العصمة


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الشيخ مالك وهبي

 

تعريف العصمة

روى الشيخ الصدوق بإسناده إلى الإمام موسى بن جعفر عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين (عليهم السلام ) قال: «الإمام منا لا يكون إلا معصوماً . . فقيل له يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم؟ فقال: «هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة. والإمام يهدي إلى القرآن ، والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول الله عز وجل:« إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم (1)» (2).

وأيضا بإسناده إلى هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن ذلك (أي معنى أن الإمام لا يكون إلا معصوما). فقال:«المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله ، وقد قال الله تبارك وتعالى:« ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (3)» (4).

العصمة لغة: المنع، والاعتصام بالشيء ما يمتنع به الشخص عن الوقوع فيما يكره. ويبدو أنهم متفقون على هذا المعنى اللغوي، قالوا: ومنه اعتصم فلان بالجبل إذا امتنع به، ومنه سميت العصم وهي وعول الجبال للامتناع بها، ومنه قوله تعالى:«والله يعصمك من الناس» (5) وقوله تعالى:«لا عاصم اليوم من أمر الله» (6)، وقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» (7).

 

العصمة كمصطلح: أما في الاصطلاح، وهو موضوع بحثنا ، فلهم طريقتان في تعريفها:

الطريقة الأولى: أن نعرفها بآثارها، ونذكر مواردها، ويكون محل البحث حينئذ عنها، واختلاف الأقوال فيها متعلقا بتحديد الآثار والموارد، فهي عند بعضهم تعني، على هذه الطريقة، عدم الوقوع في المعصية كبيرة كانت أو صغيرة، وعدم الوقوع في الخطأ مطلقا سواء في التبليغ أو في الحكم أو في التطبيقات الخارجية أو في الموضوعات الحياتية العادية، وعدم الوقوع في السهو أيضا. وهي عند آخرين أقل من ذلك، وهؤلاء يختلفون في تحديد مرتبتها بحسب ما يحذفون من تلك الآثار، وسيأتي تفصيل ذلك.

 

الطريقة الثانية: أن نعرفها على حقيقتها لنتعرف على منشأ تلك الآثار، وقد اختلفوا في تعبيرهم عنها، والمشهور تعبيران:

التعبير الأول: أنها عصمة من الله، وهي التوفيق الذي يسلم به الإنسان مما يكره إذا أتى بالطاعة، وذلك مثل إعطائنا رجلاً غريقاً حبلاً ليتشبث به فيسلم، فهو إذا أمسكه واعتصم به سمي ذلك الشيء عصمة له لما تشبث وسلم به من الغرق، ولو لم يعتصم به لم يسمَ عصمة، وكذلك سبيل اللطف إن الإنسان إذا أطاع سمي توفيقاً وعصمة، وان لم يطع لم يسم توفيقاً ولا عصمة. وهو قول الشيخ المفيد (1) الذي نفى وجود خلاف في هذا التحديد، وذكر إن الخلاف إنما هو في حكمها كيف تجب، وعلى أي وجه تقع. وعلى هذا التعريف تكون العصمة متقومة بعطاء من الله تعالى وحسن استفادة من العبد المعطى، تكشف عن قابلية واستعداد عالٍ، بهما يتقبل ما ينال ويحفظه، إلا أن التركيز في هذا التعبير، وما يشبهه، جهة اللطف الإلهي.

ونسب العلامة الحلي إلى أصحابنا تعريف العصمة بأنها لطف يفعله الله تعالى بالمكلف، بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية (2)، مما يوحي بأن هذا التعريف الاصطلاحي هو ما اتفقت عليه كلمة الأصحاب.

التعبير الثاني: أنها ملكة نفسانية يمتنع معها عادة صاحبها عن الوقوع في الذنب أو الخطأ أو السهو. وهو ظاهر الملا هادي السبزواري صاحب المنظومة في شرح الأسماء الحسنى إذ عرفها بأنها:«كيفية روحانية يمتنع بها صدور الخطأ عن صاحبها ، لعلمه بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات ، فلا ينافي إمكانه الذاتي . .» (3)، وعنه في أسرار الحكم: إن العصمة «خلق يمنع صاحبه عن الخطأ من جهة علمه بمثالب المعاصي ولذا يتركها، وعلمه بمناقب الطاعات ولذا يفعله. وتلك الهيئة النورية العلمية تؤكد وترسخ رسوخا في الأنبياء والأولياء بتتابع الوحي والإلهام».

 

وهذه التعابير ركزت على جهة في العبد.

ويمكن عموما ارجاع كلا القولين الى قول واحد، بأن الذي يفعله الله بالعبد هو تقديم الفرصة لتلك الملكة كي تخرج الى الفعل، وإفساح المجال امام ظهور هذه الملكة وتجليها في ساحة الواقع، ليظهر فضل صاحبها وعظمته، وليس كل من يملك ملكة وينال فرصة اظهارها يفعل ذلك، وهذا مشهود في كثير من الملكات.

وإنما قلنا يمكن عموما لان بعض الباحثين في علم الكلام يصرح بأنه لا يشترط الاستعداد، وهو من الأشاعرة مثل القاضي عضد الدين في المواقف حيث نفى صراحة شرط الاستعداد مستدلا على ذلك بأن الله«يختص برحمته من يشاء» (1) من عباده، وأنه تعالى «اعلم حيث يجعل رسالته» (2)، ويبدو أن هذا هو المشهور بين الأشاعرة. وقد نسب شارح المواقف المير شريف شرط الاستعداد إلى الحكماء (3)، وقد أصاب المير شريف عندما ذكر أن في دلالة الآيتين على مطلوب صاحب المواقف نوع خفاء. وهذا منه تواضع في أسلوب الرد وإلا فالحق أن يقول لا دلالة على مطلوبة على الإطلاق، لأن تخصيص الله لرحمته بمن يشاء وعلمه حيث يجعل رسالته لا يتنافى مع كون موضعها ذا استعداد لتلقيها.

ورغم رجوع كل من القولين إلى الآخر، فإن الأنسب اختيار الصيغة الثانية، لأن الأولى توحي بأن المسألة ليست مسألة قابلية العبد لهذه الموهبة، وتشعر بأن المسألة مسألة اختيار الله تعالى دون أي حكمة في البين، بحيث كان يمكن أن تثبت تلك الصفة لأي شخص، وهو ما سنبين عدمه، فلا بد أن يكون في المعصوم مؤهلات معينة تسمح بنيل تلك الموهبة وثبوت تلك الملكة. ومن هنا جرى بحث عما إذا كانت العصمة تفضل من الله تعالى أم أنها استحقاق؟ رغم أن عنوان البحث هذا غير دقيق، وسنشير إليه بعد قليل.

فالعصمة تعبر عن مقام شامخ لدى المعصوم فيه الحب الإلهي الذي يصرفه عن أي فعل ينافيه، وفيه العلم الشامخ الذي يعينه على عدم الخطأ والذنب وفيه التحفظ الدائم عن أي سهو أو نسيان. وبسبب اكتمال كل العناصر المطلوبة لعدم ارتكاب المعصية، وعدم الوقوع في الخطأ، وعدم السهو، يقال: يمتنع صدور كل ذلك عن المعصوم، مع أن بعض هذه العناصر هو عنصر الاختيار، فهو امتناع بالقياس، لا امتناع بالذات، فهو قادر على أن يخالف ويقع منه شيء من ذلك، إلا أنه لا يفعل، كما لن يفعل أي شخص تتوفر له كل هذه العناصر بما فيها قوة الإرادة وحسن الاختيار. وللأسف فإن بعضنا قد يضيع عدالة بسبب سوء اختياره، بعد أن نال اللطف وتوفرت كل العناصر ما عدا إرادته وتساهله وتغافله عما يعلم.

 

 

هل العصمة تفضل أم استحقاق؟

وهذا السؤال بهذه الطريقة، طرحه علماء أجلاء، بنحو لا يخلو من تشويش، لأنه أن كان المقصود بالتفضل أنه لا مؤهلات في العبد تشكل موضوعا للعناية الإلهية فهو بالتأكيد فاسد، وان قاله بعض الأشاعرة كما أسلفنا، حتى أن الشيخ المفيد الذي أنكر كون العصمة من قبيل الاستحقاق يعترف ضمنا باشتراط المؤهلات، قال:«والعصمة تفضل من الله تعالى على من علم أنه يتمسك بعصمته، والاعتصام فعل المعتصم» (4)، فإن علمه تعالى بان المتفضل عليه يتمسك بالعصمة لا يكون إلا بافتراض مؤهلات فيه. لكنه في بعض كلامه يظهر منه عدم اعتبار ذلك حيث نراه يقول عن النبوة أهي تفضل أو استحقاق:«عمدة من خالف في هذه المسألة هم الفلاسفة ومن انتمى إليهم من متفلسفة الإسلام ..» (1)، وساق الكلام الذي تقدم ونقلناه عن الفلاسفة وذكر الخواص، فيظهر منه إنكاره لذلك.

والبحث عن العصمة هل هي تفضل أم استحقاق، يجرنا إلى بحث آخر وهو:لماذا لم يعصم الله تعالى جميع المكلفين؟ وهو سؤال تنبه إليه الشيخ المفيد فقال في تصحيح الاعتقاد:«هي (العصمة) الشيء الذي يعلم الله تعالى انه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصيته له، وليس كل الخلق يعلم هذا من حاله بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والأخيار، قال الله تعالى: «إن الذين سبقت لهم منا الحسنى» (2)، وقال:«ولقد اخترناهم على علم على العالمين» (3)، وقال:«وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (4)»، (5). وهو أيضا قول بالمؤهلات .

لا بد أن يكون قد ظهر من الكلام الذي قدمناه في تعريف العصمة انه بناء على اشتراط المؤهلات في العبد المعصوم ليتصف بهذه الموهبة الإلهية يكون التمييز بين البشر واضحا، إذ تكون المسألة تابعة لمقدار توفر تلك المؤهلات، فكلما سمت مرتبة المكلف فيها كلما اقترب من العصمة، وكلما ضعفت مرتبته كلما ابتعد عن العصمة.

ومن هنا يمكننا القول أن العصمة قد لا تنحصر بالأنبياء والأئمة(ع)، وربما امتلكها بعض البشر من غيرهم، حتى وان قلنا بأنها لا بد أن تثبت في كل مراحل عمر الإنسان وفي كل حالاته، فضلا عن إمكانية بلوغ تلك الصفة في مرحلة معينة من حياته، إذ ليس في العقل ما يبعد احتمال أن تتوفر تلك الصفة في أناس لم يكونوا أنبياء ولا أئمة، ولا دليل على أن كل معصوم يجب أن يكون إماما أو نبيا مرسلا إلا أن اختيار النبي والرسول عندما يوجد أكثر من فرد معصوم يكون للأفضل. وربما كان في كلام المرتضى الذي تقدم نقله ما يشير إلى هذه الحقيقة.

 

 

كيف تَمَيَّزَ بعض بني الإنسان بهذه المؤهلات؟

ويتفرع على ما سبق سؤال أن كيف تميز بعض بني الإنسان بهذه المؤهلات، ولماذا لم تتوفر لغيرهم مثل هذه الفرصة؟ وهذا سؤال دقيق يمكننا تقديم جواب إجمالي عنه دون أن نعني أن الجواب كاف شاف، إلا أنه أكثر تفصيلا من جواب أجمالي آخر يعتمد على أن الله تعالى حكيم وعادل، وهذا الجواب في حد نفسه كاف للمؤمنين.

 

وهذا الجواب الإجمالي الأكثر تفصيلاً، يتضح بالتالي:

أولاً: هناك عوامل متعددة تتدخل في تحقق تلك الملكة:

منها: ما له علاقة بالنسب، فإن خصال الوالدين والأجداد تؤثر في الولد، وفي انطباع صفات فيه بحسب الطبع، واختلاف العالمين بهذه الخصوصية واضح بالعيان ، فرب شخص يولد وفيه استعداد للشجاعة أكثر من آخر أو استعداد للكرم أكثر من غيره، فيولد وطبعه مجبول على هذه الصفات، ولتكن منها العصمة.

ومنها: العامل التربوي، فإن احتضان الوالدين للولد وتربيتهما له ذو دور مهم في ذلك إذا كان المربي يملك الأسلوب الصحيح التام في التربية، ولعل هذا أحد أسرار تفرد رسول الله(ص) بتربية أمير المؤمنين(ع) من حين طفولته.

ومنها: جهاد النفس، فإن وجود المؤهلات للعصمة لا يكفي لكي تصير أمراً فعليا ثابتاً راسخاً ما لم تكن هناك متابعة من الشخص نفسه ومجاهدة للنفس وترويض لها لتصبح طيعة أكثر، وبالتعود تصير صفة العصمة أمراً راسخاً محفوظاً، وأكثر أحكاماً. من الواضح أننا لا نعني من جهاد النفس هنا مرتبته البسيطة التي يشتغل بها المؤمنون عامة، بل مرتبة عالية تناسب مقام العصمة.

ومنها: العناية الربانية والعون الإلهي، فإنه مفتوح لكل مستحق، بمقدار ما يستحق، فكل من يتقدم من الله تعالى خطوة يفتح الله له تعالى أبوابا إليه لا يعرفها إلا صاحب تلك الخطوة. ومنه الوحي والإلهام والتفهيم وكشف الغطاء.

 

ثانيا: قد اشرنا فيما سبق إلى أن العصمة لا دليل على اختصاصها بالأنبياء والأئمة(ع)، فرب شخص توفر له شرط النسب لكن لم يتوفر له شرط التربية. ورب شخص توفر له شرطا النسب والتربية لكنه لم يجاهد نفسه بما يكفي ليحفظ تلك الصفة، والجهاد لحفظ الصفة اشق على المرء من تحصيل مبدئها، لكن كل من توفر له شرط النسب والتربية والجهاد فهو لا شك سينال العون الإلهي، ولن يكون هذا مختصا بالأنبياء والأئمة(ع) وإن كانت تختلف مرتبة العون الإلهي باختلاف سمو المرء في جهاد النفس، وفي طي مراتب الكمال سعياً نحو الله تعالى.

 

 

هل العصمة توجب سلب الاختيار؟

من التعريفات المتقدمة المشهورة تبين ان العصمة لا توجب سلب الاختيار ، وان عدم اقدام النبي والمعصوم على ما يخالف العصمة ليس من باب عدم وجود القدرة على المخالفة او عدم المقتضي، بل لوجود المانع هو نفس المعصوم السامية التي تأبى باختيارها لعلو مقامها الاقدام على ما من شأنه المنافاة مع العصمة، بل هم يراقبون انفسهم فيما هو أسمى من ذلك كما في المباحات والمكروهات والمستحبات فضلا عن الواجبات والمحرمات، ويعتبرون انفسهم مقصرين دائما، ويرونها مذنبة في مورد قد يكون احسانا قياسا الى نفوس غيرهم.

وظاهر جماعة من الأشاعرة تعريفها بما يؤدي الى عدم وجود القدرة على المخالفة، كتعريف بعضهم لها بأنها: «القدرة على فعل الواجبات وترك المحرمات وعدم القدرة على ترك الواجبات وفعل المحرمات». وهذا التعريف غريب لأن القدرة على الشيء لا تكون الا بالقدرة على طرفيه فعلا وتركا ، ومن لا يقدر على الفعل فهو مضطر الى الترك من دون اختيار.

ان الاختيار أحد المقومات الرئيسية للعصمة، ولأجل هذا يصير فضل المعصوم على العالمين واضحا للعيان، خاصة وان مسؤولية حفظ العصمة كما أشرنا سابقا من اشق المهمات. ولو لم يكن قادرا على المخالفة لما استحق المدح على ترك المعصية ولا الثواب، ولم يكن أهلا لمدح أو تبجيل. ولأنهم يملكون كل الاختيار، كانت النواهي والارشادات المتكررة لا تنقطع عن الأنبياء(ع)، وهو ما ستأتي شواهده في البابين التاليين.

 

قال العلامة الطباطبائي:«إن هذا العلم اعني ملكة العصمة لا يغير الطبيعة الانسانية المختارة في افعالها الارادية، ولا يخرجها الى ساحة الاجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادئ الاختيار. ومجرد قوة العلم لا يوجب الا قوة الارادة، كطالب السلامة اذا ايقن بكون مائع ما سمّاً قاتلا من حينه فانه يمتنع باختياره عن شربه قطعا ، وانما يضطر الفاعل ويجبر اذا اخرج من يجبره احد طرفي الفعل والترك من الامكان الى الامتناع. ويشهد على ذلك قوله تعالى:«واجتبيناهم وهديناهم الى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون» (1)، وتفيد الآية انهم في امكانهم ان يشركوا بالله وان كان الاجتباء والهدى الالهي مانعا من ذلك، وقوله:«يا ايها النبي بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته» (2)، الى غير ذلك من الآيات. فالانسان المعصوم انما ينصرف عن المعصية بنفسه وعن اختياره وارادته، ونسبة الصرف الى عصمته تعالى كنسبة انصراف غير المعصوم عن المعصية الى توفيق الله تعالى، ولا ينافي ذلك ايضا ما يشير اليه كلامه تعالى، وتصرح به الاخبار ان ذلك من الانيباء والائمة بتسديد من روح القدس، فان النسبة الى روح القدس كنسبة تسديد المؤمن الى روح الايمان ونسبة الضلال والغواية الى الشيطان وتسويله فإن شيئا من ذلك لا يخرج الفعل عن كونه فعلا صادرا عن فاعله مستندا الى اختياره وارادته (3).

 

 

الأقوال في العصمة

قال العلامة المجلسي في البحار: «اعلم ان الاختلاف الواقع في هذا الباب (عصمة الأنبياء) يرجع الى اقسام أربعة:

أحدها ما يقع في العقائد. وثانيها ما يقع في التبليغ. وثالثها ما يقع في الاحكام والفتيا. ورابعها في افعالهم وسيرهم(ع).

وأما الكفر والضلال فقد اجمعت الأمة على عصمتهم منها قبل النبوة وبعدها، غير ان الأزارقة من الخوارج جوزوا عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر، فلزمهم تجويز الكفر عليهم، بل يحكى انهم قالوا: يجوز ان يبعث الله نبيا علم انه يكفر بعد نبوته.

وأما النوع الثاني، وهو ما يتعلق بالتبليغ فقد اتفقت الامة بل جميع ارباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ عمدا وسهوا الا القاضي أبو بكر، فإنه جوز ما كان من ذلك على سبيل النسيان وفلتات اللسان.

وأما النوع الثالث، وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه عمداً وسهواً إلا شرذمة قليلة من العامة.

 

وأما النوع الرابع، وهو الذي يقع في أفعالهم، فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال:

الأول: مذهب اصحابنا الامامية، وهو أنه لا يصدر عنهم الذنب لا صغيرة ولا كبيرة، ولا عمداً ولا نسياناً، ولا لخطأ في التأويل، ولا للإسهاء من الله سبحانه، ولم يخالف فيه إلا الصدوق وشيخه محمد بن الحسن بن الوليد(ره)،  فإنهما جوزا الإسهاء لا السهو الذي يكون من الشيطان، وكذا القول في الأئمة الطاهرين(ع).

الثاني: أنه لا يجوز عليهم الكبائر ويجوز عليهم الصغائر الا الصغائر الخسيسة المنفرة كسرقة حبة او لقمة، وكل ما ينسب فاعله الى الدناءة والضعة، وهذا قول اكثر المعتزلة.

الثالث: أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو، وهو قول ابي علي الجبائي.

الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ لكنهم مأخوذون، وهو قول النظام ومن تبعه .. (سيأتي نقل ذلك عن شرح النهج).

الخامس: إنه يجوز عليهم الكبائر والصغائر عمداً وسهواً وخطأً، وهو قول الحشوية، وكثير من أصحاب الحديث من العامة.

 

ثم أختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة اقوال:

الأول: أنه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله سبحانه، وهو مذهب أصحابنا الإمامية.

الثاني: أنه من حين بلوغهم ولا يجوز عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوة، وهو مذهب كثير من المعتزلة.

الثالث: أنه وقت النبوة، وأما قبله فيجوز صدور المعصية عنهم، وهو قول أكثر الأشاعرة، ومنهم الفخر الرازي، وبه قال أبو هذيل، وأبو علي الجبائي من المعتزلة (1).

 

والحمد لله رب العالمين

 


(1) سورة الاسراء الآية 9 .

(2) معاني الاخبار ص 132

(3) سورة آل عمران الآية 101 .

(4) معاني الاخبار ص 132

(5) سورة المائدة الآية 67 .

(6) سورة هود الآية 43 .

(7) سورة آل عمران الآية 103 .

(1) اوائل المقالات ص 135 .

(2) شرح تجريد الاعتقاد للعلامة الحلي ص 391 ، تحقيق الزنجاني .

(3) شرح الاسماء الحسني ج 2 ص 36 .

(1) سورة البقرة الآية 105 ، وسورة آل عمران الآية 74 .

(2) سورة الانعام الآية 124 .

(3) شرح المواقف للقاضي الجرجاني الموقف السادس في السمعيات ، تحقيق المير شريف ، ص 218 .

(4) تصحيح الاعتقاد ص 128 .

(1) اوائل المقالات ص 168 .

(2) سورة الانبياء الآية 101 .

(3) سورة الدخان الآية 32 .

(4) سورة ص الآية 47 .

(5) تصحيح الاعتقاد ص 128 .

(1) سورة الأنعام الآية 88.

(2) سورة المائدة الآية 67 .

(3) تفسير الميزان ج 11 ص 163.

(1) بحار الانوار ج 11 ص 89.

 


** عودة **