ملايين نسخة سنوياً،
منعاً لانتشار ترجمات غير صحيحة للقرآن الكريم.
3 ــ افتتاح كليات خاصة لإعداد معلمي القرآن في مختلف المدن الإيرانية.
4 ــ تأسيس إذاعة القرآن الكريم عام 1983 باهتمام ومتابعة خاصين من قبل
سماحته.
5 ــ إقامة مجالس خاصة سنوياً في رمضان لتلاوة القرآن الكريم يدعو فيها أشهر
القراء واساتذة القرآن في إيران يوصيهم بها بحفظ وقراءة القرآن الكريم بتدبّر
وإدراك لمعانيه مؤكداً على ضرورة إقامة المجالس القرآنية في المساجد ومختلف
المراكز.
اهتمامه باللغة العربية
وأمّا حول اهتمام سماحة آية الله العظمى الخامنئي (دام ظلّه العالي) بالعربية
والأدب العربي، فلنستمع إلى كلمة الدكتور محمد علي آذرشب المستشار الثقافي
لسماحته في ندوة إذاعة طهران العربية حول ملامح الأدب في زمن الصحوة
الإسلامية:
يقول الدكتور آذرشب: "آية الله الخامنئي يعشق الأدب واللغة العربية وأنه وحتى
اليوم مع زحمة الأعمال التي تحيط به، يعقد جلسات بحث أسبوعية في الأدب والشعر
العربي يتعرض خلالها لقليل من الشعر القديم ولكثير من الشعر الحديث، وخلالها
سمع مراراً يقول طالما تمنيت انني ولدت في بلد عربي يمكنني من الكلام باللغة
العربية. لقد طالع موسوعات في الأدب العربي بأجمعها ووضع عليها هوامش
وتعليقات من ذلك كتاب الأغاني، فقد طالعه بأجمعه ووضع على حواشيه تعليقات
وملاحظات هامة، كما وضع فهرساً كاملاً بنفسه قبل أن تبادر دار الكتب إلى
طباعة فهرس الأغاني. وحاول منذ سن مبكر أن يقرأ لجبران خليل جبران ويترجم له
ويقرأ ديوان الجواهري ويعلق عليه، وحتى في السجن لم يفوت فرصة الارتباط بمن
له ذوق بالأدب العربي، من ذلك أنه التقى في سجن القلعة سنة 1963 بمجموعة من
السجناء العرب الخوزستانيين، فأنس بهم وانسوا به وكان منهم المرحوم السيد
باقر النزاري، ولا يزال السيد القائد يردد ما سمعه من هؤلاء الاخوة من أشعار،
ويقول سماحته أن السيد النزاري يردد كثيراً هذا البيت:
أتت وحياض الموت بيني وبينها
وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
ويردد السيد النزاري هذا البيت أيضاً:
سأصبر حتى يعلـم الصبـر أنني
صبـرت علـى شـيء أمـرّ من الصبـر
واختم كلامي ببيتين سمعتهما منه (حفظه الله):
ثقلت زجاجات أتينك فرّغا
حتى إذا ملئت بطيب الراح
خفّت وكادت أن تطير بما حوت
إن الجسوم تخف بالأرواح
مشاركته في جبهات الحرب المفروضة
مع بدء العدوان البعثي الغادر على دولة الإسلام الفتيّة بتحريك القوى
الاستكبارية، واحتلاله جزءاً من الأراضي الإسلامية، شعر هذا العالم المجاهد
بالخطر الذي يحدق بهذه الدولة وبالمسؤولية الشرعية في الدفاع عن بيضة
الإسلام، فتوجّه إلى جبهات الحرب رغم مسؤولياته الجسام ومشاغله المتعددة،
وكان من العلماء الأوائل بل من أوائل المتطوعين الذين التحقوا بركب الجهاد،
وكان أوّل عالم دين يلبس الزي العسكري في الجبهات، وكما يقول سماحته:
"... سلّمونا البدلة العسكرية، وكانت هذه المرة الأولى التي ألبس فيها الزي
العسكري، ولعلّه لم يلبس أي عالم دين حتى ذلك الحين الزي العسكري في الجبهات،
بل كان طلبة العلوم الدينية يتردّدون على مدينة خرمشهر ويتواجدون في الجبهات
بالزي العلمائي إلى عدة أشهر من هذه القضية".
وكان لسماحته الدور البارز في عدم سقوط مدينة الأهواز بأيدي البعثيين أوائل
الحرب، يقول الشيخ الرفسنجاني عن تلك الأيام:
"... ولولا ذهاب السيد الخامنئي والشهيد جمران إلى الأهواز وأمرهم بحفر خندق
أطراف المدينة، ولولا مقاومة المجموعات الصغيرة من قوات الحرس لسقطت مدينة
الأهواز أيضاً".
فتواجد سماحته في الأشهر الأولى من الحرب في الجبهات، وشارك في العديد من
العمليات غير المنظمة، وكذا في احدى العمليات العظيمة في منطقة الأهواز حيث
تلقّى العدو في تلك العملية ضربات مهلكة من قوات الإسلام.
لكن بعد توليّه رئاسة الجمهورية، لم تتسنَّ له الفرصة للمشاركة في جبهات
الحرب بصورة مستمرة، يقول سماحته:
"بعد تسلمي لمنصب رئاسة الجمهورية لم تتسنَّ لي الفرصة ــ وللأسف ــ للتواجد
المستمر في الجبهات سوى مرة أو مرّتين وبصورة مؤقتة وقصيرة".
لكن رغم كل ذلك، كان سماحته ينتقل بين الحين والآخر داخل الجبهات لتعزيز
معنويات المقاتلين الأبطال وحلّ مشاكلهم المعنوية والمادية والعسكرية، كما
أنّه عمل على تنسيق عمل القوات المسلّحة خلال عمله كعضو في مجلس الدفاع
الأعلى.
وقد هنّأه الإمام الراحل (قدس سره الشريف) على تواجده في جبهات القتال في
البرقية التي بعثها إليه إثر تعرضّه لمحاولة الاغتيال، حيث قال (قده):
"... وما نقموا منك إلاّ لأنك جندي مستبسل في جبهة الحرب ومعلم في المحراب
و.....
وإنني أهنئك أيّها الخامنئي العزيز على خدمتك لهذا الشعب المظلوم في جبهات
الحرب بملابس القتال وخلف الجبهة بالزي العلمائي...".
|