|
بسم الله الرحمن الرحيم
النائب الحاج
عبدالله قصير
مقدمة
ثمة إلتباس ونقاش يطرحه موضوع
العلاقة بين الحكومة والأمة، عند المهتمين بالإجتماع السياسي وهذا يستدعي
دوماً مزيداً من الدرس والتنظير الفكري والسياسي نظراً لما تتخذه هذه
العلاقة وآلياتها المعتمدة من تنوع في الأشكال والهيكليات من جهة، وتوزع
للأدوار والصلاحيات أو تناقض للمصالح من جهة أخرى.
وقد يتخذ الموضوع أهمية خاصة
عندما يتم بحثه في دائرة الحكومة الإسلامية وعلاقتها بالأمة، حيث يفترض أن
تستمد الحكومة الإسلامية شرعيتها من مصدرين في الوقت عينه:
أولاًً-
الشرعية الدينية بمعنى أن تنال موافقة الولي الفقيه كنائب عن الإمام
المعصوم (لا سيما في النظام الإسلامي المستند الى نظرية ولاية الفقيه).
ثانياً-
الشرعية الشعبية بمعنى أن تنال تأييد عامة الناس أو الأمة عبر إحدى الطرق
والآليات المعتمدة لتجسيد هذه الشرعية.
على خلاف ما هو سائد في
الأنظمة الحكومية العلمانية أو غير الدينية حيث يكون النقاش في شرعية
الحكومة متمركزاً حول المصدر الشعبي فقط.
ولعل هذا الإختلاف يستند الى
مسألة العلاقة بين الدين والسلطة وهي علاقة إندماج في الإسلام غير قابلة
للفصل عند الإسلاميين بينما هي عند غيرهم قد لاتكون موجودة أصلاً وإن وجدت
فجزئياً وفي الغالب تكون شكلية أو إعتبارية غير مندمجة.
وبالدخول الى محور البحث بين
أيدينا لا بد من تبيان سريع لمجموعة أمور:
- المستند الفكري والعقائدي
لولاية الفقيه.
- دور الولي الفقيه على
المستوى السياسي والفقهي.
- أهمية المشاركة
الشعبية في إعطاء الشرعية (دور الأمة).
- الإشكالية التي يطرحها
ولاء حزب الله/اللبناني/ للولي الفقيه كقائد للأمة.
- أثر هذا الولاء في
نجاح تجربة حزب الله/ لبنان.
1- المستند
الفكري والعقائدي لولاية الفقيه
يستند الإمام الخميني(قده) في
إستدلاله على ضرورة وجود الحكومة الإسلامية الى "أن الرسول(ص) لم يكن يكتفي
في أيامه ببيان الأحكام وإبلاغها، بل كان ينفذها" ومن بعد الرسول فإن "الخليفة
يراد لأمثال هذا، فهو ليس مبلغاً للقوانين أو مشرعاً،إنما الخليفة يراد
للتنفيذ وهنا تبدو أهمية تشكيل حكومة، وإيجاد المؤسسات التنفيذية وضرورة
تنظيمها" ويضيف "أن الإيمان بالولاية وأن السعي والعمل من أجل هذا الهدف هو
مظهر من مظاهر تجسيد ذلك الإيمان بالولاية" (1)
وبعد أن يستفيض بسرد الأدلة
العقلية والنصوص المنقولة عن الرسول والأئمة الأطهار(ع) بضرورة وجود هذه
السلطة التنفيذية لإقامة حكم الإسلام.
يأتي الإمام الخميني الى
مناقشة من يتولى هذه السلطة في عصر غيبة الإمام المعصوم، مستنكراً أن تترك
أحكام الإسلام معطلة في عصر الغيبة.
2- دور الولي
الفقيه على المستوى السياسي والفقهي
وهنا يماثل الإمام الخميني(قده)
بين الإمامة وولاية الفقيه (العالم والعادل والمدبر والشجاع) لناحية
الوظيفة ، لافتاً الى "أن أهلية الفقيه للولاية لا تعني رفعه لناحية الرتبة
والمنزلة الى مستوى الإمام المعصوم، بل أن الأمر يدور حول الوظيفة العملية
بإعتبار أن الولاية تعني الحكومة والإدارة وسياسة البلاد ، وليست إمتيازاً
أو محاباة أو أثرة" (2)
وفي تحديده لوظيفة الولي
الفقيه (الحاكم الشرعي) يعتبر الإمام الخميني أنها تجمع بين الأدوار
العقائدية والإجتماعية والسياسية، فهي شمولية ومطلقة بمعنى أنها غير مقتصرة
أو مقيدة بمنحى واحد من مناحي الحياة التعبدية أو الفقهية أو السياسية
والإجتماعية وهي ليست مقيدة سوى بالتشريع الإلهي الذي يقيد أيضاً وظيفة
الإمام المعصوم نفسه، وبالمحصلة يعتبر أن الإختلاف الوحيد بين الإمام
المعصوم والولي الفقيه هو في كون ولاية الولي الفقيه الحاكم إعتبارية بينما
ولاية الإمام المعصوم تكوينية.
3- أهمية
المشاركة الشعبية في إعطاء الشرعية (دور الأمة)
أما في دور الأمة وأهميته في
إضفاء الشرعية على الحاكم والحكومة فنجد تبيانها في الكثير من الآيات
والأحاديث الشريفة التي يوردها الإمام القائد الخامنئي(حفظه الله) في بحوثه
حول هذا الموضوع ومنها:
الآية الشريفة " ونريد أن نمن
على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"
(3)
معتبراً أن قبول الأمة ورضاها
شرط من شروط الحاكمية ،كما هو مستوحى من عهد الإمام علي (ع) لمالك الأشتر:
"وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضى
الرعية".
وفي رفض الإمام علي (ع) لمبدأ
الطبقة الممتازة في المجتمع الإسلامي وتحذيره من رضى الخواص وتقديمه على
رضى عامة الرعية في قوله لمالك:" فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة ،وأن
سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة".
وفي قوله (ع) أيضاً:"وإنما
عماد الدين وجماعة المسلمين والعدة للأعداء ،العامة من الأمة".
وفي الخلاصة فإن ما إعتمده
دستور الجمهورية الإسلامية في إيران من ضرورة الإنتخاب الشعبي لرجالات
السلطة وحتى لمجموعة مجلس الخبراء الذين أوكل إليهم مهمة إختيار القائد (الولي
الفقيه) خير تجسيد لهذا الأمر، هنا نشير الى أن نظام الجمهورية الإسلامية
في إيران يعد من أكثر الأنظمة شعبية حيث أنه أعطى دوراً مركزياً ومهماً
للناس من خلال المشاركة بإختيار النواب والرؤساء والقادة أيضاً.
كما أن ما أعتمده حزب الله في
إختيار قيادته يجمع بين الإنتخاب وتصديق الولي الفقيه لهذا الإنتخاب من قبل
كوادر حزب الله، وحتى في موضوع المشورة التي تجري أثناء التعيينات الوسطية
والقاعدية نرى مشاركة شبه شعبية يراعي فيها مقبوليةالشخص المعين لدى العامة
وقدرته على حيازة هذا الرضى بإستمرار.
4- الإشكاليات
التي يطرحها ولاء حزب الله (اللبناني) للولي الفقيه
لقد أتى تشكيل حزب الله في
لبنان نتيجة لمباركة الإمام الخميني لإجتماع ثلة من المؤمنين بخط الولاية
عقدوا العزم على ترك كل ولاءاتهم الأخرى لصالح التولي بالولي الفقيه كنائب
للإمام المعصوم في زمن الغيبة ، وكان إستجابة مباشرة أيضاً لدعوة الإمام
الخميني في "أن أي مسلم يقبل بالموازين والمبادئ الإسلامية وله إنضباط (إلتزام)
ديني دقيق في العمل والسلوك فإنه أحد أعضاء حزب الله"
(4) وفي أن التولي لله والرسول وللذين آمنوا
والذي يقابله التبرؤ من أعدائهم هو العنصر الأساسي ليكون الإنسان المؤمن
فرداً في حزب الله.
وهو ما جاء في أحد التفاسير
المعتمدة للآية الكريمة:"أنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون
الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن
حزب الله هم الغالبون".(5)
وفيها تأكيد على قطع الود مع
أعداء الله ، وبناء على هذا فإن خط حزب الله هو نفس خط الولاية والإنفصال
عنه إنفصال عن خط الله ورسوله وأوصيائه.
إن الإشكالية الأولى التي
يطرحها هذا الولاء النابع من القناعة الدينية ، تدور حول الهوية الوطنية
لحزب الله في لبنان، أي حول مدى إنسجام أو تعارض الولاء السياسي الموزع بين
الولي الفقيه وبين مصلحة لبنان أو مصالح اللبنانيين، والثانية حول مدى
التعارض أو التوافق بين كون ولاية الفقيه نظرية شيعية فقهية عقائدية وبين
إسلامية الحزب وإمكانية توسيع دائرته لتضم مسلمين غير شيعة وهو ما يمكن
التعبير عنه بطائفية الحزب وتناقضها مع منهجية الوحدة الإسلامية التي
يعتمدها الحزب كأساس في برنامجه.
ولحل هذا الإلتباس والإشكاليات
نقول بأن التجربة اثبتت إمكانية التوليف بل عدم التعارض بين لبنانية حزب
الله كهوية وطنية وبين ولائه في المنهج السياسي والقرار الإستراتيجي
السياسي للولي الفقيه ، وبرغم مرور تجربة حزب الله بتقلبات وظروف مختلفة
على المستوى السياسي والعسكري والأمني فضلاً عن التجربة التنظيمية الداخلية
وتطورها النوعي لم تصطدم نظرة حزب الله الوطنية الى مصالح اللبنانيين
بتوجيهات وفتاوى الولي الفقيه التي غالباً ما كانت تحدد الخطوط التوجيهية
العامة للعمل السياسي وتتركز في أغلب الأحيان حول قضايا إستراتيجية كالجهاد
ضد العدو الإسرائيلي والمشاركة في النظام السياسي وتمييز الأعداء من
الأصدقاء فضلاً عن ترتيب الأولويات في الإهتمامات الجهادية أو الجهود
السياسية والعملية، وحتى في هذه الأمور كانت التوجيهات تنطلق من خلال تحديد
المصالح ودفع المفاسد ولحظ الواقع المعاش، أما في الأمور الأخرى فإن هامشاً
كبيراً معطىً لقيادة حزب الله والنابع من ثقة القائد بحكمتها ونضج تجربتها
وقدرتها على تشخيص المصالح والمفاسد، هذا الهامش كان كبيراً لا سيما في
القرارات السياسية التي لا تستدعي إشكالات فقهية أو دينية،
كطرح الثقة بالحكومة أو تأييد أو معارضة إصدار قانون ما،
أو إعتماد سياسات وبرامج عملية لتحقيق أهداف مشخصة.
وهذا ما أتاح لحزب الله
وقيادته أن توازن بين التزامه الفكري والشرعي بمفهوم الولاية وبين السعي
لتحقيق المصلحة الوطنية للبنانيين وإنسجامه في المشاركة داخل مؤسسات الدولة
اللبنانية. ولعلنا نجد في حجم التضحيات التي قدمها حزب الله في سبيل
التحرير فضلاً عن تأسيسه للسرايا اللبنانية للمقاومة خير دليل على صدقية
تعاطيه مع الشأن الوطني اللبناني.
وفي ذلك دليل أيضاً على أن
الولي الفقيه رغم إمتلاكه السلطة السياسية على الأمة كلها وغير المحصورة ،فإنه
يقر ضمناً بوجود حدود نسبية وطنية وقومية تقسم الأمة وتعطي خصوصية لكل
مجموعة في داخل بيئتها الوطنية او القومية المحددة.
وأما في مواجهة الاشكالية
الثانية فإن حزب الله انطلق من المرتكزات الفكرية لولاية الفقيه الى رحاب
الأمة الاسلامية وأولوية العمل لتوحيد صفوفها ونبذ الخلافات التفصيلية بين
فرقها واتجاهاتها لصالح استحضار همومها المشتركة وتحدياتها المصيرية والعمل
بانفتاح مع كل الحركات الاسلامية المجاهدة لتحقيق أكبر قدر ممكن من التعاون
وتوحيد الجهود في مواجهة الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الأمة لاسيما في
أعظم تلك التحديات وهو قضية الاحتلال الصهيوني لفلسطين وخطر هذا الاحتلال
على الأمة بأسرها.
لقد كان واضحاً في ممارسة حزب
الله الجهادية والسياسية تجاوزه للدائرة الخاصة الشيعية وانفتاحه على الافق
الاسلامي العام واعتباره أن الاختلافات المذهبية في الجوانب الفقهية لا
تمنع التلاقي والتعاون بل العمل المشترك في الدوائر الجهادية والسياسية على
مستوى الأمة.
ولعل في تعاونه الجهادي في
مجال المقاومة مع عدة حركات اسلامية في لبنان و فلسطين خير دليل على تجسيد
هذه القناعة عبر ممارسة عملية.
5- أثر وبركات
ولاية الفقيه في نجاح تجربة حزب الله والمقاومة الإسلامية
لقد شكلت ولاية الفقيه العمود
الفقري لقيام وتشكيل حزب الله في لبنان حيث كانت وما زالت أهم مرتكزات حزب
الله الفكرية والدينية التي إنعكست على تجسيد أداء المنتسبين إليه ما يسمى
(ثقافة التكليف الشرعي) التي تحرز الشعور ببراءة الذمة على المستوى الشرعي
والإطمئنان الى تأدية الواجب الشرعي على المكلف ، ومنع تحول الإجتهادات
بالرأي وتشخيص المصلحة الى سبب للإختلاف والإنشقاق والتفرق من خلال وجود
مرجعية شرعية تحسم مثل هذه الإختلافات وتمنع آثارها السلبية ،علماً بأن هذا
الأمر لا يعني إقفالاً لأبواب النقد وتجميداً لحرية الفكر وإبداء الرأي.
وفي جانب آخر فإن الولاية أعطت
الأثر الكبير الإيجابي لجهة تحقيق الإنضباط التنظيمي المستمد من الإلتزام
الشرعي بالولاية، وما فيه من توحيد للصف الداخلي وتوسيع لهامش الجمهور
المؤيد والملتزم توجهات وقرارات حزب الله.
هذا إضافة إلى أثرها في حسن
ترتيب الأولويات في توجيه الجهود والإمكانات نحو تحقيق الأهداف المرسومة،
وعدم الانزلاق إلى اهتمامات جانبية أو الوقوع في أفخاخ المشكلات الثانوية
والتحديات التفصيلية.
ولا بد من الإشارة الى أن حالة
التكامل بين المؤسسات التربوية والثقافية والإجتماعية والمالية العاملة ضمن
دائرة الولاية للفقيه أنتجت توزيعاً للأدوار ضمن وحدة الهدف والمسار فكانت
بمثابة الجداول التي تصب في نهر واحد كبير، متوخية خدمة المصلحة العامة
للمسيرة وأبناءها وجمهورها العريض.
كما أن التجربة أثبتت بأن خروج
البعض، ومحاولة الإنشقاق عند البعض الآخر عن حزب الله لا تنجح في خلق
إنشقاق حزبي بل هي تتحول حكماً الى حالة خروج عن الولاية وبالتالي تصبح
حالة معزولة وشاذة لا تستطيع ترك إهتزازات تنظيمية في الهيكل التنظيمي لحزب
الله.
لقد أكدت تجربة حزب الله في
لبنان مقارنة بتجارب إسلامية وغير إسلامية أخرى أن بركات هذا التولي للفقيه
العادل والحكيم الشجاع هي أكبر من أن تعد أو تحصى لا سيما على مستوى الأثر
الروحي والنفسي والعملي لدى العاملين في مسيرة الولاية.
الهوامش
(1) الإمام
الخميني - الحكومة الإسلامية - صفحة 19 - منشورات المكتبةالإسلامية الكبرى-
طهران.
(2) المصدر
السابق - صفحة 50.
(3)
سورة القصص - الآية 5.
(4)
الإمام الخميني ومنهجية الثورة الإسلامية - مقتطفات من افكار وآراء
الإمام (قده) صفحة 399 - مؤسسة تنظيم
ونشر آثار الإمام - طهران.
(5) سورة
المائدة - الآيــة 56.
|