|
بسم الله الرحمن الرحيم
الشيخ محمد
زراقط
مشكلة المفاهيم ذات تاريخ عريق
في فكرنا الإسلامي ولعلها كذلك في الفكر الإنساني عموماً، فما لم تحدد
دوائر الدلالات بشكل واضح لا يمكن الوصول إلى تفاهم حول المواقف من القضايا
المطروحة للنقاش بل لا يزيدها النقاش إلا تعقيداً. وفي الأدب الفارسي قصة
مشهورة حول تركي وعربي وفارسي جمعهم سفر واحد توقفوا لتناول الغداء،
فتشاوروا حول الوجبة المفضلة لهم وسمي كل منهم ما يحسب أنه نوع من الطعام
لا يروق للآخرين ولا ينسجم مع ذائقتهم واختلفوا واشتد الخلاف بينهم إلى أن
أتى أحد العارفين بلغاتهم فأحضر لكل منهم ما يريد فتبين لهم أنهم يريدون
جميعاً نوعاً واحداً من الطعام وهو العنب يوم كان الناس يأكلون العنب يبلون
به غليل جوعهم وعطشهم.
قد يبدو هذا الاختلاف غير
مستهجن بين أهل اللغات المختلفة، وفي مجالات عرفية لا يطالب أصحابها بتحديد
مدلول واضح لمرادهم. ويختلف الموقف عندما يتعلق الأمر بلغة واحدة ومجالات
يطالب أهلها بتوحيد المصطلح وهو نصف العلم كما ربما يدعي. ومصطلح التجديد
واحد من المصطلحات التي لم يتفق مستخدموها على مدلول محدد لها، فتارة تكون
لقباً يتضمن مدحا فيوصف بها بعض العلماء يعرفون بلقب المجدد يوحي من الحديث
الذي يقول: إن الله بعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها
(1). وأخرى يكون
التجديد مأزقاً ومؤشر انحراف ينبغي الفرار منه؛ ولذلك نجد الشيخ مرتضى
الأنصاري يقول في مقام الرد على فكرة لبيان بعدها وعدم احتمال صحتها، يقول
بالنص وإلا: لزم منه تأسيس فقه جديد
(2).
وعلى أي حال لن يكون ممكناً
توحيد المصطلح بهذه السهولة ويحتاج أمره إلى جهود كبيرة يبذلها أهلها، ولكن
ذلك لا يمنعنا من الاتفاق على مدلول واضح لما نتحدث عنه في هذه الجلسة
فلنتفق على أن المراد من التجديد أحد أمرين ربما يكون لهما ثالث ورابع:
1- هو إعادة النظر في النصوص
الدينية للخروج منها بجديد لم يكن سبقنا إليه آخرون أو سبقونا إليه وغادروه
لأسباب لسنا بحاجة إلى معرفتها.
2- إعادة النظر في الواقع
لتطبيق نص قديم وهذا نوع من التجديد من دون شك بل ربما يكون هو المقصود من
مفردة التجديد عند بعضهم، ولعل الأقرب هو التعبير عن هذا المعنى بالإحياء.
لقد أثارت رسالة الدكتور حسين
رحال في ذهني أسئلة ربما أجيب عنها من قبل الكثيرين ولكن هذا لا يعفينا من
تقديم جواب ولو كان تكرار لما طرحه آخرون فإن طرحه المتكرر يصوب الخاطئ منه
ويزيد الصائب وضوحاً وجلاء
أول هذه الأسئلة حول فاعل
التجديد؟ من هو الأجدر بالقيام بفعل التجديد؟ وقبل الجواب أشير إلى أننا لم
نعترف حتى الآن بوجود مؤسسة رسمية تعنى بشؤون الدين كما في المسيحية مثلاً،
بل ربما نتحاشى تحول الحوزة العلمية إلى مؤسسة. ولهذا الموقف أسسه
ومنطلقاته المبرّرة والمبررّة؛ ولذلك لا يمكن حصر التجديد بجهة غيرها بقرار
رسمي. ولكن لا مفرّ من الاعتراف بأن الحوزة العلمية اكتسبت عبر تاريخها
الطويل مشروعية اجتماعية جعلتها جهة شبه رسمية وإن لم تكن رسمية بالمعنى
الدقيق للكلمة، وهذه المشروعية تعطي للتجديد النابع من الداخل الحوزوي
مشروعيته أيضاً، فقد قيل: «الإذن بالشيء إذن بلوازمه» ويؤيد هذه الدعوى
التي أدعيها النظر في مسيرة التجديد الداخلي، فلا شك في ظهور كثير من
المجددين في الحوزة العلمية قبل تجديدهم اجتماعياً وأيده الكثيرون، بل صار
بمرور زمن غير طويل عليه قديماً أو كتقديم من ناحية الثقة به والركون إليه.
وأما محولات التجديد التي انطلقت من خارج المؤسسة الدينية فلم تحظ
بالاعترافات رغم مرور زمن طويل عليه والأمثلة معروفة وليست نادرة. ثم إن
التجديد لا شك عمل تخصصي يحتاج إلى أدوات معرفية قد يكون محلها الأول هو
الحوزة العلمية ومعاهد العلم الشرعي وأهل الاختصاص بعبارة عامة، ولا يصادر
هذا الموقف عقول الآخرين وفكرهم بل هو دعوة لوضع الأشياء في مواضعها،
واحترام التخصصات فحسب. وأظن أنه لو اكتفى المثقفون بإثارة الأسئلة الفكرية
الجادة على أهل الاختصاص لقدموا للفكر الإسلامي خدمات جلى قد لا يؤدونها
بتصديهم للتجديد بأنفسهم.
والسؤال الثاني هو: ما الذي
ينبغي تجديده؟ إن واحدة من مشاكل التجديد هي أن بعض دعاته لا يبدو منهم
وضوح الأفق حول ما يجددون، فقد يدعون إلى تجديد وأجدر، علماً أن أكثر
التوجهات تحرراً لا تبدل استراتيجياتها بسهولة ويسر وإذا جددت فهي تجدد في
التكتيك لمصلحة الاستراتيجيات وصوناً لها، فلا نجد براغماتيا مخلصاً يغادر
براغماتية ليصبح دوغمائياً تحت شعار التجديد، والعكس أيضاً ينبغي أن يكون
مستهجناً، فإن الدين لا شك في وجود مقدار من الدوغمائية فيه ولو بالمعنى
الإيجابي أي وجود مجموعة من القيم التي يجب أن تكون عصية على التغيير، وإلا
فقد هويته وخسر خصوصيته الفوقانية. وهذا مأزق وقع فيه كثير من دعاة التجديد
ورواده.
وعلى أي حال أظن أن الكثيرين
يتفقون معي على ضرورة حصر التجديد بالمتغيرات دون الثوابت، ولنكون أكثر
تحديداً ومتابعة للجواب عن سؤال ما الذي ينبغي تجديده؟ أقول للتجديد ميادين
عدة أبرزها تجديد الخطاب، ولا شك في أن كثيراً من مفردات خطابنا تحتاج إلى
تجديد ومن الضروري أن تعوم أساليب تعبير على حساب غيرها، ولهذا الأمر أهمية
ربما تفوق ما يتصوره بعضهم تحت شعار: لا مشاحة في الاصطلاح؛ وذلك لآن كل
مصطلح يحمل في ثناياه الكثير من المضامين التي قد لا تكون مراده للمستخدم،
إلا أنها تلزمه بسلبياتها وقد لا يستفيد من إيجابياتها إذا لم يكن على وعي
تام بمداليلها. واكتفى في هذا المجال بإشارة يمكن تعميمها إلى غيرها من
المفردات وذلك أن كلمة العصابة لم تكن تحمل في عصور مضت أي مدلول سلبي قد
تثيره في هذا العصر فلا يمكن تبرير استخدام هذه الكلمة بأن النبي(ص) قد
استخدمها عندما قال: «اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد اليوم»
(1)
وبأن العلماء استخدموها فقال بعضهم: «أجمعت العصابة على كذا»
(2).
ولكن لا بد من الحذر في هذا
المجال وممارسة حسن الاختيار؛ لأن بعض المصطلحات اكتسبت بعدا قيميا قد
نخسره عند استبداله ومن هذا النوع مصطلحات: الجهاد والشهادة وما شابههما.
والميدان الآخر للتجديد هو
تجديد الفهم لنصوص قديمة فهم منها لعصور طوال معنى ويأتي أهل هذا العصر
ليفهموا منها معنى جديداً. وهنا يبرز سؤال على درجة عالية من المشروعية حول
صحة تبديل الفهم لنص القديم؟ وأعتقد أن في بعض نماذج تغيير الفهم افتئات
غير مشروع عل النص. ومن النماذج الواضحة الخلل، إن لم أقل السخف، محاولة
بعضهم لتحميل قوله تعالى: «ومن شر النفاثات في العقد»
(3)
معنى الإخبار عن الطائرات النفاثة، ومحاولة أخرى لفهم قوله تعالى: «لتركبن
طبقاً عن طبق»
(4)
على أنه إخبار غيبي عن اكتشاف علمي هو استخدام الإنسان للحافلات ووسائل
النقل المؤلفة من طبقتين المؤلفة من طبقتين. وإذا كانت هذه النماذج
لسخافتها يمكن تجنبها ولكن ألا يؤذي التجديد غير المدروس إلى تسرب نماذج
أقل سخفاً ولكنها ليست أقل خطأ تمر دون أن يلتفت إليها؟ والحل الذي أقترحه
في هذا المجال هو أن يتم فرز النصوص إلى نصوص عامة ثابتة صالحة لكل زمان
ومكان فنفهمها كما فهمها الأولون المخاطبون بها، إلا إذا تبين لنا الخطأ في
فهمهم، وإلى نوع آخر من النصوص هي نصوص آنية تعالج مشكلة بنت وقتها تتغير
بتغير الظروف والأزمان كما تعامل الإمام الخميني(ره) مع أدلة تحريم الشطرنج،
قلم يقل هي لا تدل على التحريم بل أعترف بدلالتها على التحريم ولكنه عنده
تحريم مقيد بزمان دون غيره وظرف دون آخر.
والسؤال الثالث حول خلفيات
التجديد ومنطلقاته؟ لأن التجديد يمكن أن يتم من خلال بعدين فتارة نجدد بوحي
من الداخل ومن خلال إعادة النظر في النصوص أو العثور على نصوص لم نكن قد
خبرناها أو بغير ذلك من الخلفيات وأخرى نجدد من خلال ضغط الواقع وإيحاءاته
والمشكلة التي برز هنا ما هو دور الدين والنصوص الدينية هل أتت لتغير
الواقع وتؤثر فيه أم لتتغير على ضوئه وتتأثر به إن القاعدة الأولية كما
أحسب هي أن الدين أتى ليبدل الواقع ويعيد صياغته من جديد على ضوء رؤاه
وتصوراته التي يحملها على الأقل في الجانب الثابت منه مع اعترافنا بالجانب
المتغير في النصوص الدينية كما أشرنا قبل قليل؛ ولذلك لا بد هنا من ترجيح
التجديد الداخلي على الترجيح الخارجي، وفي الرسالة موضوع الندوة نماذج عدة
عن تجديد أوحى به الواقع الخارجي وكان الأخ الدكتور موفقاً إلى حد كبير في
تتبع مصاديقه ورصدها.
تأملات بين
يدي الرسالة
لا أجد بداً من الإشارة إلى أن
الأخ حسين رحال اختار أبرز المفردات الفكرية وعالجها ومن أهم ما استوقفني
مفردتان هما العلمانية والارتداد، لقد شغلت هاتان المفردتان وما زالتا
تشغلان العقل المسلم بل وغير المسلم الأول للدفاع والتبرير والآخر للهجوم
والتنكيل وبين هذين ما زال الموضوع يستحق النقاش والجدل.
العلمانية
في موضوعة العلمانية أطرح
تساؤلاً أعترف بحاجته إلى متابعة البحث والنقاش وهو أن العلمانية مفهوم طرح
في سياق مختلف عما نحن فيه، في سياق لم يكن يعترف للإنسان إلا بالحد الأدنى
من الحق في إعمال فكره، بل كان الدين وأهله هم الذين يفكرون بالنيابة عنه،
ما دعا المفكرين إلى طلب الفصل بين الدين والدولة ليكون لكل منهما مجاله
الخاص الذي يعمل فيه سلطانه.
وأما سياقنا نحن المسلمين، فهو
سياق مختلف يعطي فيه الدين للعقل الإنساني فسحة حتى في أشد الساحات التصاقاً
بالدين. ففي الشريعة رغم إيمان المسلمين بكمال شريعتهم وأنه ما من واقعة
إلا ولله فيها حكم، ولكن ألم يقبل العقل المسلم في مساحات واسعة من أطيافه
أن ما حكم به العقل حكم به الشرع؟ ألم تحظ فكرة منطقة الفراغ التشريعي التي
طرحها السيد الشهيد محمد باقر الصدر باقر الصدر بقبول واسع؟ فمن يملأ هذه
المنطقة المنزوعة الأحكام، إن صح الاستخدام، أليس العقل الإنساني هو المرشح
الأبرز للقيام بهذه المهمة؟ ألا يجعل هذا الأمر إذا دققنا في مدياته
الواسعة وتطبيقاته ومصاديقه المختلفة النزاع حول العلمانية نزاعاً أقل حدة
مما هو عليه الآن. وبعبارة أدق ألا يسد هذا التصور كثيراً من ذرائع دعاة
العلمنة؟
الارتداد
لقد ضمن الإسلام حرية المعتقد
بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: «لا إكراه في الدين» ومنها أن طبيعة الإيمان
لا تقبل الإكراه، فيكون الإكراه عليه طلباً لمحال. ومن هنا أثارت عقوبة
الارتداد جدلاً واسعاً بين المسلمين أنفسهم، قبل أن تكون بينهم وبين غيرهم.
وكثرت الإجابات وتعددت التحليلات وكثير منها يخفي خلفه جهوداً عقلية جبارة.
وما يشغلني بعيداً عن هذا الجانب هو أمر داخلي من داخل العقوبات الإسلامي،
فقد قرر الفقهاء: أن الحدود تدرأ بالشبهات وهذا أمر لا يبدو محل خلاف بينهم.
وسؤالي هو: هل تغير الدين في الحالات الطبيعية هواية يمارسها الإنسان وقت
يشاء؟ أعتقد أن كثيراً من الذين يغيرون أديانهم يمرون بمعاناة كبيرة تسبق
هذا الانتقال وبالتالي لا ينتقلون إلا بعد أن تضغطهم الشبهات فلا يجدون لها
جواباً ولا أتحدث هنا عمن يغير دينه لأسباب سياسية أو اقتصادية أو غيرها من
الأسباب التي لا تعد مبرراً في موازين الفكر والمعتقد، ومن هؤلاء ليس آخرهم
سلمان رشدي الذي كان سابا شتاما قبل أن يكون مغيرا لدينه بالمعنى الفكري
الناتج عن معاناة.
الخاتمة
عملاً بقاعدة من لم يشكر
المخلوق لا يشكر الخالق أجد نفسي ملزماً بتحية الأخ الحاج حسين رحال على
الجهد المبذول في هذا العمل الذي أحسب أنه احتاج إلى ساعات طوال من الجهد
المضني وأختم بسؤال أطمع بالحصول على جوابه وهو أن الأخ الكريم اختار
مفردات أساسية من الخطاب الفكري. ألم يكن الأجدى أن تتبع عدد أكبر من
المفردات عند واحد من هؤلاء ولكي لا نحرم من متعة المقارنة يضم إليه واحد
على أسس محددة؟ أو اختيار مفردة واحدة أو أكثر وتبعها عند عدد أكبر من
المفكرين؟
(1) الشيخ
علي النمازي، مستدرك سفينة البحار، ج3، ص409. نقلاً عن كتاب التاج
ج3، ص428.
(2) الشيخ
مرتضى الأنصاري، كتاب المكاسب، مؤسسة باقري، قم 1420 هجري، ج6،
ص101.
(1) ابن
شهر أشوب، مناقب آل أبي طالب، المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف،
1376 هجري، ج1، ص163.
(2) الشيخ
المفيد، المزار، مدرسة الإمام المهدي، قم، دون تاريخ، ص169.
(4) سورة
الانشقاق: الآية19.
|