|
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة
مقدم الندوة: الشيخ سامر عجمي:
مسؤول الأنشطة الثقافية في مركز الإمام الخميني الثقافي.
ذكرت المؤلفة الأميركية غريس
هالسل في كتابها «النبوءة والسياسة»، والذي قام بترجمته إلى العربية عام
1989 الدكتور محمد السماك، أن سيدة بروتستانتية اشترت منزلاً في العاصمة
الأميركية واشنطن، بمبلغ وقدره نصف مليون دولار، واختارت له أن يكون
مقابلاً للسفارة الإسرائيلية، وكان يتوجه العديد من الإنجيليين إلى هذا
المنزل، وبعضهم من ذوي المناصب الرفيعة في الحكومة الأميركية للصلاة من أجل
إسرائيل على مدار الساعة. وهم في صلواتهم يتوجهون بأبصارهم ناحية السفارة
الإسرائيلية على الرصيف المقابل من الشارع، ويدعون الرب لأن يحفظ إسرائيل
وينصرها، وأن يقرّب اليوم الذي يختفي فيه كل أثر للفلسطينيين فوق «أرض
الميعاد».
وأضافت المؤلفة، أنها حين
راجعت أسماء المسؤولين الأميركيين في سجل زيارات المنزل، فوجئت بأن الرئيس
رونالد ريغان كان على رأسهم.
يثير هذا النص في أذهاننا «لماذات»
متعددة من كونه هل يمثل مجرد أسطورة من نسيج خيال الكاتبة استوحتها من معطى
الوهم، وحاكتها من تصورات مفارقة للحقيقة؟أم أنه يشكل رقماً واقعياً يكشف
عن حقيقة قائمة داخل المجتمع الأميركي؟
لا أحد بات يشك أن العدوان
الأميركي على العراق ينطوي على أبعاد «ذرائعية- براجماتية» محكومة للسقف
الاقتصادي - السياسي، من إحكام السيطرة على منابع النفط والغاز، وتصريف
مخزون الصنائع العسكرية وتجارة السلاح، وليس إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط
(مغايرة لما استقرت عليه وفق اتفاقية سايكس - بيكو فقط) بل إعادة بناء
العالم وتشكيله وفق الصورة النمطية التي خططت لها الإدارة الأميركية ...وإلخ
من اللائحة التي لا تكاد تنتهي من الأهداف.
كل هذا مغلف بقناع كشف زيفه،
وهو نشر قيم الحرية والديمقراطية، وخلاصية الشعب العراقي الذي يرزح تحت نير
حكم صدام حسين، وجعل الشعوب تمسك بحقها في تقرير المصير، ومكافحة الإرهاب
الدولي و ... وما هذه إلا عناوين تخبئ خلفها أنياب وحشٍ فاغرٍ فاه.
إلا أن السؤال الذي ما زال
قائماً، وموضع جدل بين المثقفين
(1)،
هو عن دخالة عنصر الدين وفاعلية البعد الديني في صبغ لون تفكير الإدارة
الأميركية، مما ينعكس على رسم السياسات تجاه القضايا الداخلية والخارجية،
خصوصاً فيما يتعلق بجذور الصراع في الشرق الأوسط، بل يذهب البعض أمثال
ريكاردي إلى كون المرحلة الراهنة تشهد توتراً على المستوى الأوروبي -
الأميركي بسبب جذور رؤيوية دينية .
وينطلق البحث في الجواب عن هذا
السؤال من جذور تضرب في عمق التاريخ الأوروبي مع حركة مارتن لوثر، التي
انبثق منها المذهب البروتستانتي، ومع نشاط المهاجرين الأوائل من انكلترا
وأوروبا إلى القارة الأميركية، والذي كان معظمهم ينتمي إلى البروتستانتية
وبالأخص البيوريتانيين – أي الطهريين - والذين شكلوا جزءً من النسيج
المجتمعي لأمريكا «الولايات المتحدة».
وترويكا الإدارة الأميركية
الحالية التي تتكون من المحافظين الجدد
(2)
أمثال ﭘﻮل و ولفيتز وريتشارد بيرل ودغولاس فيث، وتيار التمامية
البروتستانتية القادم من الولايات الجنوبية والتي منها يتفرع ما يسمى
بـ«الحزام التوراتي»، وهو تيار متصاعد له نفوذ في صفوف الحزب الجمهوري،
وتيار اليمين المسيحي الأصولي والذي ينتمي إليه الرئيس جورج بوش الرئيس
ووزير العدل جون اشكروفت وغيرهما، وقد عمل هذا التيار على إبراز البعد
الديني في السياسة الأميركية إلى درجةٍ نلاحظ أن خطابات بوش لا تخلو من
تعابيره ومواقفه النابعة من رؤى توراتية - إنجيلية.
والتيار الأصولي المسيحي هذا
هو التيار الأكثر تنظيماً داخل المجتمع الأمريكي، ويملك قدرات هائلة مالية
ومؤسساتية وإعلامية، كما أنه يشكل جماعة ضغط على المستوى الانتخابي
والارتقاء السياسي في أروقة الحكومة الأميركية، وهو التيار الذي يسمى
بالحركة «الصهيونية ـ المسيحية» والتي تقوم هويتها على دعم قيام دولة
يهودية على أرض فلسطين، (أي ما يسمى بمنطقهم إسرائيل الحديثة) لأن هذا
الأمر يعتبر عندهم من علامات الأزمنة التي تنذر بقدوم المسيح والظهور
الثاني له. يقول القس جورج أوتيس وهو من أحد أبرز قياديي هذه الحركة «إنشاء
إسرائيل الحديثة هو إيفاء لا ينازع للنبوءات التوراتية ونذير بمقدم
المسيح»إضافة إلى علامات أخرى هي تبشير العالم، وسقوط بابل، ونشوب الصراعات
والحروب، والتي يليها ظهور الدجال، حيث تتوج بعدها بمعركة هرمجدون
(1) التي تهاجم
فيها (الأمم - أعداء الله) (شعب الله المختار) ويقهرون ويخضعون فيها لحكم
صهيون.
وأركان هذا التيار هم أمثال
فرانكلين غراهام الذي قال عن الإسلام أنه «دين سيء وشرير جداً»، وهو نجل
بيللي غراهام الذي لعب دوراً أساسياً في رحلة جورج بوش من التحلل إلى
الإيمان، والذي ترأس قداس الصلاة بمناسبة أداء جورج بوش القسم الدستوري عام
2000، كما رأس في الأيام الماضية صلاة عيد الفصح المجيد في البيت الأبيض.
وجيري فالويل الرجل الذي أقسم
بوش اليمين الدستورية أمامه على الإنجيل خلال فعل تنصيبه رئيساً، و الذي
وسم النبي محمد «بأنه إرهابي».
وهو الذي قال: «وعد الله
لإبراهيم منذ أربعة آلاف عام....سأبارك من يبارك إسرائيل وألعن من يلعنها،
ومن هذا الموقف اللاهوتي فإنه على الولايات المتحدة الأميركية أن لا تتردد
في تقديم كل الدعم المالي والعسكري إلى إسرائيل» ويقول «الله يحب اليهود
لأن الله يتعامل مع الأمم حسبما تتعامل هذه الأمم مع إسرائيل ومخلصنا
المسيح كان يهودياً» .
ويقول: «إعادة تأسيس إسرائيل
عند المسيحيين الأصوليين هو إيفاء بالنبوءات ويتوجب على كل أمريكي بذل كل
جهد ممكن لضمان الدعم الكامل لإسرائيل».
ويعمل هذا التيار على ربط
الأحداث والوقائع السياسية التي تحصل في سياق التاريخ بالنبوءات الرؤيوية
التوراتية. فمثلاً القس دايفيد بريكنر يقول: « أننا نعرف أن تدمير بابل
الذي ورد في رؤيا يوحنا الإصحاح 18/آية 2 يعني تدمير العراق». ويعتبر القس
سكوفيلد «أن بابل التي تمثل خطراً على إسرائيل هي الفاتيكان». وهذا يفسر
لنا أن خطر هذا التيار لا يطال المسلمين فقط بل المسيحيين أيضاً.
ومن قادة هذا التيار بات
روبرتسون الذي تهجم على النبي محمد ووصفه بأنه «تلبسه الشيطان».
ويستند هذا التيار في هذه
النبوءات على رؤيا أشعياء في العهد القديم ورؤيا يوحنا في العهد الجديد.
ويمكن أن نلخص رؤيتهم «أن خدمة إسرائيل هي خدمة الرب والوقوف ضد إسرائيل هو
معارضة لله»، فلذلك يمثل الإسلام في نظرهم تهديداً لإسرائيل لأنه يشكل بناءً
لرؤاهم مصدراً من مصادر إلهام التفكير الإرهابي الذي يترجم سلوكاً عنفياً
وعليه فلقد شخصوه بأنه كسلاح الدمار الشامل، لا بد من العمل على إزالته
ونزعه، وذلك عبر تشويهه ومسخه وسلخ روحه وجوهره، والإبقاء على قشريات
الأمور فيه، خصوصاً العمل على نزع روح الجهاد والمقاومة، التي تعتبر
السياسة الأقوى لنهوض الأمة وحفظ هويتها والتقدم بها نحو قيم الكرامة
والعزة والحرية.
كل هذه الأمور التي مرت تسلط
الضوء على أن العلاقة بين الصهيو - مسيحية والصهيو -يهودية ليست علاقة
قائمة فقط على «مبدأ ذرائعي/ اقتصادي – سياسي» بل هناك تماهٍ في الأدبيات
العقيدية بين التيارين يضرب عميقاً في التاريخ وتذهب طولاً في المستقبل.
ومن هنا كان هذا الفريق يلعب
دوراً رئيساً وهاماً في صبغ لون تفكير الإدارة الأميركية، ورسم سياساتها،
إما على قاعدة الانتماء المذهبي أو القومي أو على مبدأ المنفعة.
ولكن يبقى السؤال الرئيسي، هل
تدخّل هذا التيار في ملامح السياسة الخارجية الأميركية يعني أن الصراعات
والخلافات هي دينية - حضارية؟ أم أنها سياسية – اقتصادية، يلعب الدين دوراً
في دفعها من خلال توظيفه فيها؟ وكم فرق بين أن يكون الصراع دينياً أو أن
الدين له دخل في رسم بعض مشاهد السياسة. خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن
هذا التيار يمثل خطراً على المسيحية كما الإسلام، ولا يعبر عن الموقف
الرسمي المسيحي للكنائس في العالم، بل قد صرح بعض أركان الكنائس المسيحية
بالبراءة من هذا التيار وتصريحاته ورؤاه ومواقفه، ويتحركون على مستوى
الوقوف في وجه انتشاره.
وأظن أن الفريق العربي للحوار
الإسلامي ـ المسيحي يتحرك نحو مبادرة جديدة وهي تنظيم لقاء في باريس في شهر
أيلول يهدف إلى تأكيد البعد السياسي وليس الديني- الحضاري للخلافات
والصراعات القائمة.
مركز الإمام
الخميني الثقافي- بيروت
الخميس
22/5/2003م
مداخلة
الدكتور: محمد السمَّاك: أمين عام لجنة الحوار الإسلامي المسيحي.
بسم الله الرحمن الرحيم. أرحب
بالإخوة والأخوات. واسمحوا لي أولاً بمناسبة ذكرى الإمام الخميني رحمه الله
أن أُعرب عن امتناني لاعتلاء هذا المنبر، منبر هذا المركز الذي يحمل اسم
علم من أعلام أمتنا الإسلامية الكبيرة.
مقدمة
الموضوع الذي أتناوله دقيق جدا،ً
بقدر ما هو مهم، والموضوع هو كما تعرفون عن البعد الديني للسياسة الخارجية
الأميركية، لن أتحدث عن عواطف، سوف أتحدث فقط عن وقائع، ولذلك الوقائع
مستندة إلى وثائق مدروسة ومفصلة، وتشكل أساساً لمعرفة هذا البعد الذي يملي
قرارات معينة على السياسة الخارجية الأميركية فيما يتعلق تحديداً بالشرق
الأوسط.
البعدين
الدينيين في السياسة الأميركية
للسياسة الخارجية الأميركية في
الشرق الأوسط بعدان دينيان وليس بعداً واحداً.
البعد
الأول: كما هو معروف دائماً الصهيونية- اليهودية، حركة هرتزل التي
أصبحت موجودة في الولايات المتحدة، أداة هذه الحركة الصهيونية- اليهودية
منظمة إيباك التي تشكل الذراع الطويلة للوبي اليهودي في الكونغرس والبيت
الأبيض ووسائل الإعلام إلخ...هذا أمر معروف، ولن أتحدث عنه إلا فيما بعد
بشيء من الخلفية التاريخية.
البعد
الثاني: هو البعد الديني المسيحاني، البعد الصهيوني- المسيحي، هذه
حركة تضم كما تقول هي عن نفسها 70 مليون مؤمن أميركي، ولذلك فنحن بصدد قضية
مهمة ولها جذور في المجتمع الأميركي، وقادرة على تأسيسه.
ورغم أن هذين البعدين لم يغيبا
عن أي إدارة أميركية في السابق ولو بدرجات متفاوتة، إلا أن وجودهما اليوم
في إدارة الرئيس بوش تشكل تقريباً وبدون مبالغة العمود الفقري لهذه الإدارة،
ذلك أن شخصيات مرموقة تتبوأ مراكز المفاتيح في الإدارة الأميركية هم إما من
الحركة الصهيونية- اليهودية أو من الحركة الصهيونية المسيحية، وأخطر ما
تقوم به الحركتان هو توظيف الدين في القرار السياسي حتى ولو تطلب ذلك
اختلاق مفاهيم دينية وإعطائها العادة المقدسة لتتوافق مع مستلزمات القرار
السياسي الذي يتطلعون من أجل تنفيذه، يعني أين مصلحة إسرائيل؟ أين مصلحة
اليهود؟ تحدد المصلحة، ويصنع القرار، وتصنع المظلة الدينية التي تبرر اتخاذ
هذا القرار، هذا أسوأ أنواع التوظيف الديني في العمل السياسي.
تأكيدان لا بد
منهما: حول الصهيونية المسيحية.
لكن قبل أن أدخل في عمق هذا
الموضوع، أود أن أؤكد على أمرين أساسيين وأرجو أن يكونا واضحين تماماً.
الأمر
الأول: هو أن الحركتين معاً الصهيونية- اليهودية والصهيونية-
المسيحية تلتقيان في الأسلوب وتفترقان في الهدف، أما الأسلوب فهو إقامة
إسرائيل، إقامة صهيون، وتجميع يهود العالم فيها، وإعادة بناء الهيكل على
أنقاض المسجد الأقصى، هذا الأسلوب يشكل في الحد ذاته هدف الحركة الصهيونية-
اليهودية، ولكنه ليس هدف الحركة الصهيونية- المسيحية هذا أسلوب، هذه وسيلة،
أما هدف الحركة الصهيونية- المسيحية هو توفير شروط العودة الثانية للمسيح،
من هذه الشروط وجود إسرائيل، وتجميع اليهود، وبناء الهيكل، فهاتان الحركتان
تلتقيان حول هذا الأمر (اليهود وإسرائيل) على أساس أن هذا هو الهدف للحركة
الأولى، أما الحركة الأخرى فهذه الوسيلة التي تمهد نزول المسيح الذي يحكم
العالم مدة ألف عام ويسمونها الألفية.
الأمر
الثاني: الذي أود أن أوضحه، هو أن الحركة الصهيونية- المسيحية رغم
أنها انبثقت عن الكنيسة الإنجيلية فإنها ليست الكنيسة الإنجيلية، بمعنى أن
الكنائس الإنجيلية المتعددة في الولايات المتحدة وفي العالم لا تلتقي مع
هذه الحركة، لا في توظيفها للدين، ولا في المبادئ الدينية التي تبشر بها،
هناك تباين وخلافات بين هذه الحركة المنبثقة عن الكنيسة الإنجيلية وبين
الكنائس العديدة الإنجيلية في الولايات المتحدة، ولذلك فإن من الخطأ أن
نقول أن الكنيسة الإنجيلية هي كنيسة صهيونية، ليست هي كذلك، وهذا أمر مهم
لأننا بحاجة (وسأبين في ما بعد) إلى التعاون مع المسيحيين في مختلف الكنائس،
الكاثوليك والأرثوذكس والإنجيليين لمحاربة هذه الحركة في عقر دارهم.
لمحة تاريخية
حول الحركة (الصهيونية المسيحية)
أذكر نبذة سريعة حول هذه
الحركة، سأقدم هذه الخلفية التاريخية وأرجو أن تتابعونني، في عام 1800 كان
عدد اليهود في الولايات المتحدة ألفي شخص، بينهم 400 فقط يعيشون في نيويورك،
الآن عدد اليهود في الولايات المتحدة خمسة ملايين وثمانمائة ألف، بينهم في
نيويورك مليون ونصف مليون يهودي، هذا التضخم في العدد طبعاً لم يأت نتيجة
التوالد الطبيعي، بل جاء نتيجة الهجرة، والهجرة من روسيا ومن أوروبا
الشرقية، وهذه القضية تنعكس علينا، كما سأبين فيما بعد.
أول محاولة جرت للتدخل في
السياسة الخارجية الأميركية كانت في عام 1840، في عام 1840 وقع حادث في
دمشق، اختفى كاهن مسيحي، رجل دين مسيحي، وترافق اختفاؤه مع اتهام المسيحيين
العرب لليهود الذين كانوا يعيشون في دمشق بما هو معروف من استخدام الدم
المسيحي بصنع فطائر تصنع خصيصاً بمناسبة عيد الفصح اليهودي، كانت توجد
إشاعة كبيرة حول هذا الموضوع، إختفى الكاهن المسيحي، فراجت الإشاعة أنه قتل
واستعملوا دمه من أجل صنع هذه الفطائر، وبدأت المشكلة بين المسيحيين
واليهود في دمشق، كان ذلك سنة 1840. في ذلك الوقت كان النفوذ اليهودي قوياً
في بريطانيا ومعدوماً في أميركا، ولذلك تدخلت بريطانيا من أجل الضغط على
أميركا حتى تمارس الضغط على الإمبراطورية العثمانية من أجل معالجة هذه
القضية والدفاع عن اليهود، تغير الوضع فيما بعد عندما كثر عدد اليهود الذين
هاجروا إلى أميركا، 1881 تأسست أول جمعية يهودية في أميركا، وكانت النواة
الأولى التي توالدت فيما بعد وأصبحت الآن اللوبي الصهيوني المعروف، في 1881
كانت البداية الأولى، لن أطيل في هذا المجال للخلفية التاريخية، لأن
الرؤساء الأميركيين الذين تعاقبوا تحولوا إلى الضغط على روسيا من أجل وقف
الهجرة، كانت الهجرة تأتي من روسيا، روسيا القيصرية إلى أميركا، فالضغوط
الأميركية على روسيا لمنع الهجرة اليهودية لم تكن دفاعاً عن اليهود في ذلك
الوقت، كانت رغبةً في عدم هجرتهم إلى أميركا، وحتى أن اتفاقيات تعاون كانت
قائمة بين الولايات المتحدة وروسيا ألغيت بضغط من أميركا بسبب هذا الأمر.
الولايات المتحدة كانت لا تريد هجرة اليهود، لو كان بإمكانها تحويل الهجرة
إلى مكانٍ آخر في ذلك الوقت لشجعت كما جرى فيما بعد في الستينات والسبعينات
من القرن العشرين، ولكن كان اليهود يهاجرون إلى أميركا مما أدى إلى تضاعف
أعدادهم، كما ذكرت في الأرقام السابقة.
جرت محاولة بعد قيام الحركة
الصهيونية في ﭘﺎﻝ في سويسرا على يد هرتزل 1897، حيث حاول تهجير اليهود من
أميركا إلى فلسطين، في ذلك الوقت لم يكن هناك الكيان الإسرائيلي، لكن
اليهود الأميركان «والحاخام إسحاق وايلز» كان هو رئيس المحفل اليهودي في
أميركا احتج وعارض واعتبر أن ذلك محاولة لتهجير اليهود من أميركا، وليس
لمساعدتهم على أن يكون لهم وطن.
في ذلك الوقت كان اليهود
يعتبرون أن أميركا هي صهيون الجديدة، فوقع الكثير من المشاكل والاضطرابات
بين الأميركيين (الحركة الإنجيلية) واليهود، لأن الحركة الإنجيلية وإيماناً
منها بالعودة الثانية للمسيح، وبأن شروط العودة تقتضي وجود إسرائيل وبناء
الهيكل، فكانوا يعملون على تهجير اليهود وتجميعهم، واليهود في تلك المرحلة
الأولى كانوا يعتبرون عملية التهجير تخلصاً منهم، وليس مساعدةً لهم، فكانوا
يرفضون هذا الأمر إلى أن تغير الوضع مع مرّ السنوات.
في الحرب العالمية الأولى كانت
بريطانيا تريد استغلال اليهود، وكان اليهود قد تكاثر عددهم وأصبح لهم نفوذ
في الولايات المتحدة، كانت بريطانيا تريد أن تستعمل اليهود الموجودين في
روسيا وفي الولايات المتحدة من أجل الضغط على أميركا للاشتراك في الحرب إلى
جانب بريطانيا، وكانت ألمانيا أيضاً تحاول أن تستخدم اليهود في روسيا وفي
أميركا حتى تقف أميركا مع ألمانيا ضد بريطانيا، الذي حدث هو أن بريطانيا
أغرت اليهود ومنحتهم وعد بلفور، وعداً بإقامة دولة في فلسطين، هذه الهدية
الكبيرة التي قدمتها لهم جعلت اليهود يقفون إلى جانب بريطانيا وتخلوا عن
ألمانيا، فاستجابت في ذلك الحين أميركا ودخلت في الحرب إلى جانب بريطانيا،
أدى هذا الأمر إلى انتعاش النازية في ألمانيا انتقاماً لليهود، فكانت
النتيجة أن بريطانيا قدمت وعد بلفور، أميركا ساعدت على تنفيذ الوعد ولا
تزال حتى اليوم، فمُنِحت الأرض، إنتزعت الأرض من أصحابها، وأعطى من لا يملك
إلى من لا يستحق، وإلى جانب منح الأرض قامت ألمانيا بردات فعل النازية ضد
اليهود، فأدت عملية الانتقام من اليهود إلى تهجير اليهود إلى فلسطين، وأدى
التواطؤ مع أميركا إلى استلاب الأرض. فهكذا تم العاملان، عامل الأرض وعامل
الإنسان، إلى أن قام المجتمع اليهودي في أرضٍ محتلة.
المرحلة
المعاصرة من حياة هذه الحركة
ندخل إلى المرحلة المعاصرة بعد
هذه الخلفية التاريخية، المعلق السياسي الأميركي نيكولاس كريستوف نشر مقالاً
في جريدة «هيرالد تريبيون» في شهر آذار الماضي، قال فيه ما ترجمته حرفياً:
«إن اليمين الديني الإنجيلي- في الولايات المتحدة- يلعب دوراً مؤثراً في
عملية اتخاذ القرار السياسي للرئيس جورج بوش، وإن قرار الرئيس جورج بوش
بالحرب على العراق يعكس إلى حدٍ بعيد مدى هذا التأثير، وبالتالي فإن للحرب
على العراق بعداً دينياًَ واضحاً» انتهى كلام المعلق الأميركي. هذه
الملاحظة مهمة جداً، كلنا نعرف بأن وراء الحرب على العراق مصالح نفطية،
ومصالح تقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية ومذهبية، وكلها تصب في خدمة
المشروع الإسرائيلي. ولكن إلى جانب ذلك هناك البعد الديني، كتب السناتور
الأميركي المسيحي الكاثوليكي العضو في الكونغرس واسمه «جورج لورون» تصريحاً
قال فيه ما ترجمته حرفياً: «إن الحرب التي تخيم على العراق هي نسيج أيدي
اليهود الأميركيين، وأنه لولا دعم المجموعة اليهودية القوي لهذه الحرب لكنا
تصرفنا بشكلٍ مختلف».
بعد أن وقعت الحرب، واستطاعت
إسرائيل أن تدخل في تجاه تحقيق أهدافها من خلالها، حاول اللوبي الصهيوني-
اليهودي والصهيونية- المسيحية حمل هذا السيناتور الأميركي ليس على الاعتذار
فقط بل على الاستقالة من الكونغرس، ولقطع الطريق أمام هذه الضغوط اعتذر مرة
ومرتين وثلاث وأربع مرات ولم ينفع، أصروا عليه أن يستقيل، باعتبار أن كلامه
يتناقض مع الدستور الأميركي، هكذا وصفوه.
بوش والحركة
الصهيونية - المسيحية.
إذا قرأنا خطابات الرئيس
الأميركي وتصريحاته حول قوة أميركا العسكرية، وحول التهديدات التي كان
يوجهها للطاغية صدام حسين، فالعبارات التي كان يستعملها تشبه إلى حد بعيد
الإنذار الذي وجهه هولاكو في القرن الثالث عشر إلى الملك قطس في مصر، يدعوه
فيه للاستلام، لنرى ماذا يقول هولاكو للملك قطس وتذكروا تصريحات وبيانات
بوش، يقول هولاكو: «إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على
من حلّ به غضبه، فلكم بجميع البلاد معتبر، وعن عزمنا مزدجر، فاتعظوا بغيركم،
وأسلموا إلينا أمركم، قبل أن ينكشف الغطاء، وتندموا على الأخطاء، فنحن لا
نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى، ولقد سمعتم أننا فتحنا البلاد، وطهرنا
الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب، فأي
أرضٍ تأويكم، وأي طريقٍ ينجيكم، وأي بلادٍ تحميكم، فلا من سيوفنا خلاص، ولا
من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا
كالجبال، وأعدادنا كالرمال، فالحصون معنا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا
تنفع، ودعائكم علينا لا يسمع».
لقد تمكن اليمين الديني
الإنجيلي المتمثل بالحركة الصهيونية- المسيحية والمهيمن على القرار السياسي
الأميركي، لإقناع الرئيس بوش بأن للولايات المتحدة مهمةً تجعل من قواتها-
كما قال هولاكو عن قواته- جند الله في أرضه، وأن أول خطوة في هذا السبيل هو
إزالة الدول المارقة المتهمة بإيواء الإرهابيين الإسلاميين أو مساعدتهم،
وعلى رأس هذه الدول العراق كبداية. من الطبيعي أن تؤدي هذه السياسة
الاستعدائية التي تقوم على قاعدة العقاب الجماعي إلى توسيع دائرة الكراهية
وتعميق مشاعر الحقد، حدث ذلك في الإمبراطوريات السابقة كما يحدث في
إمبراطورية اليوم، فالرئيس بوش يتساءل: لماذا يكرهوننا؟ وقد تعلم الإجابة
من الإمبراطور الروماني كاريغوريا؟ صاحب القول غير المأثور الذي يقول: «ليكرهوننا
بقدر ما يخافوننا»، لا بأس عند بوش أن نكره، لكن المهم أن نخاف بقدر ما
نكره.
في عهد الرئيس روزفيلد الأسبق
بدأت أول محاولة لإقامة إمبراطورية أميركية مبنية على المهمة الإلهية التي
تعتبر الولايات المتحدة أنها مكلفة بالقيام بها، ومهم أن ندرك بأن ما يقوم
به بوش الآن ليس عملاً فردياً، وليس مجرد نزوة يقوم بها رجل أضاع الحسابات،
هناك خلفية مستمرة في الفكر الأميركي بأن الولايات المتحدة لها مهمة رسولية،
مهمة إلهية، عليها أن تقوم بها، وبالنسبة للحرب الأميركية التي شنت أخيراً
على العراق فقد ورد في كلمات الرئيس بوش نفسه حرفياً بأنه يقوم بمهمة إلهية
في الشرق الأوسط. وهذا بالحقيقة مستمر، ويغذي هذا الفكر الحركة الصهيونية-
المسيحية التي تعتبر بأن الولايات المتحدة هي المكلفة بالقيام بكل ما من
شأنه أن يحقق الشروط اللازمة لعودة المسيح، ولذلك فإن القرار الأميركي
بمساعدة إسرائيل ليس قراراً سياسياً، ولا ينفَّذ على أساس أنه يخدم مصالح
الولايات المتحدة، فقد يتناقض كثيراً مع مصالح الولايات المتحدة، ولكن هناك
إيمان بأنه يخدم المشيئة الإلهية، وأنه يتم تنفيذه وفقاً لتعاليم إلهية،
واستجابةً لمشروع إلهي يتطلب وجود إسرائيل والدفاع عن اليهود. ولذلك لا
نستطيع أن نتعامل مع الولايات المتحدة على أساس المصالح، والضغط على
المصالح بالشكل المحدود، فالولايات المتحدة التي تعتبر نفسها أنها تقوم
بمهمة إلهية تتعامل على أساس أن القيام بهذه المهمة يرتفع فوق هذه المصالح،
ويضحي بالمصالح، ولذلك نجد بعض قساوسة هذه الحركة مثل جيري فالويل الذي
تطاول على النبي في شتائم مفزعة رددها الإعلام عدة مرات، فهذا يقول بأن
الله يرضى عن أميركا لأن أميركا تساعد إسرائيل، وأنه في الوقت الذي تتخلى
أميركا عن إسرائيل فإن الله يتخلى عن أميركا. فهذا هو الالتزام الديني
الأميركي بإسرائيل، وهو الذي يملي سياستها في المنطقة.
رغم هذا الموقف فإن دراسة
البيانات الرسمية التي صدرت عن المجالس الكنسية المختلفة، سواء في الولايات
المتحدة أو في أوروبا أو كندا أو أسبانيا أو إفريقيا، المجالس التي تمثل
الكنائس الأميركية المتعددة الكاثوليكية والأرثوذوكسية والإنجيلية، تعكس
مواقف معارضة وشاجبة لهذه السياسة الأميركية، مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي
يمثل كل الكنائس العربية من عام 1984، أصدر بياناً أدان فيه الصهيونية-
المسيحية واعتبرها دخيلةً على المسيحية وعاراً عليها، هذا الكلام صدر عن
مجالس كنسية عديدة أخرى، فيها إضافة إلى شجب الحرب الأميركية على العراق
كذلك على أفغانستان، مجلس الكنائس الأميركي الأسكتلندي أصدر بياناً في
بداية الحرب الأميركية على أفغانستان تحت شعار الحرب على الإرهاب، قال في
البيان لا يجوز مسيحياً أن نقبل بالرد على قتل الآلاف من الأبرياء الذين
قتلوا في نيويورك بقتل عشرات الآلاف من الأبرياء في أفغانستان.
الرئيس الأميركي جورج بوش
ينتمي إلى كنيسة إنجيلية اسمها الميثوديست، رئيس هذه الكنيسة أصدر بياناً
باسم الكنيسة ضد الحرب على العراق، ثم اتفق هو ورؤساء الكنائس في أميركا
على زيارة الرئيس الأميركي ليشرحوا له موقفهم من هذا الأمر، رفض استقبالهم،
فأدى هذا الرفض إلى تصاعد مواقف الكنائس الأميركية وخاصة مجلس كنائس المسيح
في أميركا، أصدر رئيس المجلس بياناً قال فيه إنني أخجل أن أكون أميركياً
أمام العالم، بسبب هذه المواقف، ولكن رغم هذه الأمور فإن في الولايات
المتحدة مجموعة من القساوسة التي تشجع الرئيس بوش، وتحثه على المضي قدماً
في هذه السياسة، منهم فرانكلين غراهام وهو ابن قسيس مشهور في أميركا اسمه
بيل غراهام، فرانكلين غراهام هو الذي قاد صلاة الفصح في البيت الأبيض،
وعندما أقسم بوش اليمين الدستورية قاد هو قداس قسم اليمين، تعرفون أن بوش
كان مدمناً على الخمر (سكيراً) ووقع في عدة مشاكل بسبب هذا الأمر، ويقال
أنه كان مدمناً على أسوأ من ذلك، المهم أن هذا القسيس فرانكلين غراهام
استطاع أن ينتشله من أزقة السكر والعربدة وتوابعها، فأصبح أسيراً له،
فرانكلين غراهام الآن يقود حملة تبشير طويلة في العراق، القساوسة الذين جاء
بهم لاستغلال الوضع الاجتماعي والمعيشي المزري في العراق كان على أساس
القيام بحملة تنصير إنجيلية لهذه الحركة بالذات، عشرات من المبشرين تواجدوا
في الأردن وفي الكويت، و على كل حال بدأوا منذ سنوات في شمال العراق،
وقبلها الشيشان وفي البوسنة وفي كوسوفو، العشرات يأتون بالمساعدات في هذا
الإطار من الحركة الكنسية التي يتزعمها فرانكلين غراهام، الذي يعتبر أن
الإسلام بعبارته دينٌ مزيف، وأن محمداً عليه الصلاة والسلام رجل إرهابي،
وإرهابي بكل معنى الكلمة، وأن المسلمين الأمريكيين كلهم إرهابيون، ويجب أن
تتخلص منهم الولايات المتحدة، هذا الرجل موجود في البيت الأبيض، موجود على
أذن الرئيس بوش، والرئيس بوش متأثر بتعاليمه الدينية.
تعرفون أن القرار السياسي
الأميركي صحيح يأخذه الرئيس الأميركي، وهو صاحب القرار، لكن مطبخ القرار هو
مجلس الأمن القومي، مجلس في البيت الأبيض يترأسه الرئيس الأميركي، في كل
مرة يدعى هذا المجلس للاجتماع لبحث قضية في الشرق الأوسط، كقضية فلسطين، أو
قضية العراق، أو أي قضية مطروحة الآن، يدعى بيل غراهام أو فرانكلين غراهام
أو بات روبرتسون أو جيري فالويل من هذه المدرسة لحضور الاجتماع، لماذا يحضر
الاجتماع؟ حتى يأتي القرار متوافقاً مع الإيمان بالنبوءات التوراتية التي
يؤمنون بها.
نحن نتحدث عن دولة أصبحت
إمبراطورية فارضة نفسها على العالم، وقرارها ينعكس على كل الإنسانية بحكم
قوتها وجبروتها وحضورها العسكري والسياسي والإعلامي، وبالتالي فإن القرارات
السياسية التي تؤخذ بهذه العقلية، بهذه الخلفية، قضية خطيرة جداً، لأنها
مبنية على نبوءات دينية لا تتزعزع، ونحن عندما نتخذ مواقف انطلاقاً من
إيماننا كلنا نعرف أننا نتمسك بهذه المواقف ولا نحيد عنها، عندما نعتبر
أنها تعكس ثوابنا الإيمانية، هم هكذا يتصرفون، هم يعتبرون أن النبوءات
التوراتية هي ملزمة، وفسروا هذه النبوءات وفقاً لمصالح إسرائيل ولمصالح
الحركة الصهيونية، وبالتالي فأصبح القرار السياسي الأميركي أسيراً لهذه
المدرسة.
ماذا نفعل؟
هل نستسلم لهذا الأمر الواقع؟
هل نعتبر أنه حالة ميؤس منها لا نستطيع أن نتعامل مع هذا الجبار الطاغية
المنفلش على العالم بهذه العقلية وبهذه الخلفية؟ صدقوني أبداً، نستطيع أن
نفعل الكثير، لكن هناك تقصير من العالم العربي، هناك تقصير من العالم
الإسلامي، هناك تقصير من العالم المسيحي- العربي وغير العربي.
في الولايات المتحدة توجد
كنائس أميركية قوية ومتجذرة في المجتمع الأميركي تعارض وترفض هذا التأويل
للمسيحية وهذا التشويه للمسيحية، ولكن نحن لا نقوم بالاتصالات معها، ولا
نحاول أن نتعاون معها، تستطيع المسيحية- العربية أن تقوم بدور الجسر بين
العالم العربي والعالم الإسلامي وبين المجتمع الأميركي- المسيحي من خلال
مجالسه الكنسية المحلية، نحن نستقبل من وقتٍ إلى آخر وفوداً تأتي من
الولايات المتحدة من هذه المجالس، ونسمع كلاماً نشعر أحياناً إلى حدٍ كبير
وكأنه يزايد وياً جداً، وواضحاً ومباشراً، وينشرونه في بياناتهم، لا
يقولونه فقط في غرف مغلقة، عندنا مجموعة وثائق البيانات الصادرة عن المجالس
الكنسية الأميركية، في الحقيقة لا نستطيع أن نزيد عليها كلمة ولا فاصلة،
ولكن التغيير على الأرض كيف يتم؟ الغياب العربي والغياب الإسلامي من داخل
المجتمع الأميركي، من داخل عملية التأثير وتوظيف هذه المواقف المسيحية
البناءة، هذا أمر في الحقيقة يشكل تقصيراً منّا وتقع مسؤوليته علينا. على
قناعاتنا فيما يتعلق بحقنا بقضية فلسطين، وبحقنا بالسيادة، وبحقنا في رفض
الاحتلال الأميركي، يقولون كلاماً........
مظاهر قوة
الحركة الصهيونية- المسيحية
تعلمون أنه في الولايات
المتحدة مجموعة من المحطات التلفزيونية، ألف محطة تلفزيونية وألفي راديو،
يعني ثلاثة آلاف صوت على مدار الساعة، تشرف عليها هذه الحركة الصهيونية-
المسيحية وتديرها وتمولها، ولذلك فإن الرأي العام الأميركي مغلق عليه
الخارج، مهتم فقط بشؤونه الداخلية، أي تلفزيون يقومون بفتحه يظهر لهم هؤلاء
المبشرون القساوسة المرتبطون بالحركة الصهيونية، ولذلك فإنه ليس غريباً أن
يتأثر الرأي العام، وأن يكون هناك سبعين مليون أميركي ينتمون إلى هذه
الحركة، وليس فقط العدد كبير، ولكن النوعية مهمة، منهم عسكريين، كبار
العسكريين، منهم دبلوماسيين، وأعضاء بالكونغرس، منهم كبار الموظفين في
البيت الأبيض، في وزارات الدولة، ومنهم كبار رجال أعمال متمولين، وفي كتاب
«غريس هالسل» الذي ذكر الآن واسمه «النبوءة والسياسة» تذكر غريس هالسل بأن
كنيسة صغيرة في جنوب الولايات المتحدة في الباما، أراد رئيس الكنيسة أن
يغير جهاز مكبرات الصوت ويحدثها، عملية تتطلب ألفين أو ثلاثة آلاف دولاراً،
فتكلم الموعظة يوم الأحد، وقال نريد أن نجدد شبكة مكبرات الصوت داخل
الكنيسة، فنرجو التبرع من أجل هذا الموضوع، فبعد انتهاء الصلاة أخذوا
يجمعون التبرعات من رواد الكنيسة، المصلين في الكنيسة، ورجعوا بمبلغ مليون
ومائتي ألف دولاراً، شيكات، فهذا يعطي مثلاً صغيراً وأعتبره معبراً جداً عن
أمريكا، الأمر الأول هو مدى ترجمة الانتماء إلى هذه الحركة، وأي نوع من
الناس، يعني الذي يقدم مائة ألف دولاراً ومائتين ألف دولاراً وخمسين ألف
دولاراً حتى يجمع المليون ومائتين في خلال خمس أو ست دقائق من أجل عملية
تكلف ثلاثة أو أربعة آلاف دولاراً، هؤلاء الناس هم الذين يمولون مشروع
تهديم المسجد الأقصى، وهم الذين يعتبرون أن إسرائيل مقصرة في هذا المشروع،
ومن أنه يجب أن يتم المشروع، مولوا عدة عمليات لضرب المسجد الأقصى، مولوا
عملية أولى لتزنير المسجد الأقصى بالديناميت ونسفه، لكن خافوا أن يتدمر
الحائط الغربي، حائط المبكى، مولوا عملية أن يطلع طيار إسرائيلي بطائرته
ويقصف المسجد الأقصى من الجو، خافوا أن تتطاير شظايا المسجد المتفجر على
الحي اليهودي المجاور للمسجد الأقصى، رغم ذلك قاموا بأكثر من محاولة، والذي
يمول هذه المحاولات ويقوم بها ليسوا اليهود داخل إسرائيل، هم المسيحيون-
الصهيونيين داخل الولايات المتحدة.
تعرفون أن شارون دخل إلى رئاسة
حزب الليكود، وإلى رئاسة الحكومة، من بوابة الفتنة بتدنيس المسجد الأقصى،
ليس من المستغرب أن يدخل إلى مشروع تدمير المسجد الأقصى وتنفيذ هذا المشروع،
لأن حتى هؤلاء الصهاينة- المسيحيين داخل الولايات المتحدة يعارضون مشروع
خريطة الطريق لأنه يقول بدولة فلسطينية، ولو على عشرين أو ثلاثين بالمائة
من بقية الضفة الغربية وليس من فلسطين، مبدأ أن تكون دولة فلسطينية مرفوض
من هذه الحركة، وهؤلاء الآن موجودون داخل البيت الأبيض، يصنعون القرار
السياسي ويؤثرون عليه، ولذلك لا يجوز أن نتخلى عن الدور الذي يستطيع أن
يقوم به العالم الإسلامي والعالم العربي بمسيحييه ومسلميه بالتعاون مع
الكنائس الأميركية والمجالس الكنسية العالمية من أجل الضغط من داخل
الولايات المتحدة لتغيير هذا الاتجاه.
ملحق حول
البعد الديني في السياسة الخارجية الأميركية
هل تذكرون كيف وصف الشاعر ابن
الرومي، الأحدب الذي يحمل ظهره على كتفيه؟ قال في قصيدة له:
كأنما صفعت قفاه مرة
وأحسّ ثانية لها فتجمعا
هذا هو حال وطننا العربي اليوم.
لقد تلقى صفعة أميركية شديدة في العراق، ثم قام وزير الدفاع دونالد
رامسفيلد ووزير الخارجية كولن باول بجولتين منفصلتين على عدد من الدول
العربية، ومن خلال الجولتين أحس العالم العربي بأن اليد الأميركية تستعد
لتوجيه صفعة ثانية، فكان ردّ الفعل مماثلاً للصورة التي رسمها ابن الرومي
لمن صفعت قفاه مرة ولما أحسّ بالصفعة التالية تجمعا.
لم يكن التجمع للي الذراع
الممدودة لارتكاب اعتداء جديد، أو لمجرد الدفاع عن النفس، إنما كان
استعداداً لتلقي الصفعة. ولذلك يبدو العالم العربي مشدوداً على نفسه،
منتظراً أن تنهال عليه صفعة جديدة، قد تكون في فلسطين، أو في البقية
الباقية من فلسطين من خلال خارطة الطريق. وقد تكون في لبنان من خلال حزب
الله بحجة أن المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال هي عمل من أعمال الإرهاب، وقد
تكون في سورية للضغط عليها من أجل عدم معارضة خريطة الطريق، والتوقف عن
حماية حزب الله، والقبول بالأمر الواقع الجديد في العراق، وقد تكون في هذه
الدول العربية كلها تباعاً أو معاً. والسؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا تفعل
الولايات المتحدة ذلك؟ وأي فائدة تحققها لمصالحها الاستراتيجية والحيوية ؟.
يذكر المعلق السياسي الأميركي
نيقولاس كريستوف في مقالة له نشرتها صحيفة هيرالد تريبيون الأميركية في
عددها الصادر يوم الثلاثاء الخامس من مارس آذار 2003ما ترجمته حرفياً، «إن
اليمين الديني الإنجيلي يلعب دوراً مؤثراً في عملية اتخاذ القرار السياسي
للرئيس جورج بوش، وإن قرار الرئيس بالحرب على العراق يعكس إلى حدّ بعيد مدى
هذا التأثير. وبالتالي فإن للحرب على العراق بُعداً دينياً واضحاً».
تطرح هذه الملاحظة قضية على
درجة كبيرة من الأهمية. فالاعتقاد السائد هو أن وراء القرار الأميركي
بالحرب على العراق مصالح نفطية أميركية، وهذا صحيح. كما أن وراءها اندفاع
أميركي للهيمنة على مقدرات العالم وبالتالي محاولة واضحة لأمركة العولمة،
وهذا صحيح أيضاً.
كذلك هناك اعتقاد قوي بأن وراء
هذا القرار مصلحة إسرائيلية مباشرة بتحقيق المشروع الصهيوني بتقسيم المنطقة
العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية، مما يؤمن لإسرائيل أمناً استراتيجياً
على المدى البعيد، وهذا صحيح كذلك.
إلا أن هذه الأهداف ذات البعد
الاستراتيجي يطلقها محرك ديني يقف وراء القرارات السياسية للرئيس الأميركي
جورج بوش، ولأن الذين يشغلون هذا المحرك توراتيون لا إنجيليون - كما سأبين
فيما بعد - فإن التكامل الأميركي- الإسرائيلي يبرز اليوم بشكل مباشر وواضح
أكثر من أي حقبة أخرى في تاريخ الإدارات الأميركية الحديثة. بل ربما في
التاريخ الأميركي كله.
هنا لا بد من التأكيد على
الأمور الآتية:
أولاً:
ليست الصهيونية في الولايات المتحدة مجرد حركة سياسية يقوم بها
متنفذون يهود، هؤلاء يقومون بالتأكيد بدور كبير في خدمة إسرائيل. ولكن هناك
صهيونية، أوسع نفوذاً وأوسع انتشاراً, تحمل لواءها حركة تطلق على نفسها اسم
«الصهيونية- المسيحية»، ولقد وضعت هذا الاسم بين مزدوجين يقيناً مني بأن
المسيحية في قيمها ومثلها وأخلاقها، وفوق ذلك في لاهوتها، تتناقض كلياً مع
الصهيونية في تفسيراتها للنبوءات التوراتية، والتي تحدد لها أهدافها
وتطلعاتها والكيفية التي تعتمدها لتحقيق هذه الأهداف والتطلعات.
ثانياً:
لا تمثل هذه الحركة الكنائس الإنجيلية الأميركية المتعددة، بل إن معظم
الكنائس تعارضها بشدة، وتعتبرها خارجة عن التعاليم المسيحية، ولذلك فإن من
الخطأ تعميم الحكم على هذه الحركة على الكنائس الإنجيلية سواء داخل
الولايات المتحدة أو خارجها، وخاصة في مشرقنا العربي.
وهنا لا احتاج إلى التأكيد بأن
مواقف الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية مناقض لاهوتياً، ومعاد سياسياً،
لكن ما تقول وما تقوم به هذه الحركة المتصهينة، التي تنسب نفسها إلى
المسيحية، والمسيحية منها براء، بموجب بيانات رسمية صدرت عن المرجعيات
الكنسية الكبرى في العالم.
ثالثاً:
ليست الصهيونية المسيحية حركة جديدة، إنها أقدم من إسرائيل (1948)، بل إنها
أقدم من الصهيونية (بال 1897). وتعود بداياتها إلى مطالع القرن السابع عشر
(1649)، مما يعني أنها فكرياً أقدم من الولايات المتحدة نفسها.
تحمل لواء هذه الحركة الدينية
مجموعة من القساوسة تتمتع بشعبية واسعة وبنفوذ معنوي كبير. ومن أبرز
الشخصيات الدينية في هذه المجموعة: بيلي غراهام وابنه فرانكلين، بات
روبرتسون، وجيري فولويل (وهما من أقرب المقربين اليوم إلى الرئيس جورج بوش)،
كبينيث كوبلاند، ركس هاميرد، أورال روبرتس، جيم بيكر، جيمي سواغرت، وهؤلاء
يشرفون على محطات تلفزيونية تغطي الولايات المتحدة من المحيط إلى المحيط،
كما يديرون مؤسسات إعلامية إذاعية ومطبوعة واسعة الانتشار.
يقول كولن شابمان Colin
Chapman أحد كبار مؤرخي هذه الحركة: «من الصعب التفكير بوجود حالة أخرى في
العالم حيث السياسة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالدين، وحيث للنصوص الدينية هذا
التأثير العميق على العمل السياسي».
ولتوضيح هذا الارتباط يقول
والتر ريغانز، أحد قساوسة الحركة الصهيونية المسيحية: «إن الصهيونية
التوراتية التي هي بالتأكيد ُمنية كل مسيحي، تتعلق بشكل أساسي بالله
وبأهدافه، ولذلك تُفهم الصهيونية من خلال الرؤية المسيحية على أنها جزء من
اللاهوت الديني وليست جزءاً من السياسة، وإن دولة إسرائيل هي مجرد البداية
لما يفعله الله من أجل الشعب اليهودي ومن خلال الشعب اليهودي». وهو يرى
أيضاً: «إن من واجب المسيحيين ليس دعم إسرائيل فقط، إنما عليهم دعم سياستها
أيضاً، وهذا يعني أن عليهم من حيث المبدأ دعم إسرائيل باعتبارها إشارة
إلهية لرحمة الله واستجابة لإرادته. وعلى أنها تشكل إشارة توراتية بأن الله
منشغل ومهتم جداً في هذا العالم».
لم يقتصر ربط الديني بالسياسي
على القساوسة فقط، ولكن هذه الثقافة فرضت نفسها على سياسيين أيضاً بمن فيهم
بعض رؤساء الولايات المتحدة.
فالرئيس ليندون جونسون Lyndon
B.Johnson قال في عام 1968 في خطاب ألقاه في العاشر من أيلول- سبتمبر أمام
منظمة يهودية أميركية:
«إن لأكثركم، إن لم يكن
لجميعكم، روابط عميقة مع أرض ومع شعب إسرائيل، كما هو الأمر بالنسبة إليّ،
ذلك لأن إيماني المسيحي انطلق من إيمانكم، إن القصص التوراتية محبوكة مع
ذكريات طفولتي، كما أن الكفاح الشجاع الذي قام به اليهود المعاصرون من أجل
التحرر من الإبادة منغمس في نفوسنا».
أما الرئيس جيمي كارتر Jimmy
Carter الذي يعتنق عقيدة الولادة الثانية Born Again فقد اعترف بأن مشاعره
المؤيدة للصهيونية كانت الحافز الذي صاغ سياسته في الشرق الأوسط.
وقد وصف دولة إسرائيل في خطاب
له ألقاه في الأول من أيار – مايو 1978 بأنها «العودة إلى أرض التوراة التي
أخرج منها اليهود منذ مئات السنين. وإن إقامة الأمة الإسرائيلية في أرضها
هو تحقيق لنبوءة توراتية وهي تشكل جوهر هذه النبوءة».
ولعل الرئيس رونالد ريغان
Ronald Reagan كان من أكثر الرؤساء الأميركيين إيماناً والتزاماً بعقيدة
الصهيونية المسيحية. فقد نشأ على هذه العقيدة على يد والدته نيل Neil كما
ذكرت الكاتبة غريس هالسل في كتابها النبوءة والسياسة.
كان يؤمن بنظرية هرمجيدون،
وكان يقول أننا قد نكون الجيل الذي سيرى هرمجيدون، ولذلك فإن فترة رئاسته
اعتبرت الفترة الذهبية للصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة. ويذكر
دونالد واغنر Donald Wagner أن انتخاب رونالد ريغان «رئيساً للولايات
المتحدة» لم يؤد فقط إلى قيام أكثر إدارة أميركية مؤيدة لإسرائيل في
التاريخ، ولكنه أعطى عدداً من الصهيونيين- المسيحيين مواقع أساسية في
إدارته. فإلى جانب الرئيس نفسه، كان وزير العدل إد ميس Ed Meese، ووزير
الدفاع كسبار وينبرغر Casper Weinberger، ووزير الداخلية جيمس وات James
Watt من غلاة الصهيونيين- المسيحيين.
لم يقتصر الأمر على مشاركة
صهيونيين- مسيحيين كوزراء في إدارة الرئيس ريغان، بل إن الرئيس نفسه كان
يدعو قساوسة هذه الحركة إلى البيت الأبيض، وإلى وزارة الدفاع – البنتاغون،
وإلى مجلس الأمن القومي، للإدلاء بأرائهم من القضايا الاستراتيجية في ضوء
النبوءات التوراتية التي يؤمنون بها ويروجون لها.
ففي عام 1982 قدم القس جيري
فولويل Jerry Falwell عرضاً إلى مجلس الأمن القومي الأميركي حول احتمال
نشوب حرب نووية مع الاتحاد السوفيتي السابق. كما أن القس هول ليندسي Hall
Lindsay تحدث في هذا الموضوع أيضاً أمام قادة البنتاغون من عسكريين
ومفكرين استراتيجيين، ومن المعروف عن القس ليندسي أنه من أشد قساوسة هذه
الحركة إيماناً بحتمية معركة هرمجيدون، التي يقول أنه لا بد من وقوعها حتى
تمهد للعودة الثانية للمسيح. ولقد ذكر ذلك مراراً في كتابه The Last Great
Planet Earth الذي سبقت الإشارة إليه.
وفي عام 1984 نشرت جريدة
واشنطن بوست «Washington Post» مقابلة صحفية مع الرئيس ريغان، أجراها معه
الصحفي توم داين «Tom Dine»، نسب فيها إلى الرئيس الأميركي ريغان قوله: «إنني
أعود إلى النبوءات القديمة المذكورة في العهد القديم وإلى المؤشرات حول
هرمجيدون، فأتساءل بيني وبين نفسي ما إذا كنا الجيل الذي سيرى تحقق ذلك. لا
أعرف إذا كنت لاحظت معي أياً من هذه النبوءات مؤخراً، ولكن صدقني أنها ـ أي
النبوءات ـ تصف بالتأكيد ما نمر به الآن».
بهذه الخلفية العقدية وافق
ريغان في عام 1968 على قصف ليبيا لأنه اعتبرها عدواً لله. وعندما تمكن
التحالف الاستراتيجي الأميركي الإسرائيلي من إخراج القوات الفلسطينية من
لبنان في عام 1982، اعتبر ريغان في خطاب له ذلك الإنجاز مفخرة لأميركا،
لأننا معنيون بالبحث عن السلام في الشرق الأوسط، ليس كخيار، إنما كالتزام
معنوي (ديني).
وفي إطار الترجمة العملية لذلك
اتخذ الكونغرس الأميركي بمجلسيه الشيوخ والنواب قراراً يوم الثلاثاء 24
تشرين أول - أكتوبر 1995، باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وبنقل مقر السفارة
الأميركية إليها من تل أبيب، يعبر هذا القرار عن مدى قدرة الحركة الصهيوينة-
المسيحية على التأثير في صناعة القرار الأميركي، في ذلك الوقت أعدّ
السيناتور بوب دول المشروع بهدف كسب تأييد هذه الحركة في معركة انتخابات
الرئاسة الأميركية التي كان يخوضها ضد الرئيس بيل كلينتون. ورغم أن ثمانية
من قادة الكنائس الأميركية الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية المشيخية
وقّعوا على بيان يعارض نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ورغم أن الرئيس
كلينتون نفسه لم يكن يجد في توقيت القرار، على الأقل، أي خدمة للمصالح
الأميركية الاستراتيجية، أو لمساعي التسوية السياسية في الشرق الأوسط التي
كانت تقوم بها إدارته، فإن الإثارة الدينية تكاملت مع المعركة الداخلية حول
انتخابات الرئاسة لولادة أخطر قرار ألقى بقفازات التحدي في وجه العالمين
الإسلامي والمسيحي معاً.
ولقد جدد الكونغرس الأميركي
تبنّيه لهذا القرار في شهر أيلول- سبتمبر 2002، ووقّع عليه الرئيس بوش نفسه،
استجابة لطلب الحركة الأصولية الإنجيلية الأميركية. وكان توقيعه الأول في
تاريخ القضية الفلسطينية وقضية القدس.
إن العلاقة بين العمل السياسي
- العسكري والإيمان الديني بهذه النبوءات، هي علاقة مباشرة، ذلك أن هذه
الحركة الكنسية تعلم أتباعها أن من واجب الإنسان المؤمن أن يوظف كل
إمكاناته وقدراته لتحقيق إرادة الله، كما تحددها هذه الحركة الدينية. وأن
الله يختار من الناس من يؤهلهم ويمكنهم من القيام بهذا الدور المساعد
لتحقيق الإرادة الإلهية، ولذلك كان الرئيس الأسبق ريغان يقول أنه يتمنى أن
يمنّ الله عليه بشرف كبس الزر النووي لتحقيق إرادة الله في وقوع هرمجيدون
ومن ثم بعودة المسيح.
أما الرئيسان الأميركيّان
اللذان تعاقبا على البيت الأبيض من بعد الرئيس ريغان، وهما جورج بوش الأب
«George Bush-Sir.» وبيل كلينتون «Bill Clinton» فلم يكن يربط أي منهما
بحركة الصهيونية- المسيحية أي رابط عقائدي، وخلال عهدي كل من هذين الرئيسين،
غُيّب دور هذه الحركة، إلا أنه عاد بشكل انفجاري في عهد الرئيس جورج بوش
الإبن.
ما كان لتوظيف الدين في
السياسة أن يتمتع بصدقية مقدسة وبالتزام شديد في الدوائر السياسية
الأميركية لو لم يعمل لاهوتيو الحركة الصهيوينة- المسيحية على ربط الوقائع
السياسية بالنبوءات التوراتية، وهذا أمر برع القس هول ليندسي في أدائه
بفعالية كبيرة، فهو يقول مثلاً: «إنني أعرف من دراستي للإنجيل أن الحرب
النهائية الكبرى سوف تشمل تركيا كجزء من المعسكر الإسلامي المتحالف مع
روسيا.. وأن الأمم الكبرى التي يشير إليها الإنجيل هي ممالك الشرق (الصين،
الهند، باكستان ـ وكلها أمم نووية) وروسيا (هاجوج وماجوج) وليبيا ومصر،
وإيران والعراق وإلى ما هنالك».
ومن الملاحظ أن هذه الدول
أُدرجت في محور الشر الذي أعلنه الرئيس بوش الإبن، مثل العراق وليبيا
وإيران، أو أنها اعتُبرت الشر نفسه في عهد الرئيس ريغان، مثل روسيا والصين.
أكثر من ذلك، فقد ذهب ليندسي
إلى حد الادعاء بأن النبوءات التوراتية تتضمن إشارات إلى وقائع وأحداث، مثل
صعود الأصولية الإسلامية، وانهيار عملية السلام في الشرق الأوسط، وتشكيل
الاتحاد الأوروبي.
حتى الحرب التي شنتها الولايات
المتحدة (بالتحالف مع بريطانيا وأستراليا) على العراق في ربيع 2003، يقع في
صميم هذه التأويلات للنبوءات التوراتية، التي روج لها قساوسة الحركة
الصهيونية- المسيحية.
فالقس دايفيد بريكنر «David
Brickner» مثلاً يقول: «إننا نعرف أن تدمير بابل الذي ورد في الإصحاح 18
يعني تدمير العراق». كما أن القس تشارلز داير «Charles Dyer» أستاذ اللاهوت
في جامعة دالس يدّعي أن أصحاح اشعيا 13 يشير إلى قيام صدام حسين وإلى غزوه
للكويت، وذلك لإقامة قاعدة للهجوم على إسرائيل. واعتبر القس داير في
تفسيراته لهذه النبوءات صدام حسين خليفة نبوخذ نصر (الذي هزم الإسرائيليين
وسباهم إلى بابل ودمر الهيكل) وذلك بسبب عدائه لإسرائيل، وبسبب نواياه
لإعادة بناء بابل.
لم يكن يمر عام على تسلم
الرئيس جورج بوش– الابن –مقاليد الرئاسة في البيت الأبيض حتى تجمعت لديه
وفيه، العوامل التالية.
العامل
الأول: هو إيمانه والتزامه بعقيدة حركة الصهيونية- المسيحية، الأمر
الذي تجسد في تقرب قادة هذه الحركة منه، والتأثير عليه كرئيس للولايات
المتحدة، وبمناسبة أداء صلاة الفصح يوم الجمعة العظيمة- 18 نيسان- أبريل-
2003، التي ترأسها القس فرانكلين غراهام، قال الرئيس بوش في معرض إشادته
بالقس غراهام: «لقد غرس في قلبي بذور الإيمان فتوقفت عن تعاطي المسكرات
واعتنقت المسيح».
ولو اعتنق المسيح حقيقة لما
كانت هناك أي مشكلة، بل ربما كان اعتناقه للمسيح مدخلاً لحل كل المشاكل،
ولكن الذي اعتنقه هو النبوءات التوراتية التي تصور المسيح قادماً فوق غمامة
نووية هرمجيدونية.
أما غراهام نفسه فحمل في هذه
المناسبة الدينية على الإسلام، وقال: «إن الفرق بين الإسلام والمسيحية هو
كالفرق بين الظلام والنور». طبعاً يقصد المسيحية التي يؤمن بها، وليس
المسيحية التي تقول بها الكنائس المختلفة الكاثوليكية والأرثوذكسية
والإنجيلية.
العامل
الثاني: هو نجاح المنظمات والمؤسسات والجمعيات التابعة لحركة
الصهيونية- المسيحية في تعزيز حضورها السياسي والإعلامي والديني على حد
سواء، وتحولها إلى قوة انتخابية وإلى قوة ضغط شديدة الفعالية والتأثير.
العامل
الثالث: هو وقوع مأساة 11 أيلول- سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن،
والتي ألهبت مشاعر العداء ضد المسلمين والعرب.
تكاملت هذه العوامل الثلاثة في
دفع الحركة الصهيونية المسيحية نحو مزيد من التطرف، وكان تطرفها هذه المرة
مجلبباً بشرعية الرئيس الأميركي نفسه، وقد وجدت ثقافة كراهية الإسلام
المغروسة في تعاليم الصهيونية- المسيحية في هذه المأساة مرتعاً رحباً
للتعبير عن هذه الكراهية، ولتعميق وتوسيع انتشارها، ومن ثم لبناء القرار
السياسي الأميركي عليها.
فالقس هول ليندسي مثلاً حذر من
«أن المسلمين لا يريدون فقط تدمير دولة إسرائيل، ولكنهم يريدون تدمير
الثقافة اليهودية- المسيحية، التي تشكل أساس الحضارة الغربية، إنهم
كالشيوعيين في أعماق فلسفتهم توق شديد لدفننا جميعاً».
كذلك فإن القس بات روبرتسون
وصف الإسلام بأنه «دين الإرهاب».. وأنه «يهدف إلى السيطرة على العالم»، كما
اتهم المسلمين الأميركيين بأنهم «ينظمون خلايا إرهابية لتدمير الولايات
المتحدة» وجاءت تلك الاتهامات من خلال برنامجه التلفزيوني الواسع الانتشار
«نادي السبعماية».
ووصف القس جيري فاين «Jerry
Vine» النبي محمد عليه السلام في مؤتمر المحفل المعمداني الجنوبي الذي عُقد
في فلوريدا في عام 2002 «بأنه الشيطان نفسه».
وكان فرانكلين غراهام
«Franklin Graham» وهو نفسه أيضاً الذي ترأس الصلاة الخاصة بمناسبة أداء
القسم الدستوري للرئيس جورج بوش الابن، قد قال عن الإسلام «أنه دين شيطاني
وشرير»، وقال عنه القس جيري فولويل أنه «دين مزور».
ما كان لهذه الأوصاف الشريرة
أن تُنشر وتُذاع (مراراً وتكراراً) في الإعلام الأميركي لو لم تفجر مأساة
11/9/2001 مشاعر الحقد على الإسلام وكراهيته.
إن هؤلاء القساوسة الذين
يجاهرون بعدائهم للإسلام، ويطلقون يومياً الشتائم بحق النبي محمد عليه
السلام، يشكلون الجسر الديني السياسي الذي يربط بين الرئيس جورج بوش
والجنرال شارون، وبين إسرائيل والولايات المتحدة.
مع ذلك فإن الكنائس الأميركية
الكاثوليكية والأرثوذكسية والإنجيلية المختلفة ترفع صوتها منددة بالتوظيف
السياسي للدين، الذي يتناقض مع ما تقول به العقيدة المسيحية، حتى أن القس
مالفين تالبيرت رئيس الكنيسة الميثودية التي يعتبر الرئيس بوش أحد أبنائها،
قال في مقابلة تلفزيونية أجريت معه أن سياسة إدارة الرئيس بوش في الحرب على
العراق «تنتهك الشريعة الإلهية كما تنتهك تعاليم المسيح».
في ضوء هذه العلاقة بين
الولايات المتحدة وإسرائيل القائمة على خلفية دينية استعدائية للإسلام
وللمسيحية معاً، فإن من قصر النظر الاعتقاد بأن العالم العربي (بمسلميه
وبمسيحييه) لا يستطيع أن يغير شيئاً، وأن عليه أن يجلس محدودباً في هذا
الركن من العالم بانتظار الصفعة تلو الصفعة، من وعد بلفور 1917، مروراً
بزرع إسرائيل في عام 1948، ومن ثم احتلالها للقدس في عام 1967، وتوسعها على
حساب فلسطين وسورية ولبنان، واليوم الحرب على العراق.
في الواقع يستطيع العالم
العربي أن يفعل الكثير، إلا أن ذلك يتطلب:
أولاً:
تعزيز وتعميق التفاهم الإسلامي- المسيحي في العالمين العربي
والإسلامي.
ثانياً:
الانفتاح على المجالس الكنسية العالمية داخل الولايات المتحدة نفسها، وفي
أوروبا، والتعاون معها لكبح جماح هذه الحركة الصهيونية، التي تشوه
المسيحية، وتسيء إليها، بقدر ما تشوه الإسلام وتسيء إليه.
ولقد سبق لهذه المجالس أن
أعلنت مراراً عن مواقف مبدأية تندد بمقولات هذه الحركة الصهيونية، وتجردها
من أي غطاء لاهوتي مسيحي، ولكن مصيبتنا هي أننا نسمع الكلام السيئ ونهتاج
له، ثم نخمد ونتناساه . وإننا نتجاهل الكلام الجيد، ولا نحاول أن نبني عليه
علاقات تصون الإسلام والمسيحية معاً من التوظيف السياسي الهدام للقيم
الإنسانية التي يقولون بها.
إن البيانات الرسمية والمواقف
المبدأية التي صدرت عن الفاتيكان، وعن المجالس الكنسية في العالم: مجلس
الكنائس العالمي في جنيف، ومجلس كنائس المسيح في الولايات المتحدة، ومجلس
كنائس الشرق الأوسط في بيروت وغيرها، من الحرب الأميركية على العراق، ومن
المجازر التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين، تؤسس لعمل إسلامي- مسيحي مشترك
على المستوى العالمي من شأنه أن يلوي ذراع هذه الحركة.. أوليس ذلك أفضل من
الانتظار الاستسلامي للصفعة التالية؟.
المداخلات في
الندوة الفكرية
المداخلة الأولى: الدكتور علي الخطيب: أستاذ الاقتصاد في الجامعة
اللبنانية.
بسم الله الرحمن الرحيم. هناك
سؤال، لكن له مقدمة ماضية وحاضرة ومستقبلية. الماضي، لا نستطيع أن نعفو
المسلمين مما نهاجم به المسيحيين واليهود، لأن الأنبياء جميعاً من مصدر
واحد، ولهدف واحد، هو إقامة العدل والقسط في الأرض، فكما أن المسيحيين
خضعوا لعملية تأويل باطلة فيما بعد رفع المسيح، وتحول اليهود من بعد ذهاب
الأنبياء إلى تأويل خاطئ، أيضاً المسلمون اليوم، مسؤولون عما يدور في
فلسطين، لأنه «آلين غريش» مثلاً نطلب منه أنه لماذا أوروبا ليست مع العرب؟
يقول لأن العرب يذهبون لعند أميركا ولا يأتون لعند الأوروبيين، لأن العرب
مع إسرائيل متصالحين وغير معادين لإسرائيل، فكيف أنتم تريدون من الأوروبيين
أن يكونوا ضد إسرائيل، وأغلب العرب متصالحين ولهم علاقات دبلوماسية جيدة مع
إسرائيل.
الحاضر، فعلاً هناك مشكلة
دينية بين التأويل الحق والتأويل الباطل للنص الديني، عند المسيحيين وعند
المسلمين وعند اليهود، فما على المأولين المحقين للأديان السماوية إلا أن
يجتمعوا من أجل حوار يهودي- مسيحي- إسلامي- بوذي حتى، لإنقاذ الدين من أهل
الدين.
المستقبل، هناك آية قرآنية
جميلة تقول: «ألم يأتهم نبأُ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم
إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن
كانوا أنفسهم يظلمون» التوبة/70. هذه الأقوام نحن نعرف أنها كانت تسيطر على
أراضٍ واسعة، وعلى مقدرات وإمكانيات كثيرة، لكن كانت نتيجة سلطاتهم
وقدراتهم يومها إلى خواء وإلى زوال، لأنهم عارضوا سنة التاريخ، رغم طغيان
هؤلاء وتمردهم أصيبوا بالدمار والسلب والخسف والفناء، الأساس حالياً «وإذ
يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنِّا كنا لكم تبعاً فهل
أنتم مغنون عنا نصيباً من النار* قال الذين استكبروا إنَّا كلٌ فيها إن
الله قد حكم بين العباد»غافر/ (47-48).
مصير النظام الأميركي المستكبر،
وكل أعوانه الصهاينة، الصهاينة- المسلمين، والصهاينة- المسيحيين، والصهاينة-
اليهود، أن يقتلع من الجذور، كما وعدت بذلك الآية المباركة من سورة النحل
في القرآن « قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرّ
عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون»النحل/26، يظهر من
مفهوم الآية أنها تشمل جميع مؤامرات ودسائس المستكبرين، وأئمة الضلال
والطغاة في السابق والحاضر والمستقبل. نرجع إلى الحكيم سعدي يقول «قل لشفة
المظلوم اضحكي، فإن أسنان الظالم سوف تقتلع».صبراً أهلنا المظلومين في
العراق وفي فلسطين وفي كل مكان من العالم، فإن الصبح قريب، وشكراً.
المداخلة الثانية: الأستاذ موسى صفوان: كاتب وباحث لبناني.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم. بدايةً نشكر فضيلة الدكتور لما تفضل به من معلومات
قيمة، وطرحه من رؤية سياسية واضحة لأثر اللوبي الصهيوني المتحالف مع اليمين
المسيحي.
نحن نحب أن نبحث عن طريقة
لعلاج هذا الحال، حتى ولو كانت طويلة الأمد، مثلاً يمكن أن نجد على الأقل
طريقتين:
أولاً:
من خلال تحصين الساحة الداخلية، ودراستها بشكل دقيق، وعدم السماح بتمرير
مخططات الاستكبار.
وثانياً:
أن ننظر إلى المشاكل والتغيرات التي يمكن النفوذ منها إلى أميركا باعتبارها
القوة المهيمنة على العالم، والتي تستغل إمكاناتها لاستغلال ثروات المنطقة
ومؤازرة العدو الصهيوني.
بالنسبة لما تفضلتم به، من أن
هناك 70 مليوناً من المنتمين إلى الحركة الصهيونية المسيحية، توجد بعض
التقارير - خاصة بالانتخابات الرئاسية الأخيرة - تفيد أن حوالي 30 مليوناً
من اليمين المسيحي المتحالف مع اللوبي الصهيوني شاركوا في الانتخابات
الأخيرة، وفي الوقت نفسه كانت النسبة الإجمالية للمقترعين حوالي 50% من
الذين يحق لهم الاقتراع، وبهذا فإن نسبة ما يشكله اللوبي الصهيوني- المسيحي
كانت بحدود 15%، وهي نسبة كبيرة، تؤثر ليس فقط بالنتيجة الانتخابية، بل حتى
بالبرامج السياسية للإدارة الأميركية فيما بعد..
ولكن يوجد هناك في أميركا قوى
ضاغطة أخرى تستطيع أن تلعب دوراً في نتيجة الانتخابات، وبالتالي في القرار
السياسي للإدارة الأميركية، ومن هذه القوى، المائدة المستديرة لرجال
الأعمال، واتحادات العمال، وهي قوى اقتصادية، وهناك قوى اجتماعية، مثل
منظمة البنادق الوطنية أو المنظمات المناهضة للإجهاض، ومنها منظمات بيئية،
إضافة للنفوذ الإعلامي، والعديد من المنظمات المناهضة للعولمة، وهذه القوى
متقاطعة، ويلعب اللوبي الصهيوني مع اليمين المسيحي وبالاعتماد على ما يسمى
بالمال السياسي دوراً بارزاً في هذا المجال.
ويحرك السياسة الخارجية
الأميركية أكثر من منهج سياسي، فالجيوبوليتيكيون وعلى رأسهم كيسنجر من
ناحية، وأباطرة المال من أصحاب الشركات المتعددة الجنسيات الذين يحتلون
أعلى المناصب السياسية ويهتمون بنهب ثروات الشعوب من ناحية ثانية، وفتح
أسواق جديدة من ناحية أخرى من اهتمامهم بأي شيء آخر.
على كل حال لاحظنا في أبان
الحرب الأميركية على العراق أن هناك أصواتاً أخرى. هذه الأصوات كانت قوية
جداً، قاموا بمظاهرات كبيرة، وهذه المظاهرات أدّت إلى رفع صوت آخر، غير
الصوت الذي يتحكم بالقرار السياسي.
أنا أتساءل، لماذا هذا الصوت
لا يستطيع أن يتحكم بالقرار السياسي؟ هناك حالة يعيشها الغرب، وهي الحياة
بمعناها السلبي، واللامبالاة، والتي تؤدي إلى مقاطعة الانتخابات أو عدم
المساهمة والمشاركة في القرار السياسي وهذا ما يجعل نسبة 50%من الآراء التي
بمعظمها مناهضة لمشاريع الهيمنة الإستكبارية يجعلها على الحياد.
نحن يمكن أن نعمل على هذا
الموضوع، أن نحاول توجيه الأنظار من خلال وسائل الاتصال الكثيرة المتاحة،
ليس بالضرورة أن يقوم المسؤولون بهذا الأمر، يمكن لأي إنسان أن يتصل مع شخص
آخر ويحاوره بالإنترنت، ويقول له: لماذا لا تساهم بالقرار السياسي في بلدك؟
ولماذا تترك القرار لأدعياء الحرب؟،خاصة وأن هناك عناوين كبرى تطرحها تلك
القوى، فأميركا اليوم تقف في مواجهة الأمم المتحدة، وتخرق قرارات حقوق
الإنسان، ولا توقع على معاهدات الحد من الأسلحة الإستراتيجية، وتعتمد سياسة
الكيل بمكيالين، وتمارس وتؤيد العنصرية، وتدعم الديكتاتورية، في الوقت الذي
تنادي فيه بالديمقراطية، نرجو توجيه الأنظار إلى هذا الموضوع، وشكراً.
المداخلة الثالثة: الأستاذ مصباح محجوب:
باحث في الفكر الصهيوني.
بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً
شكراً للدكتور الضيف، الذي أضاف لنا معلومات كثيرة وهامة، في الحقيقة، هي
مداخلة صغيرة، أوافقه على ما قال، وأتمنى أن تقف على يمين ما قاله أيضاً.
حينما تكلم الدكتور أو تحدث عن المسيحية – الصهيونية، أنا أفضل أن نستخدم
تسمية أخرى أكثر وضوحاً، حتى نفسر قوة هذا الدعم الأميركي لاستمرار وضمان
استمرار إسرائيل القوية في العالم العربي، هناك يهود الروح الموجودون في
الولايات المتحدة الأميركية، ويهود اللحم والدم الموجودون في داخل فلسطين
المحتلة، وبمجرد استخدامنا لهذه التسمية يهود الروح هذا أكبر دليل على أنهم
يعطون البعد الديني المساحة الأكبر في رسم السياسة الخارجية التي هي خاصة
باتجاه القضية الفلسطينية والأرض المحتلة هذه النقطة الأولى.
النقطة الثانية بالنسبة للصراع
الفلسطيني أو العربي الإسرائيلي أو الفلسطيني الإسرائيلي، البعض اليوم
ينادي بسد البعد الديني عن هذا الصراع، بمعنى إذا أردتم أن تحلوا القضية
الفلسطينية فلتحصروها ضمن دائرة القوانين الدولية، خاصة وأن أوروبا
والشرعية الأوروبية تقف معكم وإلى جانبكم، أليس هناك خوفاً من أن إذا سلخنا
الجانب الديني عن الصراع العربي الفلسطيني، وحصرناه في القوانين الدولية،
نكون قد وقعنا في خطأ فخ منصوب، وهو أنه وضعنا كل المجاهدين والإستشهاديين
ضمن دائرة المجرمين، وضمن دائرة الخارجين عن القوانين، علماً بأن أميركا
نفسها لم تحترم لا الأمم المتحدة، ولا قوانين الأمم المتحدة.
نصل إلى أن البعد الديني في
القضية الفلسطينية، يجب أن نتمسك به، لأن أهم أسلحة البعد الديني والعمق
الديني هو العمليات الإستشهادية، وهي السلاح رقم واحد، خاصة وأن كما تفضل
الدكتور البعد الديني والميتافيزيقي للسياسة الأميركية وفي العقل الأميركي
والتفكير الأميركي هو واضح جداً.
إضافة نقطة أخرى نحن نعلم أنه
البروتستانت، وتحديداً الذين خرجوا من إنكلترا، كانوا من أقذر المجموعات
التي أسست الولايات المتحدة 1625، كانت الحاميات البريطانية أو المستوطنات
والمستعمرات البريطانية تمنع دخول الآخرين عدا فأتين سمحت لهم بالدخول
ورحبت بهم، اليهود من ناحية، والبروتستانت الفرنسيين في تلك الفترة من
ناحية أخرى، وقاموا بذبح الهنود الحمر تحت دعوى الحرب المقدسة أو الذبح
المقدس إلخ..
أنا أتصور تحت نفس هذا العنوان
يقوم اليهود بذبح الفلسطينيين في الأرض المحتلة، فهم لا يرون في ذلك جريمة،
هم يعتبرونه خدمة للرب، أنه هكذا قدر الرب لهم، وهو هذا قدرهم، وهذا ما
يميزهم عن باقي الشعوب في العالم وشكراً.
المداخلة الرابعة: الشيخ علي جابر:
عالم دين، كاتب وباحث لبناني.
بسم الله الرحمن الرحيم. قبل
أن أطرح السؤال الأساسي هناك ملاحظتين في السرد التاريخي الذي تفضل به الأخ
الدكتور، أولاً: لعل بعض التوضيح مهم في هذا المجال، عندما ذكرتم أنه في
العام 1840طلبت إنكلترا من أميركا ممارسة ضغوط على الإمبراطورية العثمانية
بالدفاع عن اليهود، وبطبيعة الحال هذا يطرح تساؤلاً، إلى أي مدى كان هناك
إمكانية لنفوذ أميركي على الدولة العثمانية، أميركا التي تفصلها المحيطات،
ولم تكن قد دخلت في عالم السياسة الشرق أوسطية كما تسمى اليوم، فمن غير
الواضح تاريخياً كيف يمكن أن تكون هذه هي الضغوط تمارس.
والملاحظة التاريخية الثانية
هي: حول النفوذ اليهودي في مطلع القرن العشرين الذي أدى إلى إدخال الولايات
المتحدة الأميركية في الحرب إلى جانب بريطانيا ضد ألمانيا، لم يتضح هل كان
هذا النفوذ يعني هو بتأثير الحركة الصهيونية- المسيحانية أو المسيحية كما
ذكرتم؟ يعني وبالتالي أن هذه الأصولية المسيحية – المتصهينة هل أن لها ذلك
الدور منذ مطلع القرن العشرين بالمستوى الذي يدخل هذه الدولة العظمى في حرب
عالمية محددة الخانة؟ شيء من التوضيح كان مفيداً.
السؤال الأساسي هو حول هذا
البعد الديني للسياسة الأميركية، ألا ترون أن هذا البعد الديني بتجلياته
المكثفة والمتعددة يوجه ضربة إلى فكرة الدولة العلمانية الحديثة بإفرازاتها
من عناوين الديمقراطية والمجتمع المدني وسائر هذه العناوين؟ يعني بعبارة
أخرى، اليوم الولايات المتحدة الأميركية تقدَّم على أنها راعية الدولة
الديمقراطية واللادينية، وإذ بنا نجد ومن خلال هذا العرض بأنها دولة دينية
في الدرجة الأولى، طبعاً بالوجه العنصري، ألا ترون أن هذا يوجه ضربة إلى
مبدأ فكرة الدولة العلمانية الحديثة التي تتزعمها الولايات المتحدة
الأميركية؟ وشكراً.
المداخلة الخامسة: الحاج غالب أبو زينب:
عضو المجلس السياسي في حزب الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. أود
أولاً أن أشكر فضيلة الدكتور على ما قدم وعلى ما يقدم، ليس في هذه الندوة
فقط، بل في كثير من الندوات في الداخل وفي الخارج، وعلى مسيرته الكبيرة في
مسائل النقاش والحوار، وفي الجهود التي يبذلها في الخارج دفاعاً عن قضايا
الأمة. أود أن ألتزم بالمداخلة ثلاث دقائق وضمن الموضوع كحد أقصى. دكتور من
الواضح أنك تقدمت بتفصيلات عن البعد الديني في السياسة الخارجية الأميركية،
وهذا يطرح سؤالاً أساسياً، كيف هي سبل المواجهة؟ هل يكفي لهذه المواجهة أن
تكون أو أن تقف عند حدود التعاطي مع الجمعيات المسيحية (الكنائس المسيحية)
والجمعيات التي ترفض هذا المنهج القائم حالياً؟ ونحن اجتمعنا بالكثيرين كما
ذكرت، ولمسنا هذا المنحى، ولكن هل هذا هو كافٍ؟ خاصةً أن هناك هجمة كبيرة
ليس فقط في الموضوع السياسي، وإنما كذلك في محاولة للقضاء على أو لتبديل
الأنظمة القائمة، وحالة الرعب قائمة الآن في الدول العربية والإسلامية بشكل
عام، وهذه محاولة تجميل الديمقراطية التي تجري الآن تصب في هذا الإطار، هل
الدول الإسلامية والدول العربية قادرة على أن تجاري هذا الموضوع؟ وهل
يستطيع المجتمع المدني أن يجابه في هذه المسألة؟ هذه المسألة موضع تساؤل
أساسي، وشكراً.
المداخلة السادسة: الشيخ محمد شقير:
عالم دين، باحث وكاتب لبناني.
بسم الله الرحمن الرحيم.
بداية أشكر الدكتور الكريم على هذه المعطيات القيمة التي أتحفنا بها، ثانياً
ما أريد أن أذكره هو محاولة للاستنتاج من هذه المعطيات، إذ أنني أفهم مما
ذكره الدكتور أن السياسة الخارجية الأميركية قائمة على أساس التوأمة ما بين
السياسي والمقدس، وإذا كان السياسي قائماً على أساس المصلحة التي لا تحدها
إلا حدود القوة، وعندما يكون العالم عالماً أحادي القطب تتمثل قطبيته
بالإمبراطورية الأميركية التي تسكر بفعل غرور القوة، فسوف تكون النتيجة
المزيد من التسلط والحدّة والغوغائية في السياسة الخارجية الأميركية، أي
بتعبير مختصر، سوف تكون تلك السياسة سياسة ممعنة أكثر في الظلم والإفساد،
وبعيدة أكثر عن العقلنة أو العقلائية واعتبار حرمة الإنسان، وهذا الظلم
والإفساد في عالمنا العربي والإسلامي سوف يؤدي إلى زيادة الوعي في هذا
العالم، باعتبار أن عالمنا العربي والإسلامي وإن كان ينطوي على العديد من
النقائص، لكن أعتقد أن حداً أدنى متوفر في هذا العالم، بالتالي عندما تنحو
السياسة الخارجية الأميركية هذا المنحى، فإن آثاره الإيجابية سوف تكون على
مستوى المآل في عالمنا العربي والإسلامي، والسؤال، ألا يعتقد الدكتور
الكريم أن تجربة دخالة الديني في السياسي التي حدثت في أوروبا في القرون
الوسطى تعيد تجربتها الآن في أميركا؟ وإن كانت النتائج التي سوف تترتب على
هذه التجربة (تجربة دخالة الديني في السياسي) في عصرنا الحالي ستكون أفظع،
وشكراً.
المداخلة السابعة: الحاج حسين رحال:
رئيس تحرير جريدة الانتقاد.
بسم الله الرحمن الرحيم. أولاً
أريد أن أشكر ضيفنا الكريم ليس فقط لهذه المحاضرة القيمة، بل أيضاً لجهده
الكبير منذ سنوات، خصوصاً منذكتاب النبوءة والسياسة، الذي ترجمه منذ أكثر
من عشرة سنوات. أود أن أسأل أولاً حول نقطة دور هذه الكنائس، هذا التيار
الصهيوني- المسيحي، في البلدان البروتستانتية الأخرى غير الولايات المتحدة،
إنكلترا وهولندا وحتى في ألمانيا، هل هي بنفس القوة؟ وما هو تأثيره على
السياسة الخارجية لهذه الدول؟ .
ثانياً: هل يتوقع ضيفنا الكريم
أن تستطيع الولايات المتحدة إفراز نخبة سياسية متحررة إلى حدٍ ما من سطوة
هذا التيار؟ وهل ذلك ممكن في المدى المنظور؟ وإلى ذلك الحين نشاهد أن
الإدارة الأمريكية والكارتيلات الاقتصادية، يعني مجموع النخبة السياسية
الاقتصادية والثقافية المسيطرة في الولايات المتحدة تزداد يمينية واقتراباً
من هذا التيار، وإذا أضفنا إليه نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة
اليهودي وليس الصهيوني- المسيحي، تصبح مع الأيام نفوذ هذين التيارين أقوى،
ويزداد مع كل إدارة تأتي، بالتالي إسرائيلية السياسة الأميركية تقوى. هل
يمكن الفصل بين مصالح أميركا ومصالح إسرائيل في هذه الحالة؟ إلى حين نصل
إلى مرحلة الإدارة المتحررة من هذا النفوذ ؟ إذن في الحالة الحالية الحديث
عن فصل بين مصلحة أميركية ومصلحة إسرائيلية أليس نوعاً من التبسيط؟ والحديث
لبعض حكامنا عن صداقة أميركا أليس خداعاً لشعوبنا؟ هل يمكن الحديث عن صداقة
لأميركا وهي التي تحلل يومياً ذبح وقتل وتمول وبالسلاح قتل الشعب الفلسطيني
وبقية الشعوب العربية والإسلامية؟ ثم نراهن على وسيط نزيه وعادل في تسوية
وفي خارطة طرق وفي غيرها أيضاً؟ كيف يمكن ذلك؟ ثم هل يمكن الحديث عن صداقة
أميركا وهي التي اختارت عداوتنا ونحن لم نختر عداوتها؟ أليس هذا الحديث
نوعاً من التبسيط من حكامنا ؟ وشكراً.
المداخلة الثامنة: الأستاذ ماهر سلوم:
طالب مرحلة دراسات
عليا في الجامعة الأميركية.
السلام عليكم، دكتور محمد
نشكرك على المحاضرة القيمة فعلاً، ونجلك صديقنا العزيز مازن في الجامعة
اللبنانية- الأميركية، سأتوجه إليك بملاحظتين أو سؤالين، المحور الأول هو
ذكرت عن نمو أو بروز التيارات الدينية المسيحية مؤخراً في الولايات المتحدة
الأميركية، أنا كنت مقيماً في الولايات المتحدة، وأتابع دراسة هناك من
96/97، كان يوجد تيار اسمه الاتحاد المسيحي أو «Christian College» كان
يرأسه شاب صغير في العمر، عمره حوالي 33 سنة اسمه «رالف ريغن» حسب ما أذكر
قرأتها في «News Times» أو في أحدى المجلات الأميركية ،فكيف تنظر إلى
جميع الاتحادات أو الأحزاب المسيحية القائمة في الولايات المتحدة؟ هل هناك
إمكانية للحوار مع بعض أو جزء من ضمن هذه الأحزاب المقيمة في الولايات
المتحدة؟ ممكن أن نتحاور معها نحن كمسلمين في الشرق الأوسط؟ أو من باب
نستطيع أن ندخل في حوار إسلامي- مسيحي؟
وسؤالنا الثاني هو من حوالي
شهر كنا مدعويين عند مؤسس إحدى الجمعيات في لبنان، لها علاقة بالشباب
والبيئة وقضايا إعلامية، جلسنا مع سمو الأمير طلال بن عبد العزيز، وفتحوا
حواراً حول كيفية إقامة تجربة ثقافية نوعية بين لبنان أو بين البلدان
العربية مع الولايات المتحدة الأميركية، فبالصدفة أنا سألته سؤالاً، وقلت
له سمو الأمير هل ممكن أنه نحن كشباب مثقف عربي أن نطلق تجربة جديدة؟ أو
نجرب ندخل إلى الساحة الأمريكية عن طريق الجامعات أو عن طريق المعاهد أو عن
طريق الجمعيات الثقافية الموجودة داخل أميركا؟ فأوقفني لحظة، وقال لي أنت
لا تعرف ما هو الوضع في الداخل؟ قلت له بلى، فقال لي اليهود ممسكين بالكثير
من المفاصل، في البيت الأبيض، في الكونغرس، في البنك المركزي، في المؤسسات
العامة، في أميركا. فهل ممكن من خطة نقدر نطرحها نستطيع القيام بها أو
تخطيط معين على الساحة الإسلامية والعربية؟ تتبنى هذا الشيء المملكة
العربية السعودية بإمكانياتها المادية أو الجمهورية الإسلامية في إيران أو
الدول الإسلامية؟ وشكراً.
المداخلة التاسعة: الأستاذ فادي خليفة:
نائب مدير عام مؤسسة جهاد البناء.
السلام عليكم، بالحقيقة هناك
توضيح منك لو سمحت دكتور، كنت تتحدث عن موضوع العراق من أن اليمين الديني
هو الذي لعب دوراً كبيراً بقرار الحرب على العراق، ومثلما فهمت أن الأسباب
دينية، ولم أستطع أن أرى أين البعد الديني في العراق؟ مع أن العراق كونه
كبلد إسلامي كبير جداً وهناك تاريخ إسلامي عريق موجود فيه.
المسألة الثانية هي تتعلق
بالكنائس الأميركية، يمكن في الوقت الذي هم يصرحون به في الجلسات الخاصة
بموضوع الحوار الإسلامي- المسيحي، من أنهم ضد السياسات لبعض المجموعات
المسيحية واليمين المسيحي في أميركا، ولكن هل من الممكن أنهم معنا ولكن ليس
لدرجة أن يظهروا ضد الكنائس المسيحية حتى لا يتهموا بذريعة أو أخرى أنهم هم
يساعدون في دعم الإرهاب؟ يعني بعض الكنائس المسيحية التي هي كانت في
الحوارات الخاصة تقول أنها مؤيدة لمطالبنا وقضايانا، ولكن ليس لديها الجرأة
أن تتحدث علناً عن هذه المواقف، وتقف مواقف علنية في داخل أميركا ضد
المجموعات اليمينية المسيحية، هل هذا السبب أنها لا تملك الجرأة؟ هل هو
قائم بسبب أنهم يخافون من أن يتهموا أنهم يؤيدون مجموعات إرهابية؟
ومسألة أخيرة منذ أيام نشرت
مجلة «نيويورك تايمز» مقالاً له علاقة عن دور الدين في سياسة بوش وإلخ..ذكر
فيه الكاتب أن الحركة الدينية في حالة احتضار، وأن الحزب الجمهوري كحركة
سياسية قائمة على الأرض هو ضم هذه الحركة الدينية إلى داخل الحزب الجمهوري،
وليست حركة مستقلة، هي خاضعة لاعتبارات سياسية بحت هل هذا الكلام توافقون
عليه أم لا؟
تعقيب الدكتور
السماك
في الحقيقة صار هناك مجموعة من
الأسئلة المهمة.
الأستاذ الخطيب ليس لديه سؤال،
لكن الأستاذ موسى بالنسبة لانتخابات الرئاسة الأمريكية التي أشرت لها،
الرئيس بوش واجه كما تعرفون صعوبة كبيرة في انتخابه، بشق الأنفس، وهناك
علامة استفهام حتى الآن، وقف ضده الكاثوليك والسود الأمريكان، لكن وقف معه
المسلمون و40% من الأصوات التي حصل عليها كانت من هذه الجماعة التي نتحدث
عنها، صبوا صبة واحدة له كلهم، كتلة واحدة، الصهيونية- المسيحية أعطوه كل
الأصوات، اليهود صبوا إلى مرشحهم اليهودي، والمسلمون هروباً من المرشح
اليهودي أعطوا بوش، وهذا الذي جعله ينجح، لأن الكاثوليك كلهم صوتوا ضده
بالإجماع، والسود قاطعوه وبنسبة 80 أو 85 % صوتوا ضده، ولذلك قوتهم
الانتخابية غير القوة المالية وغير القوة الإعلامية قوة الذهاب إلى الصندوق.
موضوع اسم الصهيونية- المسيحية
يهود الروح ويهود الدم، اسم الصهيونية- المسيحية لست أنا صاحبه، هم يطلقون
على أنفسهم هذا الاسم، وهذا هو الاسم المعتمد رسمياً، لأنهم هم أصحابه، وفي
أدبياتهم ليس من الآن، بل من 1630 هذه الحركة انطلقت، عندي كتاب اسمه
الصهيونية- المسيحية وممكن أن تتطلعوا عليه، انطلقت من هولندا وبريطانيا،
وذهبت مع المهاجرين الأوائل إلى أميركا، ومن هناك انتشرت وتركزت وتأمركت،
لكنها في الأساس انطلقت من أوروبا ومنذ 1630 هناك حركة إسمها الصهيونية-
المسيحية، ومهمتها إقامة صهيون، ونقل اليهود إلى فلسطين، وتوطينهم في
فلسطين، ومرت سياسات، والاستعمار البريطاني لفلسطين كان من أجل الالتزام
بهذا الوعد، وهذه الخلفية التاريخية، وممكن العودة إلى كتاب الصهيونية-
المسيحية.
موضوع دور الدين، لا أحد يتخلى
عن الدين إطلاقاً، ولا يجوز التخلي عنه، ولكن دور الدين لا يتناقض مع
الشرعية الدولية، أنا في حالة استضعاف، وأنا أواجه وحشاً مستكبراً، أمام
العالم أنا أطالب بالشرعية الدولية يوجد قرارات دولية، أن يكون الدين مشجعاً
لي وحافزاً لي للمضي قدماً في المطالبة بحقي لا يتناقض هذا مع أن أطرح هذا
الحكم من خلال الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة.
وأريد أن أجيب عن سؤال سماحة
الشيخ في موضوع الدولة العلمانية، الأمريكان أنفسهم، الكتاب والمعلقون
وعلماء الاجتماع يعتبرون أن أكبر انتهاك للدستور الأمريكي الذي يقوم بفصل
الدين عن الدولة يمارسه الرئيس الأميركي جورج بوش، وأكبر خطر على
الديمقراطية الأمريكية هي نتيجة الإجراءات التي ينفذها وزير العدل أحد
أبناء هذه الكنيسة جون أشكروفت، يوجد عملية (تشيزيفورنيا) نوع من ازدواج
الشخصية بين النص الدستوري وتركيبة المجتمع الأمريكي والسلوك السياسي، ليس
فقط في الخارج، حتى داخل أميركا الآن، فهم يشعرون أن هناك خطر جدي وحقيقي
على القيم التي يقوم عليها المجتمع الأميركي، قيم العلمانية، وقيم فصل
الدين عن الدولة، المادة الأولى في الدستور الأميركي، وهي منتهكة من الرئيس
الأمريكي نفسه، وباعتراف قلق من العلماء الأميركيين أنفسهم، فالذي تلاحظه
يشكل مصدر وجع في المجتمع الأمريكي وليس مصدر قلق فقط، وموجود بكل معنى
الكلمة.
بالنسبة لحادت 1840، في ذاك
الوقت علاقات بريطانيا بالإمبراطورية العثمانية كانت علاقات سيئة، ليس لهم
دالة عليها، لكن في ذاك الوقت لو تقرأ كتاب تاريخ البعثات التبشيرية لتجد
أن تركيا نفسها مزروعة زرعاً بالبعثات التبشيرية الأميركية، والتي وصلت
إلينا إلى هنا وأنشأت الجامعة الأميركية، وجامعة أنقرة وجامعة في القاهرة
وغيرها من المؤسسات، هذه حركات تبشيرية، الكنيسة المشيخية الأميركية هي
التي أنشأت الجامعة الأميركية في بيروت أيام الإمبراطورية العثمانية 1860،
في ذاك الوقت كانت هناك علاقات، لكن ليست من نوع اليوم، كانت عبر البعثات
التبشيرية التي كانت مزروعة في الإمبراطورية العثمانية، وهذا كان من أكبر
أخطاء الإمبرطورية العثمانية لأنها فتحت هذه الأبواب، بسبب هذه العلاقة
التي كانت قائمة بين أميركا واسطنبول، علاقة ودّية تقوم بها البعثات
التبشيرية استعملتها بريطانيا التي كانت علاقاتها سيئة مع اسطنبول مع
الأستانة ووجهوها إلى هناك، فهذا هو الدور الذي قاموا فيه.
وبالنسبة للحاج غالب أنا أشكر
عواطفه ومحبته، ونحن في نفس المسيرة، ونقوم بنفس العمل، والحمد لله لكن
بالنسبة للسؤال، لا المجتمع المدني ولا الكنائس الأميركية أو الكنائس
العربية وحدها تستطيع أن تغير الموقف، لكن المجتمع الأميركي يختلف عن
مجتمعاتنا، الإنسان الأميركي أولاً إنسان متدين جداً، يعني بالمقارنة
الاحصاءات الرسمية تقول إن أقل من عشرة بالمائة من الأوروبيين يذهبون إلى
الكنيسة يوم الأحد، وأن أكثر من 40 % من الأمريكيين يذهبون إلى الكنيسة يوم
الأحد، النسبة كبيرة جداً، المجتمع الأميركي متدين، ويتأثر بالبعد الديني،
فإذا استطعنا وهناك كنائس في أميركا، كنائس كبيرة، كنائس المشيخية
والميثودية وغيرها من الكنائس، عندها حضور كبير وانتشار كبير، فتشكل
بالنسبة لنا أرضية صالحة، لدخول المجتمع الأميركي من خلالها، أنه هذا هو
الموقف المسيحي، ذاك الموقف ضد المسيحية، هذا مشوه للمسيحية، هم مستعدون
للقيام بهذا الدور، لكن نحن يجب أن نقوم بهذا الدور معهم، وأن نتوجه
ونستعمل هذه المنابر التي يوفرونها لنا وأن نقوم بهذا النشاط، مع الأسف لا
يعرفون عنا إلا كما تعرف أسوأ وجوهنا، الإسراف السيء والأخلاق السيئة
وإلخ..هذا الوجه الذي يعرفونه، ويأتي الإعلام الأميركي وهوليوود
وإلخ..يقدمون المسلم والعربي بهذه الصورة الكاريكاتورية المدمرة، فنحن
علينا واجب أن نقدم صورة حقيقية عن الإنسان المسلم، والأخلاقية في الإسلام،
ونتعامل مع هذه الكنائس الرافضة والمعارضة لهذه الحركة، حتى نقدر أن ندخل
من خلال المجتمع الأميركي، ومن المجتمع الأميركي إلى الكونغرس، وبالتالي
نستطيع أن نغير، أما أن نعتبر أن الأمر ميؤوس منه فلا نستطيع أن نفعل شيئاً،
فستؤدي إلى المزيد من التراكمات المعادية، والمزيد إلى الصور المشوهة عنا
وبالتالي نفقد أي أمل في التغيير في المستقبل.
الحاج حسين سأل سؤالاً جداً
مهم، هو حول إذا كانت هذه الحركة الصهيونية- المسيحية تؤثر على دول أجنبية
أخرى؟ في الحقيقة يوجد تأثير وأين حدوده؟ أولاً في الإجابة على السؤال
يتحتم عليّ أن أشير إلى أن هناك مؤسسة تم تشكيلها اسمها السفارة المسيحية
من أجل القدس، هذه المؤسسة تشكلت في القدس، وتعقد في كل سنة في نفس التاريخ
الذي تشكلت فيه الحركة الصهيونية اليهودية في بال في سويسرا 1897 في شهر آب
من كل سنة تعقد بنفس الفندق في بال في سويسرا، في نفس القاعة، في نفس
التاريخ، مؤتمرها السنوي، هذه المؤسسة موجودة، ويسمونها سفارة، لأن لها
سفراء في كل الدول، وقنصليات في مدن الدول المختلفة، مهمتها الدفاع عن
مصالح إسرائيل، تحديداً فيما يتعلق بالقدس، دور هذه السفارات المنتشرة
التابعة لهذه الحركة والقنصليات الموجودة أن تكتب للإعلام، تكتب لأعضاء
الكونغرس، تكتب للمسؤولين، تقوم بوفود، تجمع تبرعات، تقوم بكل النشاطات
التي تؤثر على عملية اتخاذ القرار في الدولة الموجودة فيها، بحيث يأتي هذا
القرار مستجيباً لمصالح إسرائيل. في الحقيقة نحن ننشأ مؤسسات، لكن تبقى هذه
المؤسسات مثل الذي يغلق الباب على نفسه ويتكلم للداخل، هكذا تعمل المؤسسات
عندما يكون لديهم قضية، هذه رئيسها بدأ من هولندا قسيس إنجيلي كبير،
وبالحقيقة لست أذكر تماماً الأرقام للمواقع المنتشرة في العالم، لكن منتشرة
في أميركا في كل الولايات الأميركية، موجودة في معظم الدول الأوروبية
ولديها مواقع، وفي كل مرة تعقد مؤتمراً سنوياً في القدس وفي بال لتأكيد
التزامها بالصهيونية، وبالتالي من خلال هذا الالتزام تؤثر على القرار،
وبقدر ما يكون التأثير، هنا تتفاوت المصالح، لا يوجد تأثير لهذه الحركة في
الولايات المتحدة بنفس النسبة الموجودة في الخارج، لأنها منبثقة من تركيبة
أميركية، ومستمرة ضمن المجتمع الأميركي، لكنها ذبلت وضعفت في الخارج، وخاصة
في الدول الأوروبية غير الإنجيلية أو في الدول التي إلى حد كبير تعتبر
علمانية فيما يتعلق بعلاقاتها، ولذلك يوجد تأثير لكن هذا التأثير محدود.
السؤال الثاني هل ممكن أن يكون
هناك تياراً أميركياً معاكساً لهذا الحركة؟ إيزنهاور كان رئيساً أميركياً
ولم يكن من هذه الحركة، بدليل أنه ضغط على إسرائيل أن تنسحب من سيناء، كندي
كان كاثوليكياً، جورج بوش الأب لم يكن من هذه الحركة، ولذلك يوجد مقومات في
المجتمع الأميركي من الممكن أن نراهن على أن نعمل معها ونصل إليها ونؤثر
فيها، لأنها غير مرتبطة بالضرورة بهذا الاتجاه، ليس صحيحاً أن كل أميركي أو
كل رئيس أميركي صهيوني- مسيحي، لندع الأبواب مفتوحة أمامنا لكي نستطيع أن
نتحرك بحذر في المستقبل.
الموضوع الثالث الذي أشرت له،
سأعطيك مثلاً صغيراً، نتنياهو عندما كان رئيساً للحكومة زار أميركا،
استقبله بمهرجان كبير أمام الناس جيري فالويل أحد القساوسة في الحركة
الصهيونية – المسيحية، فسأله أمام شاشة التلفزيون، هل صحيح أنه يوجد مشروع
مفاوضات للانسحاب مع الفلسطينيين؟ هل ستنسحبون من فلسطين وتعطون
للفلسطينيين الأرض؟ فقال له: كلا، ليس بهذا المعنى، سننسحب من أجل تسوية.
فقال له «Look Mr. Prime Minister not a single inch» من يقول لمن؟
نتنياهو رئيس الليكود رئيس الحكومة، يزايد عليه الآخر ويقول له ولا إنش
مسموح أن تنسحبوا، فهذه الحقيقة وهذا جد يتكلم عن شيء مؤمن به، أنه أنت ليس
لك الحق في أن تنسحب إنشاً واحداً، لأنه هذا ليس ضد مصلحة إسرائيل فقط، بل
يعطل مجيء المسيح الذي أنا في انتظاره، هذه القضية التي يجب أن تكون واضحة
في أذهاننا.
الأستاذ ماهر في الحقيقة أنت
ومازن أبناءنا وأحباءنا، «Christian Collection»يوجد عدة مؤسسات بالحقيقة
أميركية، ولديها منشورات ومجلات تصدر داخل أميركا ضد هذه الحركة، وتنظم
مؤتمرات وتنظم معسكرات شبابية ولقاءات على مستويات عالية ضد هذه الحركة،
لكن نحن غائبون عنها، نحن مسؤولون، في إطار عملنا في الفريق العربي
الإسلامي- المسيحي المشكَّل من عدة دول عربية ومسجل رسمياً هنا في لبنان،
نعمل سنوياً ما نسميه مخيمات صيفية لكن هي في الحقيقة ليست مخيمات، يقيمون
في فندق، يأتي مسلمون ومسيحيون من عدة دول عربية، يعيشون مع بعضهم،
يتداولون مع بعضهم، ويكون هناك ندوات ومحاضرات معهم، لأول مرة يأتي مسلم
ومسيحي من السودان وقبطي ومسلم من مصر ومن سوريا ومن الأردن ولبنان ويعيشون
مع بعضهم، بهذا الشكل في الحقيقة انفتحت للخارج، صار يأتي ويشترك معنا
مسيحيين من هولندا ومن فرنسا ويشاركون معنا، وطرح أيضاً أن يأتي أميركان من
حركة اسمها «Liconcelation Walk»،وجاؤوا بالفعل إلى هنا مجموعات كبيرة منهم
وقاموا ببعض الاتصالات واللقاءات وإلخ ...لكن هناك خوف أمني خصوصاً بالنسبة
للأميركي بهذه المرحلة الحالية، لكن نحن ندرك بأننا نستطيع أن نفعل الكثير
داخل أميركا وخارجها، يعني يأتي شخصيات وشباب، قمنا هنا حتى في بيروت في
الكومودور بلقاء مع مجموعة من الأميركيين، وأحدهم كان من هذه الحركة بالذات،
وكنت أنا وهو على المنبر، في الحقيقة بتوفيق من الله وكان لي حوار
بالإنكليزي معه، والإخوان الذين حضروا رأوا كيف أنه أسقط بفضل الله، ففوجئ
هو بأنه يوجد شخص مسلم يعرف هذه الخلفية والتركيبة كلها، كان يعتقد أنه نحن
لا نعرف، عندما دخلنا معه بالوقائع والأسماء والأحداث فوجئ، ولذلك نستطيع
أن نفعل الكثير لكن يجب أن نأخذ مبادرات ونتحرك بها.
يوجد سؤال يتعلق بالبعد
الديني لموضوع العراق، يمكن أن أقول لك فتضحك، يقولون أنهم يريدون الانتقام
من بابل، ما هو رأيك؟ والآن يتحدثون فيها، انتقام من بابل، بصرف النظر عن
صدام ووحشيته وحيوانيته وجرائمه، العراق كقوة عسكرية تملك سلاحاً متطوراً
تشكل خطراً على إسرائيل، هذه سر الرؤية، هذه الخدمة لإسرائيل، هذا البعد
الديني في العراق.
وبالنسبة للكنائس أنها هل
تخاف أن تتهم بالإرهاب؟ فتخرج بياناتها مغلقة؟ الحقيقة يوجد بعض الكنائس في
أميركا، ليس فقط الكنائس بل مجالس كنسية، المجلس يضم مجموعة مثل مجلس
كنائس المسيح في أميركا، عدد المنتمين إليه 40 مليوناً، هذا المجلس لوحده،
وهناك مجالس أخرى، مجلس الكنائس الوطني في نيويورك، أيضاً عندهم 30 أو 35
مليوناً بأرقامهم الرسمية، كما تعرف هناك لا يلعبون بالأرقام، هؤلاء
البيانات التي أصدروها فيها من الجرأة، وعندي نصوصها، ولكن أنا ما أحببت أن
أطيل عليكم، يوجد بعض إشارات لها، هذه البيانات هي التي حركت ملايين الناس
الذين خرجوا في المظاهرات في العالم، من الذي حركهم ؟ ليس البابا لوحده،
البابا كان مهماً جداً موقفه، لكن البابا يحرك المجتمع الكاثوليكي، لكن من
أستراليا وكندا، من الذي حرك هؤلاء؟ الكنائس هي التي حركتهم، جردت الموقف
الأميركي من أي خلفية ومظلة أخلاقية، وقالوها بشكل علني، وسأقول لك معلومة،
كانوا في المظاهرات التي ينظمونها في أميركا يمنعون اليهود من المشاركة
فيها، كان يأتي بعض يهود أميركا الذين يعتبرن أنفسهم ليبراليين، وأن هم ليس
لهم سوى أميركا، وهذا ضد مصلحة أميركا، فنحن ضد الحرب، لا يسمحون لهم
بالمشاركة في المظاهرة، ولذلك في الحقيقة هم غير خائفين، أعلنوا الموقف
وقالوه، وكما تعرفون بصيغ أوضح وأجرأ مما صدر عن بعض مرجعياتنا، وبعض دولنا
العربية والإسلامية.
(1) مثلاً
الدكتور صلاح قنصوه أستاذ الفلسفة بكلية الآداب (جامعة القاهرة) «يرفض
أن يكون للدين تأثير على السياسة الأميركية، ويعتبر أن ما يشاع من
أن الدفاع الأميركي عن «إسرائيل» يقوم على أسباب دينية هي طريقة
شرقية في التفكير، نشأت من عصور الاضمحلال الإسلامي، حيث كان
الإنسان يصنف لديانته، أما المواطن الأميركي فهو لا يخضع مواقفه
السياسية للدين، ونحن نحاول تطبيق طريقة تفكيرنا على العقل
الأميركي، فأميركا تساند «إسرائيل» لأن الأخيرة تحقق الأهداف
الأميركية بأرخص الأسعار، فهي تمثل صخرة عاتية في وجه أي تقدم في
المنطقة» انتهى كلامه.
أقول هذه رؤية
اختزالية لموضوع العلاقة بين الديني والسياسي داخل الولايات
المتحدةالأمريكية، إذ لا أحد ينكر أن البعد الاقتصادي - السياسي من
خلال «مبدأ المنفعة» يلعب دوراً مهماً في دعم سياسة الولايات
المتحدة لإسرائيل «الكيان الصهيوني الغاصب»، إلا أن هذا لا يلغي
وجود جوانب أخرى تحرك هذا الدعم، تنطلق من مواقف لاهوتية عقدية
نشطة تملي على بعض أركان الإدارة الأميركية خيارات السلوك تجاه هذا
الكيان الغاصب.
وهناك دراسات جادة حول
هذا الموضوع تصلح كإطار مرجعي وكمستند رقمي إحصائي تظهر لنا أن
البعد الديني له دخالة ما في رسم ملامح السياسات الخارجية للولايات
المتحدة.
ويمكن مراجعة كتاب «البعد
الديني في السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي – الصهيوني»
للدكتور يوسف الحسن ـ وكتاب «المسيحية والتوراة بحث في الجذور
الدينية لصراع الشرق الأوسط» للكاتب شفيق مقار وكتاب «النبوءة
والسياسة» للمؤلفة الأميركية غريس هالسل وكتاب «الصهيونية-
المسيحية» للدكتور محمد السماك.
(2) المحافظون الجدد
قد غرفوا من أفكار شتراوس (اليهودي الأصل) الخلفية الفلسفية
لتصوراتهم، والتي تشكل قاعدة أساسية لمفاهيمهم السياسية في واشنطن،
وهذا يظهر جلياً من خلال رؤيتهم للعصرية، حيث يقول ستراوس «إن
العصرية تسببت في تكوين رفض للقيم الأخلاقية والفضيلة التي يجب أن
تكون في صلب الديمقراطيات» وكان يرى شتراوس أن الدين يبقى في كل
الأحوال من دعائم المؤسسات والمجتمع وكان يعتبر أنه لا بد من هذا
الدين لملئ الفراغ لدى الجمهور الواسع بما يساعد على فرض النظام،
وهذه العصرية التي تنمو بسرعة ولا تزال تصيب المجتمع الأميركي قد
تؤدي إلى انحلال القيم والفضيلة والتي تنعكس بدورها على النظام
السياسي الأمريكي، خصوصاً القيم الأساسية التي أرستها أوروبا في
نظامها المعاصر، والممثلة في العقل والحضارة، وبالتالي يفتقد
المجتمع إلى أي «مثل أعلى» كمرجعية تضبط البشر، وتحقق سواد النظام
على أسس غير قهرية من الخارج «لأنه مخالف لعقيدة الديمقراطية» إنما
بوازع من الداخل يشكل انضباطاً شديداً عند هؤلاء البشر وليس هو إلا
الدين.
لذلك يركز المحافظون
الجدد على ترجمة تطبيق الأفكار الدينية من خلال المؤسسات ، وذلك
لحفظ النظام السياسي. وهنا يدخل الدين في رسم السياسة الداخلية
أيضاً، «وهذا شكلٌ من أشكال توظيف الدين في خدمة المصالح السياسية»
ويشكل جامعاً مشتركاً بين ترويكا الإدارة الأميركية وإن اختلفت
الرؤى والتصورات ومصادرها.
كما يرى هؤلاء أن
أميركا ينبغي أن تكون سيدة العالم، ولها زعامة العالم دون منافس
وأقطاب أخرى، بل هي قطب رحى العالم، والباقي أطراف. وهذا الذي
سيسلط الضوء أكثر على سياسة أمريكا في هذه اللحظة التاريخية التي
يشهدها العالم، ويختزلون الرؤية إلى الأشياء بثنائية (مع / ضد) إما
مع لكن على أن تكون تابعاً أو عبداً مقهوراً أو ضد فتنال جزاء
الوقوف في وجه الإمبراطورية العظمى .....
(1) هرمجدون تعني جبل
مجدو وتشير إلى مكان جنوب شرق مدينة حيفا وجنوبي غرب الناصرة.
|