|
بسم الله الرحمن الرحيم
الأستاذ
سمير كرم: مدير الدراسات - مركز دراسات الوحدة العربية
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم .الإخوة
والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أود أن تأذنوا لي بدايةً بأن
أنوه تنويهاً ضرورياً بحقيقة أن الآراء التي سأقولها خلال هذه المحاضرة أو
المناقشة لا تعبر بالضرورة عن رأي مركز دراسات الوحدة العربية الذي أشغل
فيه منصب مدير الدراسات، فلزم هذا التنويه لأنه ضرورة حتى يضعها المركز على
كتابه الذي يصدره بإسمي.
وهناك تنويه آخر ضروري، وهو
أني أشعر بسعادة غامرة وشعور بالفخر بوجودي على هذه المنصة تحت سقف هذا
المركز الذي يحمل اسم إمام وثائر عظيم له دوره التاريخي المؤكد في تغيير
العالم الذي نعيش فيه.
وأود أن أبدي إعجاباً ليس فيه
قدر من الممالئة لما طرحه السيد الموسوي، حتى أنني يمكن أن أقول ما كان من
الضروري أن أقيم في الولايات المتحدة عشرين عاماً متواصلة حتى أعرف عن
مصانع الأفكار أو مراكز الأبحاث والدراسات الأمريكية وعن تحيِّزها ضد العرب
وضد المسلمين، فالسيد نواف الموسوي قدم عرضاً رائعاً يكاد يقترب من معرفة
ما يجري في الولايات المتحدة ،على الأقل في حدود ما سمعت الآن من موضوعه
وهو موضوع مراكز الأبحاث أو مصانع الأفكار.
العلاقة بين
المعرفة والسلطة
الموضوع الذي تتصدى له
مناقشتنا هذا المساء يتصل اتصالا وثيقا من الناحية النظرية وفي الممارسة ـ
على السواء ـ بمبحث خاص هو مبحث العلاقة بين المعرفة والسلطة. ولقد كانت
هذه العلاقة قائمة منذ بداية التاريخ، منذ بداية تاريخ السلطة أو الدولة
بكل أشكالها ، لكن هذه العلاقة لم تصبح موضوعا لبحث علمي في الدراسات
السياسية أو الاجتماعية أو المعرفية إلا منذ وقت قريب نسبيا، ربما في
العقود الاولى من القرن العشرين، وبصفة أخص منذ منتصفه أي في عقد الخمسينات.
ولكن لنحاول اولا ان نلقي بعض
الضوء على ما هو المقصود بالعلاقة بين السلطة والمعرفة في صورتها الراهنة،
هذا هو مدخلنا المنطقي لفهم حقيقة دور مصانع الافكار في السياسة الاميركية،
في رسمها ثم في عملية رسم وصنع القرار.
ولعلي أستأذنكم في الاشارة الى
نقطة جانبية ارى من الواجب ان اطرقها ثم اتجاوزها سريعا: اعني بها ان
العلاقة بين السلطة والمعرفة هي واحدة من المسائل التي تُوهِمنا حين نسمعها
في هذا التوصيف العام بأنها مسألة واضحة وأننا ـ بالتالي ـ نعرف ما المقصود
بها، الى ان نبدأ في التنقيب فيها بجِد وبجَدية، عندئذ نتبين ان معرفتنا
بها ليست تفصيلية ولا يقينية بالقدر الذي نظن للوهلة الاولى.
والسبب في هذا اننا بازاء
مفهومين شائعين لاقصى الحدود في الاستعمال السياسي والاجتماعي: المعرفة
والسلطة. ويمكننا بسهولة ان نتجاوز هنا ما يحرص الباحثون الاكاديميون عليه
كثيرا. وهو خطوة تحديد المفاهيم، ان لم يكن لأسباب نظرية فعلى الاقل لسبب
عملي هو ان وقتكم لا يتسع لها.
لكن الموضوع ـ كما بدأت ـ
يتصل بالعلاقة بين هذين المفهومين وليس بكل منهماعلى حدة. العلاقة هي
الكلمة المفتاح بالنسبة الينا حينما نذكر جملة: العلاقة بين المعرفة
والسلطة.
ولعلكم لاحظتم انني اقول مرة
المعرفة والسلطة واعود فأقول السلطة والمعرفة، ولهذا سببه الأكيد،وهو ان
هذه العلاقة تسير في اتجاهين ـ او هي سالكة على خطين اذا استخدمنا تعبيرا
ألفناه من أحداث لبنان في النصف الثاني من السبعينات،واعني بذلك ان السلطة
تتوجه الى المعرفة لتتسلح بها، والممسكون بمفاتيح المعرفة يتوجهون الى
السلطة لبيع سلعتهم وللتأثير في مسار السلطة، أي في قراراتها، وأحيانا في
مصائرها ومصائر المحكومين.
ونحن نعيش في زمن ونتحدث عن
نظام اختفى فيه دور الهواة سواء في مجال المعرفة او في مجال السلطة، كلا
الطرفين محترف وكلا الطرفين يدرك انه في حاجة الى الآخر.
تحذيرا ويلسون
وأيزنهاور
ولقد حذّر الرئيس الاميركي
دودرو ويلسون في العقد الثاني من القرن العشرين من فكرة قيام " حكومة خبراء"،
فقد اعتبرها منافية للديمقراطية، لأن معناها ان السلطة ستكون بين افراد لا
يتحدثون لغة العامة، لغة الافراد العاديين. لكن تحذير ويلسون لم يُجد كثير.
اذ كانت قد بدأت وبلا توقف العملية التي أدت بالتحديد الى ما حذّر منه وهو
ان يصبح المجتمع الاميركي تحت رعاية عدد قليل من السادة ( هو استخدم كلمة
( Gentlemen الذين يعرفون وحدهم كيف تؤدى هذه الوظيفة ،وظيفة صنع القرار.
وهكذا بعد انقضاء عهد ويلسون بعدة عشرات من السنين اصبحت الصورة الراهنة في
وجود مصانع الافكار تعكس تحالفا قويا بين السلطة والمعرفة، حيث اصبحت هناك
شريحة كاملة من الخبراء تحتل مركزا فاصلا بين المواطن الاميركي العادي
والسلطة الحاكمة، ويمثل هذا الموقع منطقة عازلة فعلا بين السلطة والمحكومين،
بين المنتخَبين والناخبين. والمهم هنا ان هذه المنطقة العازلة ـ اذا جاز
التعبير ليست منتخبة بأي حال ولاعند اي مستوى. مع ذلك فالدور الذي تمارسه
على العملية السياسية يفوق أدوار الناخبين، ويؤثر بصورة قوية على سلوك
المنتخبين وقراراتهم.
ولعل هذا التحذير من ويلسون
بشأن حكم الخبراء يذكّرنا بتحذيرٍ شهير آخر في التاريخ السياسي الاميركي،
اعني تحذير الرئيس الاميركي الاسبق الجنرال دوايت ايزنهاور في خطبة الوداع
في كانون الثاني /يناير عام 1961 من خطر نفوذ المجمّع الصناعي العسكري على
الحكم. وأوجه التماثل بين هذين التحذيرين لا تقتصر على حقيقة انهما لم
يجديا، انما قوبلا بتجاهل تام من طرفي معادلة السلطة والمعرفة. كما تؤكد
تطورات نصف القرن الماضي كله فان المجمع الصناعي العسكري نما ونما نفوذه بل
سطوته عل القرار الاستراتيجي والسياسي، بما لذلك من تأثيرات على الحياة
العامة ـ الاجتماعية والاقتصادية والثقافيةـ برمتها في الولايات
المتحدة،وفي العالم على نطاق واسع.
أوجه التماثل ـ بين هذين
التحذيرين ـ تمتد الى الخطوط الأمامية في دور العلاقة بين المعرفة والسلطة
ـ من خلال مصانع الافكار، بمعنى اننا حينما ننتقل من تحذير ويلسون من الأثر
السلبي على الديمقراطية من حكم الخبراء الى تحذير ايزنهاور من الآثار
الخطيرة من نفوذ تحالف الصناعيين والعسكريين لا نبتعد ـ كما قد يبدو للوهلة
الاولى عن موضوعنا الاصلي.
تحالف
الصناعيين العسكريين
فالتطورات التي أدت الى تقوية
تحالف الصناعيين والعسكريين في الولايات المتحدة سارت جنبا الى جنب مع
التطورات التي ادت الى تقوية دور مصانع الافكار في رسم السياسة الاميركية
وتوجيهها. اكاد اقول انهما تطورا كظاهرة واحدة او كعملية سياسية واحدة.
ومما يثير الدهشة او الريبة ان علاقة مصانع الافكار الاميركية بالمجمع
الصناعي العسكري لم تنل حظا من الدراسة والبحث حتى الآن لا في اميركا ولا
في البلدان التي تقع عليها آثار هذين الطرفين الفاعلين في الاستراتيجية
العالمية الاميركية وفرعها المسمى السياسة الخارجية الاميركية.
لكننا نعرف على الاقل ان مصانع
افكار اميركية معينة قد مدت نطاق عملها ونفوذها الى المجمع الصناعي ـ
العسكري، واصبحت جزء اساسيا من مكوناته، وأداة في إضفاء الشرعية عليه،
وأداة في اخفاء طابعه العدواني والتوسعي.
ونعرف ـ ايضا ـ وعلى الاقل ان
مصانع الأفكار الاميركية ذات الصلة الوثيقة بالمجمع الصناعي ـ العسكري هي
الأضخم اجهزة وميزانية وانتاجا، والأعمق نفوذا وتأثيرا على السياسة
الاميركية ـ في تجلياتها العسكرية بالدرجة الاولى. وليس هذا من قبيل
المصادفة.
مؤسسة راند
ليس مصادفة ابدا ان أحد اكبر
مصانع الافكار الاميركية هو مؤسسة راند RAND، ومؤسسة راند هي الاسم الذي
يكاد يكون في الادبيات الاميركية مرادفا لتعبير " مصنع أفكار"، كما نقول "كوداك"
بالنسبة للكاميرا وسنجر لماكينات الخياطة، وشل للبنزين. وقد بدأت راند
كمشروع تابع لمؤسسة كان اسمها "دوغلاس لصناعة الطائرات"، قبل اندماجها مع
شركة مماثلة اخرى لتصبح ماكدونالد دوغلاس المؤسسة العملاقة في مجال
الصناعات الحربية. ولم تلبث راند ان اصبحت مؤسسة بحثية " مستقلة" وأرجو
التنبه هنا الى ما تنطوي عليه صفة "مستقلة" من خداع. فهي ليست مستقلة
ايديولوجيا ولا ماليا أوعمليا بأي حال عن المؤسسة الأم التي أنجبتها. مؤسسة
" راند" لا تزال في القسم الاكبر من انشطتها كمصنع افكار تنفذ دراسات
ومشروعات بحثية لحساب وزارة الدفاع الاميركية وبصفة اخص بعقود مباشرة مع
السلاح الجوي الاميركي... مع انها قد مدّت أوجه بحثها حتى اصبحت تشمل
موضوعات من الصحة الى السكان والاسكان حتى استراتيجية الأمن القومي وتوسيع
حلف الأطلسي... والحرب الالكترونية ...الخ. لهذا يبلغ عدد التقارير البحثية
التي تنشرها راند سنويا نحو 350 بحثا. ومن الصعب ـ لاعتبارات أمنية ـ معرفة
عدد العاملين فيها أو ميزانيتها العامة!
لا بد ان نعرف ـ إذن ـ ان راند،
هذا الاسم المكون من اربعة حروف فقط والذي لا يعدو ان يكون اسم علم، هو اسم
رجل الاعمال الاميركي الذي اسس راند في عام 1948 قد لعبت دورا في التخطيط
لحرب اميركا على العراق واحتلاله، وتلعب الآن دورا في محاولة توجيه القرار
الاميركي بشأن ما ينبغي عمله في التصدي للتحديات التي يواجهها هذا الاحتلال.
فان مؤسسة راند تنقسم الى اربعة اقسام بحثية رئيسة:
الأول لا يزال يحمل اسم "مشروع
السلاح الجوي"، والثاني هو قسم بحوث الأمن القومي، والثالث قسم بحوث الجيش
والرابع هو قسم البحوث المحلية وفي تسمية أخرى "معهد بحوث العدالة المحلية"،
وهذا المعهد يوجه بحوثه نحو العلوم السلوكية والاقتصاد والإحصاء وعلوم
المعلومات... ويركز بشكل خاص على البحوث المتصلة بأحداث العصيان المدني
وكيفية التصدي لها في حالة تصور سيناريوهات متباينة لوقوعها في المدن
الأميركية في ظل ظروف افتراضية.
مصانع الأفكار
وعلاقتها بالمؤسسة الحاكمة
تدّعي مصانع الأفكار الأميركية
أنها أجهزة ثقافية، وأنها تؤدي دورها في خدمة الجمهور الأميركي – أو الرأي
العام، وهو التعبير المفضل في الولايات المتحدة – لكن الحقيقة أنه لا
الجمهور الأميركي يجد احتياجاته الثقافية فيها. ولا هي تأخذ هذه الاحتياجات
في اعتبارها عند وضع مخططات دراساتها وأبحاثها. وهي بالتالي لا تهتم بصفة
مباشرة أوغير مباشرة بمصالح الجماهير الأميركية. إنها فقط في خدمة النخبة
الحاكمة المدنية والعسكرية.
ولعله يجدر بالذكر – بل
التأكيد – هنا أنه لا توجد وزارة للثقافة في النظام الأميركي بل إن اليمين
الأميركي، وهو اليوم في السلطة التنفيذية وله الأغلبية في مجلسي السلطة
التشريعية أي الكونغرس – الشيوخ والنواب-، يقبل على مضض وجود وزارة للتربية
فشؤون الثقافة والتعليم لا تعني النظام الأميركي في شيء ويعتبرها خاصة
بالقطاع الخاص ينبغي أن يدبر أمورها من خلال قوانين السوق ودافع الربح.
ولهذا فإن هناك أكثر من مشروع قرار لإلغاء وزارة التربية، أي خصخصة التعليم
بالكامل. ولعل هذا جانب أساسي مما ترمي إليه خطط الديمقراطية الأميركية
التي يراد فرضها على الوطن العربي وعلى العالم الإسلامي.
لكن ما دلالة
هذا بالنسبة لموضوعنا الراهن: مصانع الأفكار؟
هل مصانع الأفكار الأميركية –
على اختلاف تخصصاتها وتسمياتها – مؤسسات خاصة بالمعنى الكامل للكلمة؟ نعم،
إنما من الناحية الشكلية القانونية فحسب، أما من الناحية الموضوعية
والعملية فإن معظم مصانع الأفكار الأميركية جزء من "المؤسسة الحاكمة" –
والأميركيون يستخدمون لهذا التعبير كلمة بالانكليزية هي Establishment.
رأينا كيف أن مؤسسة راند نشأت كمشروع للسلاح الجوي من خلال شركة دوغلاس
لصناعة الطائرات. والأمر لا يختلف كثيراً في حالة مؤسسات بحثية تعد في
مقدمة مصانع الأفكار الأميركية، مثل "مؤسسة بروكنغز"، و«مؤسسة كارينغي
للسلام» و«معهد المشروع الأميركي American Enterprise Institute».
بل الواقع أن للحكومة
الأميركية مصانع الأفكار الخاصة بها، بعضها يغذي السلطة التنفيذية، وبعضها
يغذي السلطة التشريعية. سواء بحكم العلاقة «الايديولوجية» بين مصانع
الأفكار هذه والحزب القائم في الحكم، في الإدارة كما يقولون والحزب صاحب
الأغلبية في الكونغرس. هناك مصانع أفكار تابعة لكل من الحزبين الرئيسين:
الديمقراطي والجمهوري تبعية مؤسسية لكن هناك أكثر منها مصانع أفكار تابعة
لهما تبعية "ايديولوجية" – وهذه أهم بالتأكيد من التبعية المؤسسية – فهذه
تسير في توجه سياسي ليبرالي أو محافظ مع الديمقراطيين، مثل مؤسسة بروكنغز
ومؤسسة "وقفية كارينغي للسلام الدولي"، وتلك تسير في توجه محافظ متطرف مثل
"مؤسسة التراث" و"مؤسسة أميركا الجديد" و"معهد المشروع الأميركي" الموالية
للحزب الجمهوري في خطه الأكثر يمينية، الخط الذي يضم مجموعة المحافظين
الجدد التي تهيمن على الحكم في الوقت الحاضر، وغيرها تسير في توجه محافظ
معتدل مثل "معهد كاتو" و"مجلس العلاقات الخارجية" و"معهد هدسون" و"مركز
السياسة القومية".
ولعل أقرب صورة إلى هذا النوع
من مصانع الأفكار هي صورة طبقة الكهنة والعرافين التي كانت في المجتمعات
القديمة – الفرعونية مثلاً – تغذي العروش بالأفكار التي توجه سياساتها تجاه
الداخل والخارج، وربما لهذا يطلق بعض الكتاب على مصانع الأفكار تسمية "معابد
الأفكار".
وهناك مصانع أفكار تابعة بصفة
مؤسسية ومالية للكونغرس الأميركي، مثل "مكتب المحاسبات العامة"، الذي يجري
أبحاثاً بناء على طلب لجان الكونغرس المتخصصة، في الشؤون الخارجية
والدفاعية والاستخباراتية والشؤون الداخلية أيضاً، وبناء على هذه الأبحاث –
التي يصدر مكتب المحاسبات العامة – في صورة تقارير تجري عملية المحاسبة –
السياسية أو المالية أو الإدارية – لفروع السلطة التنفيذية، وزاراتها
ووكالاتها... إلخ.
وتتبع للكونغرس أيضاً دائرة
بحوث الميزانية ومعهد السلام الأميركي (وإن كان هناك معهد للسلام لا علاقة
رسمية له بالكونغرس أو بالسلطة الحاكمة عموماً)، مع ذلك فإن تغلغل مصانع
الافكار الخاصة في صنع السياسة والقرار في واشنطن يمتد الى وكالة المخابرات
المركزية والى وكالة الأمن القومي ووكالة الأمن الدفاعي، فهي تكلف بعقود
بوضع التقارير والدراسات عن الاوضاع العالمية والاقليمية وحتى الاوضاع
الداخلية.
بطبيعة الحال فإن مصانع
الأفكار التي ترتبط رسمياً باي من فروع السلطة تحاول أن تبدو محايدة
ايديولوجياً فهي ليست محافظة أو ليبرالية، يمينية أو يسارية، في حين أن
مصانع الأفكار الخاصة تظهر ذات توجه ايديولوجي أو فكري، بل الواقع أن الشيء
الوحيد الذي يميز هذه المصانع الفكرية هو توجهها الايديولوجي، ويصدق هذا
بصفة خاصة منذ أن اكتشف اليسار الأميركي في عقد الستينات والسبعينات من
القرن العشرين أهمية أن تكون له مصانع الأفكار الخاصة به، فتأسس عدد منها
حول الحركات والجماعات التي ناهضت حرب أميركا في فيتنام، وبينما خبا نشاط
بعض هذه المصانع الفكرية مع أفول القضية نفسها بهزيمة اميركا وانتصار هذه
الحركات، فإن بعضها الآخر استمر في الوجود وازداد تبلوراً وكبر دوره في
الحياة السياسية الأميركية نسبياً مع استمرار قضايا له فيها طروحات ومواقف
– حتى بعد نهاية حرب فيتنام – مثل قضايا التضخم الهائل في الميزانيات
العسكرية الأميركية، وميل أميركا إلى التدخل العسكري في الخارج، وقضايا
حماية البيئة فضلاً عن قضايا الاقتصاد الأميركي من التضخم إلى الكساد إلى
البطالة وصولاً إلى قضايا أوسع كثيراً مثل العولمة.
وإذا كانت مصانع الأفكار ذات
التوجه التقدمي أو اليساري حديثة نسبياً فهي أيضاً فقيرة الإمكانيات نسبياً،
لأنها لا تنال – بطبيعة الحال – أي نصيب من تبرعات المؤسسات الاقتصادية
الضخمة، وهو أمر مفهوم، بل إنها تتعرض لعملات عداء قوية من النخب الحاكمة
ومن مصانع الأفكار اليمينية والليبرالية.
لا توجد – مثلاً – مؤسسة
يسارية أو حتى ليبرالية لها حجم مؤسسة راند أو انتشارها أو نفوذها، وإذا
ذكرنا أسماء مثل "مركز شؤون الميزانية وأولويات السياسة" أو "مركز
المعلومات الدفاعية" أو "معهد دراسات السياسة" أو "معهد السياسة التقدمية"
أو "صندوق القرن العشرين" أو "معهد السياسة العالمية"... فإن أيا من هذه
الأسماء لا يترك الانطباع ذاته مثل بروكنغز وراند ومجلس العلاقات الخارجية...
إلخ.حتى لأجدني أود أن أسأل ترى كم منا سمع باسم اي من هذه المراكز ولو مرة
واحدة؟
وتنبهنا حقيقة العلاقة بين
مصانع الأفكار والاتجاهات الايديولوجية السائدة في المجتمع الأميركي إلى أن
صعودها قد تزامن وتواكب مع تراجع أهمية الحزب في العملية السياسية
الاميركية، وهو تراجع ناتج بالأساس عن تقلص الفروق الجوهرية بين سياسات
الحزبين الرئيسين، حتى لم يعد المواطن الأميركي العادي يجد ما يميز الحزب
الجمهوري عن الحزب الديمقراطي في القضايا الجوهرية مثل الحرب والسلام، مثل
السياسة الخارجية، مثل الانفاق العسكري... إلخ. وهو السبب نفسه الذي يجعل
المواطن الاميركي يحجم اكثر فأكثر عن الادلاءبصوته في الانتخابات، خاصة
انتخابات الرئاسة.
لقد أصبحت الاختلافات بين
التوجهات العامة الايديولوجية للشخصيات أوضح وأكبر أهمية من الفوارق بين
الحزبين،ه فلا يكفي مثلاً أن تعرف أن هذا الشخص – المرشح لمنصب ما – هو
جمهوري أو ديمقراطي. الأهم أن تعرف إذا كان محافظاً أو ليبرالياً، يمينياً
أو معتدلاً.
تقسيم آخر
لمصانع الأفكار
هناك تقسيم آخر لمصانع الافكار
الاميركية هذه المرة، الى مصانع أفكار تعنى بالمصالح العامة، وأخرى تعنى
بمصالح الجماعات الخاصة. ولا غنى عن الاهتمام بهذا التقسيم، وبالاخص لمصانع
الافكار التي تخدم جماعات المصالح الخاصة، فمنها – مثلا- مصانع أفكار
مهمتها الأساسية الدفاع عن الحريات المدنية للسود، أو مهمتها تعزيز التحالف
الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والدولة اليهودية إسرائيل،أو الحفاظ على
التراث الثقافي الألماني...
لكن هذا لا يعني أن كل مصانع
الأفكار التي تتمحور حول جماعات المصالح الخاصة تكشف عن هذه الهوية بهذا
الوضوح، ولعل هذا يتمثل بشكل خاص في مصانع الأفكار الموالية لإسرائيل،ومن
الضروري أن نميز هنا بين مستويين: مستوى الولاء لإسرائيل ومستوى التأييد
لإسرائيل، هناك مصانع أفكار يفترض انها تعمل في إطار المصالح العامة، لكنها
تدين بولاء خاص لإسرائيل يتضح في تخصصها في قضايا معينة.
على سبيل المثال هناك مصنع
الأفكار الإسرائيلية في قلب العاصمة الأميركية الذي أطلق عليه مؤسسوه "معهد
واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" وهو اسم لا يوحى بانحياز ما، هذا المعهد يفرض
التعامل معه على أنه يقع تماماً خارج إطار اللوبي اليهودي و اللوبي
الصهيوني أو اللوبي الإسرائيلي، يتعامل مع الجماعات النخبوية الفكرية
والسياسية والإعلامية وتتعامل معه على أنه من مصانع الأفكار ذات التوجه
للمصلحة العامة، مع ذلك فإن اختياره لموضوعاته – في مطبوعاته وندواته
وحلقاته النقاشية – يكشف عن بؤرة إسرائيلية في هذا كله.
لكن غطاء التوجه إلى
الأميركيين وكأنه معهد معني بقضايا المصالح العامة، يفيد معهد واشنطن في
فتح أبوابه لباحثين ولِمنحَ زمالة ولمناصب معينة لمشاركين في أنشطته حتى من
بين المثقفين والمنظّرين العرب ونظرائهم المسلمين من بلدان غير عربية، وهذا
أمر ما كان ليتاح له لو أنه خرج إلى الوجود وأدى دوره على غرار لجنة الشؤون
العامة الأميركية – الإسرائيلية (المشهورة باسم الايباك AIPAC) أو على غرار
"اللجنة اليهودية ـ الأميركية" أو "المعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي"...
على سبيل المثال.
والأمر المؤكد – بعد هذا
التمييز بين مصانع أفكار المصالح العامة ومصانع أفكار المصالح الخاصة – هو
أنها جميعا تهدف الى التأثير على الرأي العام وليس على صناع القرار
وحدهم،فإن علاقتها بصانعي القرار علاقة داخلية بلا وسائط ولا دخلاء، أما
العمل الذي تؤديه للتأثير على الرأي العام، حيث تهدف إلى صهره وتكوينه، فهو
يشكل علاقة علنية فيها وسيط أساسي، له- هوالآخر- دوره المعقد في عملية صراع
المصالح العامة والمصالح الخاصة، وله علاقته بالسلطة والمعرفة في كافة
جوانبها وتعقيداتها،وهو الإعلام، أي الوسائط الإعلامية التي بدونها كان
يمكن لمصانع الأفكار أن تبقى مجرد أجنحة أو أجهزة معرفية للسلطة بعيدة عن
التأثير المباشر على الرأي العام، كان يمكن عندئذ أن يصبح دور مصانع
الأفكار مجرد سمسار أفكار للمجموعة الحاكمة أو للمجموعة المعارضة، أي
للمجموعات التي تتبادل السلطة على فترات زمنية.
طبقة النجوم
وبطبيعة الحالة فإن العلاقة
المميزة والكثيفة بين مصانع الإفكار والإعلام تظهر في أقصى حالاتها
ودرجاتها في أوقات ذروة معينة. وأهم أوقات الذروة هذه هي مواسم الانتخابات
والمعارك الانتخابية، وبالأخص انتخابات الرئاسة، دور صنّاع الأفكار في هذه
الأوضاع القصوى لأدوارهم يتمثل في وضع البرامج الانتخابية للمرشحين على
اختلاف مستوياتهم من عُمد المدن وأعضاء الكونغرس إلى حكام الولايات حتى
الرئيس، وبطبيعة الحال هناك تخصصات، فهناك صناع أفكار لبرامج السياسات
الداخلية ولبرامج السياسات الخارجية.
لكن ثمة تقسيماً آخر لهم:
هناك صناع أفكار من طبقة النجوم، هؤلاء هم الذين يصعدون إلى تولي المناصب
الرفيعة إذا كانوا ممن ساهموا في صناعة أفكار الرئيس ووضعوا تفصيلات
برنامجه الانتخابي، وهؤلاء النجوم السياسيون – في العادة – يصعدون إلى
النجومية الإعلامية على مدى فترة الحملة الانتخابية، فهم ضيوف لقنوات
التليفزيون والفضائيات، وهم كتاب للتعليقات والتحليلات السياسية، وهم – في
المراحل الأخيرة من الحملة الانتخابية – المرشحون للمناصب المختلفة في
إدارة المرشح للرئاسة إذا تحول إلى المرشح الفائز بالرئاسة.
هكذا يكون صانعو الأفكار من
طبقة النجوم قد ساهموا من البداية في عملية رسم السياسة وصنعها ثم صنع
القرار قبل أن تصبح لهم أية صفة رسمية،قبل أن يعينوا وحتى قبل أن ينالوا
مصادقة الكونغرس على تعيينهم، باختصار إن الناخبين الأميركيين – الشعب
الأميركي – لا يختارهم اختياراً مباشراً، مع ذلك فإن الإدارات الأميركية
المتعاقبة تشغل أهم مناصبها بأشخاص تختارهم من مصانع الأفكار. إدارة كارت
كان معظم أركانها من باحثي مؤسسة بروكنغز – إدارة بريغان أخذت كثيرين من
كوادر معهد أميركان انتربرايز ومن مؤسسة التراث ومؤسسة هوفر المعنية بقضايا
الحرب والسلام... ولا يختلف الأمر بالنسبة لإدارتي بوش الابن وبوش الأب.
مع ذلك فإن الأعداد الأكبر من
كوادر هذه المراكز البحثية الشهيرة يذهب إلى الكونغرس، بمجلسيه الشيوخ
والنواب، فهم يشكلون الغالبية الساحقة من مساعدي أعضاء المجلسين، والغالبية
الساحقة من المستشارين السياسيين والقانونيين للجان الكونغرس ذات النفوذ
القوي على السياسة والقرار: خاصة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ
ولجنة الاعتمادات بمجلس النواب، واللجنة الاقتصادية المشتركة للمجلسين،
فضلاً عن لجنتي الإشراف على المخابرات.
والدور الذي يلعبه صناع
الافكار هؤلاء وهم في مناصبهم كمساعدين لأعضاء الكونغرس يكاد يكون دوراً
خفياً لكنه مؤثّر للغاية، فهم في مواقعهم هذه يفتحون أبواب أعضاء الكونغرس
ولجانه أمام نشطاء جماعات الضغط (اللوبي)، وفي مقدمتها جماعات اللوبي
الصهيونية، ومن المألوف أن تجد عضواً بارزاً ونافذاً في مجلس الشيوخ أو
النواب يقرأ نصاً من تقرير إما لأحد مصانع الأفكار وإما لإحدى المنظمات
اليهودية الموالية لإسرائيل تأييداً لمشروع قرار أو لموقف سياسي أو لاعتماد
مالي، أو بالعكس لقتل مشروع قرار إذا كان لا يلائم مصالح إسرائيل أو
الأقلية اليهودية الأميركية.
دور مصانع
الأفكار
لعل من المهم أن نتوقف هنا
قليلا لمعرفة الكيفية التي تحدد بها مصانع الأفكار الأميركية هي نفسها
الدور الذي تؤديه، ولا بد أن نلاحظ هنا أن صانعي الافكار نادرا ما يتحدثون
عن ادوارهم، ولن نجد أيا من مصانع الافكار يصدر بحثا أو دراسة عن دوره بشكل
عام، أو عن تأثير هذا الدور في توجيه السياسة الأميركية داخلية كانت أو
خارجية، وأظننا جميعا نعرف ان مصانع الافكار الموالية لإسرائيل – حتى ذات
الصبغة اليهودية الخالصة منها- تنكر بشدة ان لها نفوذا أو حتى تأثيرا على
السياسة الاميركية في الشرق الاوسط او اتجاه الصراع العربي الصهيوني، بعضها
يعتبر أي حديث عن نفوذه على السياسة الاميركية وهم او اكذوبة كبرى اما من
صنع العرب المعادين لإسرائيل او مبالغة قصوى من صنع اميركيين مؤيدين للعرب،
سواء كانوا من الاميركيين المسلمين من اصل افريقي او كانوا من اليسار
المناهض لإسرائيل والصهيونية.
انما من الفرص القليلة التي
اتيحت لقراءة رأي لأحد البارزين من صناع الافكار عن "دور مصانع الافكار في
السياسة الخارجية الاميركية" كانت الفرصة التي اتاحها ريتشارد هاس فقد كتب
في هذا الموضوع بالتحديد في نشرة رسمية لوزارة الخارجية الاميركية: وكان
اهم ما قاله ان مصانع الافكار تقدم اليوم خمس فوائد اساسية هي انها:
1) تولد تفكيرا جديدا بين
صانعي القرار الاميركيين.
2) توفر خبراء للخدمة في
الادارة وفي الكونغرس.
3) تعطي لصانعي السياسة
مجالا لبناء تفاهم مشترك حول الخيارات السياسية.
4) تثقف المواطنين
الاميركيين بشأن ما يدور في العالم .
5) تقوم بدور طرف ثالث
وسيط بين الاطراف في أي صراع.
ولا نستطيع ان نقدّر قيمة هذا
التحديد لفوائد مصانع الافكار لصانعي السياسة وصانعي القرار في اميركا الا
اذا عرفنا ان ريتشارد هاس نفسه هو واحد من اكثر نشطاء مصانع الافكار تنقلا
بين مناصب عليا في ابرز مصانع الافكار الاميركيةومناصب عليا في ادارات
اميركية متعاقبة. هو اليوم رئيس مجلس العلاقات الخارجية الاميركي (الذي يضم
ألمع نجوم) صناعة الافكار وصناعة القرار على السواء: امثال هنري كيسنجر
والكسندر هيغ ومادلين اولبرايت وجين كيرباتريك، والقائمة طويلة للغاية،
وهاس كان قبل شهور قليلة ومنذ بداية ادارة بوش في عام 2001 مديرا للسياسة
والتخطيط في وزارة الخارجية الاميركية، وقبل ذلك كان مدير الدراسات في
مؤسسة بروكنغز، وسبق ان كان مستشارا لأحد اعضاء مجلس الشيوخ الاميركي
البارزين قبل ان ينتقل الى "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"،تنقلات
ريتشارد هاس بين هذين الفرعين من معادلة السلطة والمعرفة تمثل احد ابرز
الامثلة على ما يسمى في اميركا سياسة "الباب الدوّار" الذي يفتح على
الاتجاهين بين مناصب السلطة ومراكز المعرفة.
حدث هذا مرات كثيرة لكل من
ريتشارد بيرل ومادلين أولبرايت ووليام كوانث وريتشارد سولومون، والأهم أن
عدداً من وزراء خارجية أميركا ومستشاري الرئيس للأمن القومي وكذلك مديري
وكالة المخابرات المركزية في السنوات الثلاثين الأخيرة مروا بمرحلة إثبات
قدراتهم الفكرية في مصانع الأفكار، ولا تزال أسماء معظمهم على قائمة
مستشاري كثير من هذه المصانع الفكرية بعد أن تقاعدوا.
هناك الآن أكثر من الف ومائتين
من مصانع الأفكار في أميركا، تتفاوت في أحجامها وميزانياتها، وتتداخل
أنشطتها كثيراً مع أنشطة مؤسسات سياسية أخرى رسمية وغير رسمية، تلعب أدواراً
مؤثرة في رسم السياسة الأميركية،لكنها لا تخضع أبداً لأي نوع من المحاسبة
لا من السلطة ولا من الرأي العام، ثمة حالة خاصة لا بد أن تذكر هنا لتأكيد
التداخل الشديد بين نشاط مصانع الأفكار ونشاط منظمات الضغط (اللوبي)
اليهودية في أميركا.
إنها حالة "المعهد اليهودي
لمجلس الأمن القومي"، ويمكن اعتبار هذا المعهد بمثابة الجناح العسكري للوبي
الصهيوني، فصلته الوثيقة بوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) والهيئة
المشتركة لرئاسة أركان القوات المسلحة الأميركية تصل إلى حدود لا يبلغها أي
مصنع أفكار آخر،وهو ينظم سنوياً رحلات للضباط الأميركيين إلى إسرائيل
يلتقون فيها بنظرائهم الإسرائيليين وبالقيادات السياسية والعسكرية،
والتركيز في نشاط هذا المعهد هو على أمر واحد: أهمية إسرائيل للأمن القومي
الأميركي وليس العكس، إن تقاريره ونشراته تركز بدرجة أولى وأساسية على
أفضال إسرائيل الأمنية على الأمن الاستراتيجي الأميركي. وتقدم مراراً
وتكراراً ما تعتبره الأدلة على أن إسرائيل تكلف أميركا أقل كثيراً مما
يكلفها حلف الأطلسي، في حين أنها تحمي مصالح أميركا الاستراتيجية في منطقة
واسعة وأكثر أهمية بكثير من أوروبا، طبعاً بسبب النفط.
ربما يكون مناسباً أن أجعل من
هذه النقطة عن تداخل نشاط وأدوار مصانع الأفكار من نشاط وأدوار جماعات
الضغط – الصهيونية خاصة – نقطة ختام لهذا الاجتهاد السريع.
إنني أدرك أني لم أوف الموضوع
حقه، ولكنني سأتذرع مؤقتاً بضيق الوقت، ومع ذلك فإنني على ثقة من أن
أسئلتكم ستساعد على إتاحة الفرصة لإلقاء الأضواء على جوانب من الموضوع لم
تأخذ كفايتها من الشرح أو الإيضاح.
أشكركم، والسلام عليكم.
|