|
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد: علي
حجازي
تعتبر حركة الغلو من القضايا
التي لازمت حركة المجتمع والمذاهب. وما عبادة الأصنام في التاريخ إلا مظهر
من مظاهر حركة الغلو.
وقد دخلت هذه الفكرة إلى
الديانات السماوية وقد تحدث القرآن الكريم عن ذلك عندما نهى أهل الكتاب عن
المغالاة في نفس الدين [قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم] على أساس أن
المغالاة في الدين تعظيم له في نظرهم.
وقد دخلت إلى الإسلام منذ عهده
الأول فقد ذكر الكشي رواية مرفوعة إلى الصادق أنه قال: جاء رجل إلى رسول
الله(ص) فقال السلام عليك يا ربي فقال(ص): مالك لعنك الله ربي وربك الله.
أسباب نشوء الغلو
هناك عدة تفسيرات لنشوء ظاهرة
الغلو.
1) ما ذكره ابن أبي
الحديد المعتزلي حيث عزى الغلو إلى أفكار الفرس بسبب الخلفيات الفكرية
المكتسبة لديهم من عقائدهم الوثنية ولذا جاء الغلو من العراق لتأثره بهذه
الأفكار.
2) ما ذكره كذلك ابن
أبي الحديد من التمييز بين طبيعتين بشريتين وفق بيئتين مختلفتين العراق
والحجاز فطباع الكوفة والعراق لينة شفافة وذلك لكونهم أكثر تمدناً من سكان
الحجاز حيث الطينة الجافة والخشونة وقساوة الصحراء. ويستشهد لكلا الأمرين
مما جرى مع الإمام علي(ع) حيث أنه لم يدَّع أحد المغالاة بحقه في الحجاز مع
أنه عاش معهم فترات طويلة بينما في العراق كانت 3 سنوات كافية لظهور حركة
الغلو بأشد أشكالها.
3) ما تبناه بعض
المعاصرين (حسن حنفي) من أن حركة الغلو ناشئة من الضعف الذي عاشه الشيعة
والظلم الذي لاقاه أئمتهم.
4) الطموح الذاتي
وحب الاستعلاء لدى بعض الناس الذين يفتشون عن موطأ قدم لهم في المجتمع
فوجدوا أن دعوة الغلو تعطيهم هذا المقام حيث كان الهدف ذاتياً لشخص المغالي
لكي يعطي لنفسه منصباً في نفوس الآخرين كالنبوة والولاية والإمامة وغيرها
ولا طريق لإثبات نبوته إلا بجعل إنسان آخر إلهاً يدعى كونه رسولاً له وهذا
ما حصل مع أكثر رؤساء المغالين.
فكان الانتساب للإمام بما له
من قدسية في نفوس العامة يفتح الطريق لمقبولية نبوة هذا الإنسان كأبي
الخطاب مثلاً.
وبمراجعة بسيطة، أو عميقة
للغلاة وتاريخهم يتبين لنا أن كل حركة غلو كانت تختزن وراءها دعوة قداسة
لرئيسها كالخطابية والنصيرية والمغيرية والكيسانية والحرورية والبيانية
والمنصورية وغيرها وغيرها إلا الغلاة الأوائل الذين أحرقهم علي(ع) وهم عبد
الله بن سبأ وأتباعه وقوم الزط.
أما الأول فلأنه كان يهودياً
وكان من طبعه الغلو وأما الزط فعلى ما قيل هم قوم من الهند وبشكل طبيعي
عقائد الهند ليست ببعيد عن الوثنية وتأليه الموجودات الإمكانية.
أقسام الغلو
يتبين من خلال الغلو مراجعة
التاريخ والنصوص أن الغلو على أقسام.
1- الغلو المذموم:
وهو الغلو
الذي لا يؤدي إلى الكفر والخروج عن الدين ولكنه مرفوض من قبل أئمة أهل
البيت(ع) ومنه:
ادعاء الناس عبيد لأهل البيت.
فإن هذا الادعاء أقصى ما يحمل معنى الرقية مثلاً وهذا المعنى ليس فيه خروج
عن الدين.
فقد روى الصدوق في عيون أخبار
الرضا عن أحمد بن زياد بن جعفر عن الهمداني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن
عبد السلام بن صالح الهروي قال قلت للرضا:
ورواها الشيخ المفيد عن الحسين
بن حمزة العلوي عن محمد الحميري عن عبد الله بن جعفر عن ابن عيسى عن بن
عبيد عن محمد بن زيد الطبري عن الرضا.
والرواية في السند الأول صحيحة
وفي الثانية ضعيفة لعدم توثيق محمد بن زيد الطبري خادم الرضا(ع).
ومن الواضح أن هذا التعبير مع
ما يختزنه من معنى غير مسموح به من قبل الشريعة المقدسة. إذ أن نسبة أمر ما
للإمام يحتاج إلى إذن إما عام أو خاص لا لتوفيقية الأسماء والصفات بالنسبة
إليهم عليهم السلام بل من باب وضع الحد لتجاوز الحدود وهذا إرشاد منهم لعدم
الوقوع في الإنحراف الذي يؤدي إلى الخروج عن الدين أولاً والإساءة لهم
وللإسلام ثانياً.
وقد روى الشيخ الصدوق في كتاب
الاعتقادات عن الإمام الرضا(ع) أنه كان يدعو بهذا الدعاء.
اللهم إني أبرأ إليك من الذين
قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا اللهم إني أبرأ إليك من الذين ادعوا لنا
ما ليس لنا بحق.
وقد يكون من هذا القسم التصريح
ببعض مقاماتهم في أماكن وحالات لا يرضون بها كما هو الحال لعلم الغيب حيث
وردت بعض الروايات التي تنفي علمهم المطلق بالغيب أو كما ورد من أن الإمام
الباقر(ع) كان يمنع جابر الجعفي من الحديث بما سمعه عنه في حقهم. وهذا
المنع له ظرفه التاريخي والاجتماعي ولذا ورد في مقابلة الحث على ذكر
مناقبهم ومقاماتهم ونشأتهم حتى يعرف الناس قدرهم فيتبعونهم ومن هذا الحديث
المشهور «قولوا فينا ما شئتم».
ولا بد من الإشارة إلى أن حصر
حركة الغلو في خط التشيع كما فعل الكثيرون مثل عبد الجبار في المغني وعلي
سامي النشار وحسن حنفي وغيرهم في غير محله لأن الغلو في الإسلام لا ينحصر
في التشيع ولم يبدأ منه.
2) الغلو الممنوع:
وهو الذي
يخرج من الدين ويؤدي إلى الكفر.
قال الشيخ الصدوق في كتاب
الإعتقادات:
اعتقادنا في الغلاة والمفوضة
أنهم كفار بالله جل اسمه.
وقال الشيخ المفيد في تصحيح
الاعتقاد:
الغلاة من المتظاهرين بالإسلام
هم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمة من ذريته إلى الألوهية والنبوة
ووصفوه في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا به الحد وخرجوا عن القصد. وهم ضلال
كفار حكم أمير المؤمنين فيهم بالقتل والتحريق بالنار وقضت الأئمة فيهم
بالكفر والخروج عن الإسلام.
يستفاد من هذين النصين أن غلو
الكفر على إنحاء بحيث أن وصف أي إنسان بصفة تدخله في دائرة الكفر وهي
الألوهية والنبوة والتفويض أما الألوهية فلأنها تؤدي إلى الشرك، وأما
التفويض فلأنه يؤدي إلى الشرك الأفعالي وأما النبوة لأنه ينافي الخاتمية
ويؤدي إلى تكذيب النبي(ص) بقوله: لا نبي بعدي.فالأول والثاني مفادها عقلي
والثالث ثابت بالنقل ولهذا فالغلو الكفري لا يحتاج إلى دليل لمنعه لآن دليل
التوحيد بدحضه وكل ما ينافي التوحيد فهو باطل قطعاً عقلاً وشرعاً.
والكلام في غلو الألوهية يتمثل
في نظريات ثلاث:
1- الألوهية المستقلة بدعوى
أن الشخص هو الله.
2- الحلول بدعوى حلول الله
أو روح الله أو نور الله في الشخص.
3- الجزئية بدعوى أن الشخص
هو عين الله أو وجهه أو يده أو أي عضو آخر يشكل جزءاً من الإله مادياً كان
أم مجرداً.
ولهذا سنركز البحث في النصوص
التي وردت والتي يمكن أن تكون مستنداً لفكرة الغلو بكل المعاني التي تقدمت.
والروايات على قسمين أساسيين:
1- روايات تنسب لأهل
البيت(ع)
2- روايات تنسب لأصحاب الغلو
ورؤسائهم.
ثم نذكر الروايات على حسب
الفكرة التي تحدثت عنها على التفصيل الذي تقدم. ألوهية- تفويض-نبوة. أو أي
صفة من الصفات المختصة بالله سبحانه.
ولا يعني وجود روايات أنه يصح
الاعتماد عليها بل لا بد من إخضاعها لموازين الصحة. هذا مضافاً إلى أنه هل
يصح التعويل على أخبار الآحاد في المسائل الاعتقادية أم لا، لأن فكرة الغلو
أو نسبة أمر للنبي أو للإمام مسألة عقائدية.
روايات تنسب لأصحاب الغلو
هناك مجموعة من الروايات نسبت
إلى الإمام أو النبي صفات تؤدي إلى الغلو صدرت بلسان أصحاب الغلو ولم تصدر
من الإمام(ع). وهذه النصوص لا يمكن التعويل عليها ولا تدخل في دائرة
الاستدلال لأنها مجرد أفكار عند أصحابها فقط.
الرواية الأولى: نقلها الكشي
عن ابن قولوية عن سعد عن محمد بن عيسى عن يونس قال: سمعت رجلاً من الطيارة
يحدث أبا الحسن عن يونس بن ظبيان أنه قال: (يعني يونس بن ظبيان) كنت في بعض
الليالي وأنا في الطواف فإذا نداء من فوق رأسي: يا يونس إني أنا الله لا
إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري.
فرفعت رأسي فإذا أبو الحسن.
فغضب أبو الحسن غضباً ثم قال
للرجل: أخرج عني لعنك الله ولعن من حدثك ولعن يونس بن ظبيان. أشهد ما ناداه
إلا الشيطان.
وسند الرواية صحيح ودلالتها
على الغلو واضحة إذ تدعي أن الرضا(ع) هو صاحب النداء والنداء يحمل دعوة
ألألوهية والربوبية. وهذه الدعوة جاءت من أهل الغلو والإمام ردها وحكم على
مدعيها بالكفر والعذاب الإلهي.
- الكشي عن الحسين بن الحسن بن
بندار القمي عن سهل بن زياد قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي الحسن العسكري(ع)
جعلت فداك يا سيدي أن علي بن حسكة يدعي أنه من أوليائك وأنك أنت الأول
القديم وأنه بابك ونبيك أمرته أن يدعو إلى ذلك ويزعم أن الصلاة والزكاة
والحج والصيام كل ذلك معرفتك.
فكتب عليه السلام: كذب ابن
حسكة عليه لعنة الله وبحسبك أني لا أعرفه في موالي ماله لعنه الله. فوالله
ما بعث الله محمداً والأنبياء قبله إلا بالحنيفية والصلاة والزكاة والصيام
والحج والولاية وما دعى محمد(ص) ألا إلى الله وحده لا شريك له. وكذلك نحن
الأوصياء من ولده عبيد الله لا نشرك به شيئاً.
والرواية ضعيفة السند ولكن
دلالتها واضحة ووزانـها وزان الرواية التي سبقتها وتزيد هذه الرواية أنها
تؤيد دعوة أن الغلاة يطلبون مقاماً لأنفسهم حيث ادعى ابن حسكة أنه نبي.
- ابن قولويه عن سعد عن محمد
بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا
عبد الله(ع) يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ أنه ادعى الربوبية في أمير
المؤمنين.
وهذه الرواية صحيحة من حيث
السند ودلالتها واضحة أنها تنسب الربوبية لأمير المؤمنين عند أهل الغلو
وفيها لعن لمن ادعى ذلك وهو دليل على بطلانها وكفر قائلها وفيها رفض لهذه
الفكرة من الإمام(ع) بأشد أنواع الرفض لأنه يرفضها بذكر آثارها القبيحة.
وجاء في رواية عن بشار أحد
رؤوس الغلاة أن الصادق(ع) أرسل إليه من يلعنه ويكفره فعندما سمع ذلك سرَّ
وقال: وقد ذكرني سيدي ثم أخذ يدعو لمن أخبره بذلك.
- الكشي عن سعد بن أحمد بن
محمد عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن عمر بن اذينه عن برير
عن معاوية العجلي قال: كان حمزة بن عمارة الزبيدي يقول لأصحابه أن أبا جعفر
يأتيني كل ليلة ولا يزال إنسان يزعم أنه قد أراه إياه. فقرر لي أن لقيت أبا
جعفر فحدثته بما يقول حمزة فقال. كذب عليه لعنه الله ما يقدر الشيطان أن
يتمثل في صورة نبي أو وصي نبي.
وإدعاء حمزة لرؤية أبي جعفر
ادعاء وهي بمعنى أن أبا جعفر يوحي إليه وهو ادعاء ألوهية لأبي جعفر وكان
الرد قاسياً أن كذب حمزة بادعائه ولعنه لأن هذه الدعوى باطلة وضالة ثم بين
علة سقوط هذه الدعوى بنفي تمثل الشيطان به عليه السلام.
- وقد نقل الكشي: ذكرت الطيارة
الغالية في بعض كتبها عن المفضل أنه قال: لقد قتل مع أبي الخطاب سبعون
نبياً كلهم رأى وهلل أي رأي الإله وهلل-ثم قال: أدخلنا على أبي عبد الله
ونحن اثني عشر رجلاً قال فجعل أبو عبد الله يسلم على رجل رجل منا ويسمى كل
رجل منا باسم نبي فقال لبعضنا السلام عليك يا نوح. السلام عليك يا إبراهيم
وهكذا.
والرواية غير صحيحة لكون الكشي
نقلها عن بعض الكتب غير المعروفة ومن حيث الدلالة فهي تنسب الإلوهية للإمام
الصادق وهذه النسبة صادرة من أصحاب الغلو وتجعل أصحابها أنبياء والإمام
إلهاً.
- ابن قالويه عن سعد عن محمد
بن عثمان عن يونس عن عبد الله بن سنان عن أبيه عن الباقر(ع): أن عبد الله
بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين هو الله فبلغ ذلك أمير
المؤمنين فدعاه وسأله فأقر بذلك وقال: نعم أنت هو وقد كان ألقي في روعي أنك
أنت الله وإني نبي وواضح من هذه الرواية أن عبد الله بن سبأ هو من ادعى من
تلقاء نفسه ولم يستند في دعواه على أي مستند من الشارع ولو على نحو الشبهة
وجاءت بسند آخر ابن قولويه عن سعد عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن ابن
أبي عمير عن هشام بن سالم عن الصادق(ع).
وفي عيون أخبار الرضا عن ابن
المتوكل عن علي عن أبيه عن علي بن معبد عن الحسين بن خالد الصيرفي قال: قال
الرضا(ع) لعن الله الغلاة الا كانوا مجوساً الا كانوا نصارى الا كانوا
قدرية ثم قال: لا تقاعدوهم. وابرأوا منهم برئ الله منهم.
والرواية ضعيفة بأكثر من واحد
وينقل الكشي عن سعد عن محمد بن
عيسى عن يونس عن اسحاق بن عمار قال أبو عبد الله(ع) لبشار الشعيري، ألا قال
بما قالت اليهود ألا قال ما قالت النصارى ألا قال ما قالت المجوس أو
الصابئة والله ما صغر الله تصغير هذا الفاجر أحد. إلى أن قال: يا ويله ما
له أرعبه الله فلقد أمن على فراشه وأفزعني وأقلقني عن رقادي.
الرواية صحيحة السند وواضحة
الدلالة وهي مع سابقتها رد واضح على هذه الدعاوى الباطلة حتى جعلت
ادعاءاتهم أسوء من الكفر الموجود في الخارج. فالمجوسية أسهل مما ادعوه.
ولعل ذلك يعود إلى أن الكفر واحد وهو أمر سلبي بكل معانيه ولكن هذا الكفر
يحقق مساوئ زائدة على أصل الكفر وذلك من خلال زج أسماء أهل البيت(ع) في هذه
الأباطيل مما يجعلهم في معرض الإساءة وابتعاد الناس عنهم وهذا بنفسه نقض
لغرضهم التشريعي لأن عدم مقبوليتهم عليهم السلام عند الناس إغلاق لباب
الإيمان والهداية أمام الناس.
- روى محمد بن مسعود عن الحسين
بن شكيب عن محمد بن أورمة عن محمد بن خالد البرقي عن أبي طالب القمي عن
حنان بن سرير عن أبيه قال قلت لأبي عبد الله(ع) أن قوماً يزعمون أنكم آلهة
يتلون علينا بذلك قرآناً: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً
أني بما تعملون عليم.
قال(ع): يا سديد سمعي وبصري
وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء برء الله منهم ورسوله ما هؤلاء على
ديني ودين آبائي. وهذا الحديث ينسب الألوهية للأئمة على لسان الغلاة
والإمام(ع) يعلن براءته منهم ويخرجهم من دين الإسلام.
- الكشي عن محمد بن مسعود عن
عبد الله بن محمد بن خالد عن علي بن حسان عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد
الله(ع) قال: ذكر عنده جعفر بن وافد ونفر من أصحاب أبي الخطاب فقيل: أنه
صار إلى النمرود وقال فيهم، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله قال: هو
الإمام
وفي الكافي بإسناده عن هشام
ابن الحكم قال أبو شاكر الديصاني: إن في القرآن آية هي قولنا (يعني تؤيد
معتقدهم) قلت ما هي قال: هو الذي في السماء إله وفي الأرض إله. فلم أدر ما
أجيبه فحججت فخبرت أبا عبد الله(ع) فقال، هذا كلام زنديق خبيث.
وفي هذين الخبرين استغلال سيء
لآيات الله من خلال عقول العامة حيث حاول الغلاة إغواءهم بهذه الآية لتأييد
عقائدهم الفاسدة. حتى أن هشاماً تحير في الجواب.
وهذه الدعوى باطلة لأنها شرك
ووثنية نشيه العقائد الوثنية القديمة وهذه الوثنية التي تجعل إلهاً بعيد
المنال وإلهاً قريب المنال يمكن أن يشبع الإيمان به غرائزهم وأطماعهم.
- الطوسي عن الحسين بن عبد
الله عن أحمد بن محمد بن يحي عن أبيه عن أحمد بن محمد بن خالد عن العباس بن
معروف عن عبد الرحمن بن مسلم عن الفضل بن يسار قال، قال الصادق(ع) احذروا
على شبابكم الغلاة. لا يفسدونهم فإن الغلاة شر خلق الله يصغرون عظمة الله
ويدعون الربوبية لعباد الله.
ثم قال: إلينا يرجع الغالي فلا
نقبله وبنا يلحق المقصر فنقبله فقيل له كيف ذلك فقال(ع) لأن الغالي قد
اعتاد ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج فلا يقدر على ترك عادته وعلى
الرجوع إلى طاعة الله والمقصر إذا عرف عمل وأطاع.
وهذا النص يبين خطورة خط الغلو
لأنه يفسد العقيدة والعمل ويشكل حاجزاً عن الإنابة لما فيه من أمور تنسجم
مع هوى النفس وأطماعها. فالغالي يترك الطاعة باسم الدين. ولهذا ورود في
رواية نقلها الكشي عن حمدويه عن محمد بن عيسى عن يونس عن بشير الدهان عن
أبي عبد الله قال: كتب أبو عبد الله إلى أبي الخطاب بلغني أنك تزعم أن
الزنا رجل وأن الخمر رجل وأن الصلاة رجل وإن الصيام رجل وأن الفواحش رجل
وليس هو كما تقول: أنا أصل الحق وفروع الحق طاعة الله فهذه التأويلات لآيات
الله يراد منها إفساد العقول والشريعة.
وهذه الروايات تبين أن ما
يذكره الغلاة ادعاءات من عند أنفسهم أرادوا إسقاطها على الآيات والإمام
عليه السلام العالم بالآيات وتأويلها بين بطلان هذه الدعاوى وبين ميزان
الحق الذي تزان كل الأفكار والعقائد والدعاوى ألا وهو طاعة الله.
فالحق عندهم عليهم السلام
ومنهم يؤخذ وطاعة الله عبرهم.
فأي عقيدة لا يوافقون عليها
فهي ضلال وكل عمل لا ينسب إليهم فليس بطاعة.
والخلاصة التي نستفيدها من هذه
الروايات أن دعاوى الغلو لا أساس لها على لسان الأئمة عليهم السلام وإنما
الإمام كان يواجهها وعليه فمن الخطأ أن ينسب الغلو إلى مذهب أهل البيت كما
يفعل الكثيرون الذين لا ينظرون إلى الحقيقة إلا بعين غامضة.
القسم الثاني: الروايات
الصادرة على لسان الأئمة.
لقد حاول بعض الغلاة أن يبني
عقيدته على ما صدر عن الأئمة عليهم السلام مستفيداً من بعض العبائر التي
يساء استغلالها ويضلل فيها صغار العقول من العوام.
وهذه الروايات لا بد من
إخضاعها لمنهج الفهم الصحيح وعدم الوقوف عن ظاهرها إذ الميزان في فهم النقل
هو العقل أولاً والمراد بالعقل العقل البديهي تلك القضايا الأولية المتفق
عليها بين العقلاء وثانياً عدم مخالفة الوحي القرآني مخالفة تباين لأن
الوحي القرآني هو الخط العريض والأساس للإسلام وميزانية القرآن لا على أساس
ما ورد في التعارض والأخذ بما وافق الكتاب بل على أساس أن ما خالف كتاب
ربنا لم نقله أو أنه زخرف باطل.
الرواية الأولى:
رواها الصدوق عن علي بن أحمد
بن محمد بن عمران الدقاق عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي عن موسى بن عمران
عن النوفلي عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال قلت: لأبي عبد الله أخبرني
عن الله هل يراه المؤمنون يوم القيامة قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة
فقلت متى قال: حين قال ألست بربكم قالوا بلى ثم سكت ساعة ثم قال وإن
المؤمنين يرونه في الدنيا قبل القيامة ألست تراه في وقتك هذا قال أبو بصير
جعلت فداك فأحدث بهذا عنك قال: لا.
والرواية من حيث السند ضعيفة
بأكثر من واحد بين مجهول وضعيف وواضح أن ظاهر هذه الرواية تثبت الرؤية لله
سبحانه ولكن تثبت رؤية الله لموجود شخصي ألست تراه في وقتك هذا حيث يفهم من
هذه العبارة أن المرئي موجود أمامك وما هو إلا الإمام(ع).
ويكفي جواباً على هذا الفهم
أولاً منافاتها للتوحيد والبساطة والتجرد وثانياً ما ورد عن علي(ع)
والصادق(ع) لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ولكن تراه القلوب بحقائق
الإيمان.
- الكليني عن محمد بن يحي عن
أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن سنان عن أبي سلام النماس عن بعض أصحابنا
عن أبي جعفر(ع) قال: نحن المثاني الذي أعطاه الله نبينا محمداً ونحن وجه
الله نتقلب في الأرض بين أظهركم ونحن عين الله في خلقه ويده المبسوطة
بالرحمة على عباده.
والرواية ضعيفة بمحمد بن سنان
وأبي سلام.
- الكليني عن محمد بن أبي عبد
الله عن محمد بن إسماعيل عن الحسين بن الحسن عن بكر بن صالح عن الحسن بن
سعيد عن الهيثم بن عبد الله عن مروان بن صباح قال، قال أبو عبد الله: إن
الله خلقنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه في عباده ولسانه الناطق في خلقه ويده
المبسوطة على عباده بالرأفة والرحمة ووجهه الذي يؤتى منه وبابه الذي يدل
عليه وخزانة في سمائه وأرضه. بنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار
وبنا ينزل الغيث وينبت العشب وبعبادتنا عبد الله ولولا نحن ما عبد الله.
والرواية ضعيفة بأكثر من واحد
- وروى الصدوق عن علي بن أحمد
بن محمد بن عمران الدقاق عن محمد بن جعفر الكوفي عن موسى بن عمران عن
الحسين بن يزيد عن علي بن الحسين عمن حدثه عن عبد الرحمن بن كثير عن
الصادق(ع) قال أمير المؤمنين: أنا علم الله أنا قلب الله الواعي ولسان الله
الناطق وعين الله وجنب الله وأنا يد الله والرواية ضعيفة.
وهذه الروايات مع ضعفها
جميعاً، ففيها إشارة إلى ألوهية جزئية أي نسبة الإمام إلى جزء إله. عين أو
قلب أو يد أو هكذا.
ومن الواضح أنه ليس المراد
الجزئية المادية. ولا الجزئية غير المادية ولكن باعتبار أنهم عليهم السلام
خلفاء الله في خلقه، فقد أعطاهم الرقابة على الخلق لإصلاحهم فكانوا عين
الله أي يقومون بالدور الذي يتناسب مع آلة المراقبة وبما أن العين هي العضو
المراقب فعبّر عنهم بذلك. فهو تعبير كنائي للدور الذي حملوه.
وهكذا اليد، فهم السلطة ولهم
السلطات على الناس في هدايتهم نحو الخير وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا. ومن
دون السلطة لم يمكن أن تتحقق الهداية ولهذا كان لهم السلطة على النفوس
والأرواح، سلطة بلا جيش ولا سيف. ولهذا كانت هذه السلطة اليد الرحيمة
والرؤوفة.
وهكذا الوجه لأن الوجه هو
الجزء الذي يواجه به الآخرون. فهم بما يتحلّون من صفات حميدة، يواجه الله
بهم عباده في مقام التوجه نحو الكمال الوجودي للإنسان.
واللسان الناطق هو الوحي
المترجم وقد وردت العديد من الروايات عن كونهم تراجمة وحي الله.
وجاء في الزيارة الرجبية التي
نقلها الشيخ الطوسي في المصباح: أخبرني جماعة عن إبن عباس مما خرج على يد
الشيخ محمد بن عثمان من الناحية المقدسة ما حدثني به جبير بن عبد الله
قال:... إلى قوله [لا فرق بينك وبينهم إلا أنهم عبادك وخلقك. فتقها ورتقها
بيدك] وهي ضعيفة أولاً ودلالتها تثبت عدم الفرق بين الله والأئمة ولكنها
تثبت العبودية والمخلوقية لهم وعدم الفرق هذا قد يكون من ناحية مثلية
الصفات أو الاستخلاف التشريعي أي لا فرق بينك وبينها في التشريع.
- الكليني عن الحسين بن محمد
الأشعري ومحمد بن يحيى بن أحمد بن إسحاق عن سعدان بن مسلم عن معاومة بن
عمار عن الصادق(ع) في قول الله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) نحن
الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من عباده عملاً إلا بمعرفتنا وهذه
الرواية صحيحة.
وجه الاستدلال عند الغلاة أن
الإسم عين المسمى فلمّا كانوا أسماء الله فهم هو ويرده بطلان التعدد في
الذات بتعدد الأسماء والإسم يدل على المسمى بما هو إسم مغاير للمسمى
والرواية نفسها تشير إلى المغايرة فهم الإدلاء على الله بالحسنى.
- ما رواه الكليني عن محمد بن
يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن حكم عن الربيع بن محمد المسلي عن عبد الله
بن سليمان عن الصادق(ع): قال لي: ما زال سرنا مكتوماً حتى صار في يدي ولد
كيسان فتحدّثوا به في الطريق وفري السواد والرواية ضعيفة بالربيع بن محمد
المسلي.
- وفي رواية أخرى: الكليني عن
أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن ابن الحجاج عن
الصادق(ع): من استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلّط الله عليه حرّ الحديد وهذه
الرواية صحيحة.
والسر الذي يتحدّث عنه الإمام
ليس أمراً لا تقتضيه الإمامة بنفسها كالربوبية والخالقية وغيرها فمقام
الإمامة بذاته سرّ لا يتحمله أي إنسان كما ورد أمرنا صعب مستصعب. فمقام
الإمامة وما تعنيه هو السرّ الذي لا يرضى الإمام بإشاعته كيفما كان كي لا
يستغل بشكل سلبي خاصة لدى الحاكم الجائر ولهذا كما ورد كان الإمام
الباقر(ع) ينهى جابراً الجعفي عن التحديث بما يعلم ويسمع من مقامات أهل
البيت(ع).
- في غيبة الطوسي: أخبرني
جماعة عن التلعكبري عن أحمد بن علي الرازي عن الحسين بن علي القمي عن محمد
بن علي بن بنان الطلحي الآبي عن علي بن محمد بن عبدة النيسابوري عن علي بن
إبراهيم الرازي قال:حدّثني الشيخ الموثوق به بمدينة السلام: ثم يذكر رسالة
بخط الإمام العسكري يقول فيما يقول فيها: نحن صنائع ربنا والخلق بعد
صنائعنا. والرواية ضعيفة بأكثر من واحد.
وكون الخلق صنائعهم لا يعني
أنهم مخلوقون لهم فالصنيع هو المربى على يديه. كما في قوله تعالى لموسى(ع)
ولتصنع على عيني. إذاً الصناعة التربية والهداية. فهم عليهم السلام هداة من
الله وبهم هدى الناس واهتدوا. فلا دلالة لهذه الرواية على الخلق بشيء.
- الزيارة الجامعة حيث ورد
فيها عبائر تبين حقيقة الإمام في الوجود. يمكن حرفها نحو غير المقصود.
وجاء سندها كالتالي: ذكرها
الصدوق عن علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق ومحمد بن أحمد السناني وعلي
بن عبد الله الوراق والحسين بن إبراهيم بن أحمد جميعاً عن محمد بن أبي عبد
الله الكوفي وأبو الحسين الأشعري عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن موسى بن
عمران النخعي عن الإمام الهادي(ع) وهذا السند فيه مشكلة واحدة وهو موسى بن
عمران النخعي وهو يمكن توثيقه بناء على وجوده في أسانيد كامل الزيارات على
من يقول بهذا المبنى. بل شهرة هذه الزيارة كافية لإثباتها مع ما فيها من
مضامين لا تصدر إلا عن أهلها.
ولا بأس بالإشارة إلى بعض
فقرأتها: جاء في الزيارة: [بكم فتح الله وبكم يختم وبكم يمسك السماء أن تقع
على الأرض].
والمراد بالفتح إما الفتح
الوجودي بمعنى أنهم عليهم السلام أول الخلق وأخرهم وهذا المعنى لا خير فيه
إذا دل عليه الدليل وهناك العديد من الروايات تؤيد ذلك وإما فتح هداية أي
بكم فتح الهداية وبكم يختمها بحكومة العدل الإلهي بالمهدي (عج) وإمساك
السماء بهم من أن تقع، فلأن وقوع السماء له أسبابه التكوينية المرتبطة
بأفعال العباد في الأرض كما عبر الآية الكريمة:[تكاد السماء يتفطرن من
فوقهن أن دعوا للرحمن ولدا]
فالضلال والكفر يؤدي إلى
الهلاك والفساد ووجودهم عليهم السلام يمنع من الضلال والكفر فهم أمان لأهل
الأرض كما أنهم أمان لأهل السماء فعندها يكونون سبباً لإمساك السماء.
وهذه الفقرات تؤكد وجود إله
فوق الأئمة هو الذي يفتح ويختم ويمسك السماء لأجلهم وهذا يتنافى تماماً مع
الغلو.
- نقل الكشي عن سعد عن أحمد بن
محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن أبن أبي عمير عن هشام بن الحكم عن
الصادق(ع) قال: إن بناناً والسري وبزيعا لعنهم الله تراءى لهم الشيطان في
أحسن ما يكون صورة آدمي من قرنه إلى سرته. قال، فقلت: إن بنانا يتأول هذه
الآية [وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله] إن الذي في الأرض غير إله
السماء وإله السماء غير إله الأرض وان إله السماء أعظم من إله الأرض وأن
أهل الأرض يعرفون فضل إله السماء ويعظّمونه فقال(ع): لا والله ما هو إلا
الله وحده لا شريك له إله من في السموات وإله من في الأرضين كذب بنان عليه
لعنة الله لقد صغّر الله وصغّر عظمته.
الرواية صحيحة وفيها رد واضح
على دعوى الغلاة بل لا تصلح لدعواهم أصلا لأن ظاهرها الوحدة وتتحدّث عن
موجود واحد لا اثنين (هو الذي) فهو إله واحد تبقى الروايات التي تحدثت عن
غلو الصفات وعن النبوة.
فهناك مجموعة من الروايات
تحدّث عن إحيائهم الموتى من ذلك رواية نقلها الحافظ رجب البرسي عن علي(ع)
في قوله تعالى [يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده] قال علي(ع) ولا
يعطى هذا الروح إلا من فوض الأمر والقدر وأنا أحيي الموتى.
وفي حديث عن الإمام السجاد(ع)
من خصّه الله بالروح فقد فوض إليه أمره أن يخلق بإذنه.
وعن الباقر(ع): من خصّه الله
بالروح فقد فوّض إليه أمره يخلق بإذنه ويحيي بإذنه وهذه الروايات فيها
الجواب الشافي مع ما فيها من الضعف السندي لأنها لا تعطي للإمام حق الإحياء
المستقل بل بإذن من الله سبحانه أو مع الدعاء أو مع الصلاة كما في بعض
روايات الإحياء أو كون ذلك من الكرامات الإلهية على أيديهم عليهم السلام
حفظاً للدين كالمعجزة..
- ثم إن كل ما بقيت إليهم صفة
الخلق والرزق أو الإحياء أو الأمانة فهو التفويض والتفويض مرفوض عند الشيعة
أئمة وعلماء لما فيه من شرك بالله مع الإشارة إلى أن المراد بنسبة هذه
الصفات إليهم على نحو الاستقلال وإما كونهم يفعلون بإذن من الله فهذا أمر
ثابت في محله وليس من التفويض بشيء.
-في عيون أخبار الرضا ينقل
الصدوق عن ماجيلويه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ياسر الخادم عن الإمام
الرضا(ع) ما تقول في التفويض قال(ع): إن الله فوض أمر دينه إلى نبيّه (ص)
فأما الخلق والرزق فلا. إن الله يقول (الله خالق كل شيء).
والمشكلة السندية في ماجيلويه
وفي ياسر الخادم والأول هناك من يوثقه للمشيخة والثاني هناك من يوثقه لكونه
واقعاً في تفسير علي بن إبراهيم. وعليه فالرواية تنفي التفويض في الخلق
والرزق وتثبت التفويض في التشريع .
- الكشي عن محمد بن الحسن
البراتي وعثمان بن حامد قالا: حدّثنا محمد بن يزداد عن محمد بن الحسين بن
موسى بن يسار عن عبد الله بن شريك عن أبيه قال بينا علي(ع) عند امرأة من
عنزه وهي أم عمر وإذ أتاه قنبر فقال: إن عشرة نفر بالباب يزعمون أنك ربّهم
قال أدخلهم قال فدخلوا عليه فقال ما تقولون فقالوا: إنك ربّنا وأنت الذي
خلقنا وأنت الذي ترزقنا فقال لهم ويلكم أنا مخلوق مثلكم. فأبوا أن يقلعوا
فقال لهم: ويلكم ربّي وربّكم الله توبوا وارجعوا فقالوا، لا نرجع عن
مقالتنا أنت ربّنا ترزقنا وأنت خلقتنا، ثم أمر بهم عليهم السلام وأحرقهم
بالنار.
وهذه الرواية ضعيفة ولكنها
تنفي كون الإمام خالقاً أو رازقاً.
- الصدوق عن محمد بن علي بن
بشار عن أبو الفرج المظفر عن أحمد بن الحسن القزويني عن العباس بن محمد بن
قاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر عن الحسن بن سهل القمي عن محمد بن خالد عن
أبي هاشم الجعفري عن الإمام الرضا(ع) قال: الغلاة كفار والمفوضة مشركون من
جالسهم أو خالطهم أو آكلهم أو شاربهم أو واصلهم أو زوجهم أو تزوج منهم أو
آمنهم أو ائتمنهم على أمانة أو صدق حديثهم أو أعانهم بشطر كلمة خرج من
ولاية الله وولاية رسوله وولايتنا أهل البيت.
هذا التشديد بالمنع عن الغلاة
والمفوضة يدل على خطورة هذه الأفكار وفي مقابل ذلك حث أئمة أهل البيت
أتباعهم عن الابتعاد عن حركات الانحراف كي يكونوا الأسوة الحسنة في
الإقتداء فقد روى الكليني عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة عن
بعض أصحابه عن أبان عن عمرو بن خالد عن أبي جعفر(ع) قال: يا معشر الشيعة
شيعة آل محمد كونوا الفرقة الوسطى يرجع أليكم الغالي ويلحق بكم التالي فقال
له رجل من الأنصار يقال له سعد: جعلت فداك ما الغالي: قال(ع) قوم يقولون
فينا ما لا نقوله في أنفسنا فليس أولئك منا ولسنا منهم.
يستفاد من هذا الحديث أنه لا
يجوز أن ننسب للأئمة الصفة أو الإسم الذي نشاء لا لتوقيفية الأسماء والصفات
في حقهم بل درأ للمفاسد من هذا الانتساب ولهذا فما منعوا عنه لا يجوز نسبته
إليهم إلا بتأويل.
ومن هنا نستفيد من خلال
الروايات أن المغالاة قد تكون حقيقية تخرج من الدين وهي التي تؤدي إلى
الكفر أو الشرك أي نسبة صفة إلهية لغير الله كالقدم الذاتي مثلاً وهناك
مغالاة ممنوع عنها ولكنها لا تؤدي إلى الكفر أو الشرك وليست مغالاة حقيقية
وهي التعبير بعبائر منعوا عنها في حقهم كالخالقية. فإنهم عليهم السلام لا
يستحيل في حقهم الخلق بإذن الله ولكنهم منعوا وصفهم بذلك ويعتبر ذلك غلواً
تعبيرياً فعند ذلك تخرج هذه القضية من دائرة القضايا العقائدية إلى دائرة
الأحكام الفرعية.
- روى الصدوق عن تميم بن عبد
الله القرشي عن أبيه عن أحمد بن علي الأنصاري عن برير عمير بن معاوية
الشامي عن الرضا(ع) من زعم أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال
بالتفويض والقائل بالتفويض مشرك.
وأما نفي النبوة عنهم ففيها
حيثيات حيثية الكفر لأنها تنافي ختم النبوة أو تكذيب للنبي(ص) وحيثية منع
من وصفهم بهذا الوصف حتى لو كان مقامهم فوق مقام النبوة.
- روى الكشي عن محمد بن مسعود
عن عبد الله بن محمد بن خالد عن الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد
الله(ع) قال. من قال أنا أنبياء فعليه لعنة الله ومن شك في ذلك فعليه لعنة
الله.
- وعن محمد بن مسعود عن ابن
المغيرة عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير عن حماد عن حريز عن زرارة قال
أبو عبد الله(ع): أن أهل الكوفة قد نزل فيهم كذاب أما المغيرة فإنه يكذب
على أبي قال: حدثه أن نساء آل محمد إذا حضن قضين الصلاة كذب والله عليه
لعنة الله ما كان من ذلك شيء ولا حدثه.
والرواية صحيحة حين تنفي
النبوة باللازم عند نفيها لحكم يخالف حكم محمد(ص). لأن دعوة النبوة هي التي
يدعى فيها تغيير الأحكام فقط.
- وعن محمد بن الحسن البرائي
وعثمان قالا حدثنا محمد بن يزداد عن محمد بن الحسين عن الجمال عن أبي مالك
الحضرمي عن أبي العباس البقباق قال تدارس ابن أبي يعفور ومعلى بن خنيس فقال
ابن أبي يعفور: الأوصياء علماء أبرار أتقياء وقال ابن خنيس: الأوصياء
أنبياء قال فدخلا على أبي عبد الله(ع) قال فلما استقر مجلسهما قال. فبدأهما
أبو عبد الله(ع) فقال: يا أبا عبد الله أبرأ ممن قال أنا أنبياء.
الكشي عن حمدوية عن يعقوب بن
برير عن ابن أبي عمير عن جعفر بن عثمان عن أبي بصير قال. قال أبو عبد
الله(ع) يا أبا محمد أبرأ ممن يزعم إنا أرباب قلت: برئ الله منه. قال: أبرأ
ممن يزعم أنا أنبياء قلت برئ الله منه.
ويتخلص مما تقدم أن القول
بالألوهية والتفويض والنبوة مرفوض ويؤدي إلى الخروج من الدين أما الألوهية
والتفويض والنبوة مرفوض ويؤدي إلى الخروج من الدين أما الألوهية فمطلقاً
وأما النبوة فما كانت تنافي الخاتمية وتكذيب النبي(ع) دون معناها اللغوي
إلا من باب المنع من التعبير كحكم فرعي وأما التفويض فعلى نحو الاستقلالية
أو كحكم فرعي في التعبير عنهم بصفات اختص بها سبحانه حتى في مقام التوصيف.
وإلا فالتفويض شرك كما تقدم في رواية عن الرضا(ع) ونقل الصدوق في
الاعتقادات عن الصادق(ع) أنه قيل للصادق(ع) أن رجلاً يقول بالتفويض فقال(ع)
ما التفويض؟ فقيل له: إن الله عز وجل خلق محمداً وعلياً ثم فوض الأمير
إليهما فخلقا ورزقا وأحييا وأماتا فقال(ع) كذب عدو الله إذا رجعت إليه
فاقرأ الآية التي في سورة الرعد [أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقة فتشابه
الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار].
- وروى الكليني عن علي بن محمد
عن صالح بن أبي حماد عن محمد بن أورمة عن ابن سنان عن المفضل عن عمر قال:
تناظرنا في الربوبية فقال بعضنا لبعض ما تصنعون بهذا (يعني الإمام) نحن
بالقرب منه وليس منا في تقية قوموا بنا إليه فقمنا فوالله ما بلغنا الباب
إلا وقد خرج علينا بلا حذاء ولا رداء قد قام كل شعرة من رأسه منه وهو يقول:
لا لا يا مفضل ويا قاسم ويا نجم لا. لا بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول
وهم بأمره يعملون.
- الكشي عن سعد عن محمد بن
الحسين عن صفوان بن يحي عن ابن مكان عمن حدثه من أصحابنا عن أبي عبد
الله(ع) قال سمعته يقول: لعن الله المغيرة بن سعيد أنه كان يكذب على أبي
فأذاقه الله حر الحديد. لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا. ولعن
الله من أزالنا عن العبودية.
وبعد كل ما تقدم وهو بعض مما
هو موجود في تراثنا لا يعذر من ينسب التشيع إلى الغلو إلا جاهل أو مغرض.
ومن الآثار السلبية لحركة
الغلو ما نقله الكشي عن يحي بن عبد الحميد في كتابه إثبات إمامة أمير
المؤمنين(ع): قلت لشريك أن أقواماً يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف الحديث
فقال أخبرك القصة كان جعفر بن محمد رجلاً صالحاً مسلماً ورعاً فاكتنفه قوم
جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده يقولون حدثنا جعفر بن محمد ويحدثون
بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر يستأكلون الناس بذلك.
وهذه الرواية والكتاب غير
معلوم ولكن تكشف عن أثر من أثار الغلو ألا وهو تضعيف الإمام في أعين الناس
وبالناس ينسد باب الهداية. فيكون ذلك من باب الذين يحادون الله ورسوله.
خاتمة:
الملاحظ والمستقرء لحركة الغلو
يجد أنها مرت بأطوار متعددة. وكانت تأخذ أشكالاً مختلفة وتتطور مع الزمان.
من الألوهية إلى الشرك إلى التفويض إلى النبوة إلى التعظيم الذي لا إذن فيه
وهي تكشف عن غايات شخصية لرؤوس الغلاة. فقد كانت بعض أفكار الغلاة تبدأ من
ادعاء النبوة للإمام ثم ادعاء الألوهية للإمام والنبوة لصاحب الدعوة.
وهذه الأفكار ليست مختصة
بالشيعة فقط غير أن يد السلطة استغلت غلاة الشيعة ضد خط الرفض للسلطان
الجائر فهناك حركات غلو خارج خط التشيع فاليزيديون وهم قوم يؤمنون بنبوة
يزيد ابن معاوية أو ألوهيته. والروندية أو المنصورية وهم الذين يؤمنون
بألوهية المنصور الدوانيقي الخليفة العباسي وأنه هو الله وأنه أرسل أبا
مسلم الخرساني نبياً له والمسلمية ادعوا ألوهية أبي مسلم الخراساني.
فحركة الغلو في الإسلام لا تقف
عند حدود الشيعة والأنصاف القول أن لا غلو في خط التشيع ولكن العجب عند غير
الشيعة حيث نجد أن دعوة الغلو لا تلقى رفضاً كما كانت تلقاه عند أئمة
الشيعة وعلمائهم.
وقد نقل الكشي رداً عاماً على
الغلاة. عن سعد بن عبد الله عن محمد بن خالد الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي
نجران عن ابن سنان قال أبو عبد الله(ع): أنا أهل بيت صادقون لا نخلو من
كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبة علينا عند الناس كان رسول الله(ص) أصدق
البرية لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه وكان أمير المؤمنين(ع) أصدق من برأ الله
بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه بما يفتري عليه من
الكذب عبد الله بن سبأ وكان أبو عبد الله الحسين(ع) قد ابتلى بالمختار ثم
ذكر عليه السلام الحارث الشامي وبنانا فقال كانا من يكذبان على علي ابن
الحسين(ع) ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيعاً والسرى وأبا الخطاب ومعمراً
وبشاراً وحمزة الزبيدي وصائد النهري فقال: لعنهم الله أنا لا نخلو من كذاب
يكذب علينا أو عاجز الرأي كفانا الله مؤنة كل كذاب وأذاقهم حر الحديد. |