|
بسم الله الرحمن الرحيم
أعوذ بالله السميع العليم من
الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.
"الشورى في ظل حكومة الرسول
الاكرم" عنوان أريد الخروج منه بتأسيس في العلاقة والدور بين الحكومة
الاسلامية والامة انطلاقاً من السيرة النبوية المسددة والمعصومة, وهوعنوان
يستدعي قراءة الشورى في القرآن الكريم وفي السنة اللفظية وغير اللفظية
لنبينا صلوات الله عليه وآله, والمثير هنا ليس في تخلص الشيعة - اجمالاً من
حساسيتهم تجاه المصطلح ببعده الدستوري - السياسي واستخدامه في دولتهم
الفتية في ايران على كل المستويات الادارية والتنظيمية بل الاثارة تكمن في
أنهم جعلوا نيابة الامام المنصوص عليه ضماناً لعدم تحول الشورى الى
الاستبداد فيما لا يزال السنة يتلقون الشورى مفهوماً ملتبساً كما يقول د.
توفيق الشاوي مما يعني أن الازمة ليست في الاساس الكلامي والفقهي بل يمكن
تلمسها في الاساس التاريخي الذي يمكن بمنهجية دقيقة تبين صحة أحداثه من
تحريفها ودونما حاجة للإستدلال الكلامي بنفي الاحتمال وإحتمال النفي.
الشورى من أكثر المصطلحات
رواجاً في الحياة السياسية, وهومن أكثرها إلتباساً, إذ إن الخوض به من
أساسه الأخلاقي الى أعتباره أساساً في آلية انتاج الحكم الاسلامي بل
الاحكام الفقهية عند البعض حمّله تفصيلاً اجتهادياً جعله من موارد الاختلاف
في الأمة لا على صعيد انشقاقها السياسي - الكلامي, بل حتى ضمن المذهب
الواحد.
على أن ما يلزمني الكلام عليه
هنا هوحال الشورى في حياة النبي (ص) هو توصيفاً يساعد على تحقيق صورة
الشورى في الحكومة النبوية, لا الكلام على الشورى بعد غيابه (ص) التي
تستدعي مقاماً آخر.
لكن مناقشة بعض الباحثين لن
تخرجني عن ما التزمت به لأنهم في معرض كلامهم للدعاية للشورى يحمّلون
الفترة النبوية صوراً تخدم أهدافهم, بعضها مقصّر في التتبع وآخرُ قاصرٌ،
ولم نعدم المدلِّس.
وتظهر هذه العناوين في تفسير
الآيات القرآنية المتعلقة بالشورى, وفي السيرة النبوية.
الشورى في
التفاسير
أ - مما يغيب عند أغلب
الباحثين في دلالة الآيتين المعتمدتين لبحث قضية الشورى مسألة القراءات
المختلفة فيهملون قراءة ابن عباس (وشاورهم في بعض الأمر) وقراءة الامام
جعفر الصادق وجابربن زيد (فإذا عزمتُ) كما في تفسير القرطبي ج4 ص 250: وهما
سندان مهمان في الاتجاه بالتفسير غير الملزم تكليفاً للنبي(ص).
ب - عند الكلام على الاختلاف
في الاقوال في تفسير الامر في آية "وشاورهم" وتتبعه نتلمس تأثير الاتجاه
السياسي والكلامي والفقهي لأصحابها سواء في مورد قوله تعالى (وأمرهم شورى
بينهم) و(وشاورهم في الأمر) فمن قول القمي في تفسيره ج 2 ص 277 في المورد
الأول: " يشاورون الإمام فيما يحتاجوت اليه من أمر دينهم... " إلى القول
بأنه " إشعار بمنزلة الصحابة رضي الله عنهم وأنهم أهل الاجتهاد وجائز
إتباع آرائهم إذ رفعهم الله الى المنزلة التي يشاورهم النبي (ص) ويرضى
اجتهادهم.. " كما ينقل الجصاص في أحكام القرآن ج2 ص 51 عند من يقولون
بإجتهاد النبي وأنه خاص " في ما لم ينص له فيه على شيئ بعينه " عند الذين
"...
يأبون أن يكون النبي(ص) يقول
شيئاً من أمور الدين من طريق الاجتهاد وانما هوفي أمور الدنيا خاصة."
ونتيجة هذين الامرين جعل القدر
المتيقن من الآيتين مدح المؤمنين بإستعمالهم الشورى في " أمرهم " وأنه
صلوات الله عليه وآله أُمر بالمشاورة بنحولا يصل الى حد الأمر التكليفي
الذي يعني الإثم بتركه من جهة ومن جهة أخرى انه ليس في كل الموارد، اذ
المجمع عليه في التفاسير ان الامر كان بمشاورتهم في شأن حرب أحد.
ج - وجدت عند بعض المعاصرين
محاولة حصر معنى " الأمر " في شأن الحكم بعد النبي بتتبعه لمواردها في كتب
السيرة كما فعل الاستاذ محمد عبد الجبار بدءاً من بعض المحاورات مع النبي
(ص ) وانتهاءاً بقول عمر ين الخطاب عند استشارته المسلمين بتخصيص راتب له
قائلاً: " قد شغلت نفسي في هذا الامر فما يصلح لي فيه ؟ "
واطلاقاً بدون استناد الى أي
دليل عند آخر.
ويَرِدُ على هذا أن محاولة
الاستدلال للشورى مطلقاً بالقرآن الكريم شيئ وبهذا الخصوص " الحكم والسلطان
" شيئ آخر
ومما أفاده سيدنا الشهيد محمد
باقر الحكيم في هذا المجال:
أولاً:
بأن الأمر في اللغة يرجع إلى أصلين رئيسيين لا ثالث لهما كما يظهر ذلك من
مراجعة لسان العرب مادة أمر احدهما الأمر في مقابل النهي والثاني الحادثة
والولاية والحكم ليس أمراً في مقابل النهي... كما أنه ليس حادثاً من
الحوادث ؟؟
وثانياً: أنه لوتم استظهار اطلاق كلمة (الأمر) لأصل الحكم والولاية
لغةً وتجاوزنا البيان السابق حول مدلوله اللغوي فإن كلمة الأمر في الآيتين
الكريمتين لا تشمل بإطلاقها أصل الحكم والولاية لوجود قرينة حالية واضحة
يجمع عليها المسلمون وتؤكدها الحقائق التاريخية وهي أن النبي - والمسلمين
معه - في عصر نزول القرآن الكريم لم يشاور المسلمين بشأن أصل هذا الحق
وانما كان النبي يمارس هذا الحق بإعتباره مستخلفاً من الله تعالى فيه..
والآية تتحدث عن أن الشورى من صفات المؤمنين (وأمرهم شورى بينهم) نزلت في
مكة وليس للمسلمين حكم ولا مجتمع." على أنه يمكن القول أيضاً أن الاستعمال
يفيد في فهم ما بعد الاستعمال تاريخياً ولا يحصر المعنى في المستعمل، مضافاً
الى ما ذكر من أن الآيات التي يشتمل عليها هي صفة للأنصار في المدينة بعد
اسلامهم وقبل هجرة النبي اليهم.
الشورى
في السيرة النبوية
أ- السيرة
القولية
تزخر السنة النبوية الشريفة
القولية بالأحاديث التي تبين أهمية الشورى, وأهمية الأخذ بها ، وممن تؤخذ ،
وفي ما تؤخذ على أن أبرز ما يعنينا في بحثنا ما قاله صلى الله عليه وآله
وسلم عند ابلاغه قوله تعالى ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ولوكنت فظاً غليظ
القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت
فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ﴾
عن ابن عباس (الميزان ج4 ص 69)
قال : لما نزلت وشاورهم في الأمر - قال رسول الله (ص) اما ان الله ورسوله
لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشداً -
ومن تركها لم يعدم غياً.
والرحمة هنا متكاملة مع مؤدى
الآية ﴿ فبما رحمة من الله...﴾ الأمر الذي يبعد استشارة النبي للمسلمين عن
كونها حكماً تكليفياً نتيجة للسياق القرآني والتأكيد النبوي.
ب - السيرة
الفعلية
وهل كانت الشورى في حياة النبي
مبدءاً مطرداً أولاً ؟
يختلف المؤرخون في هذه الناحية
بين اقتصار المشاورة من النبي (ص) لأصحابه في شأن الحرب والسلم والمعاهدات
وبين تعدي المشاورة الى أمور أخرى تصل عند البعض حدّ التشريع كما في قصة
الأذان للصلاة بل ان الصورة التي يرسمها ابوهريرة للنبي (ص) "ما رأيت أحداً
أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله" (سيرة ابن هشام
ج 12 ص 202) ويضربون أمثلة لمشورته (ص) في الأمور الشخصية والعائلية
حتى يبدوكأنه (ص) لم يتخذ قراراً في حياته إلا بمشورة, وهوأمر على رجحانه
أخلاقياً وتربوياً الى حدٍّ ما إلاّ أن اطّراده أمر غير ممدوح عند العقلاء
بل ينقلب الى ضده.على أنه يكفينا في رد الاطراد أنه (ص) خالف رأي الاكثرية
في صلح الحديبية واكتفى بتوقيع اسمه الشريف دون صفة الرسالة وانه لم يستشر
أحداً في غزوة بني قريظة, ولم يستشر أحداً في التوجه الى فتح مكة ويمكن
تتبع مواقع كثيرة في هذا المجال.
وبهذا يمكن الرد على من ادّعوا
أن صيغة "الأمر" في قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) هي للوجوب لا للإستحباب,
فضلاً عن المناقشة العلمية التفصيلية.
3- الشورى في
القرآن الكريم
عدا الآيتين من سورة آل عمران
وسورة الشورى فإن ثمة آية تتعلق بالمسلمين في موضوع الشورى وهي قوله تعالى
في سورة البقرة الآية 233 ﴿ فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاور فلا
جناح عليهما..﴾
والقرآن الكريم لا يأتي
بالشورى الى المسلمين وهم يجهلونها, فقد عرفها العرب قبل الاسلام وعرفوا
فضلها ومع ذلك فإننا نرى في القصص القرآني نماذج للشورى تجعل اللفظ يتجه
الى معنى أصل استخراج الرأي ثم يكون الحكم بالالزام والإلتزام وكذلك الحكم
على الفعل بالمدح والذم راجعاً الى طبيعة العملية واثارها فمن ذلك شورى
بلقيس ﴿ ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون ﴾ وشورى فرعون ﴿ قال للملأ حوله ان
هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ﴾
وشورى أخوة يوسف ﴿إذ قالوا
لَيوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين, اقتلوا
يوسف واطرحوه أرضاً يخلُ لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين, قال
قائل منهم لا تقتلوه وألقوه في غيابت الجب.. ﴾
وشورى قوم ابراهيم (ع) ﴿قالوا
اقتلوه وحرقوه ﴾ ولا نريد تتبعها في القرآن الكريم لكننا نريد التأكيد من
هذا الجوالعام أن الشورى والمشاورة أصل فطري تاريخي وهوفي جانبه الممدوح
سجية أخلاقية اسلامية أكد عليها النبي (ص) وآله بعد مدح الله وأمره بها.
خلاصة القول أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم أسس لمبدأ الشورى رحمة بالأمة وتربية لها على استخراج الرأي
وأنه كان منه صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع لا يمكن ادعاء فراغها من
حكم الله وارادته ويبقى أن تحويلها الى آلية في العمل الدستوري والسياسي
والاجتماعي من الامور التي سكتت عنها الآيات والروايات والسيرة الفعلية وهي
تقبل التنوع والتعدد والأمة صائرة اليها بشرط عدم التعسف والاستبداد فتكون
كمن نقضت غزلها بعد قوة أنكاثاً.
والحمد لله رب العالمين.
الشيخ علي حسن
خازم
الأربعاء 5 شعبان 1424 ﻫ
الموافق ﻟ1 تشرين الأول 2003 |