نهج البلاغة


كلمة مقدم الندوة: الحاج محمد شري

بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعز المرسلين سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. نرحب بالسادة الحضور الكرام مهنئين إياهم بحلول هذا الشهر الشريف المبارك شهر الرحمة والمغفرة والرضوان.

للجهاد في الإسلام معنى وإطار يتسع ليشمل حركة الإنسان في حياته كلها على مستوى  الفردٌ والمجتمع في مقاومة كل عناصر الشر وكل موانع الخير في هذه الحياة ،وهو تعبير عن بذل أقصى جهد في سبيل الله، وليس القتال إلا أحد صور الجهاد ،وهو وفق تعبير الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ليس إلا الجهاد الأصغر، ثم جهاد النفس هو الجهاد الأكبر ،لكن اعتاد المسلمون على استخدام تعبير الجهاد في التعبير عن فريضة الدفاع عن الإسلام ومقاومة العدوان بالقوة والسلاح، ومفهوم القتال في الإسلام مفهوم دفاعي ردعي وظيفته  ردع العدوان وحفظ بيضة الإسلام، وهو مقرونٌ بشروط شرعية لا بد منها وبالتالي فليس هو عملا عشوائياً أو ابتدائياً عدوانياً.

وهنا المفارقة، المفارقة أن يتجاهل الغرب كل عنفه وكل عدوانه وكل إرهابه ـ وهو إرهاب دولٍ منظم و مسلح بكل أنواع الأسلحة الفتاكة ـ ويكبر الصورة عن عنف مجموعة من الأفراد هنا أو هناك ضاق بهم المجال عن المقاومة إلا باستخدام أنفسهم وأجسامهم كسلاح ،طبعاً لا يعني ذلك أن نغفل نحن كمسلمين عن توضيح معنى الجهاد الحقيقي وشروطه الحقيقية، وهو ليس مجرد رد فعلٍ عشوائي تلقائي نستدرج إليه دون تدبر وتفكير، الأمر الذي قد يضيع الصورة الناصعة للجهاد ويجعله أقرب لثقافة الموت والقهر كيفما كان وأينما كان، فلا بد من ترشيد هذه الفريضة المقدسة، وإيضاح بعدها القرآني الحقيقي، وهذا ما نستمع إليه مع فضيلة الشيخ مصطفى قصير تحت عنوان :"اطروحة الجهاد على ضوء القرآن الكريم".

 

أما طبيعة النظرة القرآنية الإسلامية للأديان الأخرى ،وماهية موقف الإسلام بصراحة ،ربما تكون هذه النظرة يشوبها شيء من عدم الوضوح التام، الأمر الذي يحتاج لتبيانها وإيضاحها بشكل واضحٍ وصريح، إلى أي مدى يقبل الإسلام الآخر غير المسلم ويسمح له بحياة تراعي حقوقه وواجباته بعدالة وإنسانية؟ هذا الأمر طالما كان مثار تساؤل أو استنكار غير المسلمين، باعتبار أن أحكام أهل الذمة لا تراعي المساواة من وجهة نظرهم في الحقوق والواجبات الإنسانية، وكانت قد لفتتني مقالةً في صحيفة إنكليزية قبل عدة أشهر يقول فيها صاحبها إذا كان المسلمون يعتبرون أن أحكام أهل الذمة ممتازة وعادلة وإنسانية فلنطبق أحكام أهل الذمة على المسلمين في الغرب، ثم إذا كان الإسلام اعترف بأهل الكتاب من المسيحيين واليهود، فما هو حال الأديان الأخرى وهي تمثل تقريباً نصف سكان الأرض ؟ما حكم هؤلاء في الإسلام وفي دولة الإسلام وفقاً للأحكام الموجودة؟ فهل صحيح أن لا مكان لهؤلاء في دولة الإسلام وفي كيان الإسلام أو في التعاطي مع غير المسلمين بطريقة تحترم إنسانيتهم؟ ما هو رأي الإسلام في الأديان الأخرى؟ هذا ما سنستمع إليه من فضيلة الشيخ مصطفى ملص تحت عنوان :"نظرة القرآن الكريم للأديان الأخرى".

 

نبدأ مع سماحة الشيخ مصطفى قصير فليتفضل.

 


 

أطروحة الجهاد على ضوء القرآن الكريم

 

كلمة الشيخ مصطفى قصير: مدير عام المؤسسة الاسلامية للتربية والتعليم

 

بسم الله الرحمن الرحيم .الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطاهرين.

(يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) [الصف/10-11].

 

تساؤلات واستفهامات

هناك إشكالية يطرحها الكثيرون على تشريع الجهاد تارة عن حسن نية وأخرى عن سوء نية:

لماذا شرَّع الله الجهاد في الإسلام؟

ألم يكن بالإمكان التخلي عن هذا التشريع؟

ألم يكن بالإمكان جعل الإسلام دين سلام ومحبة بدلاً من دين الحرب والقتال؟

ألم يكن بالإمكان نشر تعاليم الدين الإسلامي وإقناع الناس بها دون اللجوء إلى السيف؟

وأمثال ذلك من الأسئلة التي تفترض معالجة موضوع الجهاد وفق الآيات القرآنية التي وردت في هذا الشأن.

 

مقدمات لا بد منها

وفي البداية، لا بد من الإشارة إلى الخدعة الكبرى التي يلجأ إليها الطواغيت، خاصة في العصر الحاضر، فإن أكبر دعاة الحرب وأكثرهم عدوانية وظلماً في العالم المعاصر يلبسون إعلامياً لبوس السلام، ويزعمون أن حروبهم العدوانية والتوسعية إنما هي من أجل السلام وفي خدمته، بينما نجدهم ينعتون المدافعين عن حقوقهم المشروعة والمقاومين لمشاريعهم العدوانية والتوسعية بالإرهاب والعدوان.

 

وقبل الدخول في عرض الآيات القرآنية لابد من تلخيص جملة مقدمات في نقاط:

أولاً: الأديان السماوية والأعراف البشرية في مختلف الأزمنة والأمكنة تعترف بحق الأفراد والجماعات والأقوام والأمم بالدفاع عن الأنفس والأموال إذا تعرضت للاعتداء والظلم، بل الدفاع عن الحقوق المعنوية كالحرية الفكرية والاستقلال والشرف والكرامة، وهم يبذلون في سبيل حمايتها الكثير من الغالي والنفيس.

والحرب الدفاعية الهادفة إلى دفع الظلم والعدوان واسترجاع الحقوق، وحفظ الاستقلال وحماية الأموال والأنفس، وصيانة الشرف، هي حرب مقدسة في نظر الدين والإنسان بشكل عام.

(فإن قاتلوكم فاقتلوهم) البقرة /191.

(أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) الحج /39.

ثانياً: العدوان مستقبح والظلم مرفوض، وقد جاءت الأديان الإلهية ومنها الإسلام لترفض ذلك وتحرر الإنسان من الظلم ولترسي دعائم العدالة الاجتماعية، وهذا أيضاً من المسلّمات.

(ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) البقرة /190.

ثالثاً: امتلاك القوة والسلاح والاستعداد لمواجهة الظلم المفترض والمحتمل من شأنه أن يحدث منعة وحصانة يحول في كثير من الأحيان دون تحقيق الظالم لأطماعه، بل ربما ردعته عن التفكير بالإقدام على العدوان، وعليه، فإن الإعداد والاستعداد إذا لم يدفع إلى العدوانية أمر مستحسن وضروري جداً.

(واعدوا لهم ما استطعتم من قوة)الأنفال/60.

رابعاً: عندما بُعث رسول الله (ص) في مكة المكرمة قضى ثلاثة عشر عاماً يدعو الناس إلى الإسلام وإلى عبادة الله ونبذ عبادة الحجر والبشر، وتعرض هو والذين آمنوا معه لأشد أنواع الاضطهاد والأذى حتى اضطر إلى الهجرة عن مكة دون أن يؤذن له بالقتال.

خامساً: إن أول آية شرعت الجهاد وقتال المشركين جاءت صريحة بأنها حرب دفاعية لمواجهة الظلم.

فقد قيل أن أول إذن بالجهاد كان في قوله تعالى:

(أذن للذين يقاتَلون بأنهم ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أُخرِجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله... ) [الحج/39-40].

وقيل أن أول آية في القتال هي قوله تعالى:

(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم  ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل.. ). [البقرة/ 190-191].

في الآية الأولى علّل الإذن بدفع الظلم، وجاء بعد أن أُخرِجوا من ديارهم واعتدي على أهم حق من حقوقهم وهو عبادة ربهم.

أما الثانية، فقد حصرت الأمر بالذين يقاتلونهم، الأمر الذي يجعل الحرب دفاعية بالكامل، وقد منعت من الاعتداء الذي هو قتال من لم يقاتل، وجاءت الآية التالية لتشير إلى أن القتال إنما هو لدفع الظلم واستعادة الحقوق.

سادساً: هذه القاعدة أو هذا الأصل لم يتغير بعد ذلك في كافة الآيات النازلة في القتال والحرب. وهذا ما سنستعرضه من خلال البحث الآتي:

 

آيات القتال

يمكن تقسيم آيات القتال في القرآن الكريم إلى طوائف:

 

الطائفة الأولى: الآيات المطلقة:

1-  (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير). [التوبة/73].

2-  (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة). [النساء/74].

3-  (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة). [التوبة/123].

الطائفة الثانية: الآيات المقيَّدة، وهي موزعة على قيود:

 

1-  آيات مقيّدة برد العدوان

-  (فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين). [البقرة/191].

-  (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة). [التوبة/36].

-  (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين). [البقرة/190].

-  (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلبوا.. ). [المائدة/33].

 

2-  آيات مقيّدة بنقض العهود والأيمان

-  (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين). [الأنفال/58].

-  (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون). [التوبة/12].

 

3-  آيات مقيّدة بالبغي

- (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله...). [الحجرات/9].

 

4- آية مقيَّدة بدفع الجزية أو هي مغياة بذلك

- (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون). [التوبة/ 29].

 

الجمع بين الآيات

مقتضى الجمع بين الآيات هو تقييد الآيات في الطائفة الأولى بالمجموعة الأولى والثانية من الطائفة الثانية، حيث يكون الإذن بالقتال لردع المعتدين ومواجهة الظلم والخيانة ونقض العهود، وعليه تحمل الآيات التي تحرض على القتال والتي تتحدث عن فضل المجاهدين وتحث على الجهاد، فإن المتتبع لسيرة الرسول (ص) الجهادية يجده في كل حلقات جهاده قد حارب دفاعاً كما سنعرضه في القسم الثاني من هذا البحث. 

أما القتال لدفع البغي وردع الباغي، فلا يفرّق فيه بين بغي الكفار وبغي المسلمين إذا لم يندفع إلا بالقتال كما هو صريح الآية المتقدمة.

يبقى لدينا آية واحدة وهي الآية الأخيرة الواردة في قتال أهل الكتاب، والتي تبدو للوهلة الأولى أنها توجب قتال أهل الكتاب حتى يؤمنوا أو يؤدوا الجزية أو يقتلوا، وهي وإن كانت مغياة بذلك، إلا أن الكلام في استفادة الوجوب المطلق من ناحية القيود الواردة في الآيات السابقة، أي متى يجب قتالهم؟

هل لمجرد الامتناع عن الإيمان؟

أم عند خيانتهم وتآمرهم واعتدائهم؟

خاصة أن من الآيات القرآنية ما هو صريح في اعتماد أساليب الإقناع في الدعوة كما في قوله تعالى:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). [النحل/125].

ومن المعلوم أن الإيمان لا يمكن أن يتحقق بالإكراه.

(لا إكراه بالدين قد تبين الرشد من الغي). [البقرة/256]،

(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [يونس/99].

وقد ذهب البعض إلى أن آية قتال أهل الكتاب باعتبارها متأخرة نزولاً (نزلت مع سورة براءة بعد فتح مكة في سنة تسع للهجرة) فهي ناسخة لما سبقها.

إلا أنه يمكن القول بأنها غير ناسخة وإنما جاءت في شروط خارجية معروفة بعد أن تآمرت قبائل اليهود مع المشركين ونكثوا العهود والمواثيق، وكذلك فعل غيرهم ممن لم يعجبه انتشار الإسلام وتعاظم دوره في الجزيرة حتى أن الخارجين عن حدود الجزيرة بدأوا تحركاً لمهاجمة الدولة الفتية، مما دفع الرسول (ص) للخروج إلى تبوك.

هذه الظروف يمكن أن تشكل قرينة تمنع الإطلاق.

ومهما يكن، فإذا كان الجهاد الابتدائي الذي يقصد منه الدعوة إلى الإسلام - كما يقال- مشروطاً بحضور الإمام المعصوم على رأي المشهور، فإنه هو الذي يبين الحكم الشرعي عندئذٍ، فينحصر البحث في زمان غيبته بالجهاد الدفاعي، إلا إذا اعتبرنا أن الفقيه الجامع لشرائط الولاية والنيابة العامة يقوم مقام الإمام المعصوم في الجهاد الابتدائي أيضاً.

والذي يهوّن علينا البحث أن أعداء الدين الإسلامي لم يؤلوا جهداً في محاربة الإسلام واضطهاد المسلمين والسعي الدؤوب لفتنتهم عن دينهم والإيقاع بينهم والاستيلاء على ثرواتهم وسلبهم حرياتهم وغير ذلك من صنوف الظلم والعدوان.

ومن هنا، جاء الحث على الجهاد والتشجيع على الإعداد والاستعداد، فإن في الدفاع ما يكفي لهذا الكم الهائل من الآيات التي تأمر بالجهاد وتدعو إليه وتبين أهميته وتظهر الوعد الإلهي للمجاهدين بالنصر والتسديد والإمداد.

 

دائرة الدفاع لدفع الظلم

ومن الجدير بالذكر هنا أن الدفاع لدفع الظلم له دائرة واسعة تتناول ما يلي:

أولاً: الدفاع عن الثروات المستهدفة والتي يطمع بها الأعداء.

ثانياً: الدفاع عن السيادة والاستقلال والأمن الإجتماعي.

ثالثاً: الدفاع عن الأرض والسماء.

رابعاً: الدفاع عن الحريات، حرية الأفراد، وحرية الأمة وعلى رأسها حرية التفكير وإبداء الأفكار وعرضها.

هذه الحقوق الإنسانية ليس من حق أحد أن يتنازل عنها، ولا أن يفرط بها ولا يمكن لأمة أن تعيش كأمة دون قوة رادعة تحمي هذه الحقوق.

(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض). [البقرة/25].

(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثير، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز). [الحج/40].

هذه الآية الأخيرة جاءت بعد آية الإذن بالقتال مباشرة والتي علّلت الإذن بالعدوان الواقع:

(إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.. ). [الحج/39-40].

فالقتال لإزالة العوائق عن طريق الدعوة إلى الله عندما يصر الظالمون على سد الطريق بها ومنع صوت الدعوة من الوصول إلى كافة الناس، مثل هذا القتال يأخذ طابع الدفاع عن الحقوق الإنسانية، لأن من حق كل إنسان أن يسمع نداء الحق.

ويمكن لنا من خلال استعراض السيرة الجهادية لرسول الله (ص) أن نتلمس تفسيراً عملياً لآيات الجهاد.

 

السياسة الجهادية للرسول (ص)

من الواضح لكل من قرأ سيرة الرسول (ص) أنه  ومنذ الأيام الأولى لبعثته المباركة واللحظات الأولى للانطلاق في الإنذار والتبليغ، واجه مصاعب جمة ومشكلات عصيبة، وقابله قومه بالجمود والرفض، وشنّوا ضده حرباً إعلامية نفسية مفتوحة لم توفر سلاح الدعاية والتشويه والتشنيع والاتهامات والدعاوى الكاذبة في سبيل إسقاطه بين الناس والطعن في شخصيته ومكانته كما هي طريقة أهل الجحود والعناد في كل عصر.

وقد تطورت حربهم ومواجهتهم مع الأيام، وكلما اكتشفوا تأثيره على الناس، إلى الاعتداء على شخصه الشريف وتعذيب أصحابه الضعفاء حتى استشهد منهم من استشهد تحت وطأة التعذيب.

ولم يكن يمنعهم آنذاك من التفكير بقتله إلا الخوف من أبي طالب رحمه الله ، هذا بالإضافة إلى أنهم لم يكونوا حتى ذلك الوقت يدركون حجم الخطر الواقعي الذي يشكله عليهم رسول الله (ص) ودينه الجديد.

واشتدت المحنة على الذين دخلوا في الإسلام وعلى الرسول (ص) وبني هاشم عامة، فكان الحصار الذي فرض على بني هاشم والذي استمر ثلاثة أعوام منعوا خلالها من الاتصال بالناس ومن التعامل معهم ومبايعتهم بشكل تام.

وكانت أيضاً بسبب ذلك هجرة المسلمين إلى الحبشة بعد الضغط وممارسات التعسف والاضطهاد والفتنة، وقد حاولت قريش اللحاق بهم إلى الحبشة عبر مبعوثيها لتأليب الأجواء عليهم هناك والسعي لاستعادتهم ليكونوا تحت الرقابة المباشرة والحصار.

في مثل هذه الإجواء مرت المرحلة المكّية من حياة الرسول(ص) والتي استمرت ثلاث عشرة سنة من الصبر والمعاناة وتحمل الشدائد في سبيل نشر معالم الدين وإيصال صوت الإسلام إلى الناس، ولم يكن الرسول(ص) طيلة تلك المدة يأذن لأحد من المسلمين باللجوء إلى السيف رغم الاستفزازات المستمرة والصعوبات البالغة، ولقد كاد الكثير من المسلمين أن يفقد صبره وتحمله، إلا أن الرسول(ص) كان يحرص على عدم الدخول مع قومه والرافضين لرسالته بأي عمل عسكري أو مواجهة مسلحة ،وكثيراً ما كان يلجأ إلى شراء العبد الذي يدخل الإسلام واعتاقه لانقاذه من الفتنة والبلاء الذي ينصب عليه من قبل مولاه إذا أسلم.

وكان يأمر الضعفاء بكتمان إيمانهم، يأذن لهم بالتقية وإظهار كلمة الكفر، ولا يلتقي بهم إلا سراً بعيداً عن عيون المراقبين.

 

بعد الهجرة

 ثم كانت الهجرة المباركة إلى المدينة، التي شكّلت مفصلاً مهماً في تاريخ الإسلام ومرحلة جديدة أتاحت الفرصة لإنتشار الإسلام وإنطلاقه بكل الاتجاهات، وكسر الحواجز والمعوقات التي كانت تحول دون ذلك في المرحلة المكية.

ومن يلقي نظرة على هذه المرحلة، ويتتبع أحداث الفترة من هجرته(ص) إلى وفاته، يجد الرسول(ص) قد خاض معارك عدة ولجأ إلى السيف أحياناً كثيرة في قتال مع المشركين انتهى بفتح مكة، ومع اليهود لم ينته إلا بإخراجهم من المدينة والسيطرة على معظم حصونهم ومعاقلهم خارجها.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اعتمد الرسول(ص) منطق القوة وما هي العوامل التي دفعته لاتباع سياسة الحرب، وهل كان(ص) يفرض الحرب على الآخرين أم أن الحرب كانت تفرض عليه فرضاً ويختارها الأعداء ؟

وبعبارة أخرى: هل كان الرسول(ص) يعتمد على أسلوب القوة والسيف ليفرض الإسلام على الناس فرضاً، وهل كانت تنقصه الحجة والدليل في إثبات صدقه وصحة دينه ونبوته؟

والذي يدعونا لإثارة هذه التساؤلات والبحث عن الإجابة عليها أن عدداً من المستشرقين الذين لم يتفهموا واقع الرسالة الإسلامية، ولم يدرسوا بدقة وإنصاف سيرة الرسول(ص) وإنما قرأوها بخلفية الباحث عن الثغرات فقط فخرجوا بتصور بعيد جداً عن الصواب مفاده أن الإسلام إنما انتشر بالسيف والقوة في محاولة للطعن في قدرة الإسلام على الحوار العقلي وتقديم الدليل المقنع.

إذن، الموضوع له أهمية كبيرة، وعلينا نحن المسلمين إدراك حقيقة الأمر والتعرف على السياسة الجهادية لرسول الله (ص).

 

حروب الرسول(ص) وسراياه

1- قبل بدر الكبرى:

نقل المؤرخون أن هناك عدة سرايا أرسلها الرسول(ص) قبل بدر هي:

 - سرية بقيادة حمزة، قوامها ثلاثون راكباً، خرجت إلى سيف البحر والتقت بأبي جهل في ثلاثمائة راكب. ولم يحدث بين الطرفين قتال، وكانت هذه السرية في الشهر السابع من الهجرة.

 - سرية عبيدة بن الحارث ،الذي خرج في ستين من المهاجرين في شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة، فلقيت جمعاً عظيماً من قريش في وادي رابغ ولم يجر قتال بين الفريقين، وكان على قريش أبو سفيان بن حرب، وذكروا أن سعد بن أبي وقاص رمى المشركين ولم يحصل قتال بالسيوف حتى انصرفوا.

 - غزوة الأبواء بقيادة الرسول(ص) على رأس أحد عشر شهراً لاعتراض قريش فلم يلق كيداً، وقد وادع في الغزوة بني ضمرة على ألا يعينوا عليه أحداً وكتب بينهم كتاباً، وقيل بني مرة بن بكر.

 - غزوة بواط لاعتراض قريش، فيها أمية بن خلف في مئة رجل من قريش وألفين وخمسمائة بعير، وكانت على رأس ثلاثة عشر شهراً ولم يقع فيها قتال، وقيل لاعتراض عير بني بن ضمرة.

 - غزوة سفوان أو بدر الصغرى، على رأس ثلاثة عشر شهراً أيضاً في طلب كُرُز ابن جابر الفهري الذي كان قد أغار على أطراف المدينة على بعض رعاتها وأخذ أنعامهم، فطلبه الرسول(ص) حتى بلغ وادي سفوان في بدر ولم يدركه فرجع، وقيل كانت هذه الغزوة بعد غزوة العشيرة.

 - غزوة ذي العشيرة، على رأس ستة عشر شهراً من الهجرة لاعتراض عير قريش التي جاء الخبر بأنها خرجت من مكة تريد الشام، وقد جمعت قريش أموالها في تلك العير،   ولم يلق فيها عبيداً، لكن وادع فيها بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة.

 - سرية عبد الله بن جحش إلى بطن نخلة لرصد تحركات قريش، وقد خرجت السرية في كتمان تام لوجهتها، حيث كتب الرسول(ص) كتاباً وأمره أن لا يفظه إلا بعد أن يسير يومين، فلما سار يومين نظر في الكتاب فوجد فيه أن سر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش أو قريشاً حتى تأتينا منها بخبر، ومرت بهم قريش هناك وانكشف أمر السرية فخافوا أن يصل خبرهم إلى مكة فتدركهم قريش فصمموا على قتال العير، فرموا رجلاً فقتلوه وأسروا رجلين منهم وفرّ الرابع واستاقوا العير. وقد أنكر عليهم رسول الله(ص) ذلك وامتنع عن أخذ الغنيمة، قالوا حتى نزل في ذلك الوحي فأخذه.

 

الغاية من هذه السرايا والغزوات:

 الملاحظ أن هذه السرايا والغزوات لم يحصل فيها أية مواجهة دموية إلا السرية الأخيرة التي لم تكن مأمورة بالقتال، بل كانت مهمتها استطلاعية، والذي يبدو واضحاً أن الرسول(ص) أراد في بداية تشكيله للكيان الإسلامي والانطلاق نحو تبليغ رسالته أن يحقق عدة أمور كان لا بد منها:

الأول: الحفاظ على هيبة المدينة وحرمها، وإبعاد الأعداء الذين حالوا بينه وبين نشر الإسلام لسنوات طويلة، وبالتالي منعهم من الاقتراب من المدينة والمرور عليها، وهذا الأمر يعطي الدولة الجديدة هيبة خاصة ويقوي نفوس الذين يرغبون في الدخول في الدين الإسلامي.

الثاني: الحد من نفوذ قريش، وإسقاط هيبتها بين العرب، فقد كانت عقبة كبيرة في طريق الكثير من القبائل التي لولاها لدخلت في الإسلام، وكانت قوافل تجارة قريش تمر على أطراف المدينة في طريقها إلى الشام ذهاباً وإياباً، وكانت بالنسبة لقريش موقعاً اقتصادياً مهماً لا يستغنى عنه، فأراد الرسول(ص) من خلال اعتراض تلك القوافل أن يحقق هذين الهدفين ويجبر قريش على التخلي عن إصرارها على محاربة الرسول(ص) ومعارضة الإسلام ووضع العقبات في طريق انتشاره، ولقد كان يدخل ذلك في دائرة التعامل بالمثل، والحصار في مقابل الحصار.

وبالفعل فإن قريشاً أدركت هذا المعنى فكانت ترى أن تجارتها باتت في خطر، وأنها إن سكتت على الأمر انتشر ذلك في العرب وسقط عزها وعنفوانها، وما لها من مكانة.

وقد يفهم البعض من تلك السرايا أنها كانت تهدف إلى وضع اليد على الأموال واكتساب الغنائم، لكن هذا الفهم خاطئ مبني على النظرة السطحية، ولم يأخذ في الحسابات الأهداف الحقيقية للرسالة الإسلامية، ولم يقارن هذه النتيجة بالمنهج الذي اعتمده الرسول طيلة حياته الرسالية.

فالغنيمة لم تكن في يوم من الأيام هي الباعث على الحرب في الإسلام، نعم قد يشكل ذلك باعثاً عند البعض من المسلمين أو عند بعض الحكام، إلا أن الإسلام لم يحارب  ولم يأمر بالحرب من موقع طلب الغنيمة.

 

2- بدر الكبرى

 بدر كانت المعركة الأولى والمواجهة المسلحة الأولى بين قريش وحلفائها من جهة والرسول(ص) والذين آمنوا معه من جهة أخرى.

 

ولقد جاءت بدر على أثر مقدمات ووقائع عدة هيأت للحرب من تلك المقدمات:

أولاً: مكاتبة قريش لمشركي المدينة التي يقولون فيها: "إنكم أوتيتم صاحبنا وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله لتقتلنَّه أو لتخرجنه أو لنستعن عليكم العرب أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم".

هذا الأمر شكّل بداية لعدة مراسلات، عمل من خلالها المشركون في مكة على تحقيق تحالف مع مشركي المدينة للقضاء على الإسلام، وبالفعل فقد ظهرت بوادر ذلك التحالف في بعض التصرفات.

ثانياً: خطة الرسول (ص) القاضية بالتضييق على قريش في مصالحها الحيوية وإعاقة حركة قوافلها التجارية عبر أطراف المدينة وحريمها، كما تقدم.

وقد كان الرسول (ص) في غزوة ذي العشيرة المتقدم ذكرها قد خرج لاعتراض عير قريش بقيادة أبي سفيان، وقد فاتته ولم يدركها، وكانت متجهة نحو الشام وفيها أموال قريش، يقال أنه لم يبق أحد في مكة من ذوي المال إلا وقد شارك فيها، فلما علم الرسول (ص) بعودتها انتدب المسلمين لاعتراضها، فبلغ أبا سفيان ذلك، فأرسل إلى مكة يستغيث قريشاً التي ثارت ثائرتها، وتجهزت بسرعة لاستنقاذ القافلة، لكن أبا سفيان غيّر طريقه ونجت القافلة من اعتراض المسلمين، ورغم ذلك فقد أصرت قريش على المضي إلى المدينة لمحاربة    الرسول (ص)، وقد أصر أبو جهل على مهاجمة المدينة رغم الأصوات التي نادت بالرجوع والاكتفاء بسلامة القافلة والأموال، ورغم رجوع البعض منهم كبني زهرة على ما نقل.

ولقد كان إصرار أبي جهل يهدف إلى استعادة هيبة قريش عند العرب، وقد هدّد من  لا يخرج معهم بهدم داره ،وبالفعل فقد تابع الجيش سيره باتجاه المدينة، ولما بلغ خبر مسيرهم الرسول (ص) صمم على الخروج لمواجهتهم وذلك بعد أن امتحن أصحابه، واختبر مقدار استعدادهم، وسار بهم حتى بدر.

وكان المشركون في ما يقرب من ألف مقاتل مدرعين و مسلحين، معهم 700 بعير، ومن الخيل أربعمئة، وقيل مئتان وقيل مئة.

وكان المسلمون 313 رجلاً، ليس معهم إلا سبعون بعيراً وفرس واحد أو فرسان، ومن السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف.

ونزل المشركون الذين سبقوا في الوصول إلى ماء بدر، نزلوا في العدوة القصوى وهي ربوة عالية استراتيجية والماء معهم.

بينما نزل المسلمون في العدوة الدنيا أسفل منهم على غير ماء، وقد بعث الله سبحانه المطر فأوحل الأرض في العدوة الوسطى ولبّدها في العدوة الدنيا، وعوض المسلمين ما فاتهم من الماء فأقاموا الحياض وجمعوا فيها ماء المطر فشربوا واغتسلوا.

وأرسل رسول الله (ص) إلى المشركين يقول لهم: "معاشر قريش إني أكره أن أبدأكم بقتال فخلوني والعرب وارجعوا فإن أكُ صادقاً فأنتم أعلى بي عيناً، وإن أكُ كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمري".

ولقد أثَّر هذا الكلام بعتبة بن ربيعة الذي رجح قبول ذلك، إلا أن أبا جهل اتهمه بالجبن، وهذه تهمة عظيمة عندهم آنذاك، مما دفع عتبة إلى لبس درعه مع أخيه شيبة وابنه الوليد وتقدموا يطلبون البراز.

وأرسل الرسول (ص) لمبارزتهم عبيدة وحمزة وعلي وقال لهم: "اطلبوا بحقكم الذي جعله الله لكم.." وقد انتهت المعركة بالنصر الحاسم للمسلمين وقتل من المشركين سبعون وأسر مثلهم.

واستشهد من المسلمين تسعة أو أحد عشر وقيل أربعة عشر.

وإذا لاحظنا الفرق الكبير بين الفريقين على مستوى العدة والعدد، والفرق الكبير على مستوى الأهداف والإيمان، ندرك عظمة النتائج وأهمية المعركة والدور الإعجازي والغيبي فيها.

ولقد حققت معركة بدر أهدافاً عدة للمسلمين:

منها: أنها أسقطت هيبة قريش ومرغت أنفها بالتراب وقضت على غطرستها.

ومنها: أنها بعثت في المسلمين روح الثقة بالنفس ورفعت معنوياتهم، الأمر الذي انعكس على واقع الدعوة.

ومنها: أنها أعطت المسلمين مكانة في نفوس العرب وأصبحوا قوة يحسب لها حساب.

كما أن بدراً من الناحية السياسية أدخلت الجزيرة في مرحلة جديدة من خلط الأوراق والتحالفات والمواجهات، وكانت بداية لمواجهات عديدة أشد عنفاً انتهت بالسيطرة العسكرية للمسلمين على مكة.

 

3- ما بعد بدر الكبرى

بعد بدر، أحست قريش أن طريق تجارتها قد قطع، وحاولوا سلوك طريق العراق، فبلغ رسول الله (ص) ذلك، وبعث سرية قطعت طريقها، وكان قد آلى المشركون في مكة على أنفسهم أن لا ينفقوا من المال الذي سلم من قافلة أبي سفيان إلا في حرب المسلمين.

وقد تركت بدر في أعماقهم جرحاً بليغاً، فقرروا العودة إلى الانتقام والثأر، فأرسلوا في القبائل من يؤلبها ويستنفرها للحرب وتجهزوا لها وقدموا المدينة فكانت "وقعة أحد" الحرب الثانية التي جرت على أطراف المدينة، وذلك في شوال على رأس 32 شهراً من الهجرة.

ثم كانت غزوة الأحزاب (الخندق) التي اجتمع فيها أحلاف المشركين وحاصروا المدينة حتى نصر الله دينه بضربة علي (ع) المعروفة والعناية الإلهية التي أعادتهم خائبين.

ثم كان فتح مكة بعد أن أخل المشركون بصلح الحديبية.

هذه جملة الحروب التي جرت بين الرسول (ص) وقريش في مكة،وبعد فتح مكة كانت وقعة حنين التي تظاهر فيها عدد غير قليل من قبائل العرب على قتال رسول الله (ص).

 

وخلاصة ما يمكن استفادته من هذه الصراعات أمور:

1-  القرآن الكريم يقول: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، وهذا أصل بالنسبة لأسلوب الدعوة إلى الله ونشر الإسلام لا يخرج عنه إلا عندما يكون هناك دواعٍ أخرى وظروف خاصة تفرض ذلك.

2-  الجهاد واستعمال السيف والحفاظ على القوة أمر ضروري جداً في كل زمان ومكان ليحفظ للإنسان وللمجتمع وللدين عزته ومنعته، وإلا راح ضحية، ومنع من تحقيق هدفه، وحيل بينه وبين أن يقول كلمته ويؤدي رسالته.

فالسيف ضرورري جداً لا من أجل إقناع الآخرين بل من أجل حفظ الاستقلال والهيبة والاحترام، ومن المعروف على مر التاريخ أن الناس لا يحترمون الضعفاء، بل في عصر الحرية الذي نعيش، الناس لا يستمعون إلا للقوي، ولا زالوا يحتقرون الضعيف.

3-  أمام الأخطار التي تتهدد مجتمعاتنا والظلم الذي نتعرض له والقوى التي تحول دون استعمال المنطق والعقل، وتسلب الأمة حريتها، وتريد أن تفرض هيمنتها بالقوة، ليس من خيار أمام كل ذلك إلا اللجوء إلى القوة أيضاً.

4-  الرسول (ص) في سياسته الجهادية كان يعمل على محورين:

الأول: تعبئة المسلمين وتنمية روح المقاومة والاستعداد والجهوزية، وحفظ حريم المدينة والقبائل التي دخلت الإسلام وعدم الرضا بالذل والانهزام.

الثاني: الدفاع والجهاد في الحالات التي كان يتعرض فيها الإسلام والمسلمون للتهديد، ومحاربة من ينقض العهود والمعاهدات.

5-  سياسة الرسول (ص) مع أهل الكتاب كانت تبدأ بالمعاهدة علىعدم المظاهرة على المسلمين وعدم الاعتداء وحفظ الحقوق، ولم يعمد رسول الله (ص) لمحاربتهم إلا نتيجة لنقض العهود والخيانة كما حصل مع بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة من يهود المدينة الذين خانوا الرسول (ص) ولم يلتزموا بالمعاهدات المشرفة، وظاهروا المشركين عليه، فأذلهم الله وقاتلهم الرسول (ص) وقتلهم.

6-  حكم الرسول (ص) على بني قينقاع بعد حصارهم بالخروج وتسليم الأموال والأسلحة، وأجلاهم إلى أذرعات، وحكم على بني النضير الذين تآمروا على اغتيال الرسول (ص) ولم يتم لهم ذلك بالخروج بما حملت الإبل من المتاع، وحكم على بني قريظة بالقتل وسبي النساء والذراري والحكم الأخير كان نتيجة لنزولهم على حكم سعد بن معاذ الأنصاري، وكان هذا حكمهم في توراتهم فألزمهم بما ألزموا به أنفسهم.

 

والحمد لله رب العالمين.

 


 

نظرة القرآن الكريم للأديان الأخرى

الشيخ مصطفى ملص: عضو مجلس أمناء تجمع العلماء المسلمين

 

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله .والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

مقدمة: الحرب على الارهاب

إن ما يشهده العالم من صراعات تأخذ عناوين شتى، منها السياسي والفكري والديني والثقافي والاقتصادي، إنما تنطلق من منطلق واحد في الحقيقة وهو إرادة السيطرة، ومهما حاول الإنسان أن يخفي الهدف الحقيقي، إلا أن ذلك لا يلبث أن يظهر من خلال ما تتكشف عنه الأيام والأحداث.  

فصراع الحضارات، والحرب على الإرهاب، والعمل من أجل نشر الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة والتنمية، عناوين حضارية براقة، تخاض باسمها الحروب، وتقتل الشعوب، وتستباح البلدان، وتسقط الأنظمة، وتحتل الأراضي، وذلك كله تحت سمع العالم وبصره بل وبدعمه وتأييده، والمبرر الأبرز حفظ المصالح أو الرأس.

 

الاسلام هو الهدف

والإسلام اليوم هو الهدف الذي تضعه القوى الكبرى نصب أعينها، وذلك بعد الفراغ من القوة الأخرى التي كانت تشكل ثنائية القوة في العالم. وهناك عوامل كثيرة ساعدت أو تعاونت فيما بينها على جعل الإسلام هدفاً، منها ما هو ذاتي ومنها ما هو خارجي:

 أما الخارجي فهو رغبة القوى الكبرى في مزيد من السيطرة والإمساك بمقدرات الأمور أولاً، ووجود قوى تكونت على أساس أفكار دينية صهيوـ مسيحية ترى أنّ دورها المرحلي هو ضرب وإخضاع العالم الإسلامي لإرادتها ومصالحها ثانياً.

أما العوامل الذاتية فمنها رفض الإسلام أن يخضع المسلمون لأي قوة طاغوتية، ومنها هذه الحيوية الكامنة في النص الشرعي الإسلامي التي تعيد تحريك القوة وتدفع الأمة للخروج من حالة الركود،ومنها أعمال بعض المسلمين غير المدروسة والتي تسيء إلى الإسلام والمسلمين أكثر مما تسيء لغيرهم (نموذج طالبان) ،ومنها بعض التفسيرات الخاصة للنص الديني والتي تقدم خدمة مجانية لأعداء الإسلام ليستغلوها غطاءً لحروبهم ضده.

 

أصوات معادية للإسلام

تخرج في الغرب أصوات معادية للإسلام في الغرب وأماكن أخرى تصف الإسلام بشتى الأوصاف والنعوت، وكأنه الدين الذي سيؤدي إلى خراب البشرية والحضارة لما فيه من طبيعة عدوانية ورفض للآخر، وتضطر قيادات غربية بين فترة وأخرى، وفي بعض المناسبات للتخفيف من حدة الحملة على الإسلام التي بلغت حد الإضرار بالغرب ذاته لما تحمل من شحن للنفوس بالحقد والكراهية العنصرية، فيقف شخص مثل الرئيس الأمريكي جورج.و.بوش مع مطلع شهر رمضان ليهنئ المسلمين، وليعلن أن الإسلام دين حضاري قدّم للإنسانية وللأمة الأمريكية الكثير في مختلف الصعد.

 

مشروعية السؤال حول نظرة القرآن للأديان

وإزاء هذا الوضع نجد أن السؤال مشروع حول نظرة القرآن الكريم ـ باعتباره النص الأساسي الإسلامي ـ إلى الأديان الأخرى ليس فقط بهدف توضيح الصورة لغير المسلمين، وإنما أيضاً بهدف توضيح الصورة لقسم كبير من المسلمين، وخصوصاً أولئك الذين يتصدون لأمر الدعوة والتبليغ والخطابة دون المستوى العلمي والثقافي المطلوب، أولئك الذين يشحنون نفوس العوام بالعدائية تجاه غير المسلمين، ويعملون على تشويه دور المسلم تجاه غير المسلم، وهو دور الدعوة إلى الله، وتصوير أن الدعوة لا تتم إلا بالقتال، متناسين قول الله تعالى: «ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن...» النحل/125.

أو معتبرين أن هذه الآية مختصة بالدعوة والتناصح بين المسلمين، بينما لغير المسلم «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله...» الأنفال 39.

وفي هذا الفهم خلط بين حالتين حالة الحرب والقتال، وحالة السلم والتعايش، أو حالة السلم والتحاور.

 

القرآن كتاب هداية للبشرية

إن القرآن الكريم هو الخطاب الإلهي للبشرية، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو النص الذي تستند إليه كل النصوص الأخرى، وتعمل في خدمته، والمسلمون جميعاً متفقون على أن كل نص أو فهم مخالف للقرآن الكريم، هو ساقط ولا اعتبار له. ولا شك بأن كل العلوم الإسلامية، إنما هي تابعة للقرآن الكريم وخادمة له.

والقرآن الكريم هو كتاب الهداية الربانية للبشرية: « ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين» البقرة/22.وفي آية أخرى«إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»الإسراء/9. وهو النص الذي كُلف المسلمون بالعمل بمقتضاه والاستقامة عليه كما قال تعالى:«فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير»هود /112.

وكما في قوله تعالى: «واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيراً»الأحزاب/2.

والنص القرآني ليس كتاب أمر ونهي فقط، بمعنى أنه ليس نصاً لمواد قانونية، وإنما هو كتاب دعوة، وحكمة وأدب وقصص وتبشير وإنذار وتحذير وأمر ونهي وتعليم و...وما ورد فيه يشكل القاعدة التي تنظم حياة المسلم في كل ناحية من نواحي حياته، وفي كل علاقة من علاقاته مع كل ما يحيط به من حي وجامد.

فكيف نظر القرآن الكريم إلى الأديان الأخرى؟ وإلى المخالفين له بشكل عام.

 

حق الاختلاف والحرية

قضى الله تعالى في عباده من البشر سُنَّة الاختلاف والتنوع فكما أنه من الصعب إن لم نقل من المستحيل وجود تطابق في الشكل بين اثنين من البشر ـ حتى التوائم ـ فكذلك في مختلف الأوجه. قال تعالى: «ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين»الروم/22. هذا في الألسنة والألوان والأشكال. أما في الطباع والأفكار والتوجهات فقد قال تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين* إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين»هود/119.

وإذا كانت إرادة الله تبارك وتعالى قد قضت بالاختلاف والتنوع فإنها قد قضت أمراً آخر هو الحرية، فالإنسان الحر يستطيع أن يتخذ الموقف الذي يشاؤه من أية قضية، حتى الإيمان بالله تعالى خاضع لهذه الإرادة، ومبني عليها، فكل مظهر إيماني ناتج عن ضغط أو إكراه لا اعتبار له عند الله تعالى، والقاعدة العظيمة الواضحة في هذا المجال تتجسد في قوله تعالى:«لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ...»البقرة 256. فالإيمان هو الفعل الصادر عن قناعة عقلية، ورضا قلبي، وحتى العبادات لا معنى لها ولا قيمة إن لم تكن صادرة عن إرادة راضية وحب للطاعة.

قال تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين* وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون»يونس/99-100.   

فالإرادة الإلهية والحكمة الربانية اقتضت أن تترك للناس حريتهم في الإيمان أو الكفر، وليس لأحد أن يكره أحداً على الإيمان، والدعاة إلى الله يعملون على تكوين القناعة الإيمانية بشتى الوسائل والأساليب ما عدا الإكراه، لأن الله تعالى لو أراد إيماناً بالإكراه لخلق الخلق على الإيمان به، ولكنه أراد أن يكون للعقل دور أساسي، بل إن الإيمان امتحانٌ للعقل، لذلك قال تعالى: «...ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون»يونس/100.

ولم يقل على الذين لا يؤمنون، فمن عقل آمن، ومن لم يعقل فلن يؤمن، ومفهوم عند المسلمين أن الإيمان لا يكون بالتقليد، أي لا يصح فيه التقليد، ولا بد أن يكون نابعاً من قناعة في الذات.

وعندما نقول إن الإيمان امتحان للعقل فإننا لا نجده فقط امتحاناً لعقل المدعو إلى الإيمان، أي الإنسان الذي لم تتكون أو تكتمل عنده القناعة بعد، وإنما أيضاً امتحان لعقل الداعي إلى الإيمان، أي الإنسان الذي شغل نفسه بأمر الدعوة إلى الله، فعقل هذا الإنسان ينبغي أن يبتكر ويبدع في إجادة عرض أدلته وبراهينه لتكون مقنعة، بل دامغة، ولتكون لديه الحجة التي لا يملك العقل الآخر قوة ردها أو دحضها.

لذلك علينا أن نتوجه إلى أنفسنا بسؤال مهم، وهو، هل قمنا بما يتوجب علينا لإقناع الآخرين بأن ديننا هو دين الحق وأن ما سواه باطل ومحرّف؟ أم أننا نعرض بضاعة مزجاة لا ترضي أحداً؟

إن كفر بعض الكافرين ليس نتاج المعاندة والاستكبار، وإنما هو سبب عجز المؤمنين المسؤولين عن تبليغ الدعوة، أو بسبب استهتارهم وتخاذلهم واستخفافهم بمسؤوليتهم.

والحجة لا تقوم على الكافر ما لم يعرض عليه بأحسن وجوهه فيرفضه جحوداً واستكباراً وعلواً في الأرض، قال تعالى: « من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً»الإسراء/15.وقال تعالى:«فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين* وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً فانظر كيف كان عاقبة المفسدين»النحل/13-14.

فالرسول يأتي بالآيات المبصرة في دعوته ليحقق القناعة لدي والقناعة عند المدعوين، ومن المفترض أن الداعي إلى الله يقوم بمهمة قام بها الرسول)صلى الله عليه وآله(، لذلك ينبغي أن يسعى لتكون لديه الحجة التي لا ترد.

وهذا الكلام يدفعنا إلى السؤال التالي: هؤلاء الناس الذين تنقل إليهم صورة الإسلام مشوهة أو مقلوبة، فيصور لهم على أنه دين يدعو إلى القتل والإرهاب واحتقار النساء واغتصابهن، وأنه سبب تخلف البشرية أو على الأصح سبب تخلف أتباعه من البشر، هل على هؤلاء أن يؤمنوا بالإسلام على هذه الصورة المشوهة التي نقلت عنه إليهم؟؟؟ 

لا شك أن أعداء الإسلام والذين لا يخدم الإسلام مصالحهم الطاغوتية سيعملون على تشويه صورته وإظهاره بأبشع صورة مرفوضة وممقوتة. هذه هي طبيعة الصراع، وهم يعملون على صناعة رأي عام يتبنى طروحاتهم ويدافع عن مصالحهم، ويحفظ وجودهم، ولكن السؤال الآخر الملح هو: ما هو واجب المسلمين؟ ما هو دورهم؟ وهل استعدوا وأعدوا للقيام بمسؤولياتهم العدة المطلوبة؟ مع الإشارة إلى أن الصعوبات والمعوقات والعقبات كثيرة وكثيرة جداً، ولكنها لا تحل المسلم من مسؤوليته أبداً.

 

نظرة القرآن إلى الأديان

لقد أقر القرآن الكريم حق الاختلاف بين الناس، وحقهم في الإيمان والكفر وفقاً لمشيئتهم في الحياة الدنيا، والحساب على ذلك يكون يوم القيامة، حيث يكون تقويم أعمال البشر جميعاً كأفراد، وحيث عقوبة المخطئين عظيمة وأجر المحسنين عظيم.

قال تعالى: «وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنّا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقاً* إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نضيع أجر من أحسن عملاً»الكهف/29-30.

ولقد جاء الإسلام وقدم نفسه إلى البشرية باعتباره الدين الخاتم، وأنه استمرار لما دعا إليه الرسل منذ بداية الخليقة، وأن رسل الله قد دعوا جميعاً إلى دين واحد وإله واحد، فهم خط واحد من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وعلى أنبياء الله أجمعين. قال تعالى: « آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»البقرة/285.

 

وقد وردت الآيات تدل على أن دين الأنبياء هو الإسلام.

قال تعالى:«ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين* إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين* ووصى بها إبراهيم وبنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون*أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون»البقرة/130-131.  

 

وفي بداية عهد الرسالة وفي محيطها كان هناك عدة أديان وعقائد. ففي مكة والمدينة وما حولها من جزيرة العرب كان هناك:

1- المشركون: وهم الذين يعبدون الأصنام يتقربون بها إلى الله تعالى، وكانوا يعتقدون أنهم على ملة إبراهيم أي على دينه، وقد قال الله تعالى فيهم: «ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفّار»الزمر/3. وقال رداً على اعتقادهم أن إبراهيم(عليه السلام) كان على نفس عقيدتهم: «قل إني هداني ربّي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين»الأنعام/161.

2- اليهود: ويزعمون أنهم أتباع نبي الله موسى(عليه السلام)، وأنهم أبناء نبي الله يعقوب(عليه السلام) والذي اسمه بالعبرانية «إسرائيل» من أبنائه الأسباط. ويقول القرآن الكريم عنهم أنهم حرفوا كتاب لله الذي أنزل عليهم وهو «التوراة» ويصفهم بأنهم قتلة الأنبياء، قال تعالى: «من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمعنا وانظرنا لكان خيرً لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً»النساء/46.  

3- النصارى: ويقولون أنهم أتباع عيسى المسيح الذي هو أحد الأنبياء كما يعرفه القرآن الكريم، وكان أتباع دين النصارى أو المسيحية على عهد نزول القرآن وما تلاه يعتبرونه ابن الإله، ويعتبر القرآن الكريم مقولتهم تلك بأنها افتراء عظيم على الله تبارك وتعالى.

وقد ذكر القرآن ذلك فقال تعالى: «وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح بن الله، ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله آنى يؤفكون* اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون»التوبة/30-31. 

وحكم القرآن الكريم بكفر من قال بالتثليث أي أن الله تعالى له أقانيم ثلاثة، وهذا ما ادعته النصرانية في معظم فرقها المعروفة بعد مؤتمري نيقية وخلقدونية لرؤساء الكنيسة في ذلك الزمن حيث تم البطش بالقائلين إن عيسى المسيح إنما هو بشر، وقد أنكر القرآن عليهم أشد الإنكار فقال تعالى: « لقد كفر قالوا أن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار* لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسَّن الذين كفروا منهم عذاباً أليم»المائدة/72-73.

ومع ذلك فقد اعتبر القرآن الكريم أن النصارى أقرب إلى المسلمين من الفئتين الأخرتين وهم اليهود والذين أشركوا لأسباب ذكرتها الآية الكريمة التي تقول: "لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودةً للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون* وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا أمنّا فاكتبنا مع الشاهدين "المائدة82 -83كما أنكر القرآن الكريم على اليهود والنصارى معاً ادعاؤهم أنهم أصفياء الله من خلقه، قال تعالى:« وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلما يعذبكم بل أنتم بشرٌ ممن خلق يغفر لمن يشاء  ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير»المائدة/18. 

وادعا كل فريق منهم القرب من الله لا يعني اتفاقهم بل إن كل فريق منهم يطعن في دين الآخر، وقد بين تعالى ذلك بقوله: «وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون»البقرة/113.

4- المجوس: وهم عبدة النار كما عرف عنهم ،ولم يتحدث القرآن الكريم عن معتقداتهم ولا عن أعمالهم.

5- الصابئة: وهم ممن لم يتحدث القرآن عن معتقداتهم ولا عن أعمالهم،وما تحدث به المسلمون عن المجوس والصابئة أتى من غير طريق القرآن الكريم.

وما ورد عنهم في القرآن الكريم كان قوله تعالى: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد»الحج/17.

هذا فيما يتعلق بالمجوس، فلم يذكروا في غير هذه الآية، أما الصائبة فقد ورد ذكرهم في آيتين أخريين متماثلتين واحدة في سورة المائدة ورقمها 69 والثانية في سورة البقرة ورقمها 62 وهي تقول: «إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون»البقرة/62.

ثم هناك آيات قرآنية تتحدث عن أقوام غير محددين كعبدة الكواكب والنجوم والشمس والقمر وعبدة الطاغوت والأوثان والأصنام وغيرهم ولكن لما كانت معظم الأديان تندرج تحت مسميات المشركين أو اليهود أو النصارى أو المجوس أو الصابئة، فإن نظرة القرآن إلى هذه الأديان هي واحدة مع وجود مميزات خاصة لما كان أصله التوحيد وإن انحرف فيما بعد عن الهدي السليم كما هو حال اليهود والنصارى حيث يحل للمسلم أكل طعامهم وعند البعض ذبائحهم، ويحل نكاح نسائهم وهو ما بينه قوله تعالى: «اليوم أُحِلَّ لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم وطعامكم حلّ لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخذان، ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين»المائدة/5.

ولأن المجوس كما يقال أن عندهم شبهة كتاب كما قال الشهرستاني في كتابه المسمى بالملل والنحل، فعندما سئل النبي عن كيفية التعامل معهم قال صلى الله عليه وآله وسلم: سنّوا فيهم سنّة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم. وهذا دليل مزية لأهل الكتاب على سائر أتباع الديانات والمعتقدات الأخرى. حتى أن الخطاب القرآني لكل من اليهود والنصارى قام على إمكانية التحاور على أساس القاعدة الأساسية وهي قاعدة توحيد الله عز وجل.

 

القرآن الكريم ومعتقدات الأديان الأخرى

إن القرآن كما ذكرنا كتاب هداية، والرسالة التي يحملها للبشرية هي دعوة التوحيد، لا إله إلا الله. قال تعالى: «فاعلم أنه لا إله إلا الله»محمد/19.

ونبذ الشرك من حياة البشرية، لذلك وانطلاقاً من مسألة إثبات الوحدانية ونفي الشرك، ناقش القرآن الكريم عقائد الكفار والمشركين، وأقام الحجة على بطلان صحة معتقداتهم، ورد عليها الردود التي تستحضر العقل ليكون الحكم والحاكم فيما اختلف فيه، ولأن المجال لا يتسع لإيراد كافة الإستدلالات على ذلك، فإننا نورد بعض ما تناوله القرآن الكريم من أقوال ومعتقدات الآخرين ورده عليها.   

قال تعالى: «وقالت اليهود يد الله مغلولة، غُلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً...»المائدة/64.

وأيضاً قوله تعالى: «وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلما يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشرٌ ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير»المائدة18.

كما رد على زعم النصارى بأن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليسمن الذين كفروا منهم عذاب أليم* أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم* ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون* قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً والله هو السميع العليم»المائدة/76.

وناقش القرآن الكريم المشركين في عقائدهم. قال تعالى: «أفريتم اللات والعزى* ومناة الثالثة الأخرى*ألكم الذكر وله الأنثى*تلك إذاً قسمة ضيزى*إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يبتغون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءّهم من ربهم الهدى* أم للإنسان ما تمنى* فلله الآخرة والأولى* وكم من ملك لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى* إن الذين لا يؤمنون بالآخرة يسمون الملائكة تسمية الأنثى* وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً»النجم/18-27. 

وفي المقابل فإن القرآن الكريم تحدث عن قدرة الخالق عز وجل وأثبت له الصفات والأسماء الحسنى، وخاطب الإنسان مبيناً عظم قدرته تعالى: «وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفىالله خير أم ما يشركون* أم من خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً أنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قومٌ يعدلون»النمل/60.

وهكذا نجد أن القرآن الكريم كان صريحاً وحاسماً في مسائل الإيمان فلم يجامل ولم يساوم، وإنما وضع النقاط على الحروف، ورفض كل ما لا يتوافق مع دعوة التوحيد.

 

الإسلام دين الله

وفي الوقت الذي ناقش فيه القرآن الكريم معتقدات الأديان ذات الأصل التوحيدي ومعتقدات أخرى كالدهريين والملحدين والمشركين والوثنيين، ورد عليها ،فقد اعتبر أن كل دين سوى الإسلام باطل:«إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم...»آل عمران/19.

واعتبر أن كل من يتخذ ديناً له غير الإسلام فهو من الخاسرين.قال تعالى: «أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرهاً وإليه يرجعون*قل آمنّا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيُّون من ربهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون* ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين»آل عمران/83-85.

ولكن القرآن الكريم أقر حق الناس في اختيار الدين الذي يريدونه، وهو حق الإيمان أو الكفر، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وحدد مهمة الرسل ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها مهمة البلاغ والتذكير: «فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر* إلا من تولى وكفر* فيعذبه الله العذاب الأكبر* إن إلينا إيابهم*ثم إن علينا حسابهم»الغاشية/21-26.

كما أن مهمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفصل بين الإيمان والكفر، كما جاء في سورة الكافرين «بسم الله الرحمن الرحيم* قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون* ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم* ولا أنتم عابدون ما أعبد* لكم دينكم ولي ديني» صدق الله العلي العظيم. وبهذا يزول الالتباس بين ما كان أهل مكة دينا لهم على ملة إبراهيم، وبين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 

الإسلام وأهل الكتاب

اعتنى القرآن الكريم بمخاطبة أهل الكتاب ودعاهم إلى الالتحاق به باعتباره استمراراً وتتويجاً لدعوات الأنبياء والرسل الذين آمن أهل الكتاب بهم، وذكر لهم التحريف الذي طرأ على كتبهم ومعتقداتهم، مثل تأليه النصارى للمسيح عيسى بن مريم وأمه، ومثل تحريف اليهود الكتاب وذلك على يد أحبارهم، ودعاهم إلى مناقشة ذلك بالحجة والبرهان انطلاقاً من الأسس التوحيدية، قال تعالى:«قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون» أل عمران/64.

وهذا الخطاب يشمل بدعوته اليهود والنصارى، وهي دعوى لتصحيح المعتقد والالتقاء على عبادة الإله الواحد، وترك القول بألوهية سواه أو ببنوة أحدٍله كالمسيح والعزير أو بوجود زوجة أو صاحبة له.

ولما كان القرآن الكريم بحسب النص يتوقع أن لا يجد منهم القبول، وأنهم سيتولون، طلب منهم أن يشهدوا، وفي طلب هذه الشهادة دليل على أن الإسلام ليس في مراده استئصالهم والقضاء عليهم لمخالفتهم له.

بل نجد أن القرآن الكريم في مناقشته قضية ألوهية المسيح قد أراد بعد أن عرض الحجة أن يكل النصارى إلى إيمانهم بالله، ودعاهم إلى المباهلة، وهي التوجه إلى الله بالدعاء المشترك لإنزال العقوبة بالكاذبين ولكنهم رفضوا حتى الدخول في ذلك لخوفهم من أن يكونوا كاذبين في دعواهم، قال تعالى: «إن مثل عيسى عند الله كمثل أدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك فلا تكونن من الممترين* فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين»آل عمران/59-61. فلما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك ورفضوا ،تركهم وشأنهم، إن القرآن الكريم الذي جاءت آياته لترسخ عقيدة التوحيد ولتبطل العقائد الباطلة، إنما واجه تلك العقائد بالحجة والبرهان، ولكنه رفض بالمطلق أن يقضي على العقائد والأديان الباطلة بالقضاء على أتباعها جسدياً، إن القرآن الكريم أراد القضاء على الشرك والكفر، وليس القضاء على الكافرين والمشركين.

ولعل كثيراً من الالتباس يحصل عند بعض المسلمين في المواجهات التي جرت بين المسلمين وبين اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم، ويعتقدون أن هذه المواجهات كانت بسبب اختلاف الدين، وهذا اعتقاد خاطيء، إن أول المواجهات قد جرت مع المشركين واليهود، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دخل في حلف مع اليهود في المدينة وجوارها، ولكن اليهود انقلبوا على هذا الحلف وخانوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتآمروا عليه وعلى المسلمين مع أعدائهم، فكان من الطبيعي وبمنطق الصراع العسكري أن يحاسبوا وأن يدفعوا ثمن خيانتهم.

وكذلك فإن المواجهات مع النصارى وغيرهم لم تكن بسبب العقيدة الدينية وإنما لأسباب أخرى سياسية وعسكرية، بل ربما كانت في جانب النصارى تستند إلى أسباب دينية، أما من ناحية المسلمين فكانت دفاعاً عن النفس وعن حق المسلمين في تبليغ دعوتهم إلى العالم.

لهذا ينبغي علينا عدم الخلط بين المسائل الإيمانية وبين المسائل الأخرى، وإذا استقرءنا الآيات القرآنية نجد أن كل الآيات التي تدعو إلى الشدة والعنف واستخدام القوة إنما تكون في مجال المواجهة العسكرية القتالية وليس في مجال الصراع الفكري أو الاعتقادي أو الإيماني.

وعلى العكس من ذلك في ميدان التعايش والتعامل الاجتماعي دعوة إلى إقامة أفضل وأحسن العلاقات، وتوضح ذلك الآية الكريمة التي تقول: « لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين* إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون»الممتحنة/8-9.  فدعوة القرآن الكريم هي المعاملة بالبر والقسط مع الذين لا تصدر عنهم أفعالٌ عدوانية ضد المسلمين، وفي مقابل ذلك إخراجهم من ديارهم أو مناصرة ودعم من يخرجهم.

ولعل الدعوة القرآنية إلى المسلمين توضح مدى توجه القرآن الكريم إلى إقامة علاقات الحوار بالحسنى، قال تعالى: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، إن ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين»النحل/125.

كما حثّ القرآن الكريم المسلم على الإحسان لمن يحاوره، وفي الآية الكريمة: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب ولا صاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً»النساء/36فهذه دعوة للإحسان في معاملة مطلق جارٍ دون تمييز بين جار وآخر كما يعامل الوالدان والأقربون.

إن من العبارات التي شاعت عند الحديث عن معاملة المسلمين لغيرهم عبارة التسامح، ويقولون إن الإسلام يتسامح مع مخالفيه، بحيث أنه يقبل بوجودهم ولا يحاربهم لمخالفتهم له، وأنا أتساءل أليس معنى التسامح هو أن تتنازل عن بعض حقك لآخر منّةً منك وتفضلاً؟ إذا كان هذا المعنى صحيحاً فإن استخدام عبارة التسامح ليس في محله، فبحسب التوجه القرآني فإن للآخرين الحق في الوجود، ولغير المسلم في المجتمع المسلم حقوق حفظها له القرآن الكريم بما دعا إليه من أخلاق، فعندما نقبل غير المسلم فيما بيننا فذلك ليس تفضلاً منّا، ولا يعنينا كيف تتعاطى الأديان الأخرى مع المسلمين، نعم هناك روح عدائية ظاهرة في المجتمعات غير الإسلامية ضد المسلمين وقضاياهم، وسبب هذه الروح العدائية والعامل على تزكيتها إنما هو الحقد والعصبية لدى بعض الجماعات السياسية والدينية، أو المصالح السياسية والاقتصادية، ولكن الرد على موجة العداء التي تجتاح العالم الغربي ومن يدور في فلكه اليوم هو سلوك السبل التي تخفف من هذا العداء وتحاصره وليس السبل التي تؤججه، وينبغي أن نفهم أن هذه ليست دعوة للإستسلام وعدم المواجهة، وإنما هي دعوة لوعي هذه الأزمة، ووضع الخطط التي تجعلنا نخرج منها رابحين.

 

خاتمة

إن بعض الشخصيات تروج لصدام الحضارات، وهذه دعوة للحرب،  وما يجري من حروب فوق أرضنا يمكن وصفه بسهولة في إطار صدام الحضارات بالمعنى المطروح، إن الحضارة التي لا تتصف بالمرونة والتقبل لا تستحق هذه التسمية، فالحضارات لا تتصادم ولا تتصارع ،وإنما الحضارات تتناغم وتتآلف، أما المصالح فهي التي تتصادم عندما تنعدم الأخلاقية فيها، لذلك علينا أن نعي أن الصراع مع الغرب إنما هو مع المصالح الطاغوتية، أي مصالح القوى التي تريد السيطرة على العالم، فهذه هي التي تدبر المكائد وترسم الحروب وتجني ثمارها، أما الشعوب فلها شأن آخر، وعلينا أن نجعل شأنها مختلفاً عن شأن القوى الظالمة. 

إن علينا أن لا نثير حساسيات الآخرين ببعض الطروحات والعبارات التي لا تهدف إلا إلى «فّشّْ الخُلُق» ولا طائل آخر من تحتها، هل لنا أن نتساءل ما الذي استفاده الشعب الأفغاني من حركة خرقاء كتدمير تماثيل بوذا؟ إن أتباع بوذا اليوم يحق لهم أن يعتقدوا بأن سبب سقوط نظام طالبان هو تدميره للتماثيل، إنها زادتهم تعلقاً بأصنامهم، وهؤلاء أي أتباع البوذية يبلغ تعدادهم أكثر من مليار نسمة في العالم، إنها حركة نتجت عن عدم الوعي، ونحن اليوم في تعاملنا مع غير المسلمين بأمس الحاجة إلى الوعي وأول الوعي هو الوعي بكتاب الله عز وجل.   

 


 

المداخلات والتعقيبات

 

 الدكتور علي الخطيب

يقول الإمام الصادق عليه السلام:" وهل الدين إلا الحب"، فبالحب ومن القلب والعقل نبني بالحكمة والموعظة الحسنة عالما متنوعاً عابداً لله، لأن الحقيقة واحدة، والطريق إليها مختلف.

 عندما يقول الإمام علي عليه السلام :"  الناس صنفان، إما أخ لك في الدين ـ ليس في الإسلام ـ أو نظير لك في الخلق"مما يعني أن المتدين البوذي، المجوسي، الهندوسي، المسلم ،المسيحي واليهودي، هذا أخٌ لك في الدين، لأن الدين واحد، أو نظير لك في الخلق ،فهؤلاء بشر مخلوقون و من قتل نفس بغير حق كأنما قتل الناس جميعاً.

وإذا أخطأنا بهذا الأمر لا يعول على خطأنا لأننا لسنا من أهل الاستنطاق.

لكن الحوار بين الأديان أمرمطلوب،و الإسلام واضح مثلما قال سماحة الشيخ ملص وقد قال تعالى:" لا ينهانكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحب المقسطين" ،هذا البرّ والحوار هو الطبيعي معهم، لكن من يخرجك من أرضك ويقاتلك في الدين ويهدم المنزل ويقتل البشر ويهلك الحرث والنسل هذا كيف يمكن أن تقيم معه حوار؟ هذا لا بد من أن نتعامل معه على طبق الآية" واعتدوا عليهم بمثل ما اعتدوا عليكم ".

أما فيما يتعلق بالعلاقة بنا نحن في لبنان بين الإسلام والمسيحية وعلى صعيد عالمي،فان  تعاون الإسلام والمسيحية كفيل بإقامة نظام عالمي مؤمن و مسالم،و هو ما أوضحه سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمة الله عليه في المؤتمر الذي عقدفي روما " المسيحية في ثقافة الإسلام  المعاصر"، قال بأنه كلما اقترب المسيحي من الصهيونية كلما ابتعد عن الإسلام، وكلما ابتعد عن الصهيونية كلما كان قريباً من الإسلام، والمسلمين مصداق لما تفضل به سماحة الشيخ مصطفى قصير بأننا لسنا مبتدئين بالعدوان ولسنا جهاديين ابتدائيين ،إنما نحن ندافع عن أرضنا وأهلنا وشعبنا وقيمنا، ومن اعتدى علينا فلا بد من أن نرد عدوانه ،وكل إنسان ـ على وجه التعميم وليس على المسيحي فقط ـ في عالمنا المعاصر يبتعد عن الصهيونية وقتلها وجرمها وإفسادها في الأرض يكون قريبا من قضايانا ومن همومنا.

 وبالعودة إلى ما تحدث عنه الجنرال الأميركي "بويكن" ،هذا الجنرال ليس أول من اعتدى على القرآن وعلى قيم القرآن، فمنذ أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان البعض  يعتبر أن القرآن سحر وأنه كلام كاهن وأنه كلام مجنون.

 الخلاصة أنهم لم ولن يتمكنوا من إيقاف هذا المدّ القرآني الإلهي في الكون، "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين " نحن ضد المحارب ومع المسالم، وعلى المسلم الأميركي تحديداً وهو الآن مستهدف في هذه الحملة أن يكون له رأيان: رأي معادي لمن يريد إخراجه من أرضه ومن دينه ،ورأي متسامح محاور لمن لا يريد أن يخرجه من أرضه ولا يحاربه في دينه،في الخلاصة نحن أهل حوار وأهل صدام ،حوار مع من يبدأ معنا بفطرته الطبيعية بأن لا يعتدي علينا، وصراع مع يعتدي علينا ويسلب حقوقنا.

الأستاذ علي يوسف: بسم الله الرحمن الرحيم. سؤالي هو بالنسبة  لما قيل حول أهل الكتاب ومسألة الجزية في الآية القرآنية الكريمة وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ،ألم يأخذ الرسول الجزية بعد أن امتدت  الدولة الإسلامية وشملت هؤلاء المسيحيين أو اليهود؟ و إذا كان هؤلاء قد دفعوا الجزية فعلاً فلم يعد هناك مبرر لقتالهم وبالتالي الآية القرآنية تظل نافذة وحتى لو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سيرته لم يقاتل، وظل يتعامل مع أهل الكتاب على أساس الحوار ،لكن  بعد أن دفعوا الجزية ،فلنفترض أنهم لم يدفعوا الجزية فهل كان بإمكان الرسول ألا يقاتلهم حتى يدفعوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون؟و إذا انطلقنا للمجتمع الحديث مثلاً و فيه دولة إسلامية وفيها أهل كتاب فولي أمر المسلمين هل يملك لنفسه ألا يقبض الجزية على أهل الكتاب؟

الشيخ ياسرشمص: نجد أن القرآن أو الشريعة تنظم العلاقات مع غير المسلمين من اليهود والنصارى ،ولا يجد المتتبع للشريعة أن الجماعات الأخرى من الوثنيين أو غير الوثنيين كالدهريين أو ما شابه  أن القرآن الكريم نظم معهم علاقات ،ففي ظل الحكومة الإسلامية كيف يتم التعامل مع هؤلاء من غير اليهود والنصارى؟ وهل يتناقض هذا مع ما قيل حول حرية التفكير والرأي؟ والحمد لله.

 


 

الشيخ مصطفى قصير:

بسم الله الرحمن الرحيم. قبل أن أجيب على ما سأله الحاج علي يوسف  أتوقف عندما تفضل به الدكتور علي، طبعاً نحن نوافق على كل ما ذكره ،إلا أن ما ذكره  في موضوع الأديان من أن كل الأديان هي حقيقة واحدة وأن الطرق متعددة ،فلسنا في مقام البحث عن الحقيقة، والقرآن الكريم كما تفضل الشيخ مصطفى ملص بين عقائد محددة و ردعلى دعوى صحة أديان موجودة، ولكنه وضع خطوطاً عامة لبناء علاقات مع أصحاب تلك الأديان على قاعدة الأصول التوحيدية، مما يعني الإسلام ميّز بين البشر على هذا الأساس،ولذلك أنا أحب أن ألفت إلى هذه النقطة بالذات، فعندما نريد أن نبحث عن الحقيقة قد نصل إلى أن الحقيقة واحدة إلا أن طرقها أيضاً غير متعددة والبحث الآن ليس في هذا المجال. أما الشاهد الذي ذكره الناس صنفان إما أخُ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، لا ينتج النتيجة التي توصل إليها.

 أما فيما يرتبط بأهل الكتاب والجزية، في الحقيقة الرسول صلى الله عليه وآله منذ البداية عندما عقد معاهدات مع أهل الكتاب قبل أن يحصل بينهم أي نزاع أي عندما دخل الرسول صلى الله عليه وآله  إلى المدينة في الأشهر الأولى قام بعملية تنظيم العلاقات في المدينة مع مختلف الشرائح،ومن تلك الشرائح قبائل اليهود ،وفي تلك المعاهدات كان هناك بنوداً مالية، هذه البنود المالية لها علاقة بميزانية الدفاع عن المدينة ،والرسول صلى الله عليه وآله عندما كان لا يمكنه الاستعانة بهم في تلك المرحلة للمساهمة في القتال بأنفسهم لأسباب ترتبط بأهداف القتال التي قد لا يؤمن بها أهل الكتاب ، بللم يؤمنوا بها فعلا،ولا يمكن إلزامهم بالمساهمة في المواجهة، وإنما كان المطلوب منهم هو عدم  المظاهرة،و نصت كل العهود التي عقدها مع أهل الكتاب في المدينة مع اليهود على عدم المظاهرة وعدم قبول لجوء أحد إليهم خارج المدينة ،وبالتالي يعني الحفاظ على أمن المدينة بالجانب السلبي، يعني عدم المساهمة بالإخلال بهذا الجانب الأمني والمساهمة المالية ما أطلق عليه بعد ذلك اسم الجزية التي هي عبارة عن ضريبة مالية تقابل ما يدفعه المسلمون من ضرائب أخرى تحتاجها الدولة آنذاك،  وإذا أردنا تفسير الغاية من فرض الجزية، يذهب الكثير من علمائنا منهم مثلاً الشهيد مطهري في بعض كتاباته إلى تفسير فلسفة الجزية بهذا التفسير، في تلك الفترة ما كان يؤخذ ضمن عهود مع أهل الكتاب ابتدائياً وقبل أن يحصل القتال كان يتفاوت بحسب وضع كل قبيلة وكل حالة من الحالات، ولذا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يفرض شيئاً ثابتاً على كل الناس وإنما فرض بحسب الحالة وبحسب الظروف ،لكن عندما أبدا أهل الكتاب في بعض الحالات معاندة وكان لا بد من قتالهم فهنا القتال غيي أي جعل له غاية،  مع المشركين عندما تحصل خيانة كان بإخضاع المشركين وقتل المشركين و بالتالي إرضاؤهم بالإسلام ،لكن بالنسبة لأهل الكتاب لمن يمكث العهد و لمن يخرج عن الدين و عن العقود التي كانت مبرومة معهم كان يخرج الرسول لقتالهم، و إذا افترضنا أنهم تراجعوا وقبلوا بأن يعودوا  عمّا كانوا عليه ،فإذا قبلوا بدفع الجزية وتابوا أو دخلوا في الإسلام،أي  التزموا أحد الفرضين،يعني إما الدخول في الإسلام أو القبول بالعودة إلى السلام ودفع الجزية أو بالتالي رفض الإثنين معاً الذي يعني استمرار القتال، هذا ما كان يحصل بالنسبة للفترة التي تحدثت عنها.

 أما بالنسبة للمجتمع الحديث وأخذ الجزية، فالأنموذج القائم اليوم في الجمهورية الإسلامية والذي بني على الرأي الفقهي للإمام الخميني الراحل، حيث في بداية الثورة تعامل مع أهل الكتاب ومع ما يطلق عليه الأقليات الدينية على أساس أنهم من المعاهدين و بالتالي فإنهم ليسوا من المعادين ولذلك أعطوا كل حقوق المواطنية ،وأما الجزية فلم تفرض عليهم بنفس الطريقة، وإنما فرضت بالطريقة الأخرى التي هي اليوم في الدول الحديثة بعنوان  الضرائب ،هذه الضرائب تتناول مختلف الأفراد، و هذا الرأي الاجتهادي للإمام الخميني الذي طبق في إيران يدل على أنه فقهياًَ يمكن اللجوء إلى إلغاء عنوان الجزية بهذا العنوان، و كتبت هذه الكتب باعتبار أنه لم تقم لنا دولة إسلامية تأخذ الإسلام من النبع الصافي منذ أمير المؤمنين عليه السلام ،لذلك عندما بقيت كتب الفقه تتناول هذا الموضوع من زاوية ضيقة وبعيدة عن التطبيق وبعيدة عن البحث الواقعي فقد نجد أنها لم تبحث بالشكل الجدي المنتج إلا في العصر الحديث عندما قامت الجمهورية الإسلامية ،ولذا فأنا أذكر هنا في ختام كلامي ما قاله أحد فقهائنا المعاصرين بأن الإمام الخميني الراحل في ثورته قدم للإسلام فقهاً تطبيقياً، وخدم البحث الفقهي لأنه طرح عليهم مسائل فقهية جديدة وليست فرضية وإنما مسائل قائمة، لهذا أثرى البحث الفقهي في الحوزات العلمية، و كثير من النقاط كانت تطوى سابقاً في كتب الفقه ـ كثير من فقهائنا لم يعنونوا باب الجهاد أصلاً في كتبهم ـ والآن الموضوع اختلف تماما،ً وعندما يبحث هذا الكتاب يبحث بخلفيات مختلفة على قاعدة فهم الزمان والمكان والظروف الاجتماعية المحيطة بالنص والمحيطة بالواقع الذي يراد استنباط الفتوى له، وهذا ما غيّر تماماً النظرة تجاه أهل الكتاب.

 


 

الشيخ مصطفى ملص

أود أن أذكر  أولاً: فيما يتعلق بالجزية، الجزية في حقيقتها إذا أردنا أن نجد لها تكييفاً معاصراً لا تختلف كثيراً عن ضريبة الدخل أو ضريبة الإنتاج، لأنها في الأساس لا تفرض لا على العاجز ولا على الطفل ولا على المرأة ولا تفرض على غير المنتج، هي تفرض على المنتج ،هذه الجزية يمكن إيجاد تخريج لها.

وثانياً: فيما يتعلق بعقد الذمة، أنا كتبت حول هذا الموضوع مقالاً في مجلة الوحدة الإسلامية،وخلال بحثي وجدت أن كل أو معظم ما أثبته الفقهاء في عقد الذمة هو متعلق بأعراف اجتماعية وليس متعلقاً بالدين و بالقرآن.

 وثالثاً: فيما يتعلق  بموضوع النسخ ،والشيخ مصطفى في حديثه عن القتال والأمر بالمعروف أو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة تحدث في موضوع النسخ، في الحقيقة لم أجد في معظم الموضوعات الأصولية أو العناوين الأصولية ما هو أكثر اهتزازاً من موضوع النسخ، بين قائل بأن نصف القرآن ينسخ نصفه الآخر، وبين قائل أن النسخ هو مقتصر على عدة آيات، حتى تجرأت وقلت أن ما أعجز المفسرين أو الفقهاء عن أن يصلوا إلى تفسير له ألحقوه بالنسخ وأراحوا أنفسهم.

 ورابعاً: فيما يتعلق بموضوع الجهاد الذي تكلم فيه سماحة الشيخ  وهو على صلة بالموضوع الذي تكلمت فيه أيضاً وبالأسئلة التي طرحت، أرى أن مفهوم الجهاد يجب أن يتوسع عندنا إلى أبعد الحدود، إذا كان الجهاد هو لخدمة دين الله أو لخدمة الدعوة أو لخدمة الدولة الإسلامية تحت أي عنوان من هذه العناوين ،فالجهاد ليس فقط ضرباً بالسيف أو إطلاقاً للنار، الجهاد يتضمن بناء القوة الاقتصادية لأنها تساهم في النصر في المعركة، المستوى العلمي للأمة يساهم في النصر في المعركة أيضاً، اكتساب الحلفاء من الجهاد لأن اكتساب الحلفاء والأصدقاء يساعد على النصر في المعركة.

وخامساً: فيما يتعلق بموضوع كيف يعامل الإسلام غير أهل الكتاب في مجتمعهم؟ نحن لدينا نصاً نبوياً يقول: يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المجوس ـ وهم ليسوا أهل كتاب أو لديهم شبهة كتاب ـ كيف يتعامل المسلمين معهم؟ فيقول عليه الصلاة والسلام:" سنوا فيهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم"، والمجوس يمكن أن نقيس عليهم كل من يشبههم.

 


 

 الدكتور الخطيب

أريد أن أسأل سماحة الشيخ مصطفى هل الحكاية التالية التي سأوردها يبنى عليها عقلاً؟ وهي: أن الشهيد شمران رحمة الله عليه حكى لنا في إحدى المرات أن سعدي الشاعر يذكر في ديوانه أن النبي موسى كان ماراً في طريق وإذ بإنسان راع للغنم يقول :يا الله انزل اليّ فأنا أحبك،إن كنت خائفاً من الذئب أن يقتلك فمعي عصا فاقتله بها،  خائفاً من العطش أحلب لك من العنزة وأسقيك، خائفاً من البرد أغطيك بلحافي، فقال له موسى: أنت مشرك ومضى، خاطبه الله: يا موسى بعثتك لكي تصل ما بيني وبين عبادي ،هذا الشخص يكن لي كل الاحترام والمحبة، ولكن لسانه كليل، قربه وعلمه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


 

الشيخ مصطفى قصير

هذه نقطة جداً حساسة، لأنه ليس كل من نسب إلى الله سبحانه وتعالى بعض اللوازم التي تستوجب التجسيد أو تستوجب الشرك عن جهل فهو مشرك، مثلاً بسطاؤنا نحن المسلمون عندما يدعون الله سبحانه وتعالى فقد يتوجهون إلى السماء وكأن الله في السماء من دون أن يلتفتوا إلى أن هذا هو تحديد للجهة وللمكان، وبالتالي يؤدي باللوازم الفلسفية إلى الشرك، هذا لا يؤدي إلى الشرك عند الغافل عن مثل هذه اللوازم، لكن إذا كان ملتفتاً إلى اللوازم فمعه يكون قد أشرك وهذا الفرق بينهم.

 

التاريخ: 30/10/2003


** عودة  **