التيارات الدينية في المجتمع الأميركي


بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلمة مقدم الندوة: الحاج محمد فقيه

بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد. وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. وأصحابه المنتجبين. والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

نرحب بالأب الدكتور مارتن ماكدرموت المتخصص في الفكر الإسلامي، وبالأخص الشيعي منه وله كتاب تحت عنوان: (نظريات علم الكلام عند الشيخ المفيد)، وكذلك أرحب بالدكتور أحمد ملي أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية ومتخصص في الشؤون الدولية.

 

يذكر راعي كنيسة الخالق العالمية القس «بات هيل» حادثة وقعت له في طفولته جعلته لأول مرة يعتبر غيره دين آخر، وقد شاهد في حفل راقص فتيات من البيض يخن جنسهن بمخالطة أولاد السود، ويعتبر القس «هيل» قتل الأعداء بمن فيهم خونة العرق الذين يتزوجون من غير البيض أمراً مبرراً أخلاقياً، ويقول بعصبية إذا ذهب شخص وقتل الليلة عشرة من السود فلا بأس، فهنالك الملايين.ان حملة اثارة  الكراهية بمعلومات كاذبة وبلغة شرسة وعدوانية ما زالت مستمرة، وربما كان آخر حلقاتها مؤتمران لليمين المسيحي، في واشنطن وفي بروك سيتي في ولاية أوهايو، تحدث فيها أقطابهم امثال غراهام، وفالويل، وروبرتسون وغيرهم بلغة تهدف للحط من الإسلام، حتى أن الكاتب نيقولاس كريستوف قال أن أحداً لم يلحق الضرر بصورة أمريكا في العالم الإسلامي أكثر من فرنكلين غراهام وأمثاله ، و يعتبر القس «بيل غراهام» والد فرانكلين الرجل الأكثر تأثيراً في حياة بوش، إذ نقله نقلة نوعية من حياة الإدمان إلى الحياة الأصولية، كما أن ابنه فرانكلين هو الذي تلا الصلوات في حفلة تنصيب بوش الابن.

إن الحملة التي يقودها متعصبون لإسرائيل من الكنائس المسيحية الأمريكية تسعى لخلق انطباع لدى الشعب الأمريكي بأن الإرهاب هو الإسلام، وعلى رأسها روبرتسون وفالويل وفرانكلين غراهام، الذين يشنون دائماً حملات هجوم ضد الإسلام والرسول صلى الله عليه وآله.

 

وفي بعض الأحيان تلت تلك الهجمات إعتذارات رقيقة أشبه بالمفتعلة، ويقول فالويل عندما يطلب الناس مني أن أشرح لهم الإسلام بكلمة واحدة  أقول لهم بن لادن، وعندما يطلبون مني كلمة أخرى أقول لهم صدام حسين، وحينئذٍ يدركون ما نحن بصدده، ويقول روبرتسون الإسلام دين بشع إنه يتعلق بقتل أتباع الديانات الأخرى، وباستخدام مبدأ عدو عدوي صديقي يتبنى المسيحيون المتشددون في أمريكا برنامجاً متشدداً مناصراً لإسرائيل، بدافي بعض المواقف أشد تطرفاً من برنامج شارون، والقس فالويل مثلاً يتحدث عن إرسال الفلسطينيين إلى الدول العربية.

إن قوة الكنيسة المسيحية في أمريكا برزت بشكل سريع، فالأصولية المسيحية تؤثر على ما يزيد عن 30 من الولايات الأمريكية الخمسين، وقد تمكن اليمين المسيحي من إحكام سيطرته التنظيمية على الحزب الجمهوري فيما لا يقل عن 11 ولاية جنوبية، بالإضافة لتكساس وفيما لا يقل عن عشرة ولايات أخرى.

يقول «روجر ماغنر» خبير العلاقات العامة، ما كان لبوش أن يتولى السلطة  في البيت الأبيض بدون أصوليين، ويشكل المعمدانيون الجنوبيون إضافةً إلى كنائس أخرى ذات توجه يميني ما نسبته حوالي 16% من الأمريكيين. أما الطوائف البروتستانتية الأربعة الميثوديست واللوثريون والمشيخيون والانجيليكان فيشكلون نسبة 15% من عدد السكان، ويقدر الوزن السكاني للمسيحيين المتشددين بخمسة وخمسين مليون، مما يجعلهم هدفاً انتخابياً من الدرجة الأولى، تقول الكاتبة «هند كوبان» إن أقوى دعم سياسي حصل عليه شارون في أمريكا ليس من مؤسسات اللوبي الصهيوني ولكن من جمعيات اليمين المسيحي، ويعتقد المسيحيون المتشددون في أمريكا أن الحرب على العراق هي التي جرى التنبؤ بها في الكتاب المقدس على فاسقة بابل ،فهم يعتقدون أن المسيح لا يمكن أن يعود للأرض لإعلان نهاية العالم طالما أن الشعب اليهودي لم يبن الهيكل الثالث في القدس بعد أن دمر البابليون الأول والرومان الثاني في سنة 70 بعد المسيح، إنهم يعتبرون ما حصل في العراق هو انتقام من الإله، فالعراق كان فيه إمبراطوريتان بابل وآشور ، آشور دمرت دولة إسرائيل عام 722 قبل الميلاد، وجاءت بابل وقضت على دولة يهودا في الجنوب عام 586 قبل الميلاد، وهذا معناه أن العراق هو الذي قضى على الوجود السياسي الأخير لليهود، ولم يقم لإسرائيل كيان سياسي أو دولة منذ أن دمر البابليون دولتهم إلا عام 1948م.

سوف نبدأ بعرض خريطة حول الطوائف الدينية في أمريكا مع الأخ المهندس حسين سلوم فليتفضل.

 


 

التيارات الدينية في الولايات المتحدة الأميركية (الانتماء- الانتشار- التأثير)

الأستاذ حسين سلوم

 

إن الهدف من هذا العرض الموجز:

1.  إعطاء فكرة وجيزة عن واقع التنوع الديني في الولايات المتحدة الأمريكية وانتشاره الجغرافي.

2.  إلقاء الضوء على الإنتماءات الدينية لرجالات القرار كرؤساء الجمهورية ونائبيهم، أعضاء الكونغرس، مجلس القضاء الأعلى، وحكام الولايات.

3.  تحديد جسم اليمين المسيحي في الولايات المتحدة، وتعريف رموزهم الدينية والسياسية والفكرية من خلال صور فوتوغرافية لهم، تمهيداً لمحاضرة الدكتور أحمد ملي عن تأثير اليمين المسيحي على القرار الأمريكي.

نبدأ العرض بإبراز صورة لجلسة مجلس الوزراء الأمريكي من دون التعليق عليها، والواقع أن هذه الصورة تعكس الطابع الديني لرجالات القرار  من خلال ممارسة شعائر الصلاة التي لم تكن معهودة  من قبل في الولايات المتحدة الأمريكية.

 في الصحيفة الثانية نستعرض نمو عدد سكان الولايات المتحدة، لإعطاء فكرة عن أن النمو الكبير حصل في بداية القرن الفائت من جراء الهجرة الكبيرة إليها وليس من جراء نمو سكانها الطبيعي.

 في الصحيفة الثالثة نعكس توزع الأديان في الولايات المتحدة لعام 2000 حسب إحصاء مؤسسة تحديد الديانات الأمريكية (ARIS) على الشكل التالي:

 

 المسيحيون              76،5%          من عدد سكان الولايات المتحدة

 العلمانيون               13،2%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 المسلمون                 1،4%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 اليهود                      1،3%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 الملحدون                  0،4%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 العبثيون                   0،5%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 البوذيون                   0،5%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 الهندوس                   0،4%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 الوثنيون                   0،1%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 الموحدون الكونيون        0،3%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 غير ذلك                   5،4%           من عدد سكان الولايات المتحدة

 

ملاحظة: حددت مؤسسة الإحصاء هذه عدد المسلمين بنسبة 0،5% واعترفت في إخفاقها في التحديد الدقيق، وعلقت بأن احتمال وجود نسبة أعلى للمسلمين هو كبير، ومن خلال التقارير الكثيرة التي قرأناها ومن خلال علمنا بأن عدد المسلمين في الولايات المتحدة قد تخطى عدد اليهود. لذلك ارتأينا استنساب نسبة الـ1،4% كرقم منطقي.

 وأشار تقرير الإحصاء بأن نسبة المسيحيين في الولايات المتحدة قد شهد هبوطا حادا من نسبة 86،2% عام 1990 إلى نسبة 76،5% عام 2000، أي فرق نسبة 9،7% في خلال 11 عاما أي ما معدله 0،9% سنوياً. وهو ما شهدته كندا أيضاً بين عامي 1981 و 2000. وإذا  استمر النمط هذا من الهبوط، كما أشار التقرير، فإن عدد غير المسيحيين سوف يفوق عدد المسيحيين في عام 2042.

 الصحيفة الرابعة استعرضت من خلال تقرير(ARIS) توزع الطوائف المسيحية في الولايات المتحدة لعام 2000 على الشكل التالي:

 

1.    البروتستانت                47،6%             من عدد سكان الولايات المتحدة.

2.    الكاثوليك                    24،5%            من عدد سكان الولايات المتحدة.

3.    المورمون                    1،3%             من عدد سكان الولايات المتحدة.

4.    الأورثوذوكس                 0،9%             من عدد سكان الولايات المتحدة.

5.    اللا إنتماء طائفي              1،2%            من عدد سكان الولايات المتحدة.

6.    الطوائف الأخرى                 1%             من عدد سكان الولايات المتحدة.

 

أما فيما يتعلق بالديانة البروتستانتية المسيحية التي تشكل الجسم الأكبر من المسيحيين الأمريكيي،ن فهي مقسمة إلى طوائف كثيرة تأتي نسبها على الشكل التالي:

1.    المعمدانيون                         16،3%        من عدد سكان الولايات المتحدة.

2.    المنهجيون أو أتباع جون ويسلي      6،8%       من عدد سكان الولايات المتحدة.

3.    اللوثريون أو أتباع مارتن لوثر        4،6%       من عدد سكان الولايات المتحدة.

4.    المشيخيون                            2،7%       من عدد سكان الولايات المتحدة.

5.    السَوْرِيُّون                             2،1%       من عدد سكان الولايات المتحدة.

6.    الأسقفيون                            1،7%        من عدد سكان الولايات المتحدة.

7.    أتباع كنيسة المسيح                  1،2%        من عدد سكان الولايات المتحدة.

8.    أتباع الإتحاد الكنسي                  0،7%        من عدد سكان الولايات المتحدة.

9.    شهود يهوا                           0،6%         من عدد سكان الولايات المتحدة.

10.  جماعة الرب                          0،5%        من عدد سكان الولايات المتحدة.

11. أتباع الكنيسة المَقْدَميّة                 0،3%        من عدد سكان الولايات المتحدة.

12. أتباع الطوائف الأخرى                10،1%        من عدد سكان الولايات المتحدة.

 

وفي تقرير إحصاءات مؤسسة "Harris" عن نشاط الطوائف في العملية الإنتخابية من خلال 13224 مواطناً أمريكياً تسجلوا للتصويت، كما جاء في الصحيفة الخامسة، جاءت النسب على الشكل التالي:

 

الديانة نسبتهم من الذين تسجلوا للتصويت نسبتهم من عدد السكان
اليهود 2،3% 1،3%
العبثيون والملحدون 7،1% 0،9%
غير ذلك 10%  5،4%
لا جواب 9،8% 13،2%
المسيحيون 70،8%  76،5%

 

 

وتتوزع نسب الطوائف المسيحية على الشكل التالي:

الطائفة نسبتهم من الذين تسجلوا للتصويت نسبتهم من عدد السكان
الكاثوليك  19،9%

24،5%

المورمون 1،3% 1،4%
البروتستانت 49،5%

47،6%

 

 

ويسجل لطوائف البروتستانت النسب التالية:

الطائفة نسبتهم من الذين تسجلوا للتصويت نسبتهم من عدد السكان
المعمدانيون 12،3%

16،3%

المنهجيون 8،2% 6،8%
اللوثريون 3،9% 4،6%
المشيخيون 2،5%

2،7%

الأسقفيون 1،7% 1،7%
طوائف أخرى 12،6%  
غير منتمون

7،7%

 

 

 

وهذا يدل على أن الطوائف التي سجلت نشاط ملفت  في العملية الإنتخابية في عام 2000 هم: العبثيون والملحدون، اليهود،المورمون، والبروتستانت بشكل عام وبالأخص طوائف المنهجيون والأسقفيون والمشيخيون، أما المعمدانيون فنلحظ تدني في نشاطهم الإنتخابي، وهذا يعودإلى أن شريحة ضخمة منهم هم من السود برأينا.

والملفت من الجدول كما هو مبين نشاط الطائفة الكاثوليكية الضعيف بالعملية الإنتخابية بالرغم من ثقلها السكاني الكبير والذي يمثل الربع تقريباً من عدد سكان الولايات المتحدة.

الصحيفة السادسة تبرز فكرة جيدة عن حجم التيارات المسيحية العشر الأولى في الولايات المتحدة من ناحية الإنتماء اليها ومن ناحية عدد الكنائس المنتشرة لها. فعلى سبيل المثال يتمثل حجم الكنيسة الكاثوليكية، حسب إحصاء مؤسسة الإحصاءات الوطنية للتحديد الديني في العام 1990، بحوالي ثلاثة وخمسين مليون عضو تقريباً، و بوجود 22400 كنيسة منتشرة، أي ما معدله 2380 منتمي لكل كنيسة.

أما الصحيفة السابعة فتشير إلى قوة الإنتشار الكنسي في الولايات المتحدة حتى عام 1990، فنرى بأن الكنيسة الكاثوليكية هي أكثر الكنائس المنتشرة في الولايات المتحدة، بحيث نجد بأنها من العشر الأول في خمسين ولاية تتبعها الكنيسة الميثودستية بخمسين ولاية أيضا، ً وبما أن معدل الإنتماء لكل كنيسة ميثودستية يصل إلى 479 منتمي، فهذا يدل بأن الكنيسة الميثودستية قد تكون أكثر ثراءً من الكنيسة الكاثوليكية بالتالي أكثر تأثيراً.

الصحيفة الثامنة تشير إلى أن الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الميثودستية هم من الأربع الأول انتشاراً في 48 و 44 ولاية على التوالي، وهذا يؤكد ما قلناه سابقاً. الأرقام الباقية في هذه الصحيفة والصحيفة التالية تشير بوضوح عن حجم الإنتشار الكنسي لباقي التيارات المهمة.

أما الصحف الباقية فتشير بوضوح على جغرافيا الإنتشار لأهم التيارات الدينية بما فيها الإنتشار الإسلامي واليهودي في جميع الولايات، ومما يجدر ذكره بالنسبة للإنتشار الإسلامي فمن الضروري الإشارة إلى وجود جاليتين كبيرتين للمسلمين في مدينة ديترويت في ولاية ميشيغن وبمدينة لوس أنجلس في ولاية كاليفورنيا.

 


 

الكنائس المسيحية الأمريكية

الأب الدكتور مارتن ماكدرموت: رجل دين مسيحي إيرلندي

بدايةً أرحب بالحضور، وأهنأ المهندس على عرض السلايد، إذ قال في مداخلته ما كنت أريد أن أقوله، سوف أتحدث بشكل خاص عن الصهيونيين- المسيحيين وما يؤمنون به. يصل عدد المنتمين للصهيونية المسيحية إلى حوالي 50 مليوناً، وإذا أردنا أن نحسبهم بالنسبة المئوية فهم يشكلون بحدود 15% من مجموع سكان الولايات المتحدة الأميركية، ورغم ذلك لديهم نفوذ كبير خصوصاً أن قادتهم يعرفون جيداً كيفية استعمال وسائل الإعلام والاتصال مع الناس من تلفزيون وراديو وانترنت وصحف لذا نفوذهم السياسي كبير جداً يفوق عددهم إلا أنهم منظمون ومرشدون من قبل المبلغين المشهورين البارعين في العمل مثال: «بات روبرتسون» و «جيري فالويل» ولديهم المال والقوة، ويعتبرون أنفسهم أصحاب وأصدقاء إسرائيل ويقومون بأعمال سياسية لمصلحتها، كما أنهم يحججوا كثيراً من الناس للأماكن المقدسة في الأراضي الإسرائيلية ويستقبلهم هناك وزراء من الحكومة الإسرائيلية بكل احترام.

يؤمن الصهيونيون المسيحيون بأنهم يلزم عليهم مساعدة إسرائيل لأن هذا يساعد ويمهد لمجئ المسيح ويعجل رجوع المسيح إلى الأرض.

وأريد أن أتعرض لتفسير مذهب اسمه الألفية، كان اليهود في القرون التي سبقت ميلاد يسوع المسيح يرجون برجوع ملك إسرائيل، مع أن الرومان كانوا يسيطرون عليهم، وكانوا يعتقدون أن الله سيفي بوعده لإسرائيل من أنه سيملكهم من البحر إلى البحر وأنحاء الأرض. وهذه الفرقة من المسيحيين تفهم الكتاب المقدس العهد القديم والجديد فهماً حرفياً لا رمزياً روحانياً، لذلك يعتقدون أن الرب قطع عهداً على نفسه في العهد القديم لإسرائيل.

وكل المسيحيين يؤمنون بأن المسيح سيأتي ويدين الأحياء والأموات ويكون في نهاية العالم، ومتفقون على أنه سيكون زمن المحنة أو الامتحان صعب جداً، وسوف يكون للشيطان والدجال حرية على الأرض، وأيضاً في العهد الجديد سفر يوحنا يقول أن المسيح سوف يملك هذه الأرض مع القديسين مدة ألف سنة، ولكن كيف نفهم هذا؟ فهماً حرفياً أو رمزياً؟ كيف نفهم الألف سنة؟ معظم المسيحيين ليسوا بروتستانتيين وكذلك غير ألفيين، فلا يأخذون حرفياً هذا التفسير، ولكن يفهمونه بشكل صعوبات، وأن في نهاية العالم سوف ينزل المسيح من السماء، حيث يكون هناك انتهاكات ومشاكل وسوف يزداد ذلك كثيراً، ويؤمنون أن هذه الألف سنة هي رمز للزمن الذي يأتي فيه يسوع ويملك كل الأرض وينتشر في جميع الأنحاء الإيمان بالمسيح ويحكم بكنيسته التي تنتشر ببطئ، ولا يعني هذا أن يصبح الجميع مسيحيين ولكن الكنيسة سوف يكون لديها أفراد في كل بقاع الأرض.

وهناك فرقة الألفية البعدية، التي تعتقد أنه حينما يوجد العالم بهذه الطريقة سيستمر على هذه الحال، ومن بعد ألف سنة يأتي المسيح وسوف تكون النهاية. وهؤلاء ليسوا كثيرين ولكن معظم المسيحيين هم ألفيين قبليين أي يعتقدون أن المسيح سيأتي، ومن بعد مجيئه تكون الألف سنة، ولكن قبل الألف سنة سوف يكون الإمتحان، ويقولون مدته 7 سنوات، ولكن في بداية الامتحان سوف يكون الإقتطاف، حيث أن المسيح ينزل من السماء ويأخذ كل المؤمنين معه إلى السماء، وبعد هذا الإمتحان سوف يأتي الرب. هناك قسيس أمريكي صنع نظرية اسمه جان داروين، وهو خرج من الكنيسة الإنجليكانية فسر هذا الإمتحان بأنه لا يعني المسيحيين ولكن هذا لليهود، حيث أن الثلثين منهم يموتون والثلث سوف يصبحون مسيحيين، وفي النهاية الراحة تكون للمسيحيين،  وبعدها يعود المسيح للأرض مع المؤمنين الذين كانوا معنيين ويحكمون الأرض.

 وهذا المشروع وجد حوالي سنة 1870 ولكن لم يوجد انتشار كبير لهذا إلا في أميركا سنة 1909، وأصبح له شعبية، وهناك تلميذ لداروين نشر الكتاب المقدس مع تعليقات كثيرة ملونة وكانت أكثر من مليون نسخة، وهو يعطي شعبيته لهذه النظرية، وصار بعض المسيحيين متحمسين لهذه النظرية.

ويعتقدون أنه إذا ساعدوا إسرائيل أن تنمو فهذا يعجل مجيئ المسيح في نهاية هذا الامتحان، ويفسرون الكتاب المقدس بأن الأمم (يعني العرب)ستهجم على إسرائيل،  ولكن في فترة سابقة قالوا أن الهجوم سيكون من الشمال من روسيا، ولكنهم يغيرون نبوءاتهم حسب الظروف السياسية، والناس يؤمنون بهذا لأنهم يريدون أن يروا نهاية العالم.

ما الذي يجعل هذه الأفكار الغربية تعود أو تستأنف إلى هذا العدد الكبير من المسيحيين؟ أنا أظن أنه عدم استعمال العقل في الدين. والمسيحية ليست فقط دين حيث تظهر أفكار تعصبية، وأي شخص يستند إلى العقل يرفض أن يؤمن بالإله الذي يأمر بقتل الناس الأبرياء، نعرف ذلك من الفطرة أو القانون الطبيعي الذي كتبه الله في قلوبنا عندما خلقنا، أياً كان ديننا.

 


 

اليمين المسيحي في ادارة بوش

 

د . أحمد مليّ

 

بسم الله الرحمن الرحيم.والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. أصحاب السماحة، أصحاب المقامات العلمية والسياسية والأكاديمية، الحضور الكريم، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

مقدمة:

     في الثامن من تشرين الثاني عام 2000 جرت الانتخابات الأميركية بين جورج بوش الابن مرشح الحزب الجمهوري، و آل غور مرشح الحزب الديمقراطي.. والأسابيع الخمسة التي تلت يوم الانتخاب شهدت معركة قضائية نشبت بين الحزبين، وانتهت بإعلان المحكمة العليا قرارها لصالح بوش الابن فاتحة أمامه الطريق للدخول إلى البيت الابيض في 20 كانون الثاني 2001.

 

     ترى كيف استقبل العالم العربي إعلان فوز بوش الابن برئاسة الولايات المتحدة الأميركية؟

 قابلت اغلبية الأنظمة والحكومات العربية، باستثناء النظام العراقي، هذا النجاح بالارتياح، لا بل لم يعد سراً اليوم أن أموالاً عربية قد تدفقت على حملة بوش الابن، ويقدّر الأستاذ محمد حسنين هيكل الأموال العربية التي صُرفت دعماً لمعركة الجمهوريين بنحو مئة وثمانين مليون دولار. ولم يقتصر هذا التأييد والترحيب على الحكومات، فإذا استعدنا التعليقات والتحليلات التي ساقتها وسائل الإعلام العربية آنذاك،والتي عكست آراء إعلاميين عرب وأكاديميين وخبراء و"محللين استراتيجيين"، ممن يملأون الشاشات العربية في مثل هذه المناسبات، لرأينا أن أغلب هذه التعليقات والتحليلات جاءت لتؤكد الارتياح لانتخاب بوش الابن ولتعلّق الآمال العريضة على الإدارة الجمهورية الجديدة على قاعدة الافتراض أن هذه الإدارة لن تكون مرتهنة للصوت اليهودي، الذي صبّ بنسبة 80 بالمئة لصالح آل غور ونائبه اليهودي جوزف ليبرمان، وبالتالي في الإمكان المراهنة على هذه الإدارة والتعويل على انتهاجها سياسة موضوعية ومتوازنة إزاء الصراع العربي – الإسرائيلي عموماً والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص.

 وفضلاً عن الظروف الداخلية لمعركة الرئاسة الأميركية، فإن التفاؤل العربي الرسمي بوصول بوش الابن انطلق من رصيد قديم للرئيس بوش الأب لدى الحكومات العربية، والخليجية منها خاصة، لمبادرته إلى إخراج العراقيين من الكويت بعد احتلالهم لها، وعقده مؤتمر مدريد، وموقفه الشهير والحازم بحجب ضمانات القروض المالية المقدّرة بنحو عشر مليارات دولار عن الكيان الصهيوني، إلى جانب علاقاته الوثيقة بدوائر صناعة النفط ذات العلاقات والمصالح المباشرة في الدول النفطية العربية ، إذ غالباً ما توصف هذه الدوائر النفطية الأميركية بأنها - وبحكم مصالحها في المنطقة العربية - أكثر الدوائر الأميركية تفهماً لحقيقة المواقف والآمال العربية!

 

القوى الرئيسية في الإدارة الأميركية

 السؤال الذي يطرح اليوم، وبصرف النظر عما حدث في 11 أيلول 2001، هل كان للترحيب العربي بانتخاب بوش الابن مبرراته العقلانية؟ وهل كان العرب مدركون لحقيقة ما يجري في الساحة الأميركية ولطبيعة القوى التي كان تقف وراء معركة بوش الإبن؟ وإلى أي مدى تتقاطع مصالح هذه القوى مع المواقف العربية؟.

لا أشك للحظة واحدة بأن الموقف العربي كان ارتجالياً وسطحياً وأبعد ما يكون عن فهم التحولات الكبرى في المجتمع الأميركي، وعن جهل بحقائق تشكل القوى التي تتصارع في هذا المجتمع. أي ببساطة شديدة لم يمتلك العرب يوماً الأدوات اللازمة التي تسمح لهم بمراقبة ما يجري على الساحة الأميركية. فلا مراكز أبحاث تذكر لرصد الولايات المتحدة، ولا يوجد قسم من الأقسام الجامعية على امتداد الأرض العربية متخصص بدراسات في هذا المجال.

 في أواسط السبعينات كتب المفكر العربي الراحل ياسين الحافظ عن" لاعقلانية السياسة العربية " ، ولعل الموقف من انتخابات الرئاسة الأميركية في العام 2000 يشكل واحداً من الامثلة الصارخة عن هذه "اللاعقلانية".

 

إن نظرة دقيقة ومتأنية لطبيعة وتركيبة الإدارة الأميركية اليوم تشيرإلى وجود ثلاث قوى رئيسية فيها:

1.  المحافظون الجدد: ويتزعمهم نائب الرئيس ديك تشيني، الرجل القوي في الإدارة الأميركية، ومن رموزهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ونائبه بول وولفوفيتز وغيرهم من الذين تطلق عليه وسائل الإعلام بالصقور Hawks.

 

2.  اليمين المسيحي: ويمثلهم الرئيس جورج بوش نفسه، ووزير العدل جون أشكروفت، وحشد كبير من المعاونين والموظفين المزروعين في مختلف مراتب الإدارة الأميركية.

 

3.  اللوبي اليهودي - الصهيوني: ويتزعمهم ريتشارد بيرل، الرئيس السابق لمجلس السياسات الدفاعية في البنتاغون، ونائب وزير الدفاع بول وولفوفيتز ودوغلاس فيث معاون وزير الدفاع وأليوت أبرامز مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي. فضلاً عن مجموعة من الناشطين في اللوبي الصهيوني المتحالف مع حزب الليكود اليميني الحاكم في الكيان الصهيوني.

 

وتبقى الإشارة إلى ملاحظتين لا بد منهما:

1.  غالباً ما يخلط الكثيرون بين المحافظين الجدد واليمين المسيحي باعتبارهما كتلة واحدة. ومصدر الالتباس ناشئ عن أن المجموعتين محسوبتان على اليمين المحافظ، لكن وجه الفرق في الحقيقة كبير. إذ إن المحافظين الجدد علمانيون بينما مجموعات اليمين المسيحي ينطلقون من رؤية وخلفية دينية واضحة.

2.  ثمة تقاطع بين المجموعة الأولى والمجموعة الثالثة، فأشخاص مثل بيرل وولفوفيتز وفيث وأبرامز محسوبون على المحافظين الجدد، بل ومن المنظرين لهذا التيار، وهم في الوقت نفسه ونظراً لانتماءاتهم الدينية اليهودية، يعتبرون رموز اللوبي الصهيوني - الليكودي.

أميركا: أرض الميعاد الجديدة

     بعد هذا العرض، نطرح سؤالاً إضافياً: ما هو موقع اليمين المسيحي في الإدارة الأميركية؟ يوصف اليمين المسيحي أحياناً باليمين المسيحي الجديد، وليس هذا الوصف نابعاً من قبيل تميّزه عن اليمين المسيحي التقليدي بقدر ما يُقصد به الظروف المستجدة الخاصة لتشكله وانطلاقته الكبرى في العقدين الأخيرين، باعتبار أن ظاهرة اليمين المسيحي ظاهرة قديمة في السياسة الأميركية. ولا نغالي إذا قلنا إن قدمه يمتد على مدى قدم المجتمع الأميركي نفسه، إذ يُعتبر الدين المسيحي أحد الأسس الرئيسية التي قام عليها هذا المجتمع. بل إن المهاجرين الأوروبيين عندما عبروا المحيط الأطلسي إلى الأرض الجديدة، تمثلوا عبور الشعب اليهودي للبحر الأحمر عند خروجهم من مصر إلى أرض الميعاد (فلسطين)، وكانت أميركا من وجهة نظر المهاجرين هي الأرض الموعودة لهم من الله عز وجلّ لأجل انتشار الرسالة المسيحية في كل أنحاء العالم.

في 30 تموز 1619 اجتمع أول فوج من المستوطنين الإنجليز البروتستانت في كنيسة "جيمس تاون" لوضع قوانين ونظم مستعمرة فرجينيا، وفي العام الثاني 1620 وصلت المجموعة الثانية من المستوطنين إلى شاطئ نيو إنجلند على ظهر السفينة "ماي فلاور" ووقعوا فيها "عهد ماي فلاور" حددوا فيه طريقة الحياة التي يرغبونها  وأسس المجتمع  المثالي في  أورشليم "القدس الجديدة" أو "كنعان الجديدة" بحسب تعبيرهم. ومن بين مجموعات المهاجرين الأوائل الذين استوطنوا العالم الجديد، لعب المنتمون إلى البيوريتانيه (التطهرية) دوراً هاماً في التاريخ الديني للولايات المتحدة، وتعتبر تجربتهم في البلاد الجديدة من أهم التجارب التي أثرت في الرؤية الدينية للولايات المتحدة.

 كان البيوريتانيون ينظرون إلى أنفسهم من منطلق خاص لهم، فعلى غرار ما ورد في العهد القديم حول الخروج الجماعي لليهود من أرض مصر إلى أرض جديدة وعدهم الرب بها ، نظر البيوريتانيون إلى أنفسهم على أنهم الشعب المختار الجديد ، ونظروا إلى العالم الجديد على أنه "إسرائيل" الجديدة،أماالعالم القديم بالنسبة لهم فكان مصر التي فرّوا منها.وعقدواعهداً مع الرب أنه إذا جعل الرب ذهابهم إلى العالم الجديد ممكناً فإنهم سيؤسسون مجتمعاً لا تحكمه سوى القوانين الإلهية.

وفي منتصف القرن السابع عشر ساد الاعتقاد بأن الله عاتب على شعبه الجديد وهناك بوادر خصومة بينه وبين شعبه، وفي منتصف القرن الثامن عشر انطلق ما يسمى "باليقظة الكبرى" لتجديد الأمل في أن "الله لن يتخلى عن شعبه، ولن يهجره .. ستقوم مملكة الله في أميركا وستنشر نورها قريباً في أنحاء العالم"..

هذه الخلفية الدينية لنشأة الولايات المتحدة تركت بصماتها على مختلف مناحي الحياة الأميركية فتعددت الفرق والمذاهب الدينية.

وفي موازاة العامل الديني الذي لعب دوراً مهماً في التطور الاستعماري للولايات المتحدة، أسهمت عوامل أخرى اقتصادية وسياسية في إشعال الثورة الأميركية على الحكم البريطاني وصولاً إلى إعلان الاستقلال. وقد أعطى الآباء المؤسسون الأولوية لقيام الاتحاد وعدم إتاحة الفرصة لأي معوّقات أمام إقامة حكومة فدرالية، لذا اتجه الآباء المؤسسون إلى العمل على الفصل بين الكنيسة والدولة، منذ إقرار اللائحة الدستورية لولاية فرجينيا عام 1779 والتي لم تحدد كنيسة رسمية أو ديناً رسمياً للولايات المتحدة.

 وجاء التعديل الأول للدستور1801 ونص على أن "لا يقوم الكونغرس بتشريع أي قانون بتأسيس ديانة ما أو يمنع الممارسة الحرة لها.." ويستهدف هذا التشريع كما أشار "توماس جيفرسون" الرئيس الثالث للولايات المتحدة إلى "إقامة جدار فاصل بين الكنيسة والدولة".

بيد أن التجربة الأميركية، في هذا المجال، كانت مختلفة تماماً عن نظيرتها الأوروبية، فلم يتحول هذا الفصل قط إلى فصل بين الدين والمجتمع، كما لم يحُل ذلك دون استخدام الحكومة الأميركية للرموز الدينية حيث نقرأ على الدولار عبارة "in God we trust" (بالله نثق) وكانت تحية العلم تتصف بعبارة "order of God" (بأمر الله).

 

الصراع الديني - العلماني في الولايات المتحدة

 هذه البيئة المجتمعية الأميركية شكلت التربة الصالحة لازدهار الأفكار الدينية، ومنذ العام 1870 حارب الإنجيليون الجنوبيون تعاليم نظرية التطور التي بدأت تدرس في المدارس منذ نشر كتاب "تشارلزداروين" حول "أصل الكائنات" عام 1859 . وقد أثارت هذه النظرية ردود فعل الإنجيليين عليها وقاوموا تدريسها في المدارس، وشكل الصراع ضدها نوعاً من التحدي خاضه الإنجيليون بكل حماس بين عامي 1923 و1925 وحققت أربع ولايات جنوبية (كارولينا الشمالية، فلوريدا، أوكلاهوما، تكساس) بعض النجاحات في منع تدريس نظرية التطور في المدارس العامة. وقد انضمت ولاية "تينيسي" إلى الولايات السابقة حيث أقرت في ربيع 1925 قانون BUTLERالذي أعلن صراحة أنه لا شرعية لتعليم أي نظرية تنكر الخلق الإلهي للإنسان، لأنها تخالف نصوص وتعاليم الإنجيل، خصوصاً تلك التي تدرس أن الإنسان نزل من مستوى أدنى من الحيوان.

 وشغلت تدريس نظرية داروين في المدارس العامة الولايات المتحدة الأميركية، فانقسمت بين مؤيد ومعارض لها، ووصل الأمر إلى المحاكم في ما عرف بمحاكمة Scopes وهو أستاذ مادة العلوم الطبيعية، حيث جرّمته المحكمة المحلية واعتبرته مذنباً . وكان من نتيجة هذه المحاكمة أن استنفرت القوى الليبرالية في الولايات المتحدة، ورأت في سلوك الإنجيليين افتئاتاً على الحريات العامة المدنية وتقييداً لها. وشرعت هذه القوى الليبرالية بشن هجوم مضاد على مدى السنوات التالية أدى إلى تراجع مكانة الأصوليين المسيحيين وابتعادهم عن المجال السياسي مكتفين في المقابل بتركيز جهودهم على الأنشطة الدينية والتعليمية والخدمات الإنسانية، وظل هذا الوضع سائداً حتى أواسط السبعينات حيث شهد الإنجيليون، بمختلف أطيافهم الليبرالية والمحافظة، انتعاشاً كبيراً في المضمار السياسي وتمثل ذلك بانتخاب المرشح الديمقراطي جيمي كارتر رئيساً للولايات المتحدة، وهو كان معروفاً بميوله الدينية، ويعتبر من "المولودين ثانية born again"  ويعتبر البعض أن الولادة الثانية تعبير عن حالة تقوية لدى الفرد أكثر منها تعبيراً عن اتجاه سياسي معين وقائم بذاته.

 

صعود اليمين المسيحي

 يتفق أغلب الباحثين الأميركيين على أن بروز اليمين المسيحي يعتبر أهم تحول في المشهد السياسي الأميركي الداخلي خلال السبعينيات، وظل الانطباع سائداً حتى أواخر الثمانينيات أن اليمين المسيحي يقتصر على الإنجيليين البروتستانت، لكن الحقيقة التي تؤكدها استطلاعات الرأي أنه على الرغم من أن أغلبية المنتسبين إلى اليمين المسيحي هم من طائفة الإنجيليين البروتستانت لكن هناك أعداداً لا بأس بها لا ينتمون إليها. كما أن ليس كل الإنجيليين البروتستانت هم بالضرورة ينتمون إلى اليمين، ولعل نموذج الرئيس كارتر شاهد على ذلك، باعتباره رئيساً ديمقراطياً لا ينتمي إلى اليمين ولا إلى الحزب الجمهوري. وفي المقابل، أظهرت استطلاعات الرأي أن اليمين المسيحي يحصل على دعم من الفئات السياسية المحافظة (كاثوليك، يهود، مورمون، وأحياناً فئات علمانية).

 خلاصة القول إن الذين يناصرون اليمين المسيحي يمكن أن يكونوا من الإنجيليين، أو من غير الإنجيليين الذين يتبنون الأهداف السياسية لليمين المسيحي، مع التأكيد أن غالبية هؤلاء من الإنجيليين البروتستانت . أما الظروف التي أدت إلى صعود هذا التيار في السبعينات فمردّها إلى عوامل عديدة منها ما يتصل بالتطور الحاصل داخل الكنائس الإنجيلية من خلال تقديم رؤى جديدة للنصوص الإنجيلية متعارضة مع الفهم التقليدي السائد. ومنها ما جاء كردة فعل على تهديد الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية، والعديد من التغيرات الثقافية في الستينات التي نجمت عن حركة الحقوق المدنية والاحتجاجات على الحرب في فييتنام، فضلاً عن الإباحية التي تفشت في المجتمع الأميركي ونشوء أديان جديدة.

 ولعل أكبر التحديات بالنسبة لليمين المسيحي كان قرار المحكمة العليا بالمنع الرسمي للصلاة وتلاوة الإنجيل في المدارس العامة، وشرعنة الإجهاض عندما يكون في الفصل الأول، وغيرها من القضايا التي اعتبرها اليمين المسيحي خروجاً على القيم والمبادئ التقليدية للأمة الأميركية المسيحية. ورد الفعل على هذه التطورات قادها رجال دين إنجيليون يتمتعون بالحيوية والدينامية أمثال الأب فالويل، القس بات روبرتسون وفيليس شلافلاي . وقد سعى هؤلاء الناشطون للدفاع عن القيم التقليدية المسيحية وعن سلطة الإنجيل في كل مناحي الحياة الاجتماعية...وقد نجح الزعماء الجدد لليمين المسيحي بربط القيم المسيحية بالصورة المبسطة للقرية المسيحية كما كانت في الماضي.

 وجاء العام 1980 ليشهد الذروة في نجاح اليمين المسيحي الذي أوصل هذه المرة المرشح الجمهوري رونالد ريغان . ويتفق معظم الباحثين في التيار الأصولي المسيحي على أن العام 1980 كان عاماً حاسماً في مسيرة تيار اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأميركية.

 

قوة اليمين المسيحي وأجندته

 تقودنا المقارنة بين المحافظين الجدد وجماعات اليمين المسيحي إلى تلمس فوارق كبيرة بين المجموعتين ، فبينما تضم المجموعة الأولى عدداً من الشخصيات البارزة في المجالات المؤثرة في الحياة الأميركية، السياسية والعسكرية والاقتصادية والإعلامية والأكاديمية، إلا أنها تعتبر بمثابة مجموعة ضباط بدون جنود على حد التعبير السائد ، بمعنى أن ليس لدى المحافظين الجدد كتل انتخابية ضخمة، بحيث يكون لها الكلمة الفصل في الاستحقاقات الانتخابية. والعلامة الفارقة عندهم أن لديهم أجندة خارجية تقوم على أولوية السياسة الخارجية والتفوق العسكري للولايات المتحدة الأميركية في الشؤون الدفاعية. وعلى العكس، فإن جماعات اليمين المسيحي تمتلك قواعد وكتل انتخابية ضخمة، في حين أنها تفتقد الشخصيات السياسية والعسكرية على غرار المحافظين الجدد.

 فارق آخر بين المجموعتين يتمثل في أن أجندة اليمين المسيحي داخلية بحتة، وباستثناء الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني، تتركز أهداف هذه المجموعة على منع الإجهاض والسماح بالصلاة وقراءة الإنجيل في المدارس العامة، والتصدي للإباحة الجنسية، وتعزيز القيم التقليدية.

 وينطلق التأييد اللامحدود لإسرائيل من التفسيرات لنصوص التوراة، إذ يعتبر هؤلاء أن إنشاء الكيان الصهيوني في العام 1948 هو تحقيق للنبوءة التوراتية، فضلاَ عن أن الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشريف يقدّم تأكيداً إضافياً للنبوءات المتصلة بالعقيدة الألفية، حيث يعتقد الإنجيليون البروتستانت - وغالبيتهم ينضوون تحت لواء اليمين المسيحي - بوقوع معركة "هرمجدون" النووية حيث ينتصر الخير على الشر، ويكون حدوث هذه المعركة إيذاناً بعودة المسيح إلى الأرض حيث سيتحول اليهود إلى النصرانية، ويحكم المسيح العالم لألف سنة تكون كلها سنوات خير وبركة. إن هؤلاء الإنجيليين لا يرتبطون روحياً بإسرائيل لذاتها، بل باعتبارها شرطاً ضرورياً لعودة المخلص الذين ينتظرونه.

 إن اليمين المسيحي الذي يمتلك كتلة انتخابية تقدّر بحوالي 15 مليون صبّت أصواتها كلها في الانتخابات عام 2000، وهذه نسبة عالية جداً قياساً إلى الذين يحق لهم التصويت، وتأثير هؤلاء أنهم يقدّم رؤية ونصوص وتقاليد غريبة تماماً عن التي يؤمن بها الأوروبيون، ونستطيع القول بكل ثقة أن بوش الإبن مرتهن تماماً لهذه الكتلة نظراًلامتلاكها مؤسسات ضخمة ( اعلامية وتعليمية اجتماعية ) تضم شخصيات أساسية في المجتمع الأميركي على مستوى الإدارة، مع الإشارة إلى أن بوش الأب كان على علاقة نفعية معهم في حين أن بوش الإبن يعتبر واحداً منهم.

 وتحاول الإدارة الأميركية في المرحلة الراهنة إلقاء ثقلها لتطبيق خارطة الطريق، ولا شك أن هناك مفارقة، حيث كلما يقترب عام الانتخابات تصبح الإدارة الأميركية أسيرة هاجس نجاح الرئيس في الانتخابات، والذي يصبح بالتالي مرتهناً لليمين المسيحي وكتلته الضخمة الذي يطمح أن تزيد نسبة مشاركته إلى أكثر من عشرين مليون ناخب. ويقول الصهيوني المتعصب رئيس "منبرالشرق الأوسط" والمرشح لعضوية "المعهد الأميركي للسلام" "دانيال بايبس" في صحيفة "نيويورك تايمز" إن "ليس أمام إسرائيل إلا اليمين المسيحي، كخشبة خلاص للتخلص من الضغط الذي تمارسه إدارة بوش لتطبيق خارطة الطريق". ومن هنا نستطيع ببساطة التنبؤ بما سيؤول إليه مصير خارطة الطريق والمراهنات العربية عليها نتيجة القراءة الخاطئة للسياسة الأميركية.


** عودة **