ندوة للشيخ نعيم قاسم حول ولاية الفقيه والحكومة


بسم الله الرحمن الرحيم

 

كلمة الافتتاح

سماحة الشيخ نعيم قاسم: نائب الأمين العام لحزب الله.

 

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق مولانا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين. السلام عليكم أيها السادة العلماء والأخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته، ينعقد هذا المؤتمر لإثارة موضوع حساس يرتبط بولاية الفقيه، والذي أدى إلى تغيير جذري في الربع الأخير من القرن العشرين مع قيام الدولة الإسلامية المباركة كترجمة عملية للالتزام بولاية الفقيه. ومن المهم جداً أن يناقش هذا المؤتمر أبعاد الالتزام والإيمان بولاية الفقيه من حيث المنطلقات أو التجربة، لتحقيق فائدة عملية من خلال هذا البحث، كي لا يكون الارتباط بالولاية منحصراً بتجربة قامت بالجمهورية الإسلامية في إيران أو في مكان آخر وإنما ينطلق البحث لتعميم هذه الفكرة وللبحث في إيجابيات تطبيقها في موارد مختلفة ومن المعلوم أن النقاش حول ولاية الفقيه يأخذ حيزاً واسعاً في الأزمنة السابقة وذلك أن المقاربة إنما ركزت على مناقشة المسألة بناءً على الأدلة الشرعية والعملية والعقلية كمفردةٍ من مفردات كثيرة كان الفقهاء يناقشونها، ولم تتصدى للأولوية كما لم تأخذ هذا الاهتمام الكبير ولعل المانع العملي في ذلك يرتبط بالظروف الموضوعية التي لم تجعل فكرة الولاية فكرةً حاضرةً بمفرداتها فيما يرتبط بالفقيه ودوره على قاعدة وجود الحكم في مكانٍ آخر ومع أشخاص آخرين ولأن الفقهاء ركزوا بشكل أساسي على حماية المجتمع ليبقى محصناً في دائرة الفهم الإسلامي العام ومعرفة التكليف الشرعي دون الوقوف عند هذه المفردة بشكل رئيسي ودون التركيز عليها كأولوية وهذا ما جعلها أقرب إلى النظرية التي مرّت عابرة في مناقشات كثير من العلماء منها إلى التطبيق، خاصة أن المرجعية قد لعبت دوراً أساسياً في إيجاد محورية للناس حولها واعتبرت أنها عالجت مشكلة الفتوى وتكليف الأفراد وإدارة الأموال الشرعية ومعالجة قضايا الحوزة وأن هذه الحوزة إضافةً إلى متابعة الأمور الحسبية مما جعل المرجعية تركز على نمط من المتابعة، يبقى مسألة ولاية الفقيه بعيدةً عن النقاش المباشر وبعيدة عن تسليط الضوء عليها. وهنا لا بد أن نؤكد على مسألة جوهرية، عندما نناقش مسألة ولاية الفقيه، وهي النظرة الشمولية إلى الإسلام، إذ عندما تتم النظرة للدين كدينٍ شامل للحياة يعالج مسائل الأفراد والمجتمعات ويربط بين الأمور بشكل متكامل على قاعدة كمال الدين وتمامه، «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً»، وعلى القاعدة الأخرى التي يركز عليها القرآن الكريم: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون / فأولئك هم الفاسقون» من منطلق، أن الحكم يجب أن يكون لله تعالى في كل مفردات شؤون الإنسان ولا يمكن أن يقتصر الالتزام الديني على المسائل الفردية، فالرؤية الإسلامية تتعدى حياة الأفراد الشخصية والعلاقات الاجتماعية إلى حياتهم كأمة وجماعات ومن المخاطر الكبرى التي أضرت بالفكر الإسلامي والفهم الإسلامي الحقيقي، تلك الطريقة التجزيئية التي تعاملت مع التفسير والفقه وغيرهما بطريقة منفصلة أثرت على فهم بعض الأمور وعلى طبيعة الممارسة العملية وتحديداً الأولويات، وقد علت أصوات كثيرة وجرت محاولات عدة لتسليط الضوء على التفسير الموضوعي للقرآن والتفسير الشمولي والنظرة الفقهية المتكاملة من ضمن المباني العامة ومقاصد الشريعة، وهي محاولات تضع المزيد من استكشاف الفهم الأفضل والأداء الأفضل لمواكبة التطورات التي تحتاج إلى أنماط تواكبها، فإذا كان بعض الأداء ينفع في مرحلة من الزمن على قاعدة الاكتفاء بسبب الظروف الموضوعية فمع التطور الذي نعيشه اليوم، تكمن الحاجة الملحة لمزيد من استكشاف إمكانات وطاقات الشمولية والتوسعة التي يحملها الإنسان والتي تؤدي منها ولاية الفقيه دوراً مهماً في هذا الإطار، لسنا مع العقلية المتحجرة التي تقطع الطريق على أي فهم إسلامي أو نقاش إسلامي واسع ولسنا مع التجزيئية التي تختصر الإسلام ببعض مفاهيمه، نحن مع النظرة الشاملة الكاملة كما هو الإسلام كدينٍ للحياة، لقد سلط الإمام الخميني(قده) الضوء مبكراً على موقعية ولاية الفقيه في الفهم الإسلامي وناقش أدلتها الشرعية والعقلية وقدمها في أبحاث متكاملة في النجف الأشرف ونظر إليها من موقع الناظر للمستقبل وأعد لها فهماً وشرحاً وتوسعةً تساعد بشكل مباشر على استلهام مضمون هذه الولاية الإسلامية الفتية التي قامت في إيران بسبب الثورة الإسلامية المباركة التي قادها الإمام المقدس الإمام الخميني(رض). وقد عرض الإمام بعضاً من ملامح التزامه وإيمانه بولاية الفقيه كإيمان والتزام إسلاميين، وحاول أن يبسط المفهوم ويناقش الجميع على قاعدة تقديم الفكرة من دون إسقاطها من علٍ، كي تكون حاضرةً في سياقها الإسلامي العام. ولذا تحدث عن ولاية الفقيه قائلاً في حديثه عن دور الفقهاء وفي حديثه عن استمرارية مكانة الأنبياء والأئمة عليهم السلام قال: "ما كان ضرورياً في زمان الرسول(ص) وأمير المؤمنين علي(ع) بحكم العقل والشرع لإقامة الحكومة الإسلامية والسلطة التنفيذية والإدارية فهو ضروري بعدهم في زماننا أيضاً ". لينطلق من فكرة ضرورة إقامة الحكم الإسلامي كجزء من الالتزام الإسلامي والإيمان الإسلامي ليعبر من خلاله إلى وظيفة الأنبياء من بعدهم. حيث قال إن أهم وظيفة للأنبياء في الحقيقة هي إقامة نظام اجتماعي عادل من خلال تطبيق القوانين والأحكام والذي يتلازم بالطبع مع بيان الأحكام ونشر التعاليم والأحكام الإلهية، كما يظهر هذا المعنى بوضوح من الآية الشريفة «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط» ثم ينتقل الإمام للحديث عن المؤهلين الآن حيث لم يعني شخصاً محدداً من قبل الله عز وجل للقيام بأمر الحكومة في زمن الغيبة فما هذا التكليف، هل يجب التخلي عن الإسلام وعن دوره وعن الواجبات الملقاة على الفقهاء، من هنا أعاد الطرح بشكل آخر ليميز بين التكليف والمسؤولية والمقام الذي يتميز به الأنبياء والأئمة(ع) للفقهاء في عصر الغيبة فلا يتوهمن أحد أن مقام الفقهاء هو نفس مقام النبي(ص). فالولاية أي حكومة وإدارة البلاد وتنفيذ أحكام الشرع المقدس هي وظيفة كبيرة ومهمة، لكنها لا تحدث للإنسان مقام وشأن غير عادي، فهو قد قارب ولاية الفقيه من موقع الوظيفة والتكليف ومن موقع الضرورة والواجب ومن موقع الجزئية التي تكمل شرع الإسلام في تطبيقه في حياة الناس ومن أجل إقامة الحكومة الإسلامية ، ولم يناقش الولاية كموقع ومنصب تشريعي لا بد منه إذ يقتصر حديثه على الالتزام بولاية الفقيه كجزء لا يتجزأ من ولاية النبي والأئمة(ع) وذلك في غياب المعصوم كي تقوم الأمة بواجبها ودورها. وهنا نلاحظ أن ما ركز عليه الإمام(قده) كان محوره الأساس الحكومة الإسلامية، أي أن ولاية الفقيه ارتبطت بشكل كبير بالحكومة الإسلامية كأعلى وأرقى دور من الأدوار التي يقوم بها الولي، لكننا نسحب هذه الولاية من دائرة قضايا الأمة لأن الحكومة من أجل الأمة وبالتالي من أجل إقامة الدولة ومع غياب وجود الدولة لأي سبب من الأسباب فحاكمية الولي الفقيه على إدارة شؤون الأمة في الحرب والسلم في القضايا العامة في قرار الجهاد في إقامة الحكم الإسلامي في الضوابط الشرعية والسياسات العامة التي تختص بالأمة هي أيضاً من هذه الدائرة التي ترتبط بالولي الفقيه.

 

إذاً الارتباط وثيق بين ولاية الفقيه والحكومة بما هي إدارة شؤون الأمة، والإدارة ترتبط بكل ما يهم هذه الأمة، وفيها توسعة تشمل الخصوصيات والأساليب ونقاط الاهتمام مع تنوع البلدان ومع اختلاف الظروف والأماكن، من هنا تعتبر ولاية الفقيه تجربة رائدة حصلت في القرن العشرين من خلال إقامة الدولة الإسلامية المباركة في إيران وهي تجربة صالحة للدرس والتأمل، خاصة أنها قامت في زمن صعب ومعقد في داخل نقاش إسلامي واسع حول جدوى التقليد الأعمى للتجارب السابقة التي كانت في زمن الدولة الإسلامية، ما بعد الرسول والخلفاء وبالتالي فإن هذه التجربة تصلح لتواكب هذا التطور الاجتماعي الهائل الذي حصل في زماننا وهي صالحة أيضاً لتعيد النظر بالكثير من الأفكار التي جمد عليها البعض وحاول أن ينقلها من التاريخ إلى الحاضر من دون تحريك تفقدية الأساليب، ومن دون تفاعل يرتبط بتغير الظروف. إن الولاية تقوم على ركائز ثلاث لا بد من الاهتمام بها:

 

 أولاً: الولاية قيادة، والقيادة حاجة فعلية فمن غير القيادة لا يمكن أن يكون الأداء، أداءً منسجماً أو جامعاً للأمة ولنا في تجربتنا في لبنان أسوة حسنة، وأقول لكم لولا ولاية الفقيه، لما اجتمعت القوى والشخصيات والحركات والأحزاب الإسلامية في لبنان لتشكل حزباً واحداً هو حزب الله الذي اختصر كل الخلافات ووضع قواعد عامة تنسجم مع توجيهات الولي الفقيه لتبعد الشخصانية والحزبية والفئوية والأفكار المتفاوتة ليحل محلها كل هذا الرصيد الجمعي الذي أدى إلى وحدة حقيقية من خلال الالتزام بقيادة الولي الفقيه.

ثانياً: الولاية قرار ومسار ووضوح في الأهداف وخاصة في المحطات الصعبة إذاً من دون هذه الولاية يصعب أن نعرف الهدف الحقيقي ويصعب أن نحدد الأولوية في مسارنا وأيضاً من تجربة لبنان، لقد حدد الولي الفقيه من اللحظة الأولى واجباً علينا لقتال العدو الإسرائيلي فأصبح هذا الهدف، هدفاً مرسوماً بشكل لا يقبل الشك ولا يقبل الزيف واستطاع هذا الهدف أن ينطلق بنا إلى تطورات كثيرة تركت أثارها الإيجابية والفعالة في واقعنا في لبنان، ومن يتجرأ على إسقاط الدم على التضحية بالشباب وعلى القيام بأعمال أقلها القتل والتضحية والآثار التي تثار عنها وهذا الأمر لا يتم بهذه الجرأة وبهذا الوضوح لولا الولاية وما تنتجه وما أنتجته بهذا المجال.

ثالثاً: الولاية اطمئنان واستقرار في طريق سليمة لأن الإنسان بحاجة أن لا يكون متردداً وأن لا يكون ضائعاً وأن لا يشعر في أثناء الطريق بإمكانية خاطئة في ما اختار وأن لا يحدث مناقشات طويلة في الطريق حول جدوى ما عمله في الفترة السابقة وما أداه هنا تأتي الولاية لتربح من هذا الوقع ولتجعلنا في دائرة الاطمئنان والاستقرار، وقد قلت منذ أيام في جلسة خاصة مع بعض الأخوة، حول التهديدات الأمريكية والإسرائيلية التي تتكرر دائماً على لبنان بأن الميزة العظيمة التي تحققت في لبنان والتي تعبر عن الاستقرار النفسي والعملي والمعنوي هي أن المؤمنين في لبنان لم يعودوا يأبهون لأي نوع من التهديدات بل هم يتوقعون المعركة في كل آن من دون أن يؤثر على مسارهم وحياتهم وكأن المعركة أمر طبيعي وكأن الدفاع أمر حاصل لا بد منه من دون أن يعيشوا حالة القلق أو أن يعيشوا حالة التساؤل والتوتر وهذه قوة كبيرة أصبحت موجودة في مجتمعنا ببركة الاستقرار النفسي الذي ولدته الولاية، بكل وضوح لولا القرار الجريء الذي انطلق من الإيمان بولاية الفقيه بانطلاقة المقاومة الإسلامية في لبنان عام 1982 لكنا نعاني من الإيمان بولاية الفقيه بانطلاقة المقاومة الإسلامية في لبنان عام 1982 لكنا نعاني اليوم من استمرار الاحتلال ومفاعيله السياسية على واقع لبنان في السيطرة عليه وفي انتشار عملاء إسرائيل وفي حفظ دائم تمارسه إسرائيل على الحكم وعلى كل الواقع اللبناني. ولولا هذا القرار الجريء لما امتلكنا القدرة العملية لمواجهة الاحتلال بكل جرأة وبكل وضوح ولولا هذا القرار لما انتشر إلى الواقع الفلسطيني وجعل الانتفاضة تصدر لتسقط استمرار مشروعية الكيان الإسرائيلي ولتضعه على المحك من جديد بعد أكثر من خمسين سنة، هذه المقاومة حررت الأرض، لكن الأهم أنها حررت الإرادة وعززت روح الاستقلال وحافظت على القدرات وألهمت الطامحين من أبناء أمتنا للثبات والجهاد من أجل غد أفضل هذه المقاومة تحولت إلى ثقافة تعبوية تؤثر من الواقع القائم ولا يمكن لأمريكا ولا إسرائيل أن تدخل إلى هذا الواقع لتدمر هذه الروح، إذ بإمكان أمريكا ولإسرائيل أن تمارس عدواناً عسكرياً وأن تمارس ضغوطات سياسية لكن لم يعد بإمكانهما أن يمارسا تغييراً بنيوياً وثقافياً وعملياً من حياة هذه الأمة، إذا ما حل في داخلها من معنويات ولدها الجهاد والشهادة لا يمكن أن يرجع إلى الوراء وسترى الأيام وستشهد الأيام القادمة عناءً كبيراً للأمريكيين في العراق وللإسرائيليين في فلسطين بسبب هذه الروحية التي انتشرت في الأمة ببركة هذا الاتجاه الذي ولد ثقافة وتأثيراً كبيراً. نحن بحاجة لدراسة معمقة لاستلهام هذه الآثار العظيمة للإمام من ولاية الفقيه ومن أجل أن تعمم كتجربة وفكرة في رصد الأمة الإسلامية ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لمزيد من الفهم والوعي ولمزيد من العطاء في خط الاستقامة من أجل رفعة الإسلام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...


** عودة **