|
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدم الندوة
السيد علي فضل الله
بسم الله الرحمن الرحيم.
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه
المنتجبين.
إن أنت سبرت التاريخ غوراً،
وأحطت بمن انطوى عليه خُبراً، وبَصُرتَ سننهُ طوراً فطوراً، غائصاً في هول
لجّته لا وجلاً ولا فرقاً، ناظراً لباب معدنه، كاشحاً عن جُفاء زبده،
رامياً طرفك هادئ ساحله وسكين مأمنه، مسكوناً بالبصيرة، يحدوك الحق وتنشدك
الحقيقة.
إن أنت سبرت التاريخ تجد نفسك
شاخصاً أمام حقيقةٍ فارقة صارخةٍ واضحة ألا وهي حقيقة شعبٍ مسكونٍ بخليط
عجيب من جبسٍ ورجسٍ وهلوع وخوف وحرصٍ على حياة، وكأنه قد خالط جبِّلتهم
الأولى جنون الهيام بالمادة، أو نفث في روعهم انغماس بالحياة، قد استغرق
منهم العقول والأفئدة لا حد له ولا قرار.
نعم، إنه الشره المتأصل للمال
يأخذ عليهم مجامع قلوبهم، لا تهدئ جشأه كنوز الأرض بما رحبت، جموحٌ لا تثني
أعنته سوى سكون الموت وضجعة اللّحد، إنه الظمأ الأبدي للسلطان لا يطفئ
غليله ملكوت الأرض، فلو تربع أحدهم على عرش الأرض لشرأب عنقه إلى ملكوت
السماء، إنها النفوس القابعة في كهوفٍ من ظلام يهولها ساطع النور حاكت
حنادسه أحقاد وأضغان واستكبار، إنه الشعب الذي كتب على نفسه التيه والضياع
لا في بوادي سيناء وقفارها وحسب، بل في ذاته اليباب المقفرة التي هي جدب من
كل ما ينفع الناس.
إنه قدر كل أمةٍ تعيش عبثاً في
لهث دائب بحثاً عن هويتها فلا تجدها إلا في مواطن الفتن وبين أشلاء
الآدميين ومظلومية المستضعفين.
إنها هوية الدم مسفوحاً من
عروق النبيين ولقمة عيشٍ مسلوبةٍ من فم المسغبين.
ومن تكن هويته قتلاً وظلماً
يكن قدره التيه والانعزالٍ والضياع، يحي الإبلاس والحيرة، يخاف أن يتخطفه
الناس من حوله، وإن سألتهم عن ربهم، أتاك الجواب بأنهم قد اختصوا به دون
أحدٍ من الخلق، اجتباهم واختارهم على العالمين، وأما باقي الناس فإنهم
أنعامٌ في حظيرتهم، خلقوا لهم، ووجدوا لأجلهم، تماماً كالجماد المحيط بهم.
في كنف هذه العقلية الإلغائية
الإستلابية للآخرين، والآخرون هم نحن، يراد لنا أن نسقط في كل مواقعنا وأن
نتقهقر في كل خطواتنا ونخسر كل إنجازاتنا.
إنهم أرادوا لنا أن نعيش ذاتية
الانهزام وروحية الفشل وواقع الدونية، إن هذه الإستلابية - وتحت عناوين شتى
من عولمةٍ وغيرها - جاوزت كل الخطوط وعافت كل الحدود، فهي تريد اقتناص
الكرامة وطمس الهوية وكل ما هو مقدس ورمزٌ وشعار، حتى إذا ما حققوا مبتغاهم
في ذلك غدونا كمية مهملة لا تخالطها الحياة ولا تتفيأ بظلالها الروح.
وما نشاهده اليوم في فلسطين،
وفي القدس الشريف بالذات بما تمثل من الرمز هو حلقةٌ من هذا المشروع
الإستلابي الإلغائي.
إننا اليوم أمام تحدٍ حضاري
مثقل بكل جراحات الماضي والحاضر، أمام إرثٍٍ ثقيلٍ يعوزنا أن نقف إزاءه
وقفةً مشفوعةً بالعلم والتبصر والحكمة، أن نرجع للتاريخ كي نستلهمه
ونستوحيه معيناًُ وزاداً لنا في حاضرنا ومستقبلنا، وهذا ما سنقف عليه مع
سماحة العلامة الشيخ حاتم إسماعيل حول تاريخ القدس في التراث الديني.
الشيخ حاتم
إسماعيل
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
.بسم الله الرحمن الرحيم .والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على
سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
من الطبيعي أن المقدس في حياة
الإنسان لا بد وأن يرتبط بحادثة أو واقعة معينة تؤدي إلى تغيير جذري، أو
مشروع تغيير جذري في نفسية الإنسان المقدس والأمة المقدسة، قضية بيت المقدس
يبدو أنه لا جذور تاريخية لها عند غير المسلمين ـ هذا الكلام يبدو وكأنه
مصادرة على المطلوب ـ لأن من الطبيعي أننا حينما نرجع إلى مقدسٍ من
المقدسات لدراسة تقديسه أو قدسيته لا بد وأن يكون المنبع الذي نرتشف منه
هذه القداسة أو عداها هو الوثائق الأصلية والرسمية التي تعترف بها أو تعتقد
بها أية أمةٍ من الأمم، في مسألة بيت المقدس نجد النزاع والصراع قائماً بين
أديانٍ ثلاثة،أو نقول صورة الصراع بين أديانٍ ثلاثة: اليهودية والمسيحية
والإسلام، إذا رجعنا إلى تاريخ بيت المقدس في الوثائق الدينية على مستوى
العهد القديم بدءاً من أسفار التوراة الخمسة ـ يعبرون عنها بأنها أسفار
موسى ـ مروراً إلى ما يسمى بالعهد القديم من الكتاب المقدس كله، نجد أن
اليهود ينسبون أو يربطون أنفسهم في فلسطين، ومن جملتها بيت المقدس بوعدٍ
وعده الله تعالى لإبراهيم بحسب سفر التكوين «لنسلك أعطي هذه الأرض من
الفرات إلى النيل» (طبعاً لكن بشروط ليس الآن مجال بيانها) لنسلك أعطي هذه
الأرض،من هم نسله؟ هل هم بني إسرائيل؟ هل هم غير بني إسرائيل؟ هل هم بني
إسرائيل وغيرهم؟ نسل إبراهيم عليه السلام هم أبناء إسماعيل وأبناء إسحاق
عليهما السلام وأبناء ستة ذكورٍ أنجبتهم له جارية أسمها قطورة، نسل إبراهيم
يكون ثمانية ذكور، ونسل الوعد الإلهي الموجود مشروط بشرطين لا بد منهما
ليتحقق وراثة الأرض للنسل: أحدهما طاعة الله وعدم التمرد على أوامره
ونواهيه وثانيهما شخصي ذاتي وهو ختن الذكور منه، من خالف وصيةً أو أمراً أو
شرطاً من هذين الشرطين فإنه محكوم عليه بالطرد والإبادة والتشريد من الأرض،
من كل الأرض، و إذا نحن نظرنا في تاريخ بني إسرائيل من خلال الكتاب المقدس
نجد أنهم ما تركوا موبقة إلا وفعلوها وبالتالي نزل عليهم التنديد والتهديد
والوعيد حتى لم تقم لهم قائمةٌ في تاريخ الإنسانية الآتي إلا بحبلٍ من الله
وحبلٍ من الناس حسب ما نطقت به الآية الشريفة.
القدس إذا رجعنا إلى تاريخها
الكتابي في سفر التكوين أو في الأسفار الأربعة التي تلته نجد لها مرور ذكرٍ
يسير جداً لا علاقة له ببني إسرائيل إنما كان اسمها (شاليم أو ساليم أو
أورساليم أو أورشاليم) بحسب التعبير المتعارف، وهذه المدينة كانت مدينةً
أمورية كنعانية لا ترتبط ببني إسرائيل، كان ملكها يدعى (ملكي صادق) كان
موحداً مؤمناً، وهو ـ بحسب سفر التكوين ـ الذي بارك إبراهيم وأنزل عليه
البركة والتقديس.
في غير هذه الإشارة لا نجد
ذكراً في أسفار التوراة الخمسة أبداً لمسألة أورشاليم، وهذا معناه أن
إبراهيم عليه السلام ومن تبعه من الأنبياء: إسحاق، يعقوب، يوسف، وغيرهم من
الأسباط وصولاً إلى موسىو عيسى عليهم السلام لا نجد أي ذكرٍ لها ولا
إعطائها أي أهميةٍ تذكر ،أول ذكرٍ لمدينة أورشاليم في غير هذه العبارة
الصريحة بأنها ملك لغيرهم نجده في آخر سفر يشوع وهو يوشع بن نون عليه
السلام وصي موسى، بعد وفاة موسى عليه السلام يتولى يشوع مسألة حاكمية أو
سيادة بني إسرائيل ويدخل بهم أرض فلسطين بحسب الكتاب المقدس، في آخر سفر
يشوع :15\63 يتحدث عن أورشاليم ،لاحظوا العبارة ونحن نقرأها نرى أن بيت
المقدس لا علاقة لها بهم أبداً، يقول كاتب سفر يشوع: «وأما اليبوسيون
الساكنون في أورشليم فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم فسكن اليبوسيون مع بني
يهوذا في أورشليم إلى هذا اليوم».عبارة ذات دلالة هامة على أن يشوع بن نون
ومعه بني يهودا الذين هم محاربو بني إسرائيل لم يستطيعوا أن يدخلوا بيت
المقدس أو ينتزعوها من سكانها الأصليين الذين هم اليبوسيين.
ثم ننتقل إلى سفر القضاة: 1\8
في بدايته نلاحظ كلمة أن بني يهودا أخذوا أورشاليم من اليبوسيين عنوةً
وضربوها بحد السيف وأحرقوها بالنار.
إذا نحن لاحظنا سياق السفرين
نجد أن سفر يشوع وسفر القضاة كاتبهم واحدٌ بحسب هذا السياق. كيف نستطيع أن
نجمع بين أن يكون بني يهودا لم يستطيعوا أن يخرجوا أهلها أو يدخلوها بل
سكنوا معهم فيها مما يوحي بأن سكنهم كان ناشئاً عن صلح أو عهدٍ أو سلمٍ أو
ما أشبه ذلك وبين قولهم أنهم أحرقوها بالنار وضربوها بحد السيف وقتلوا
أهلها؟ طبعاً هذا تناقض غير طبيعي.
2- لو أمكننا أن نرفع هذه
المنافاة الواقعة بين هاتين الروايتين نجد أن أصل ضربها وإحراقها بالنار
يعني عدم وجود أي قدسيةٍ لها في نفوس بني إسرائيل، ولو افترضنا وجود قدسيةٍ
معينة فإنها لا تنتسب لا إلى وعدٍ الهي ولا إلى واقعة ذات دلالةٍ يمكن أن
تعبأ النفس الإسرائيلية أو غيرها في محبة بيت المقدس أو عداها من الأرض.
حسناً ،قبلنا دخلوها وأحرقوها عادوا و عمروها، يمر بنا التاريخ مئات السنين
بعد يشوع بن نون إلى نصل إلى داوود عليه السلام، في زمن داوود نجد أن بيت
المقدس لم يدخلها أي شخصٍ من بني إسرائيل، ولم يسكن فيها، بل كانت تحافظ
على اسمها القديم يبوس، ويطلقون عليها اسم مدينة اليبوسيين، ومن هنا وفي
معرض حديث الكاتب لسفر القضاة عن محاورة بين شخص إسرائيليٍ وحميه (عمه والد
زوجته) عندما يكونان مارين بقرب بيت المقدس فيقول أحدهما لحميِّه تعالى
لنبيت ليلتنا في هذه المدينة، يكون الجواب المباشر أنه لن ندخل مدينةً لم
يسكن فيها أي إسرائيلي قط، «فلم يرد الرجل أن يبيت بل قام وذهب وجاء إلى
مقابل يبوس .هي أورشليم ومعه حماران مشدودان وسريته م وفيما هم عند يبوس
وقد انحدر النهار جدا قال الغلام لسيده تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه
ونبيت فيها فقال له سيده لا نميل إلى مدينة غريبة حيث ليس من بني اسرائيل
هنا» وما دام الأمر كذلك فإلى زمان داوود بيت المقدس لم تكن مدينةً لا
يهوديةً ولا إسرائيليةً ولا علاقة لليهود بها بأي حالٍ من الأحوال.
ولدينا عبارة أخرى مهمةً
وخطيرة في الكتاب المقدس هذه العبارة في سفر حزقيال النبي يخاطب بيت المقدس
يقول:«هكذا قال السيد الرب (يهمنا فقط أن نتأمل قليلاً بالعبارات)
لأورشاليم: مخرجك ومولدك من كنعان، أبوك أموري ،وأمك حثية ،أما ميلادك يوم
ولدتٍ فلم تقطع سرتك، ولم تغسلي بالماء للتنظف، ولم تملح تمليحاً ولم تقمط
تقميطاً» إذاً هذه علاقة اليهود ببيت المقدس على المستوى الديني ،لا لها
نحو من القداسة ولا ترتبط بالوعد الإلهي ولا بحالةٍ يمكن أن نستند إليها
على مستوى العهد القديم لنقول أن اليهود لهم رابطة دينية فيها، من الممكن
أن يقال أن قضية بيت المقدس أخذت قدسيتها وأهميتها في أذهان اليهود من زمن
داوود عليه السلام ،وداوود بالنسبة إلى بني إسرائيل لم يكن نبياً وإنما كان
ملكاً من الملوك يسعى إلى السيطرة والتسلط ،سقط سقطاتٍ عنيفةً وخطيرة ، بل
لقد اقترف ذنوبا وخطايا يندى لها الجبين خجلا بحسب تعبير قاموس الكتاب
المقدس، ويقول القس الياس مقار : «لست أدري لم حرص الكتاب المقدس على أن
يبرز ضعفات داوود ومنها ما لا يسقط فيه أبسط المؤمنين وأضعفهم».هذه السقطات
يربأ أي إنسانٍ أن يقبلها على نفسه مهما كان هذا الإنسان ساقطاً، ومنأهم
السقطات التي دونها له الكتاب المقدس قضية أوريا الحثي وزناه بها ـ معاذ
الله ـ ثم ضمها إلى أزواجه بعدما احتال على قتل زوجها، (لا نستطيع الإفاضة
في هذه البيانات في قضية داوود). بيت المقدس في اللغات اللاتينية يقولون
لها «جيروزاليم» أو «جيروساليم» بالإنكليزية أو بالفرنسية أو بغيرها «يوروساليم»،
في الكتابات العبرية عندما نلاحظ حرف السين وحرف الشين، نجد حرف السين نادر
الاستعمال في لغتهم، أي حرفٍ يمكن أن يكون سين أو S ينقلونه في لغتهم إلى
شين، فهي في اللغات القديمة حتى في الكتاب المقدس مرة اسمها ساليم أو سالم
أو أورساليم، اللغة العبرية نشأت بعد اللغة الآرامية وأخذت منها كثيراً من
مصطلحاتها ،عندما نرى أن التعبير اللاتيني محافظاً على حرف S ـ الذي ثقافته
فرنسية يعرف أن حرف الشين يمكن أن يتحول بواسطة حرف CH والذي لغته إنكليزية
يستطيع أن يدرك أن حرف الشين SH صحيح ـ يعني نحن نستطيع القول أوروشاليم أو
جيروشاليم أو يوروشاليم باللغات اللاتينية، لكنك تحافظ على S، نقل حرف
الشين إلى اللغة العبرية منشؤه العبرية المتطورة من اللغة الآرامية التي
قلبت حرف السين شيناً هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية: أنه في زمان
داوود عليه السلام لم يسمِ المدينة أورشاليم وإنما أطلق عليها اسم مدينة
داوود إبعاداً للتسمية المسيطرة عليها وهي يبوس، ـ بعد المسيحية سماها بعض
أباطرة الروم بإيلياء وبقي هذا الاسم إلى صدر الإسلام ففي عهد الفتوحات
الإسلامية في زمن عمر بن الخطاب تذكر الوثائق أنه صالح أهل «إيلياء»و هي
مدينة بيت المقدس ـ فإذاً هو سماها مدينة داوود، ولم يدخل بحسب سفر صاموئيل
الأول أياً من بني إسرائيل فيها وجعلها عاصمةً لملكه، إبعاداً للخلافات
القبلية بين أفخاد بني إسرائيل بعضهم مع بعض، وبقيت محافظةً على العلاقة
اليبوسية مع داوود في ذلك الزمان، ومملكة داوود وسليمان عليهما السلام لم
تستمر في التاريخ أكثر من ثمانين سنة ،علماً أنه إذا رجعنا إلى التاريخ
الأثري في مملكة داوود وسليمان نجد أنهما ليستا مملكتين إسرائيليتين
بالمعنى القومي أو بالمعنى اليهودي الديني للكلمة، وإنما كانتا مملكتين
إلهيتين، فيهما بني إسرائيل كما فيهما غير بني إسرائيل من الأقوام الأخرى ،قضية
أوريا الحثي و لا داعي أن نتكلم فيها بالتفصيل و لكن كونه قائداً من قادة
جيش داوود تكشف عن أنه من غير الطبيعي أن يكون رجل من أقوامٍ آخرين خصوصاً
بملاحظة القانون التوراتي الذي يمنع اليهود من أن يعاهدوا الأقوام الأخرى
أو يتصالحوا معهم ،لماذا؟ لأنه لا يمكنهم أن يتحالفوا مع هؤلاء الأقوام بل
واجبهم أن يبيدوهم وأن يقضوا عليهم، معنى هذا الكلام وكون أوريا من قادة
جيش داوود عليه السلام فهو إما أن يكون قائداً على الإسرائيليين أو على فرق
من الأقوام الأخرى في جيش الإسرائيليين، وعلى كل حال هو قائد في تلك الدولة
الموحدة التي يدلنا نفس الكتاب المقدس على عدم كونها دولةً إسرائيلية
باتخاذ بيت المقدس عاصمةً له لأنها لم يكن مسلطاً عليها أي فخدٍ من أفخاد
بني إسرائيل. وأما صيرورتها عاصمة لمملكة داوود لا تمنحها القداسة بالمعنى
الديني، فان النظرة الكتابية لداوود عليه السلام هي كما أسلفنا .ويظهر من
الأسفار أنها قد بقيت في يد اليبوسيين إلى عهد داوود، فقد ورد في سفر
صموئيل الثاني 5\6ـ 8:«وذهب الملك ـ أي داوود ـ إلى أورشليم إلى اليبوسيين
سكان الأرض فكلما داوود قائلين لا تدخل إلى هنا ما لم تنزع العميان والعرج
أي لا يدخل داوود إلى هنا وأخذ داوود في ذلك اليوم أن الذي يضرب اليبوسيين...»
والحاصل أن مدينة القدس لم تكن
ذات بعد ديني عند اليهود مطلقا، وإنما اكتسبت أهميتها بالنسبة إليهم من
حالة الصراعات السياسية التي توالت عليها أيام داوود وسليمان، هذا من جهة
ومن جهة أخرى فان أحكام التوراة قد نسخت ولم تعد صالحة للتنفيذ أو الأجراء
بين اليهود أنفسهم فضلا عن الآخرين بمقتضى ما ورد في سفر أشعياء حيث يقول:
المبحث الثاني: حق
رعاية المدينة المقدسة
رعاية المدينة
المقدسة
إن ما تقدم يجعل البحث عن من
يحق له رعاية الأماكن المقدسة، وإدارتها، بما لها من ارتباط بالديانات
الثلاثة، بحثاً جدياً ما دام الخلاف قائماً لإثبات أحقية كل فريق..
وهنا نبادر إلى القول، بأن
للمسلمين وحدهم حق السيطرة عليها، وحـمايتها، والقيام على شؤونها، ورعايتها،
وذلك:
1- اليهود
أما بالنسبة إلى اليهود،
فالمدينة لا تمثل أكثر من ملك أرضي، وسلطان سياسي، لم يقر لهم فيها قرار،
بل ظلوا مشردين في أقطار الأرض طيلة تاريخهم، وقد ذكرنا ذلك بالتفصيل في
كتاب «وعد التوراة لمن».
علاوة على ذلك، فهم تارة يدعون
دخولها بالقـوة، وإخراج أهلها منها، وأخرى أنهم سكنوها معهم، ولم يخرجوهم
حتى زمان داود ، حين جعلها عاصمة ملكه وسماها مدينة داود، وثالثة بأن داود
قد دخلها عنوة، بعد أن لم يكن فيها أحد من بني إسرائيل..
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل
على أنه ليس لهم فيها أي ارث تـاريخي، لفرض أنه قد غلب أهلها على أمرهم،
واستولى عليها بالقوة، دون أن يكون لهم أي وعد إلهي في البين، ولا أية
رابطة دينية..
إضافة إلى ما تقدم من أنهم
منهيون عن دخولها وإقامة دولة لهم، وأنه محكوم عليهم بالطرد والتشرد بمقتضى
حكم التوراة، فتمردهم على حكمها ـ وهي أهم ما يرتكزون عليه في إشباع نهمهم
ـ يعني أنه من الناحية الواقعية ربما يتمردون على كل المقدسات لدى كافة
الشعوب.
ولهذا فهم لا يؤمنون من
الناحية الواقعية، على صيانة الأماكن المقدسـة، التي ترتبط بغيرهم من
المسلمين والمسيحيين، الذين لا يعترف اليهود بسماوية ديانتيهما..
ومنذ احتلالهم المدينة المقدسة
عام 1967م. وهم لا يألون جهداً في محاولة تغيير المعالم التاريخية للمدينة
المقدسة، بحجة البحث عن هيكل سليمان، وإبراز المعالم اليهودية التي يزعمون
وجودها في المدينة، فضلاً عن محاولاتهم المتكررة لإخراج غير اليهود من كامل
فلسطين..
هذا بالإضافة إلى ما في ذلك من
جناية على الآثار التاريخية والثقافية لأتباع الديانتين، والتي ضمنتها شرعة
الأمم المتحدة، بما في ذلك من تحريف وتزوير للتاريخ الإنساني العام في
فلسطين..
وإذا كانوا قد قتلوا أنبياءهم،
وخانوا الله وخانوا أماناتهم، واقترفوا كافة أنواع السيئات والفواحش ـ وهو
ما تشهد به سائر أسفار العهد القديم ـ عبر تاريخهم الطويل بل ونفس اعتدائهم
على المدينة المقدسة نفسها، كما سبقت الإشارة إليه، حتى استحقوا لعنة سائر
الأنبياء الذين أرسلوا إليهم، وهذا يعني أن تكون خيانتهم لأتباع سائر
الديانات الأخرى متوقعة وبطريق أولى، فهم لا يرون أتباعها سوى منافسين لهم،
ومنازعين إياهم سلطانهم الدنيوي الذي يتوهمونه..
إن من المعلوم أن اليهود
يقدسون كتاب التلمود، ويرونه حاكما على نصوص التوراة، ومفسراً لها تفسيراً
يتوافق مع النزعة العنصرية التي يلتزم بها اليهود..
ومن التعاليم التلمودية
المقدسة وجوب محاربة الأغيار ـ أي غير اليهود ـ وأنهم مخلوقات شيطانية،
شأنها شأن البهائم والحيوانات:
>يروي كتاب (زوهار) أن يسوع
مات كبهيمة ودفن في كومة قذر، حيث تطرح الكـلاب والحمير النافقة، وحيث
أبناء ايسو (يسوع) وأبناء إسماعيل (الأتراك) [أي المسلمون] بالإضافة إلى
المسيح ومحمد غير المختونين والنجسين كالكلاب النافقة،.. ..، هؤلاء جميعاً
مدفونون معاً< (1)..
كما أن من واجب اليهودي في
الظروف السانحة، قتل المسيحيين، وليفعل ذلك بدون رحمة
(2)..
وغير ذلك كثير جداً، من قبيل
التعاليم التي تبيح لهم حلف الأديان الكاذبة، ومحاولة السيطرة على كـل شيء،
سواء بالغش والخدع، والكذب، والربـا، وبأي وسيلة ممكنة، للتخلص من الأغيار،
الذين يرونهم مجرد حيوانات لا أكثر (3)..
حتى قال الرابي «البو» سلط
الله اليهود على سائر أموال باقي الأمم ودمائهم (4)..
بل هم يعدون أنفسهم بالسيطرة
فعلاً على كـل شيء، ويخرجوا كل من عداهم من الأرض، يستندون في كل ذلك إلى
نبوءة وردت في سفر أشعياء، تقول:
«استيقظي استيقظي البسي عزك يا
صهيون البسي ثياب جمالك يا أورشليم المدينة المقدسة لأنه لا يعود يدخلك في
ما بعد أغلف ولا نجس» (5)..
مع أن الظاهر أن هذه النبوءة
لا تنطبق على بيت المقدس بحال، فإنها موعودة بالخراب والدمار، كما سبقت
الإشارة إليه، وأما هذه النبوءة فهي متطابقة مع قوله تعالى في القرآن
الكريم:
{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ
نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا..}
(6).
كما أن الواقع الخارجي يؤيد
هذه المطابقة، فإن بيت المقدس لم تخل طيلة تاريخها من غير اليهود يوما أبدا،
بخلاف مكة المكرمة، فإنها بعد نزول هذه الآية الشريفة اختصت بالمسلمين دون
سواهم، ولا زالت كذلك، وقد تعرضنا لهذه المسألة بالتفصيل في كتاب «وعد
التوراة لمن؟!».
ولقد وصل الحال بعنصرية اليهود،
ونظرتهم المحقرة للأمم الأخرى:
«أنه يجب على المرأة اليهودية
العائدة من حمام التطهر الطقسي الشهري (الذي يصبح وصالها مع زوجها من بعده
أمراً ملزماً) أن تحترس من التقاء أحد المخلوقات الشيطانية الأربعة:
الأغيار والخنزير والكلب والحمار.
فإذا حصل والتقت أحد هذه
المخلوقات، عليها أن تأخذ حماماً آخر» حسب تعبير إسرائيل شاحاك
(7)..
وهذا يعني أن من غير الممكن أن
يؤمن اليهود على صيانة الأماكن المقدسة عند غيرهم، إذ لا مانع عندهم من نقض
العهود، على فرض التعاهد مع الآخرين، بل هم يرون أنفسهم غير ملزمين بها إلا
إذا اضطرتهم الظروف إلى ذلك..
2- المسيحيون
وأما المسيحيون، فمع غض الطرف
عن سقوط المدينة المقدسة عن مستوى الأهمية والقداسـة بنظرهم، وكما تقتضيه
أصولهم، فإن حقيقة الإيمـان المسيحي لا تمنحهم حق الرعاية، ولا سلطة التحكم
والتصرف، في شؤون الأماكـن المقدسة من الأساس، الخاصة بهم، فضلاً عن غيرها
من الأماكن، مقدسة كانت أم غير مقدسة، بل يحظر عليهم التصدي للمناصب
الحكومية والسياسية..
بيان هذا الأمر نبحثه في ثلاث
مقامات:
المقام الأول:
في سلوك السيد المسيح أثناء كرازته
إن مجمل فصول الأناجيل تدل،
على أن وظيفة السيد المسيح ودعوته، كانت تنحصر بالدعوة إلى الإيمان باقتراب
ملكوت السماوات، دون أن يدخل في عمل فعلي يتعلق بالأمور الدنيوية، فضلاً عن
عدم تملكه بأي نحو من الأنحاء، مما يعني أنه كان داعية وواعظاً لا أكثر، من
قبيل قولهم:
«وكان يسوع يطوف كل الجليل
يعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب»
(8)..
«وبعدما أسلم يوحنا جاء يسوع
إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله
وآمنوا بالإنجيل» (9)..
وقد صرح صاحب إنجيل لوقا بما
لا يدع مجالاً للشك والتأويل، أن مهمته كانت منحصرة بالكرازة والوعظ
باقتراب ملكوت الله، حيث يقول:
«ولما صار النهار خرج وذهب إلى
موضع خلاء وكان الجموع يفتشون عليه فجاءوا إليه وامسكوه لئلا يذهب عنهم،
فقال لهم أنه ينبغي لي أن أبشر المدن الأخر أيضاً بملكوت الله لأني لهذا قد
أرسلت فكان يكرز في مجامع الجليل» (10)..
وقد أنهى مهمته الموكلة إليه
من قبل الله عز وجل، فقد خطب في تلاميذه وهم في طريقهم إلى أورشليم قبل
إلقاء القبض عليه، توجه إلى الله قائلاً:
«وهذه هي الحياة الأبدية إن
يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويعرفوا يسوع المسيح الذي أرسلته، أنا مجدتك
على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته» (11)..
فهو قد أنهى المهمة الموكلة
إليه بإلقاء هذه الخطبة، بعدما طاف في سائر المجامع واعظاً ومبشراً بملكوت
الله عز وجل، ولم يكن هو صاحب ملكوت..
وأما الآيات والمعجزات التي
كان يجترحها خلال دعوته المباركة،فكانت عبارة عن آيات صدق نبو آته وبشائره..
وقد كان اليهود يرجون أن يأتي
المسيح، ويخرجهم من وطأة الاستعباد، والذل الذي كان يلاحقهم، ويثقل كواهلهم
على أيدي الرومانيين، الذين كانوا يحتلون البلاد آنئذٍ..
وهذا ما انعكس في الإنجيل، على
النبوءة التي وردت على لسان زكريا حين تنبأ قائلاً:
«مبارك الرب إله إسرائيل لأنه
افتقد وصنع فداء لشعبه، وأقام لنا قرن خلاص في بيت داود فتاه، كما تكلم بفم
أنبياءه القديسين الذين هم منذ الدهر، خلاص من أعدائنا ومن جميع مبغضينا،
ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس، القسم الذي حلف لإبراهيم أبينا،
أن يعطينا أننا بلا خوف منقذين من أيدي أعدائنا نعبده، بقداسة وبر قدامه
جميع أيام حياتنا» (12)..
ولكنه في دعوة السيد المسيح
وسيرته العملية لم يظهر شيء من ذلك، لا الأمان، ولا الخلاص من الأعداء
والمبغضين، ولا ملكاً في بيت داود، بل كان خائفاً، متألماً، وملاحقاً من
قبل اليهود، فضلاً عن الرومانيين، وكذلك كانت محنة أتباعه والمؤمنين بـه من
بعده..
مع أن السيد المسـيح لم يكن من
نسل داود، بل هو من نسل هارون وقد أثبتنا ذلك في كتـاب «المسيح في الإنجيـل،
بحث في لاهـوته وناسوته» فليراجع..
وعلى كل حال، فإن عدم تحقق
نبوءة زكريا فيه يدل – على فرض صدورها واقعا ـ على أنها ناظرة إلى غيره، لا
إليه..
ويؤكد هذه الحقيقة أنه لم يبحث
عن أي منصب دنيوي، بل كان يهرب من كل ما يشعر بذلك، ولم يدع إلى الثورة ضد
النظام الحاكم، كما كان يرجوه اليهود، وهذا ما انعكس عداوة في قلوبهم تجاهه،
وألبوا عليه المجتمع، وحاولوا إدانته وقتله بمختلف الوسائل، فقد:
أ - «ذهب الفرسيون وتشاوروا
لكي يصطادوه بكلمة، فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين يا معلم
نعلم أنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه
الناس، فقل لنا ماذا تظن أيجوز أن تعطي جزية لقيصر أم لا، فعلم يسوع خبثهم
وقال لماذا تجربونني يا مراؤون، أروني معاملة الجزية، فقدموا له دينارا ً،
فقال لهم لمن هذه الصورة، قالوا له لقيصر فقال لهم أعطوا إذاً مـا لـقيصر
لـقيصر وما لله لله» (13)..
ب - وجاء الذين يأخذون
الدرهمين إلى بطرس وقالوا له:
«أما يوفي معلمكم الدرهمين،
قال بلى فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلاً ماذا تظن يا سمعان ممن يأخذ ملـوك
الأرض الجباية أو الجزية أمن بنيهم أم من الأجانب، قال له بطرس من الأجانب
قال له يسوع فإذاً البنون أحرار، ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر وألق
صنارة والسمكة التي تطلع أولاً خذها ومتى فتحت فاها تجد أستاراً فخذه
وأعطهم عني وعنك» (14)..
ج - إنه «بعدما أطعم الخمسة
آلاف شخص من خمسة أرغفة وسمكتين، ظن بعض الناس أنه النبي الآتي إلى العالم،
فأرادوا أن يختطفوه ويجعلوه ملكاً عليهم، فعلم يسوع بذلك فتركهم وانصرف إلى
الجليل وحده» (15)،
في إشارة منه إلى أنه ليس المراد بإقامة الملكوت الذي جاء مبشراً به..
ويدل على ذلك أنه لما شرع
بيلاطس بمحاكمته وسأله إن كان ملكاً، أجاب يسوع:
«مملكتي ليست من هذا العالم.
لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود.
ولكن ليست مملكتي من هنا، فقال
له بيلاطس أفأنت إذاً ملك. أجاب يسوع أنت تقول إني ملك. لهذا قد ولدت أنا
ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق» (16)..
فهو يختصر دعوته بأنه مجرد
شاهد للحق، الذي له ملكوت السماوات..
د - وفي ما يبدو كأنه قطع
لسائر الاحتمالات، لم يرض السيد المسيح أن يقضي بين متخاصمين، حين أتياه
ليحكم بينهما، مذكراً بأنه أيضاً شاهـد للحق وداعية له، فقد:
«قال له واحد من الجمع يا معلم
قل لأخي أن يقاسمني الميراث، فقال له يا إنسان من أقامني عليكما قاضياً أو
مقسماً، وقال لهم انظروا وتحفظوا من الطمع. فإنه متى كان لأحد كثير وليست
حياته من أمواله» (17)..
وهكذا.. فلم يسمح السيد المسيح
لنفسه أن يكون قاضياً أو حاكماً بين الناس أو ملكاً عليهم، بل كان تعامله
منطلقاً من التعايش مع الواقع الراهن، داعياً إلى الإيمان بملكوت السماوات
الآتي، وشاهداً عليه، مركزاً على تطهير الذات من الطمع وغيره مما يناسب
وظيفته كواعظ ومبلغ..
المقام الثاني:
في تعاليمه ووصاياه لتلاميذه
لم يقتصر السيد المسيح في
دعوته وكرازته باقتراب ملكوت السماوات، وعدم قبوله، وعلى الأقل، عدم تصديه
للقيـام بأي عمل يوحي، أو يوهم، أنه هو المراد بالدعوة، وبأنه يقبل أو يسعى
إلى منصب في هذه الحياة.
أجل.. لم يقتصر على الامتناع
بشخصه عن ذلك، بل نراه في سائر تعاليمه ووصاياه، يؤكد على تلاميذه وأتباعه،
أن يقتدوا بأفعاله، فلا يدخلون هم الآخرون في الشؤون الدنيوية، كما لم يدخل
هو فيها، ومثل هذا التوجيه لم يكن منحصراً بالتلاميذ والرسل، أو في من أطلق
عليهم فيما بعد اسم اللاهوتيين، ورجال الكنيسة، بل إن نصوص الأناجيل تدل
على أن هذه هي وظيفة المؤمنين به وبوظيفته بشكل عام..
ففي خطبته التي ألقاها على
الجبل أمام الحشود المجتمعة، وردت مجموعة من الوصايا، تدل على ما كانت
تتضمنه دعوته الشريفة لأتباعه، والمؤمنين به، حول التعامل مع الشؤون
الحياتية:
«ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر
أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء، بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد
عن ذلك فهو من الشرير» (18)..
ومن المعلوم أن الشرير سيكون
في النار الأبدية (19)..
«سمعتم أنه قيل عين بعين وسن
بسن وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحول
له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً، ومن
سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين» (20)..
«فصلوا أنتم هكذا أبانا الذي
في السماوات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك.لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على
الأرض خبزنا كفانا اعطنا اليوم، واغفر لتا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضـاً
للمذنبين إلينا، ولا تدخلنـا تجربة لكن نجنا من الشرير»
(21)..
«لا تدينوا لكي لا تدانوا،
لأنكم بالدينونة التي تدينون تدانون. وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم»
(22)..
وفي نهاية خطبته يتوجه إلى
الجموع قائلاً:
«فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل
بها أشبهه برجل ما قل بني بيته على الصخر، فنزل المطر وجاءت الأنهار وهبت
الرياح ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط لأنه كان مؤسساً على الصخر، وكل من
يسمع أقوالي هذه ولا يعمل بها يشبه برجل جاهل بنى بيته على الرمل، فنزل
المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح وصدمت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه عظيماً»
(23)..
ب - عندما جاء إليه خدام رؤساء
الكهنة لإلقاء القبض عليه وأمسكوه:
«إذا واحد من الذين مع يسوع مد
يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطه أذنه، فقال له يسوع رد سيفك إلى
مكانه. لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون» (24)..
وهكذا التزم السيد المسيح ـ
حسب الأناجيل ـ بعدم مواجهة الشر قولاً وعملاً، وأمر أصحابه بذلك، حتى في
ساعة محنته، لأن الذين يأخذون السيف يهلكون بالسيف، وعليهم أن لا يدخلوا في
تجربة، وكما يدينون يدانون..
المقام الثالث:
في سيرة الرسل ومواعظهم بعده
لقد انعكست تعاليم السيد
المسيح عليه السلام ووصاياه، على دعوات الرسل في مواعظهم، ورسائلهم من بعده،
فقد:
أ - كتب بولس في رسالته إلى
أهل رومية، قائلاً:
«لتخضع كل نفس للسلاطين
الفائقة لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله،
حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم
دينونة، فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة بل الشريرة. أفتريد أن لا
تـخاف السلطان. افعل الصلاح فيكون لك مدح منه، لأنه خادم الله للصلاح. ولكن
إن فعلت الشر فخف. لأنه لا يحمل السيف عبثاً إذ هو خادم الله منتقم للغضب
من الذي يفعل الشر، لذلك يلزم أن يخضع له ليس بسبب الغضب فقط بل أيضاً بسبب
الضمير، فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضاً. إذ هم خدام الله مواظبون على
ذلك بعينه، فأعطوا الجميع حقوقهم الجزية لمن له الجزية. الجباية لمن له
الجباية والخوف لمن له الخوف والإكرام لمن له الإكرام»
(25)..
ب - ورد في رسالة بطرس الأولى،
قوله:
«أيها الأحباء،.. ..، فاخضعوا
لكل ترتيب بشري من أجل الرب. إن كان للملك فكمن هو فوق الكل، أو للولاة
فكمرسلين منه للإنتقام من فاعلي الشر وللمدح لفاعلي الخير، لأن هكذا هي
مشيئة الله أن تفعلوا الخير فتسكتوا جهالة الناس الأغبياء، كأحرار وليس
كالذين الحرية عندهم سترة للشر بل كعبيد لله، أكرموا الجميع. أحبوا الاخوة.
خافوا الله. أكرموا الملك، أيها الخدام.. لأنكم لهذا قد دعيتم. فإن المسيح
أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته»
(26).
والأمثلة والنصوص كثيرة، تلك
التي تأمر المسيحي أن يكون خاضعاً لملكه مهما كانت سيرته، ومهما كان دينه،
وأن لا يتصدوا لمقاومة الشر، لأن في ذلك إدانة لهم..
ومن المعلوم: أن ملوك وسلاطين
عصر بولس لم يكونوا مؤمنين بالتوراة، ولا بنبوة موسى ، وسائر أنبياء بني
إسرائيل، فضلا عن الإنجيل والسيد المسيح، بل كانوا من الوثنيين، الذين
استعبدوا اليهود،حتى غدا اليهود ينتظرون مجيء المسيح بفارغ الصبر،
لاعتقادهم أنه سيخلصهم من ذل هذه العبودية، ولكنهم لما رأوا أنه لا يفعل
ذلك، ولم يتصد له انقلبوا عليه وحاربوه بكافة الوسائل..
والمسيحيون لم يكونوا أفضل
حالا منهم، بل كانوا مطاردين ومضطهدين بشدة، من قبل السلطات الحاكمة، حتى
أن هذين الرسولين ماتا قتلا في سبيل الدعوة، وكذلك غيرهما من المبشرين
والدعاة المسيحيين.
إن كل هذه النصوص تجعل المسيحي
قاصراً من الناحية الدينية والتشريعية عن أن يقوم بأي عمل سياسي، لأن في
ذلك هلاكه وإدانته، وعلى المسيحي أن يتبع خطوات المسيح في عدم مقاومة الشر،
حسـب تعبـير بطرس..
هذا بالإضافة إلى أن المسيحيين
يعتقدون أن مجيء السيد المسيح قد أبطل الشريعة والأنبياء، وهو لم يأت
بشريعة جديدة، فتصديهم لهذه المهمة يعني أنهم يفتقدون القانون الذي يمكن أن
يستندوا إليه في تنفيذها..
3- المسلمون
وأما المسلمون، فإنهم يرون في
قضية القدس وسائر فلسطين امتداداً للدعوة الإبراهيمية المباركة، وهم معنيون
بتراث إبراهيم بشكل أساسي، امتثالاً لما ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى:
{وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ
إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} (27)..
{وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا
أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (28)..
{قُلْ صَدَقَ اللّهُ
فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ} (29)..
{قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي
رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (30)..
وإذا كان اليهود والنصارى
يدعون انهم أتباع ديانة إبراهيم ، ويتمسكون باتباع إبراهيم في إثبات شرعية
ديانتهم، فإن الإسلام يـراهم منحرفين عن ملـته قد نسبوا إليه ما هو بريء
منه..
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ
تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ
إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (31)..
ومع غض النظر عن ذلك، فإن
القرآن الكريم قد أعطى المسلمين وحدهم شهادة اتباع إبراهيم بصورة صحيحة،
قال تعالى:
{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ
يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ
وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} (32)..
كما أن ملكوت السماوات الذي
أرسل السيد المسيح مبشراً به، وشاهداً له، مع امتناعه عن التصدي لكل ما
يوهم الانطباق عليه، عبارة عن حاكمية الله على الأرض، عن طريق حكم الإسـلام،
ولهذا البحث مقام آخر..
ولما كان المسلمون مأمورين
بالإيمان بسائر الأنبياء والرسل، كما قال تعالى:
{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا
أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ
وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن
رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (33)..
وهم وحدهم يمتلكون القانون
الالهي الذي يؤهلهم للقيام بهذه المهمة الجليلة، من دون أن يطرأ عليه أي
نسخ أو تعديل..
وأما اليهود فلا يؤمنون لا
بالسيد المسيح ولا بمحمد ’، إضافة إلى أن القانون الذي بين أيديهم (التوراة)
قد ألغي العمل به كما أسلفنا.
والنصارى لا يؤمنون بنبوة محمد
’، كما أن اليهود لا يرون أن الآخرين من البشر بل يحق لهم أن يقتلوهم
ويهدموا كل ما يتعلق بهم من مقدسات، والمسيحيون مأمورون بعدم التصدي لشؤون
السلطان، مع عدم اشتمال ديانتهم على قانون وشريعة.
هذا من جهة..
ومن جهة أخرى، فقد أثبت اليهود
تاريخيا، عدم جدارتهم بحمل الأمانة التي ترتبط بهم هم، فضلا عما يتعلق
بالآخرين، فهم لم يتركوا موبقة إلا وفعلوها، ولا ذنبا إلا اقترفوه، حتى
توجه عزرا إلى الله تعالى قائلا:
«اللهم إني أخجل وأخزى من أن
أرفع الهي وجهي نحوك، لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤوسنا وآثامنا تعاظمت الى
السماء، منذ ايام آبائنا نحن في اثم عظيم الى هذا اليوم ولأجل ذنوبنا قد
دفعنا نحن وملوكنا وكهنتنا ليد ملوك الأراضي للسيف والسبي والنهب وخزي
الوجوه كهذا اليوم» (34).
والإسلام قد جاء بالدين
والشريعة والقانون كما ذكرنا، أي أنه نظم علاقة الإنسان بنفسه ومجتمعه وربه،
ووضع لكل مشكلة حلا، قال تعالى:
{مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ
مِن شَيْءٍ} (35)..
ولهذا أمر بإقامة حكم الله في
الأرض:
{وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا
أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (36)،
{الْفَاسِقُونَ} (37)،
{الْكَافِرُونَ} (38)..
وأما بعض الدعوات الأخرى، من
قبيل جعل المدينة خاضعة لسلطة الأمم المتحدة ورعايتها، أو كونها مفتوحة
للأمم أو نحو ذلك، فهو مما لا يمكن قبوله، لعدم انطلاق هذه المؤسسات من
تعاليم إلهية، أو قوانين مقدسة، وإنما هي عبارة عن تواضع بين الناس، تحركه
المصالح المحضة، والنظرة المادية للتاريخ والتراث، فليس من شأنها الاهتمام
بقضايا الدين إلا من زاوية كونها تراثاً حضارياً لفئات من الناس، لا يؤمن
معه عند اختلاف مصالحهم أو رؤاهم أن يتدخلوا في ما ليس لهم حق فيه، أو ربما
يهدموا ما لا يوافق مصالحهم المزعومة هذه.
بل من الممكن أو الراجح والحال
هذه أن يتولى شؤونها أعداء الدين أصلاً من أي فئة كانوا، ولأي امة انتموا.
وبالتالي فهم لا يؤمنون على حماية هذا التراث الإنساني والإلهي العظيم،
ونحن نرى بأم العين ما يحاول هؤلاء الناس أن يؤسسوه من بذور الشك وإنكار
الدين بين الفئات المتدينة، بحجة حرية الرأي تارة، وحرب الإرهاب أخرى، دون
أن يسمحوا للمؤمنين أن يدلوا بدلوهم في هذه القضايا وأمثالها.
بناء على ما تقدم، فالمسلمون
وحدهم جديرون بحمل الأمانة الإلهية وحفظها، لأن مقدساتهم لا تعني للآخرين
شيئاً، وأما مقدسات الآخرين، فهم يرونها مقدساتهم أولاً وبالذات..
كما هم مأمورون باحترام
الآخرين وتمكينهم من إقامة شعائرهم وطقوسهم دون أي مانع، وحمايتهم، والسهر
على مصالحهم، إن كانوا في عهدتهم ورعايتهم.
قال تعالى:
{لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن
دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ
فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى
إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ} (39)..
والحمد لله رب العالمين وصلى
الله على محمد وآله الطاهرين..
قضية أورشاليم في الدين
المسيحي لا وجود لها على الإطلاق ليس لها لا معنى قداسة ولا معنى يربطهم
جغرافياً في بيت المقدس أبداً وعباراتهم ونصوصهم صريحةٌ بهذا المعنى قضية
العلاقة فيما بين اليهود ومقدسهم الوحيد هو السيد المسيح عليه السلام ولذلك
أورشاليم بالنسبة إليهم ليست بيت المقدس الموعودة على لسان السيد المسيح في
الأناجيل الأربعة في الخراب والدمار يا أورشاليم يا راجمة الأنبياء
والمرسلين إني لأرى ديارك خراباً وبيوتك أو شوارعك يباباً حتى لا يوجد فيك
إسرائيلي.
النصوص التي تدلنا يقول: «كختام
لتدبير ديني ساقط وكمقدمةٍ للتحتيم الإلهي وبالفعل صلب يسوع خارج المدينة
وعند موته انشق حجاب الهيكل للدلالة على أن المعبد القديم (هذه مهمة) فقد
طابعه القدسي وهكذا صارت أورشاليم عنوان الرفض الأكيد ويختم كلامه بقوله
هكذا لم تعد أورشاليم مركز التبشير بالإنجيل وذلك لكي تذهب إلى المصير الذي
أنبأها به يسوع (يعني الدمار والخراب) وأما بولس الرسول يقول: «وكل ذلك رمزٌ
لأن هاتين هما العهد إن أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر
لأن هاجر جبل سيناء في العبرية ولكنه يقابل أورشاليم الحاضرة فإنها مستعبدة
مع بنيها وأما أورشاليم العليا التي هي أورشاليم السماوية المدينة الروحية
التي هي أمنا جميعاً فهي حرة ولتأكيد ذلك أقول وأما المسيح وهو قد جاء رئيس
كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم (لاحظوا التعبير) والأكمل غير
المصنوع بيد أي الذي ليس له من هذه الخليقة وفي نفي قداسة الهيكل يقول لأن
المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ مصنوعة بيد أشباه الحقيقة بل إلى السماء عينها
ليظهر الآن أمام وجه الرب لأجلنا والنصوص كثيرةٌ التي ترفع قداسة بيت
المقدس وغيرها من أذهان المسيحيين كثيرةٌ جداً (آخر نص أنقلها لك) وما دامت
أورشاليم المقدسة مسيحية هي مدينة روحية وسماوية ولا علاقة لها بأورشاليم
بيت المقدس الأرضية بل هذه الأخرى (يعني الأرضية) آيلة إلى الهلاك والدمار
حسب النبوءات الإنجيلية والتوراتية فليس لها أي نوعٍ من القداسة على
المستوى الديني عند المسيحيين ولذلك هجروها حتى أطلق اسم أورشاليم في
المصطلح اللاهوتي المسيحي على الكنيسة هذا في قاموس الكتاب المقدس طبعاً
النصوص كثيرة، إذا نفيت قداستها أو علاقة اليهود والمسيحيين بها على مستوى
التاريخ الكتابي أو التاريخ التراثي لهذين القومين أما رأي المسلمين وقضية
المسلمين كلنا مسلمون لا داعي لأن نتحدث فيها والحمد لله رب العالمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ محمود
كرنيب
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
.بسم الله الرحمن الرحيم. وصلى الله على رسوله النبي محمد وعلى آل بيته
الطيبين الطاهرين.
إن لسورة الإسراء جملةً من
الأسماء، أشهرها الإسراء ،وتسمى أيضاً سورة أسرى وسورة بني إسرائيل كما ورد
عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، ومما يلفت ولعله من قبيل الصدفة أن تشترك
هذه الأسماء الثلاثة في جزء أساسي من مادتها وهو الحروف الأربعة الأول «اسرا»،ويلفت
أيضاً أن هذه السورة التي تحدثت في بدايتها عن معجزٍ إلهيٍ وهو انتقال
النبي ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى «بيت المقدس» ثم إلى سدرة
المنتهى لينعطف بعد ذلك الكلام عن بني إسرائيل والوعد الإلهي لهم.
ولمّا لم يكن المجال متسعا
للبحث في هذه المصادفات والحكمة من هذا السياق إذ ليست هي الموضوع المباشر
الذي يدور حوله البحث والكلام أترك الخوض في ذلك لأنتقل وأستفيض برواية عن
الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام في فضل هذه السورة لعلها تكون إطلالةً
حول شيءٍ أو كاشفةٍ عن شيء من العلاقة بين عالم الغيب وبين ما حصل في سورة
الإسراء، الرواية تربط أيضا بين السورة والإمام المهدي، عن الحسن بن أبي
العلاء عن الصادق عليه السلام قال:«من قرأ سورة بني إسرائيل في كل ليلة
جمعة لم يمت حتى يدرك القائم ويكون من أصحابه».
الآيات موضع البحث هي قوله
تعالى: «وقضينا في الكتاب إلى بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن
علواً كبيراً. فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديد
فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً. ثم رددنا لكم الكرة عليهم
وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم
وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما
دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا.ً عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا
وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً» .
ماذا يقول المفسرون حول
الإفسادين والوعدين والعلو؟ لم أجد في ما وقع بين يدي من الكتب ابتداءً من
التبيان للطوسي إلى مجمع البيان للطبرسي إلى تفسير القمي والعياشي ونور
الثقلين وكشاف الزمخشري وإلى ما جاء عن الفيض والسيد الطباطبائي في ميزانه
خلافاً كثيراً في تشخيص من هم منفذو الوعد الإلهي، ومتى سيحصل الإفسادان،
فأغلبهم يدور بين جملةٍ من الأسماء باختلافٍ بسيط بين جالوت وداوود وسابور
ذي الأكتاف ونبوخذ نصر واسبيانوس وقائده العسكري طرطوس وبين أن يكون
المقصود بالإفساد قتل إشعيا أو يحيا أو زكريا على ما نقل و هناك روايات بأن
زكريا لم يقتل وبين محاولة قتل عيسى وغير ذلك.
لكن قبل حسم الرأي في ذلك
أحاول الإطلالة على مضمون معاني الآيات المذكورة بالجملة: يتحدث الله بعد
ذكر موسى وكونه مرسلا لهداية بني إسرائيل عن أخبار قطعي بوقوع إفسادين من
بني إسرائيل في أرض اتفق المفسرون على أنها أرض فلسطين أي بيت المقدس
وجواره وان هذين الإفسادين المفسرين بالقتل والظلم وغير ذلك وان هذين
الإفسادين أو على الأقل ثانيهما مرفوق بطغيان بالظلم والتعدي وفي كل إفساد
هناك قوم قال فيهم «عبادا لنا أولي بأس شديد» يقومون بتنفيذ الوعد الإلهي
بهزيمتهم وإبطال إفسادهم وإن كانت الثانية أشد من الأولى وفي النهاية
الآيات تشير إلى سنة في بني إسرائيل جارية وفي المقابل هناك قضاء الهي في
مقابلها «إن عدتم عدنا».
ما يمكن أن يقال في الأقوال
المحتملة مع عدم الدخول في التفسير الحرفي للآيات، فالمطلوب من الآيات
مفهوم من مجرد القراءة، لكن الأقوال المحتملة في الوعدين والإفسادين هي أن
الإخبار الجاد الجازم الذي بدأه الله تعالى «بقضينا» عن حصول إفسادين وعلو
كبير وحصول وعدين لإبطال هذين الإفسادين وكونه جاء في القرآن نقلاً عن كتابٍ
ما قال المفسرون أنه التوراة يحتمل ما يلي:
أولاً:
أن يكون الإفسادان حصلا ما بين التوراة والقرآن قبل مجيء نبي الإسلام، وهذا
ما ذهب إليه كل من ذكرت من المفسرين وأغلب المفسرين.
الثاني:
أن يكون أحد الإفسادين حصل بعد التوراة وقبل القرآن والإسلام والثاني يحصل
أو حصل بعد القرآن.
الثالث:
أن يكون كلا الإفسادين و كلا الوعدين يحصلا بعد نزول القرآن أما قبل زماننا
الحاضر أو أحدهما قبله والثاني بعده أوفيه أو أن كليهما في زماننا وما بعده.
أما
الأول فهو ما ذهب إليه أغلب المفسرين حتى السيد الطباطبائي في
الميزان وان اختلفوا في تشخيص الإفسادين والوعدين والقوم المبعوثين فلا
يمكن المساعدة عليه لجملة أمور:
أولاً:
أن سياق الآيات سياق مستقبلي يبدو أنه متأخر عن زمن الإخبار القرآني ولا
يمكن القول أن القرآن ينقل على نحو الحكاية عن التوراة أو عن غيره من الكتب
التي نزلت على بني إسرائيل, سياق مستقبلي خصوصاً مع استخدام أدوات التوكيد
لأن الكلام عن شيء مضى لا يناسب أن يؤتى بأدوات التوكيد المتعددة التي
استعملها في كلي الإفسادين والوعدين حيث استخدم صيغة القسم أو ما يعادلها
ولام التوكيد ونونه قي لتفسدن ولتعلن، وهذا لا يناسب أن يكون أمراً قد مضى.
ثانياً:
كل ما ذكروه من مصاديق للمبعوثين لتنفيذ هذا الوعد الإلهي لا يتلاءم
مع الآيات المذكورة حيث تفترض هذه الآيات وحدة المبعوثين لتنفيذ الوعدين «بعثنا
عليكم عباداً لنا أولي بأسٍ شديد» «ثم رددنا لكم الكرة عليهم» ثم يقول: «فإذا
جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم» وكل ما ذكروه مثل أن الوعد الأول كان على يد
نبوخذ نصر والثاني على يد أسبيانوس أو القائد العسكري. أحدهما مجوسي والاخر
رومي فلا يوجد وحدة.
ثالثاً:
أن الصورة أقرب إلى معركتين في حرب واحدة لا إلى حربين في زمانين مختلفين
ومع إحراز وحدة القوم ووحدة القضية والسياق لا بد من إثبات وحدة الزمان
وأقصد به الحقبة الزمنية الواحدة التي ليس فيها فصل إلا بمقدار استقرار ملك
أو تحول من حالٍ إلى حال، وقد التفت صاحب الميزان إلى هذا الأمر واعترف
قائلاً: «يشعر الكلام بأن هؤلاء المهاجمين المبعوثين لمجازاة بني إسرائيل
والانتقام منهم هم الذين بعثوا أولاً الجزء الخامس عشر صفحة 42، ويقول أيضاً
في ما صوبه من قولٍ في الوعدين أنه: «لا يبعده إلا ما تقدمت الإشارة إليه
في تفسير الآيات أن فيها إشعاراً بأن المبعوث إلى بني إسرائيل في المرة
الأولى والثانية قوم بأعيانهم وأن قوله ثم رددنا لكم الكرة عليهم مشعرٌ بأن
الكرة من بني إسرائيل على القوم المبعوثين» انتهى كلامه.
إلا انه عاد واستدرك جاعلاً
هذا الإشعار من غير دلالةٍ ظاهرةٍ معللاً ذلك بكون الكرة يمكن أن تكون من
غير بني إسرائيل وهم ينتفعون بها... إلا أن السياق يأبى هذا التوجيه لعود
الضمائر في كلي البعثين إلى عين الأقوام وإن كانت الكرة لغير بني اسرائيل
وهم ينتفعون بها ممكنة عقلا كما هو دأبهم من الاستفادة من الفرص التي تتاح
لهم من أعدائهم، إلا أن القرآن عبر بكونها لهم «ثم رددنا لكم الكرة عليهم»
بمساعدة عامل آخر أو ظرف ما لا فرق فالقوم هم نفس القوم لا غيرهم، إلا أن
الأمر أشبه بمعارك حربٍ واحدة طويلة.
وأكتفي بذلك وقد نقل الطبرسي
في مجمع البيان، ج6، ص614 عن أبي علي الجبائي مضعفاً هذا القول بأن قال: «وقيل
إنه سبحانه ذكر فسادهم في الأرض ولم يبيِّن ما هو فلا يقطع على شيءٍ مما
ذكر».
أما
الاحتمال الثاني: وهو كون أحدهما حاصل قبل الإسلام وقبل نزول القرآن،
والآخر بعد ذلك فمدفوع كذلك.
أولا:
لأن صيغة الكلام عن الإفساد الأول المقرونةٌ بالتوكيدات الصريحة
التي لا تناسب أمراً قد سبق وحصل وإنما تناسب أمراً يراد الإنباء عنه وأنه
غيبٌ يريد أن يؤكد المولى على حصوله ولا معنى لكون النص حكاية عن ما ورد في
التوراة.
وثانياً:
السياق الذي يفترض وحدة المبعوثين بفصل القرآن بين الوعدين وكون الأرض هي
فلسطين يمنع كونهما قوماً بعينهم بأدنى مراجعةٍ للتاريخ، ولا معنى لذلك إلا
أن يكون المسلط على بني إسرائيل بعد نزول القرآن هم المسلمون بعرقهم العربي
فكرّوا على بني إسرائيل مرةً قبل الإسلام وفي الوعد الأول وسيطلقون في
الوعد الثاني، وليس في التاريخ شاهدٌ على ذلك فضلاً عن أن السياق لا يتحدث
عن هذه، وسيأتي من الروايات ما يدل على أن المقصود هم المسلمون وليس غيرهم.
الاحتمال الثالث: وهو أن يكون كلا الوعدين والبعثين حصلا بعد القرآن
وقبل زماننا هذا ويساعد على كونه حاصلاً بعد الإسلام ما رواه الطوسي في
التبيان عن الإمام الباقر عليه السلام حول قوله تعالى: «وإذ تأذن ربك
ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب
وإنه لغفورٌ رحيم» التي نزلت في إثبات سنة الله في اليهود، حيث أورد عنه
عليه السلام أنه قال: «أراد به أمة محمد صلى الله عليه وآله يأخذون منهم
الجزية» وتأذن تفعيل من الإذان وهو الإعلام كما عن جوامع الجامع للطبرسي،
وبعطفه على الآيات في سورة الإسراء يصبح الإذان أقرب إلى: «وقضينا في
الكتاب إلى.....» تقريباً نفس المعنى، إلا أن المشكلة أن هذا الإفساد في
الأرض في مرحلته الأولى لم يحصل في زمن الإسلام، حتى ما قبل قيام دولة
إسرائيل، (نحن نتحدث عن أن الإفساد في نفس فلسطين وليس خارجها) لأن اليهود
أو بني إسرائيل ـ حيث هناك فرق بين المقارنتين ـ لم يملكوا الأرض أي بيت
المقدس ولا برهة واحدة بعد الإسلام إلى عصرنا الحديث، لا في زمن الفتح
الإسلامي كانوا مسيطرين ولا أبان الحروب الصليبية في فترةٍ متأخرة.
وفي النتيجة الذي أستقربه أنه
قبل قيام دولة إسرائيل بصورتها الحالية لم يكن ثمة إفسادٌ في فلسطين (إذا
قلنا بزمن الإسلام) أو في الأرض جميعها انطلاقاً من فلسطين ،على اعتبار أنه
ربما البعض يقول أن الإفساد في جميع الأرض، لكن نقطة الإفساد هي هذه الدولة
التي تقوم في فلسطين، ولا ثمة علو، ويساعد على هذا التوجيه
أولاً:
وحدة المفسدين ووحدة المبعوثين حتى على مستوى الحقبة الزمنية.
ثانياً:
وحدة المشروع المنسوب إلى بني إسرائيل المبني على خلفيةٍ قومية تشعر
بها الآيات حيث قال تعالى: «وقضينا إلى بني إسرائيل...» وفيها إشارةٌ إلى
أن إفسادهم مبنيٌ على هذه الخلفية العرقية القومية حيث لم يستعمل كلمة
اليهود أو الذين هادوا في هذا السياق مع أنه استعملها عز من قائل في بعض
الموارد في الأمور السيئة فلا يقال أن الله عز وجل لا يستعمل بني اليهود في
الأمور السيئة أو الذين هادوا في الأمور السيئة وإنما يقول بني إسرائيل،
كلا، فقد استعمل الله عز وجل الذين هادوا واليهود مثلا حين يقول: «ولتجدن
أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» حيث أن العداوة تكون
من خلفية دينية أو: «يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون
الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم» لأن
عداوتهم هنا كانت من منطلقٍ ديني، أما استعمال بني إسرائيل لعلها إشارةٌ
إلى أن التكوين النفسي والاجتماعي والسياسي قائم على العرق لا على أساس
الدين .
والذي يرى وضع إسرائيل الآن
يرى أن هذا قريب.
ثالثاً:
أن القرآن يتحدث عن وضع اليهود في زمن نزول القرآن فيقول تعالى: «وقطعناهم
في الأرض أمماً» الفيض في شرحه الصافي ج2، ص48 يقول معنى ذلك: «فرقناهم
فيها بحيث لا يكاد يخلو بلدٌ من فرقةٍٍ منه» (انتهى كلامه)، وبالتالي
فإفسادهم في فلسطين وعلوهم فيها وانطلاق هذا الإفساد والعلو من فلسطين
متوقف على مجيئهم من شتاتهم الذي قال عنه القرآن إلى ما يسمونه بأرض
الميعاد، ولذا فإن الله تعالى ذكر في نفس سورة الإسراء الآية 104في سياق
حديثه عن قصة موسى وبني إسرائيل مع فرعون وغرقه يقول: «وقلنا من بعده لبني
إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً». المفسرون
يقولون هنا أن المقصود فيه جئنا بكم يوم القيامة، إلا السيد الطباطبائي في
ميزانه يقول أن احتمال أن يكون المقصود جئنا بكم لفيفاً في الدنيا وليس في
الآخرة.
قال الزمخشري في كشافه ج2،
ص652عن معنى اللفيف: «اللفيف الجماعات من قبائل شتى». ونقل الطوسي في
التبيان عن مجاهد: «جئنا بكم من كل قوم». ونقل آخرون معناه جميعا وذكر
بعضهم انه من كل ناحية، وأيضاً قال الراغب في مفرداته: «اللفيف من الناس
المجتمعون من قبائل شتى». وفي أقرب الموارد: «ما اجتمع من الناس من قبائل
شتى والجمع العظيم من أخلاطٍ شتى فيهم الشريف والدني وغير ذلك».
فالمتحصل أن مجيئهم إلى الأرض
ملتفين بعضهم ببعضٍ فرع تفرقهم في نواح الدنيا، وعدم الإتيان بهم بانتظام
حيث يؤتى بأهل كل بلدٍ على حدى ،وفي الآية وصفٌ دقيقٌ إذ اللفيف من مادة «لف»
أي أن هناك تداخلاً بين المأتي بهم بحيث يصعب معرفة وتمييز قبائلهم، وفي
الآية كرر الباري قوله: «وعد الآخرة» نفسه الذي ذكره في أول السورة فيشعر
هذا الذكر بأن المقصود نفس الوعد لا اليوم الآخر ولا يوم القيامة الذي ذهب
إليه اغلب المفسرين إلا الطباطبائي في الميزان حيث احتمل عين ما قصد في
الوعد الأول.
خلاصة الرأي في ذلك: أن
المتحصل مما تقدم والذي أرى له وجهاً هو أحد احتمالين.
الأول:
أن كلا الوعدين لم يحصلا ونحن بالتالي لا نزال في طور الإفساد الأول وقد
نكون على عتبة أول الوعدين وهو أقرب إلى السياق اللغوي والوقائع التاريخية
بنظرة أولية.
الاحتمال الثاني: هو أن الإفساد الأول حصل من اليهود في صدر الإسلام
ضد نبي الإسلام محمد ودينه وكتابه وذلك بتآمرهم مع مشركي مكة، كيف يصح
لغوياً؟ وذلك بإخراج كلمة الأرض في قوله: «لتفسدن في الأرض» عن كونها أرضاً
بعينها أي بيت المقدس وجوار بيت المقدس (يعني فلسطين) إلى كونها الأرض
بعمومها وإطلاقها على كل أرضٍ، وعليه فيجعل المتعلق هو المركب وهو الإفساد
في الأرض أو الفساد في الأرض حيث أن الإفساد في أي جهة من جهات الأرض أو أي
بقعةٍ منها هو إفساد فيها جميعها كقول الملائكة لله تعالى: «أتجعل فيها من
يفسد فيها...» أو عن حرمة قتل النفس «بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض» أو ما
ورد في الروايات من عدم تزويج من يرضى دينه بالقول: «أن لا تفعلوا تكن فتنةٌ
في الأرض وفساد عظيم» أي في الأرض.
وليس في الآيات ما يدل على أرضٍ
بعينها لتكون الألف واللام على نحو العهد الذكري، وأما ما يمكن أن يدعى على
العهد الذهني فيحتاج إلى أن نثبت أن المولى عندما أطلق كلمة الأرض يريد بها
أرضاً خاصة وهي فلسطين، أو على الأقل كلما تحدث عن بني إسرائيل يريد أرضاً
خاصةً لبني إسرائيل وهي فلسطين، وعليه فاحتمال كونها مطلقة واردٌ، وما
يساعد على كون الوعدين مستقبليين بالنسبة للقرآن أن الآيات هذه بكليتها بل
سورة الإسراء بكاملها مكية عدا أربع أو خمس آيات بينما الإفساد اليهودي في
الجزيرة كانفي المرحلة المدنية. ولذا فقد ذكر تعالى في نفس سورة الإسراء
علامة الإفساد الثاني دون الأول وهو المجيء ببني إسرائيل لفيفاً إلى أرض
فلسطين وهذا لا يلزم منه كون أرض الوعد الأول هي فلسطين. ويصبح القوم الذين
هم موحدين بالبعث المسلمين سواء كانوا بالجزيرة أو خارج الجزيرة، والقضية
هي القضية مع بني إسرائيل، وعليه فليزم كون المسجد المدخول على هذا
الاحتمال هو المسجد الحرام لأنه هو الذي دخل في الوعد الأول، وما تميل إليه
النفس هو كون الواقع الآن هو الإفساد الثاني لأن الواقع يؤيده بقرينة ما
نراه من علوٍ كبير وتأييد دولي سواء صح التوجيه الآنف الذكر أم لا.
حول الآيات يلاحظ التالي:
أولاً:
هناك عناية خاصة لتأكيد حصول مضمون ما أخبرت به آيات القرآن الكريم بدءً بـ
«وقضينا» إلى شتى أنواع التأكيدات التي اعتبر بعضهم أنها تفوق العشرات بل
قال بعضهم أنها فوق الخمسين وذلك لتحويلها قضية يقينية وجدانية لعل ذلك
لأنه عند حصول مقدمات الوعد خصوصاً ثاني هذين الوعدين مع العلو والتأييد
والنصرة العالمية لبني إسرائيل التي يدل عليها أكثر قوله تعالى: «أكثر
نفيراً» والقدرة المالية «وأمددناكم بأموالٍ» الخ... يوهم ذلك اليهود من
جهة بأن ملكهم إن لم يكن أبدياً فلا أقل من أن يكون ذا عمرٍ مديدٍ فلا قدرة
حينها لعدوهم على هزيمتهم. وتحويل علوهم أنقاض، ومن جهة ثانية أن ذلك كله
مع ضعف من يتوقع منه مواجهة ذلك، يوهم المسلمين والمؤمنين أن لا إمكانية
لحصول الغلبة على بني إسرائيل ودولتهم، فالسياق الذي تسير فيه الأمور ينبأ
بعكس ما يقرره القرآن ولذا يحتاج الأمر إلى هذا العدد من التأكيدات.
ثانياً:
إن تحويل مسألة دمار دولة بني إسرائيل مع قوتها وقدرتها وعلوها إلى مسألة
يقينية ووجدانية لعل أحد أهدافه هو إيجاد الأمل عند المؤمنين بحتمية هزيمة
هذا المشروع ودك كيانه لإعطائه ثقةً وأملاً ليتحركوا لتحقيق هذا الوعد
وتحويله إلى واقع.
ثالثاً:
استخدم المولى لام العاقبة في إنفاذ الوعد الآخر ليسوؤا، وليتبروا،
وليدخلوا، التي تفيد حصول غير ما يؤمل مما قبلها وغير ما يتوقع، ولعل ما
يصيب بني إسرائيل من الخيبة وتعظم وتكبر بقدر ما تكون هذه الوقائع مخالفةً
للمرجو والمأمول وما توحي إليه المقدمات «الأموال، البنون، العلو، كثرة
النفير» ولذلك ربما يكون هذا ما يفسر قوله: «ليسوؤا وجوهكم».
رابعاً:
المولى عندما أشار إلى المبعوثين ذكرهم بصيغة النكرة المنونة «عباداً لنا»
وهذا في أمثال هذه الاستعمالات يظهر منه أنهم قلةٌ ومجهولون ولعلهم غير
متوقعين من قبل المعنيين بالإفسادين والعلو..
خامساً:
إن المبعوثين هم مؤمنون وهذا ظاهر من جملة أمورٍ منها:
أولاً:
أنه تعالى نسبهم إليه نسبة
تشريف«عباداً لنا».
ثانياً:
كونهم مبعوثين من قبله ولا يصح لأمثال نبوخذ نصر أو غيره الذين دمروا
المسجد ومزقوا التوراة ووضعوا الجيف والقذارات في المسجد أن يقول الله عنهم
أنهم بعث الله «بعثناهم».
أخيراً
«إن من ينفذ كلا الوعدين هم أقوام قبل الإمام الحجة عجل الله تعالى
فرجه الشريف خصوصاً في المرة الثانية لأنه بعد ظهور الإسلام على يد الإمام
عجل الله تعالى فرجه الشريف وأنصاره لا يصح أن يقول المولى «وإن عدتم عدنا»
بحسب ما نؤمن من ظهور الإسلام على الدين كله ولو كره المشركون، عن الصادق
عليه السلام أنه قال في تفسير الآيات: «قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم
فلا يدعون وترا لآل محمد صلى الله عليه وآله إلا قتلوه» وفي البحار ج6،
ص216 عن الصادق عليه السلام أنه قرأ هذه الآية فقلنا : «جٌعِلنا فداك من
هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: هم والله أهل قم، هم والله أهل قم، هم والله أهل
قم». وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.
المداخلات
الشيخ ياسر
شمص
واقعة نبي الله سليمان قام
بناء الهيكل كتب التاريخ اللبنانية (الصوت غير واضح إنما هذا كل ما يبدو
مفهوماً) دائماً فالمسألة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ فالمسألة هذه ألا يمكن إذا كانت واقعة
أن تؤدي إلى نوع من الارتباط ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.
الشيخ حاتم
بسم الله الرحمن الرحيم،
السؤال له شقين الشق الأول يرتبط في قضية تاريخية والشق الثاني يرتبط بقصة
سليمان، بالقضية التاريخية التاريخ الإنساني بشكلٍ عام وعلى مستوى المسلمين
بشكلٍ خاص يعاني إشكاليةً كبرى أما التاريخ القديم فقبل علم الآثار يعني
قبل أو آخر القرن التاسع عشر كان محكوماً لمصدرٍ وحيد وفريد هو التوراة لم
يكن أي مصدر يتحدث عن تاريخ الحضارات أو نشوء الحضارات أو تاريخ الإنسانية
الأقوام إلا التوراة من هنا كان المؤرخون والباحثون يلجئون إلى التوراة
باعتبارها كتاباً مقدساً لإثبات تاريخانية واقعةً من الوقائع عندما نشأ علم
الآثار خلق إشكالية كبيرة في مدى مصداقية التوراة لثبوت كذب الكثير مما
نقلته هذه الوثيقة أو أسطورية الكثير مما ذكرته هذه الوثيقة.
من هنا نحن عندما نرجع، نرجع
إلى التاريخ إذا حيدنا التوراة سواء كنا مسلمين وقلنا بأن هذا الكتاب وكتابٌ
فيه نحو من التحريف أو تحريف واضح أو لم نكن نعوذ بالله ممن ندين بالإسلام
وحاولنا إثبات القضية على مستوى واقعيٍ آثاريْ لأن اليوم علم الآثار يلعب
حجر الزاوية في المسائل التاريخية من القرن التاسع عشر وإلى اليوم مختلف
باحثي اليهود وغير اليهود وهم يبحثون في التنقيب عن قضية هيكل سليمان عليه
السلام نحن نعرف في تاريخ الحضارات تتراكم الحضارات في طبقات الأرض اللاحقة
تأتي على أنقاض الحضارة السابقة يعني إذا أردنا نحن أن نحلل جيولوجياً يجب
أن يكون حضارة اليبوسيين أو حضارة الكنعانيين أو الأموريين آتية بطبقة تحت
دعونا أن نعبر مثلاً طبقة سادسة الذي بعدها حضارة داوود وسليمان عليهما
السلام حضارة سادسة أو خامسة أو رابعة بعد منها حضارة الرومان والمسيحيين
بعدها حضارة الإسلام عندما أتى الباحثين الآثاريين ينقبون في أرض فلسطين
إلى يوم الناس هذا اليهود شغلهم الشاغل أن يكتشفوا ما يسمى بهيكل سليمان
عليه السلام لم يصلوا بيّنت حدود مدينة يبوس وسورها القديم وتبيّنت كثيرٌ
من الحضارات السابقة لسليمان ولم يظهر أي عامود أو ركيزةٍ من ركائز الهيكل
المزعوم ومعنى هذا الكلام أنه نحن حتى نصل إلى حضارة اليبوسيين يجب أن
نتبيَّن هيكل سليمان أو ما بعد هيكل سليمان في مرحلة أسبق وأقدم هذه ناحية
إذن لا نستطيع أن نعتمد على التاريخ بل علم الآثار كذب الأسطورة المزعومة
بأن هيكل سليمان كان كذا وكذا البعد الثاني هو أساساً أن سليمان عليه
السلام هم لا يرونه مالياً
2- سليمان لم يكن ممن يستحقون
أن يكونوا ملوكاً في بني إسرائيل لسببٍ خطير سليمان هو ابن داوود عليه
السلام لكن ليس من امرأة شرعية هو ابنٌ لزوجة أوريا الحثي التي جميعنا نعرف
قصتها سطى عليها أو زنى فيها ولا أعرف ماذا أيضاً أليس كذلك فأولدها غلاماً
ومات وتآمر على زوجها فقتله (طبعاً هنا نتكلم كتابياً) فولدت له غلاماً
ومات وبعد ما قتل زوجها ضمها إلى نسائه فأولدها سليمان، وبحسب القانون
التوراتي سليمان لا يستحق أن يكون ملكاً فهو ساطٍ على الملك حتى بالمفهوم
الديني عند اليهود.
بسم الله الرحمن الرحيم السلام
عليكم أعتقد أن الأدلة مستوفية الدلالة تدل أكثر على أننا ما زلنا في
؟؟؟؟؟؟ الأول لأن مصطلح العبودية في القرآن الكريم هو مصطلح مديح فإذا كان
الله سبحانه وتعالى أراد أن يمدح أحد أنبيائه أو قوماً ما فأسمى مصطلح
يمكنه أن يمدحه به هو العبودية وفي الآية الكريمة «فإذا جاء وعد أولاهما
بعثنا عليكم عباداً لنا...» فيلزم من هؤلاء القوم أن يكونوا مستوفين بأكبر
قدر ممكن بشروط العبودية هذا في هذه الآية الأولى.
الشيخ محمود
كرنيب
أنا قلت بالمتحصل في أحد هؤلاء
الوجهين لا يوجد أي شيء حصل كله حصل بعد القرآن وحتى الآن لم يحصل شيئاً
أنه نحن الآن في طور ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لكن هذا ليس معه
علواً إلا إذا قيل أن العلو هنا مرافق ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.
السائل
أشرتم إلى أن الإفساد الأول قد
تم بعد القرآن ولكن......
الشيخ كرنيب
أحد الاحتمالات على إخراج كلمة
الأرض في إفساد من خصوص كونها في بيت المقدس من حولها. تصبح الأرض مطلق
الأرض.
السائل
وعلى كل حال لا بأس بالإشارة
أيضاً إلى أن الآية الأخرى يعني نحوية إرجاع الضمير إلى اسم مقدر قبيح مع
إمكان إرجاعه إلى اسم ظاهر.
الشيخ كرنيب
لا يوجد اسم ظاهر
السائل
يعني في الآية الأخرى «فإذا
جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرةٍ....»
يعني يلزم أيضاً أن نرجع كما دخلوه أول مرة هم من دخلوه في الكرة الأولى.
الشيخ كرنيب
نقول هنا بناءً على هذا الأمر
يصبح الموحد بين القومين يعني جماعة الوعد الأول وجماعة الوعد الثاني هم
؟؟؟؟؟؟؟؟ المسلمين وهذا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟.
السائل
عندي سؤال لسماحة الشيخ حاتم
إذا كان تاريخ الأديان خالٍ من هذه القداسة لبيت المقدس فمن أين اكتسب بيت
المقدس هذه القداسة في عصرنا الحاضر.
الشيخ حاتم
إسماعيل
يعني هذه نتحدث بها ليس للنشر
في عندنا قضية أورشاليم رجعنا إلى القرآن الكريم نجد أولاً نمكن لهم حرماً
آمناً هذه القرية التي حرمها عن ماذا يتكلم عن مكة المكرمة، «إن أول بيتٍ
وضع للناس للذي ببكة...» وغيرها من الآيات التي تؤكد لنا على أن الحرم
الآمن الأرض المقدسة في تاريخ الإنسانية من لدن آدم وإلى أن يرث الله الأرض
هو حرم مكة المكرمة، بنو إسرائيل (طبعاً هذه إذا تقرأ كتاب وعد التوراة لمن
هذه المشكلة محلولة، بنو إسرائيل نتيجة إشكاليتهم وحسدهم لإسماعيل عليه
السلام الذي هو بكر إبراهيم حاولوا أن يسلبوا كل قداسةٍ من إسماعيل وينسوها
إلى أنفسهم عبر إسحاق عليه السلام من هنا لم يستطيعوا أن يدخلوا مكة
المكرمة (محرمةٌ عليهم) فحاولوا أن يجعلوا مدينة أمنٍ وسلامٍ متناسبةً مع
قدسيتهم الخاصة (شعب الله المختار) عبر إسحاق، وإسحاق لم يدخل مكة ولا
يعقوب عليهما السلام ولا غيرهم فجعلوا مدينة (أصلاً كلمة أورشاليم أو
يوراشاليم أو غيرها) هي مدينة السلام ومدينة الأمن وعندنا أيضاً في نفس
التوراة (إلبسي، استيقظي، إلبسي ثياب عزك يا أورشاليم، فإنه لا يدخلك بعد
أغلف ولا نجس) الأغلف هو غير المختون والنجس بالمصطلح اليهودي هو المسلم،
يعبرون عنهم بالتلمود أو أتباع محمد أو الأتراك أو المسلمون في موارد قليلة.
حسناً، لا يدخلك فيما بعد أغلف
ولا نجس إذا رجعنا للقرآن الكريم يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم. إنما
المشركون نجس ألا يقرب المسجد الحرام بعد عامهم هذا» صحيح لاحظوا من زمن
رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى يومنا هذا وبحسب القانون الإلهي إلى أن
يرث الله الأرض مكة المكرمة محرم دخول اليهود وغيرهم من المشركين إليها
بينما بيت المقدس تعود إلى التاريخ من زمن اليبوسيين من زمن إبراهيم عليه
السلام وإلى اليوم لا يوجد يوم نعم به بيت المقدس لا بالسلام ولا بالأمن
ولا بعدم المنازعات بين الأقوام مسلمين كانوا أو غير مسلمين يهوداً كانوا
أو وثنيين أو مسيحيين أو غيرهم يعني قصة بيت المقدس أحرقت في فترةٍ من
الفترات بل دمرت فيما بعد زمان السيد المسيح عليه السلام هذا يعني أنه
أساساً بيت المقدس خلقت قداستها (طبعاً من نظرتنا الإسلامية يختلف الأمر)
لأنه نحن عندنا أيضاً في مروياتنا أن إبراهيم عليه السلام بنى مسجد بيت
المقدس بعدما بنى مسجد الكعبة بأربعين سنة. موجود أنها هي مهبط الأنبياء،
والأنبياء هم لنا «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله
وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحدٍ من رسله.....» «إن أولى الناس
بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا» إذاً قصة قداسة بيت المقدس
في أذهان اليهود ولذلك إذا كنت ترجع إلى المصادر المسيحية واليهودية لا تجد
أي معلمٍ من معالم القداسة بالمعنى الواقعي لشيءٍ موجود في فلسطين أو في
بيت المقدس إبراهيم عاش في حبرون يعني بالخليل وكان مسكنه ومدفنه فيها كان
مسكنه قريباً من «المطاط ممرا» (طبعاً هذه أنا لي رأيي الخاص) أنه في «بالوطات
ممرا» نفسرها بالمروة التي هي بئر سبع التوراتية التي هي في مكة المكرمة
قريب من الكعبة وله بحث آخر.
نشكر لكم حضوركم والسلام عليكم.
(1) الكنز المرصود في فضائح التلمود
ص 254.
(3) يلاحظ الكنز المرصود في مختلف
فصوله.
(4) الكنز المرصود في فضائح التلمود
ص 209.
(6) الآية 28 من سورة التوبة.
(7) الديانة اليهودية وتاريخ اليهود
ص 92.
(9) إنجيل مرقس: 1 / 14 – 15.
(10) إنجيل لوقا: 4 / 24 –44.
(11) إنجيل يوحنا 4 / 42 – 44.
(12) إنجيل لوقا: 1 / 68 – 75.
(13) إنجيل متى 22 / 15 – 21.
(15) إنجيل يوحنا: 6 / 14 – 15.
(16) إنجيل يوحنا: 18 / 33 – 37.
(17) إنجيل لوقا: 12 / 13 –15.
(18) إنجيل متى: 5 / 36 – 37.
(19) إنجيل متى: 13 / 41 – 42.
(20) إنجيل متى: 5 / 38 – 31.
(21) إنجيل متى: 6 / 9 ـ 13.
(24) إنجيل متى: 26 / 51 – 52.
(25) رسالة رومية: 13 / 1 – 7.
(26) رسالة بطرس الأولى: 2 / 11 –
21.
(27) الآية 130 من سورة البقرة.
(28) الآية 135 من سورة البقرة.
(29) الآية 95 من سورة آل عمران.
(30) الآية 161 من سورة الأنعام.
(31) الآية 65 من سورة آل عمران.
(32) الآيتين 67 و 68 من سورة آل
عمران.
(33) الآية 285 من سورة البقرة.
(35) الآية 38 من سورة الأنعام.
(36) الآية 45 من سورة المائدة.
(37) الآية 47 من سورة المائدة.
(38) الآية 44 من سورة المائدة.
(39) الآيتين 8 و 9 من سورة
الممتحنة.
|