|
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد
لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا
محمد وعلى آله الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
وبعد
البحث عن الغلو
في القرآن الكريم يستدعي تتبع الكلمة في استخدامها القرآني لنجدها
في موضعين أولهما من سورة النساء الآية 171 قوله تعالى
وثانيهما من سورة المائدة
الآية 77 قوله تعالى:
وأول النتائج ان القرآن الكريم
قد نقل الكلمة من استخدامها العربي في زيادة وعلوالاسعار والرجال والنبات
الى مجال الدين, لتشكل لأول مرة اصطلاحاً عقائدياً .
وثاني النتائج أنّ ندرة
استخدام هذا المصطلح بمادته اللغوية على أهميته العقائدية لا تساعد في
استكشاف الظاهرة إلاّ بالإنتقال المفهومي إلى مواد لغوية في إنشاء آخر
يتعلق بمضمون هذا المصطلح الظاهر بدءاً في المسيحية بشكل خاص من الآية
الأولى وفي أهل الكتاب بما يشملها مع اليهودية في الآية الثانية بقوله
تعالى
وهوالاتباع الذي بينته الآيتان
30 و31 من سورة التوبة بأنه إتباع غلو وشرك سابق
لهما في أديان لم تحددها
مما يضعنا أمام نتيجة ثالثة
نستفيدها من قوله تعالى{يضاهئون (اليهود والمسيحيين) قول الذين كفروا من
قبل}
وهي تاريخية الظاهرة بمعنى سبق
وجود الغلوعلى اليهودية والنصرانية ومع أن الآية قد أهملت التفصيل وأطلقت
التعبير{يضاهئون قول الذين كفروا من قبل} إلا أن نسبة النبيين الآدميين
عزير والمسيح إلى الله بعلاقة البنوة تضعنا أمام نموذج للغلوالديني ذكره
القرآن الكريم هو الغلو
في الفرعون الذي كان يعتبر سليل الآلهة على آدميته, واعتباره نفسه
كذلك في ما حكى الله عنه في سورة الشعراء الآية 29
وفي سورة الزخرف الآيات 51,
52, 53, 54
الأمر الذي يوضح نموذجاً من
الغلو الديني السابق على اليهودية والمسيحية.
ويساعد في استكمال الدائرة ان
مضمون الافتخار بالذات الفرعونية على ذات موسى عليه السلام يوصل الى بداية
ظاهرة الغلو التاريخية بالفخر الابليسي على آدم واعتبار ذاته النارية خيرا
من ذات آدم بقوله المحكي في القرآن الكريم سورة ص الآية 76 وغيرها
وهكذا نقف بداية عند نقطة
تأسيسية وهي أن القرآن الكريم يعتبر المستند التاريخي الأول للتعرف على
المصطلح بكل أبعاده. وأن القرآن الكريم قد سجل الظاهرة تاريخياً بما يساعد
على تفهمها اجتماعياً وبذلك يقيم لنا البحث التاريخي بعد أربعة نماذج للغلو:
غلو ابليس في نفسه وغلو فرعون وغلو اليهود في العزير وغلو النصارى في
المسيح الأمر الذي يوسع دائرة الغلومن الانس ليشمل الجن.
والمعارف التي ستؤدي اليها
القراءة القرآنية للظاهرة لا مجال لتزييفها تاريخياً, ليس فقط لإعتقادنا
بقطعية صدورالقرآن الكريم عن الله عز وجل بل لأنه وفي غير الغيبيات
المتعلقة بإبليس لم يثبت أن اليهود والنصارى العرب استطاعوا رد ما نقله
عنهم القرآن الكريم من غلوولوكان لبان اولاً وثانياً لأن بعضا ممن ناقش
موضوع التثليث القرآني كالمطران خضر وغيره احتجوا بالتفاسير من جهة وبما
يرونه عقائدياً من جهة أخرى وهما غير الدليل التاريخي المعارض.
أي منهج لبحث
الظاهرة دينياً واجتماعيا ً؟
بعد التسليم بقرآنية مصطلح
الغلولا يمكن الادعاء بوجود تجربة سابقة في محاولة استنباط مسائل تتعلق
بالظاهرة اجتماعياً على ضوء القرآن الكريم وحده, بل إن جلّ المحاولات قد
انحصر في بيان الغلوالديني على مستوى الألوهية من مباحث العقائد وبشكل أدق
في البحث عن الغلوالذي يرتفع بالبشري الى الالهي, والذي أدى عند البعض الى
الغلوبمعناه الجديد وهومطلق تجاوز الحد الى الحط من مرتبة المعصوم نبياً
وإماماً.
وإذا أمكن في بحث الظاهرة
دينياً على هذا المستوى الإكتفاء بالآيات القرآنية التي تستدعي بعضها البعض
على طريقة التفسير الموضوعي فإننا في المستوى الاجتماعي للظاهرة مضطرون
لعكس الاتجاه والمزج بمعنى أنه لا بدّ من الاستفادة من بعض العناوين
الاجتماعية للظاهرة انطلاقاً للبحث عن أسس قرآنية تدعمها وتردها وهوأمر
يشكّل مخاطرة لأنه يحتمل إما سوء الإستخدام بقابلية الانتقائية و (مع حسن
النية) عدم وجود الاستقصاء الكامل والاستقراء وهوما يجب الإلتفات إليه
وأسأل الله أن يجنبنا المزالق فيه.
الظاهرة
دينياً
دراسة الظاهرة دينياً تستدعي
قراءة الآيات الخاصة بالسياق التاريخي بمعنى ما حكته عن الغلاة أنفسهم لا
ما استخدم بعد تمام نزول القرآن بين المسلمين في ايجاد ظاهرة الغلوعندهم
وهو بحث آخر وبتصنيف الآيات القرآنية هذه يمكننا تقسيم البحث الى عناوين:
1-الغلوفي الاعتقاد
2-الغلوفي الدعوة
3-الغلوفي التدين
1- الغلو في
الاعتقاد
أ - الغلوفي الاعتقاد بالذات
الالهية ومن مظاهره المذكورة في القرآن الكريم لجهة الارتفاع اثبات الافعال
البشرية كلها لله ونفيها عن العباد كما في الآية 20 من سورة الزخرف
أو
لجهة الحط
وفي سورة الحج الآية 8
ب - الغلوفي الانبياء
والأولياء علواً بنسبتهم الى الألوهية ببعض مظاهرها كما رأينا في نسبة
العزير والمسيح الى الله لجهة البنوة واتخاذ الأحبار والرهبان آلهة كذلك
وحطاً كما في حكاية القرآن ما في سورة الأنبياء الآية 3
وكما في سورة التوبة الآية 58
والآية 61
ج – الغلوفي الملائكة والجن
والكواكب والأوثان
2- الغلو
في الدعوة
بما يؤدي الى تكفير
الآخرين ومن مظاهره قوله تعالى في سورة البروج الآيات 4 – 8
3
- الغلو في التدين
كما في سورة الحديد
الآية 27
ومن سورة الحج الآية 11
في تفسير "الحرف" أنه التشدد
فتكون عبادته غالية وستنقلب الى الضد في الغلووهوأمر نرجع إليه عند الكلام
على الغلوفي الظاهرة الاجتماعية.
الظاهرة
اجتماعياً
لدراسة الظاهرة اجتماعياً ومن
خلال الوثائق التي تقدمها الآيات القرآنية وجب تتبع مفردة الغلووقرائنها
ولوازمها وما يقابل هذه كلها بما يؤدي الى التعرف على سلسلة من المظاهر
السلوكية للغلاة فمما يقارن الغلوفي المفردات القرآنية: الطغيان
والاستكبار ومما يلازم الغلوالإعراض والإستنكاف والعمى والصمم وضيق الصدر
وغير ذلك..
ومع ضيق الوقت على أهمية
الاستقصاء أمكن ومن خلال بعض الآيات واستناداً إلى الأبحاث الاجتماعية كما
ذكرت في المقدمة الوقوف على نماذج من سلوك الغلاة فكرياً وفردياً واجتماعياً.
ومن ذلك:
1- سلوك
الغلاة فكرياً
يعتمد الغالي في تحليله الفكري
على الشبهات وعلى القياس غير المنتج والخاطيء وسيد هذا السلوك ابليس في
قياسه المشهور ( أنا خير منه.. ) كما مر معنا ومنه استدلال فرعون بملكه مصر
والنيل وما الى ذلك.
وهوبعد ذلك متشدد في ادعاء
صحة ما يرى وانكار ما لدى الآخرين كما في سورة غافر الآية 37
بل انه غير مستعد للنظر في
دعوى الآخرين وطلبهم الحق كما في قوله تعالى في سورة البقرة الآية 206
2
- سلوك الغلاة فردياً وشخصياً
يختلف بإختلاف الأفراد فمرة
تجده مستكبراً ومرة مستضعفاً لكنه في كليهما عنيد ومتطرف ومنكب عن الصراط
المستقيم والسبيل السوي وهوما ذكره عنه القرآن الكريم في سورة الملك:
والاستكبار والإستضعاف كصفة
شخصية ينشأ من اعتقاد سلامة التفكير وخطأ الآخرين وتالياً من لزوم حمل
الآخرين عل عقيدته والعكس باعتقاد العجز وتالياً بالخضوع للمستكبر
وهوما ذكره القرآن الكريم عن
حوار الطرفين في سورة سبأ الآية 31 و32 و33
وباعتبار الاسلام هوالصراط
المستقيم والتنكب عنه غلونجد للغالي أيضاً صفة ضيق الصدر قال تعالى في سورة
الانعام الآية 125
والغلاة صم عمي لا بمعنى عدم
الملكة بل باعتبار رفضهم ليس الاذعان للحق بل كراهيتهم لسماعه ورؤيته :
الاسراء 72
وكما في سورة البقرة الآية 18
سلوك الغلاة
اجتماعياً
العنف مع المخالفين كما في قصة
أصحاب الأخدود, والسعي في فساد المجتمعات الأخرى بإلقاء الفتن واشاعة
البلابل كلما كان المجتمع السوي مستقراً ومن ذلك قوله تعالى في سورة
المائدة 64:
وإن لهذه الدراسة مجالاً في
تفصيلها وتأصيلها بالتتبع والاستقصاء كما أشرت سابقاً وبإلحاقها كذلك بصورة
الأمة المقتصدة على ضوء القرآن الكريم وهوأمر يخرج بنا وقتاً وعنواناً عن
تقديمه.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
الشيخ علي حسن
خازم
17-10-2003 |