موقف الأئمة من الغلاة


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الشيخ علي جابر

 

في البداية لا بد من الإشارة إلى أمور أساسية تشكل خلفية الموقف عند أهل البيت (عليهم السلام) في مواجهة ظاهرة الغلاة حيث أنهم لم يكونوا ليتفاجئوا بها لأنهم يعلمون طبيعة الموقف وظروفه وما هم بصدده. فظاهرة الغلو ليست جديدة في التاريخ البشري عموماً والديني بشكل خاص وقد غلا اليهود والنصارى من قبل كما حكى القرآن الكريم: «وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله» (التوبة آية/30) وفي تاريخ الإسلام فإن أول من واجه ظاهرة الغلو كان النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد روى عن محمد بن أبي عمير عن محمد بن حمزة رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال:جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: السلام عليك يا ربي، فقال صلى الله عليه وآله: ما لك لعنك الله، ربي وربك الله، أما والله لكنت ما علمتك لجباناً في الحرب لئيماً في السلم (1).

ولذلك جاء في الإسناد عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن آبائه (عليه السلام) قال: أيضاً وهذا ما يؤكد أن هذه الظاهرة من غير رواية مسندة عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً (2).

 

الأمر الأول: أن الأئمة (عليه السلام) كانوا يعرفون صعوبة تحمل فضائلهم ومقاماتهم المعنوية ولا يفصحون عنها أمام كل أحد، رغم ما كان يراه المسلمون من الكرامات والمعجزات، لأنهم كانوا يخشون من الغلو بهم وكانوا يلحظون ذلك عند السؤال فينظرون في حال السائل وما يقدر على تحمله.

وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أتى رجل الحسين بن علي (عليه السلام) فقال: حدثني بفضلكم الذي جعل الله لكم، فقال: إنك لن تطيق حمله، قال: بل حدثني يا ابن رسول الله إني أحتمل، فحدثه بحديثٍ فما فرغ الحسين (عليه السلام) من حديثه حتى ابيض رأس الرجل ولحيته وأنس الحديث، فقال الحسين (عليه السلام) أدركته رحمة الله حيث أنس الحديث (3).

وفي هذا الأمر تنبيه هام إلى ضرورة التزام الحكمة في التعرض لهذا الجانب من العلاقة بأهل البيت (عليه السلام) وأن تكون المعرفة لأهلها.

 

الأمر الثاني: لقد حث الأئمة (عليهم السلام) على نشر وإشاعة فضائلهم وكرامتهم في عين النهي عن الغلو، حتى لا تنشأ حالة معاكسة تلبي رغبة سلطة الخلافة، التي كانت تحاول الاستفادة من الأمرين للطعن على مدرسة أهل البيت والنيل من الأئمة (عليهم السلام) بتوجيه تهمة الدعوة الباطلة إلى أنفسهم والتي كان ينسبها إليهم الغلاة كالنبوة أو الربوبية أو الألوهية أو ما شاكل، هذا من جهة، ومن جهة محاولة التعتيم على فضائلهم أيضاً ومكانتهم في الأمة.

ففي رواية إسماعيل بن عبد العزيز قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يا إسماعيل ضع لي في المتوضأ ماءً فقمت فوضعت له، قال فدخل، قال: فقلت في نفسي أنا أقول فيه كذا وكذا ويدخل المتوضأ ويتوضأ قال: فلم يلبث أن خرج فقال: يا أبا إسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم، اجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم، فلن تبلغوا، فقال إسماعيل: وكنت أقول به وأقول وأقول (1).

وستكون لنا عودة مهمة لهذا الحديث وأشباهه.

 

الأمر الثالث: من المهم جداً الوقوف على هوية الغلاة وانتماءاتهم وموقعهم الفكري والاجتماعي، حيث لم يكونوا سواء في الوعي الديني والنوايا، فعلى صعيد الانتماء القومي كان الغلاة في الغالب من الموالي وغلمان الفرس وغيرهم من المعتقين والمحررين الذين كانوا لا يزالون يحملون معتقدات أممهم أو متأثرين بها، في الوقت الذي كانت معارفهم الدينية الإسلامية محدودة وهو ما يسهل على أصحاب دعوة الغلو استمالتهم خصوصاً مع ما كانوا يرونه من الفضائل والكرامات لأهل البيت (عليهم السلام). وهؤلاء بالتالي من الناس السذج والبسطاء وكانوا كثر في المدينة (2).

فقد جاء في الروية أن الإمام الصادق (عليه السلام) واجه بعضهم وعاد مغضباً فسأل عن السبب فقال (عليهم السلام): إني خرجت آنفاً في حاجة فتعرض لي بعض سودان المدينة، فهتف بي: لبيك يا جعفر بن محمد لبيك، فرجعت عودي على بدئي إلى منزلي خائفاً ذعراً مما هتف به، ولو أن عيسى بن مريم عدا ما قال الله فيه إذاً لصم صماً لا يسمع بعده أبداً، وعمي عمىً لا يبصر بعده أبداً، وخرس خرساً لا يتكلم بعده أبداً.. ثم قال: لعن الله أبا الخطاب وقتله بالحديد (3).

ولعل غضب الإمام (عليه السلام) لكون أولئك السودان من أتباع الملعون أبو الخطاب محمد بن أبي زينب، وكانت الخطابية تصلي وتصوم وتحج لجعفر الصادق (عليه السلام) ويقولون: لبيك يا جعفر لبيك فاستشعر الإمام (عليه السلام) الغلو لموافقة قولهم الخطابية.

إن ضعف الوعي الديني والجهل بالأصول العقائدية الصحيحة بطبيعة الحال سبب أساسي عند هؤلاء في تصديق هذه الدعاوى والانسياق وراءها وهذا ما دفع بالإمام صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أن يكتب في إحدى توقيعاته جواباً لكتاب كتب إليه على يد محمد بن علي بن هلال الكرخي:

«يا محمد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه- إلى أن يقول (عليه السلام)-لعل الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحق وينتهون عما لا يعلمون منتهى أمره ولا يبلغ منتهاه (1)».

وهؤلاء كما هو واضح كان يتلطف بهم أهل البيت (عليهم السلام) ويتمهلون في لعنهم والحكم عليهم لمكان جهلهم والشبهات التي وقعوا فيها، لعلهم يستبصرون. وفي مقابل هؤلاء كان أصحاب وزعماء فرق الغلاة الذين كانوا من الخبثاء والمحتالين من أمثال أبي الخطاب الذين (نسبوا أنفسهم إلى الأئمة (عليهم السلام) لبلوغ مناصب دنيوية وللتأثير في نفوس الناس وجمع الأنصار والمريدين. وفي حين كانوا يغلون في الأئمة كانوا يزعمون أنهم شركاء لهم في الدرجة والمرتبة أو نواب عنهم (2)، وقد كان الموقف منهم مختلفاً كما سيأتي.

 

 

في مواجهة الظاهرة: المعالجة والأساليب

إن أول من تصدى لظاهرة الغلو من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) وبيدٍ مبسوطةٍ لم تتح لغيره من الأئمة.

ويذكر المؤرخون وأصحاب التراجم أن أول من أظهر الغلو رجل يدعى عبد الله بن سبأ وقد اختلف فيه أشد الاختلاف من حيث هويته ومصيره.

ورغم إصرار بعض العلماء والمحققين على أنه شخصيته وهمية من صنع أحد وضّاعي الحديث ويدعى سيف بن عمر المشهور بكذبه، ولكن الروايات من طرقنا عن أهل البيت (عليهم السلام) متعددة ولا تخلو من الاعتبار ولا صلة لها بوضع سيف بن عمر. ففي حين ذكر سعد بن عبد الله بن أبي خلف الأشعري القمي أنه يدعى عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني وكان له معاونان هما عبد الله بن حرس وابن أسود وقد جهر بالطعن على الخلفاء وأن الإمام (عليه السلام) أمره بذلك فأراد قتله فاعترض عليه الناس قائلين: أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعداءك؟ فسيره إلى المدائن.

 حكى أيضاً عن بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً (1).

ونقل ذلك أيضاً ابن أبي الحديد المعتزلي شارح نهج البلاغة (2).

ونقل أبو عمر الكشي في رجاله عن أبي جعفر الباقر(عليهم السلام) قال:

«إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة وكان يزعم أن أمير المؤمنين(عليهم السلام) هو الله –تعالى عن ذلك-فبلغ أمير المؤمنين (عليهم السلام) فدعاه فسأله فأقرّ وقال: نعم أنت هو وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأنا نبي. فقال له أمير المؤمنين (عليهم السلام): ويلك قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا ثكلتك أمك وتُبْ. فأبى فحبسه واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب فأخرجه فأحرقه بالنار (3).

وروي أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام) غلو جماعة أخرى من (الزط) وهم قوم يسكنون العراق قرب البصرة بعدما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من أهل الجمل وكانوا سبعين رجلاً وقد استتابهم فلم يتوبوا فألقاهم في حفر وألهب ناراً في أخرى وخرقها ببعضها فدخل عليهم الدخان فماتوا (4).

وكان حكمه (عليه السلام) في الغلاة من عجيب قضاءه وحاسماً في مواجهتهم.

 

 

الموقف المعلن

لقد كان الموقف المعلن من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من الغلو والغلاة على نحوين أساسيين:

النحو الأول: موقف إعلامي ضاغط على هؤلاء الغلاة للرد على دعاياتهم وتضلليهم للناس المحبين لأهل البيت(عليهم السلام) ولقطع الطريق على استغلال السلطة، وقد تمثل هذا الموقف في البراءة من الغلاة ولعنهم والدعاء عليهم.

فعن أبي حمزة الثمالي قال: «قال علي ابن الحسين(عليه السلام): لعن الله من كذب علينا، إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً ما له لعنه الله، كان عليٌ (عليه السلام) والله عبداً لله صالحاً، أخو رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكرامة من الله إلا بطاعته لله (5).

وعن مرازم قال: قال أبي عبد الله (عليه السلام): «أتعرف مبشر بشر، بتوهم الإسم، قال: الشعيري، فقلت: بشار، قال: بشار، فقلت: نعم جار لي، قال: إن اليهود قالوا وحدّوا الله، وإن النصارى قالوا وحدّوا الله، وإن بشاراً قال قولاً عظيماً إذا قدمت الكوفة فأته وقل له: يقول لك جعفر: يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا بريء منك (1).

واستخدم الأئمة (عليهم السلام) في سبيل ذلك أيضاً الدعاء بما يحمله من معانٍ روحية وتربوية، فقد جاء في أحد أدعية الإمام الرضا(عليه السلام): اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضراً ولا حياةً ولا موتاً ولا نشوراً. اللهم ومن زعم أنا أرباب فنحن منه براء ومن زعم أن ألينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى ابن مريم (عليه السلام) من النصارى. اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما يدعون ولا تدع على الأرض منهم دياراً، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً (2).

وكان مما خرج عن صاحب الزمان (صلوات الله عليه) رداً على الغلاة على يد محمد بن علي بن هلال الكرخي «وأشهدك وأشهد كل من سمع خطابي هذا إني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول إنا نعلم الغيب ونشاركه في ملكه أو يحلنا محلاً سوى المحل الذي رضيه الله لنا وخلقنا له، ويتصدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي) (3).

 

النحو الثاني: مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى معاقبة الغلاة والسعي إلى إصلاحهم لأن الإصلاح يبقى الهدف الأسمى، مع الإلفات إلى أن هذه الإجراءات تمثل مصدراً تشريعياً هاماً في هذا المجال. وهي بالاستقراء للنصوص كالتالي:

1- الشرح والتوضيح لدفع الشبهات وإظهار الموقف العقائدي الصحيح وهو أمر ضروري في مثل هذه الحال.

ففي احتجاج الإمام الرضا (عليه السلام) عن الغلاة:

«سبحان الله عما يشركون سبحانه عما يقول الكافرون علواً كبيراً! أوليس علياً كان أكلاً في الآكلين وشارباً في الشاربين وناكحاً في الناكحين ومحدثاً في المحدثين؟ وكان مع ذالك مصلياً خاضعاً بين يدي الله ذليلاً وإليه أواهاً منيباً، أفمن هذه صفته يكون إلهاً؟ فإن كان هذا إلهاً فليس منكم أحدٌ إلا هو إله لمشاركته في هذه الصفات الدالات على حدث كل موصوف بها...إلى أن قال(عليه السلام)-: لما ظهر منه الفقر والفاقة دل على أن من هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء المحتاجون لا تكون المعجزات فعله، فعلم لهذا أن الذي أظهره من المعجزات إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين لا فعل المحدث المشارك للضعفاء في صفات الصفة» (1). وقد اشتمل النص على الجواب  النقضي والحلي معاً.

2- دعوة الغلاة إلى التوبة واستمهالهم مرات متعددة كما فعل على أمير المؤمنين (عليه السلام) مع جماعة من الغلاة، فإنه بعد ما بين لهم أنه عبد الله تعالى قال: «فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا فطردهم، فلما كان من الغد غدواً عليه فجاء قنبر فقال: والله رجعوا يقولون ذاك الكلام. قال: أدخلهم علي: فقالوا له مثل ما قالوا، وقال لهم مثل ما قال وقال لهم: إنكم ضالون مفتونون، فأبوا. فلما أن كان اليوم الثالث أتوه فقالوا له مثل ذلك القول فقال: والله لئن قلتم ذلك لأقتلنكم أخبث قتلة فأبوا إلا أن يموتوا على قولهم فخدَّ لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر وأوقد منه ناراً وقال إني طارحكم فيها أو ترجعون، فأبوا فقذف بهم فيها) (2).

3- فضح عيوب الغلاة والتشهير بانحرافاتهم الأخلاقية من استباحة المحارم وتحسين المعصية ليعرف الناس حقيقتهم المنافية للدين.

وقد مرّ قول النبي (صلى الله عليه وآله) للرجل المغالي الذي قال له السلام عليك يا ربي: (ما لك لعنك الله، ربي وربك الله، أما والله لكنت ما علمتك لجباناً في الحرب لئيماً في السلم (3).

4- النهي عن مخالطة الغلاة والتضييق عليهم كوسيلة لثنيهم عن غلوهم.

عن المفضل بن يزيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) وذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة فقال لي: يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تواكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا تؤاثروهم (4).

هذه أحكام تندرج في باب النهي عن المنكر من جهة، ومن جهة أحكام الغلاة من حيث نجاستهم لكفرهم إذا لم يتوبوا من جهة أخرى.

وعن سهل بن زياد الآدمي أن بعض الأصحاب كتب إلى أبي الحسن العسكري (عليه السلام) حول المغالي علي بن حسكة وأمثاله ممن ادعى الربانية والنبوة وغلا في الإمام(عليه السلام) فكتب(عليه السلام):كذبوا ابن حسكة عليه لعنة الله..إلى أن قال: فاهجروهم لعنهم الله والجؤوهم إلى ضيق الطريق..) (5).

5- فضح الأغراض الخاصة للغلاة، إذ أنهم كانوا يطمعون في مكاسب دنيوية استغلالاً لتعلق الناس بأهل البيت(عليه السلام) ولجلب الأنظار إليهم.

و يروي سعد القمي عن العبيدي يقول أن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كتب إليه ابتداءً: (إني أبرأ إلى الله من الفهري والحسن بن محمد بابا القمي فأبرأ منهما، فإني محذرك وجميع موالي وإني ألعنهما، عليهما لعنة الله مستأكلين يأكلان بنا الناس، فتانين مؤذيين آذاهما الله وأركسهما في الفتنة ركساً. يزعم ابن بابا أني بعثته نبياً وأنه باب عليه لعنة الله سخر منه الشيطان فأغواه (1).

6- منع الغلاة عن التأثير بالشباب خصوصاً.

فعن فضيل بن يسار قال: قال الإمام الصادق (عليه السلام):«احذروا على شبابكم الغلاة، لا يفسدوهم فإن الغلاة شر خلق الله، يصغرون عظمة الله ويدَّعون الربوبية لعباد الله (2).

7- إقامة الحد على الغلاة وهو القتل لكفرهم عند التمكن من ذلك.

وفي رواية سهل بن زياد الآدمي المتقدمة عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام): فإن وجدت في أحدٍ منهم خلوة فاشدخ رأسه بالصخر (3)، مضافاً إلى ما مرَّ من فعل أمير المؤمنين(عليه السلام) بالغلاة،

8- أخيراً، كان الأئمة(عليه السلام) يدركون أن التعامل مع ظاهرة الغلو من قبل شيعتهم وتشخيص وتمييز الغلو بالمصطلح الشرعي – وهو العنوان الذي تترتب عليه أحكام الكفر- من الغلو العرفي الذي يطلق عادة في أوساطهم على ما يكون فيه حماسة غير معهودة من قبل البعض تجاه المقامات المعنوية والفضائل والمناقب لأهل البيت(عليه السلام)، سواء من دون دليل أو عن دليل غير مقتنع بنظرهم، يحتاج إلى قاعدة وأصل يلجأون إليه، وإلا لزمت مفاسد كبيرة أيضاً من توجيه تهمة الغلو اعتباطاً.

ومفاد هذه القاعدة هو أن الحد الفاصل بين الغلو والحماسة يتمثل في الحفاظ على عبوديتهم لله تعالى ونفي الربوبية فضلاً عن الألوهية عنهم(عليهم السلام).

 

وهذا المعنى جاء في جملة من الروايات متعددة المصدر:

1- منها ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام:

«إياكم والغلو فينا، قولوا إنا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم» (4).

2- ومنها ما رواه إسماعيل بن عبد العزيز (وقد مرت الإشارة إليه) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): يا إسماعيل ضع لي في المتوضأ ماءً فقمت فوضعت له. قال فدخل. قال: فقلت في نفسي: أنا أقول فيه كذا وكذا ويدخل المتوضأ ويتوضأ.

قال: فلم يلبث أن خرج فقال: يا إسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم، اجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا، قال إسماعيل: وكنت أقول إنه وأقول وأقول (1).

3- ومنهم ما جاء عن أبي محمد العسكري(عليه السلام) أن أبا الحسن الرضا عليه السلام قال: إن من تجاوز بأمير المؤمنين العبودية فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين. وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): لا تتجاوزوا بنا العبودية ثم قولوا فينا ما شئتم ولن تبلغوا وإياكم والغلو كغلو النصارى فإني بريء من الغالين (2).

وهذه القاعدة في الواقع تحل الكثير من المشكلات التي قد تطرح ويدور التساؤل حولها كبعض الكلمات التي وردت في مؤلفات الحكماء والعرفاء وعلى ألسنتهم حول المقامات المعنوية الشامخة لأهل البيت(عليهم السلام) وتأثيرهم في عالم الوجود والإمكان، وأنهم وسائط الفيض وما شابه، إن كل هذه المقامات تبقى ضمن السقف الشرعي الذي حددته القاعدة وهو الحفاظ على عبوديتهم له تعالى فإنهم خلق له جل وعلا، بل ولم يبلغ هؤلاء الحد الأعلى المسموح به (ولن تبلغوا) لأن عقولنا ستبقى قاصرة عن إدراك أسرار الله تعالى المودعة فيهم (عليه السلام)، وبشرط أن يكون هذا القول بمقتضى الحكمة لأهله كي لا يقع عامة الناس في الضلال،  فيعطى كل وعاء ما يطيق ويسع.

 


 

(1) رجال الكشي، ط. مؤسسة أهل البيت(ع)-قم، 4/534.

(2) قطب الدين الراوندي، كتاب النوادر، ص16.

(3) بحار الأنوار ج25، ص379، نقلاً عن الخرائج والجرائح.

(1) بحار الأنوار، ج25، ص279.

(2) أنظر موسوعة الفرق الإسلامية للدكتور محمد جواد مشكور، ط مجمع البحوث الإسلامية-بيروت 1415هـ/1995م، ص49.

(3) الكافي، ج8، ص226، وانظر ما رواه الكشي في رجاله 4/588.

(1) أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، الاحتجاج، نشر المرتضى، رقم 1413هـ، ج2، ص474.

(2) موسوعة الفرق الإسلامية، ص49.

(1) المقالات والفرق، مركز انتشارات علمي وفرهنگي، طهران1360هـ.ش، ص20.

(2) أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي، دار مكتبة الحياة، بيروت 1983، ج2، ص99.

(3) رجال الكشي، ج1، ص323، ومثله الحديث 171 عن الصادق(عليه السلام) والحديث 172 و 174.

(4) رجال الكشي، ج1، ص325، الحديث 175.

(5) رجال الكشي، ج1، ص324.

(1) رجال الكشي، 5/744، وكان بشار الشعيري في العلياوية.

(2) بحار الأنوار، 25/343.

(3) أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، الاحتجاج، ج2، ص474.

(1) الاحتجاج، ج2، ص 439.

(2) ذخائر العقبى لمحب الدين الطبري، ص93.

(3) رجال الكشي، 4/534.  

(4) رجال الكشي، ج4/525.

(5) رجال الكشي، ح6/997.

(1) رجال الكشي، ج6/999.

(2) آمالي الطوسي، ص54.

(3) رجال الكشي، 6/997.

(4) محمد بن بابويه الصدوق، الخصال، 2/36، وانظر بحار الأنوار 25/270.

(1) بحار الأنوار، 25/279.

(2) الاحتجاج، ج2، ص438.

 


** عودة **